ويجاب:
بأن الوقف فيه نفع متعد وهو قائم على الإرفاق والإحسان، فإن قصد به وجه الله كان قربة بشرطه، وهو صدوره من مسلم، وإن قصد به غير ذلك صح، وكان مباحًا، وهذا القول لا يتعارض مع القول باستحباب الوقف لقبوله أن يكون برًا وقربة.
(دليل من قال: الوقف مندوب إليه:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وجه الاستدلال:
أخبر الله بهذه الآية أنكم لن تنالوا أيها المؤمنون جنة ربكم حتى تنفقوا مما تحبون: أي تتصدقوا مما تحبون من نفيس أموالكم. ويدخل في ذلك الوقف؛ لأنه صدقة من الصدقات (١).
ويدخل في مثل هذه الآية كل الآيات التي تحض على الصدقة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨٠].
الدليل الثاني:
(ح-٩٣٤) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن
стр. 7352
رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (١).
وجه الاستدلال:
الصدقة الجارية: هي الصدقة الثابتة الدائمة غير المنقطعة، ويدخل فيها الوقف؛ لأن الوقف صدقة يراد بها الدوام. قال القاضي عياض: «فيه دليل على جواز الوقف، والحبس» (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٩٣٥) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد،
عن عمر بن الحارث، قال: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا، ولا درهمًا، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة (٣).
الدليل الرابع:
(ح-٩٣٦) ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر،
أن عمر بن الخطاب ﵁ أصاب أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل
стр. 7353
منها بالمعروف، ويطعم غير متمول، قال: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متمول مالًا (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) وهذا هو حقيقة الوقف؛ وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، ولو لم يرد في الباب إلا هذا الحديث لكفى به حجة على مشروعية الوقف. وقد قال ابن حجر: «حديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف» (٢).
الدليل الخامس:
(ح-٩٣٧) ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير،
عن عائشة في صدقة رسول الله ﷺ ، وفيه: «وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر، وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه، ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم» (٣).
الدليل السادس:
(ح-٩٣٨) ما رواه البخاري تعليقًا، قال أبو عبد الله البخاري:
وقال عثمان: قال النبي ﷺ : من يشتري بئر رومة، فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁.
[رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وهو حديث صحيح بطرقه] (٤).
الدليل السابع:
(ح- ٩٣٩) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا، فأغناه الله ورسوله، وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا، قد حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب، فعم رسول الله ﷺ ، فهي عليه صدقة، ومثلها معها (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (قد حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله).
الدليل الثامن:
عمل الصحابة ﵃، سواء في ذلك ما كان في حياة النبي ﵇ وإقراره كوقف عمر ﵁، وقد تقدم تخريجه، ووقف عثمان ﵁، وقد تقدم تخريجه، ووقف
стр. 7356
خالد بن الوليد ﵁، وقد تقدم تخريجه، وكلها في الصحيح، أو ما كان منها موقوفًا عليهم، من ذلك:
(ث-١٦٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن هشام بن عروة،
عن أبيه أن الزبير بن العوام وقف دارًا له على المردودة من بناته (١).
[صحيح] (٢).
(ث-١٧٠) وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى من طريق عبد الله بن عمر،
عن نافع، قال: تصدق ابن عمر بداره محبوسة، لا تباع، ولا توهب، ومن سكنها من ولده لا يخرج منها، ثم سكنها ابن عمر (٣).
[إسناده ضعيف].
(ث-١٧١) وروى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنبأ أبو الحسن محمد بن محمود المروزي، ثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ، ثنا محمد بن المثنى، حدثني الأنصاري ـ يعني محمد بن عبد الله الأنصاري ـ حدثني أبي ـ يعني عبد الله بن المثنى أخو ثمامة ـ عن ثمامة،
عن أنس أنه وقف دارًا بالمدينة، فكان إذا حج مر بالمدينة، فنزل داره (٤).
[في إسناده عبد الله بن المثنى، أخو ثمامة، والد محمد بن عبد الله
стр. 7357
الأنصاري، صدوق كثير الخطأ، إلا أن مثل هذا النقل لا يحتاج إلى قوة حفظ؛ لقرابته من أنس، وتكرار نزول أنس بن مالك في الدار التي وقفها، والله أعلم، وبقية رجال الإسناد ثقات].
(ث-١٧٢) وروى حنبل، عن الإمام أحمد، أنه قال:
قد أوقف أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذه وقوفهم بالمدينة: أبو بكر، وعمر، والزبير، وأصحاب رسول الله ﷺ ، فمن رد الوقف، فإنما يرد السنة التي أجازها رسول الله ﷺ ، وفعلها أصحابه في حياة رسول الله ﷺ ، وبعد وفاته (١).
(ث-١٧٣) وقال أبو بكر الحميدي:
تصدق أبو بكر بداره بمكة على ولده فهي إلى اليوم، وعمر بن الخطاب بربعه عند المروة، وبالثنية على ولده، فهي إلى اليوم، وتصدق علي بن أبي طالب بأرضه بينبع، فهي إلى اليوم، وتصدق الزبير بن العوام بداره بمكة في الحرامية، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، فذلك إلى اليوم، وتصدق سعد بن أبي وقاص بداره بالمدينة، وبداره بمصر على ولده، فذلك إلى اليوم، وعثمان بن عفان ببئر رومة، فهي إلى اليوم، وعمرو بن العاص بالوهط من الطائف، وداره بمكة، فهي على ولده، فذلك إلى اليوم، وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده، فذلك إلى اليوم، وما لا يحضرني كثير يجزي منه أقل من هذا (٢).
стр. 7358
[هذا أثر مقطوع، ولعل استمرار هذه الأوقاف من عهد الصحابة إلى عهد الحميدي يغني عن الإسناد].
اعتراض وجوابه:
قال العيني: «أما وقف رسول الله ﷺ فإنما جاز؛ لأن المانع وقوعه حبسًا عن فرائض الله، ووقفه ﵊ لم يقع حبسًا عن فرائض الله تعالى؛ لقوله ﷺ : إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. وأما وقف الصحابة بعد موته فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة، هذا هو الظاهر» (١).
ويجاب عن ذلك من وجوه:
الأول: القول بأنه يحتمل أن يكون الورثة قد أمضوه بعد الموت، لو كان هذا الاحتمال صحيحًا لنقلت إلينا هذه الإجازة؛ لدواعي ذلك، ولكثرة الصحابة الذين أوقفوا في حياتهم وبعد مماتهم.
الثاني: رد النصوص الصريحة بالاحتمال يؤدي إلى إبطال النصوص، فمن رد النص بدعوى، فليثبت هذه الدعوى، فإذا لم يستطع علم أن هذه الدعوى غير صحيحة.
الثالث: لقد ترك عمر، وعثمان، وعلي ﵃ بعد وفاتهم أبناء صغارًا، فلو كان الحبس غير جائز لما حل ترك أنصباء الصغار تمضي حبسًا.
الرابع: لو علم الصحابة أن الوقف لا ينفذ إلا بالإجازة من قبل الورثة لأخرجوا الوقف مخرج الوصية، ولما تصرفوا بالغلة حال حياتهم، ولكنهم علموا صحة الوقف فعملوا به.
стр. 7359
(دليل من قال: لا يصح الوقف:
الدليل الأول:
(ح-٩٤٠) ما رواه الطحاوي من طريق أسد بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثني أخي عيسى، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ بعدما أنزلت سورة النساء، وأنزل فيها الفرائض، نهى عن الحبس (١).
[ضعيف قال الدارقطني: لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه، وهما ضعيفان] (٢).
الدليل الثاني:
(ث-١٧٤) روى عبد الرزاق عن معمر،
عن عطاء بن السائب، قال: كنت جالسًا، فمر رجل، فقيل: هذا شريح، فقمت إليه، فقلت: أفتني؟ فقال: لست أفتي، ولكني أقضي. قلت: رجل وهب دارًا لولده، ثم ولد ولده حبيسًا عليهم، لا يباع، ولا يوهب؟ فقال: لا حبس في الإسلام عن فرائض الله .
[حسن من قول شريح] (٣).
стр. 7360
وجه الاستدلال من الحديث والأثر:
دل الحديث والأثر أن الوقف منهي عنه بعد نزول آية المواريث، وأن جوازه كان قبل نزول الفرائض، فهذا شريح، قاضي عمر، وعثمان، وعلي قد حكم بذلك، ولم ينكر عليه الصحابة.
ويجاب عن ذلك بعدة وجوه:
الجواب الأول:
أما حديث ابن عباس فضعيف، وأحاديث الوقف ثابتة في الصحيحين وغيرها، فكيف تعارض الأحاديث الصحيحة بحديث ضعيف؟!
وأما قول شريح فلا حجة فيه؛ ولا يساق كلامه على أنه دليل من أدلة الشرع، وإنما الدليل الشرعي كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وما يقاس عليهما، وما أجمع عليه، فإذا لم يكن شيء من ذلك احتج بقول الصحابي الذي لا مخالف له، وكذا فعله، وإن كان الاحتجاج في ذلك دون ما سبق، وأما كلام التابعي فليس بحجة فضلًا أن يعارض به السنة الصحيحة.
قال الإمام أحمد عن قول شريح: لا حبس عن فرائض الله. قال أبو عبد الله: هذا خلاف قول النبي ﷺ ، وذلك أن النبي ﷺ أمر عمر حين سأله عن أرض أصابها؟ قال: احبسها، وسبل ثمرتها.
وقال مالك: تكلم شريح في بلده، ولم يقدم المدينة، فيرى أحباس الصحابة، وأزواجه، وهذه أوقافه تسعة.
وقال الإمام الشافعي: قول شريح على الانفراد لا يكون حجة (١).
стр. 7361
وقال الطبري: لا حجة في قول شريح، ولا في قول أحد يخالف السنة، وعمل الصحابة، الذين هم الحجة على جميع الخلق (١).
الجواب الثاني:
أن الوقف ليس حبسًا عن فرائض الله؛ وإنما هو تصرف من المالك فيما يملكه، فإن كان هذا في حال الصحة كان له حكم الصدقة، والهبة، وإن كان في حال المرض كان له حكم الوصية، فإذا اتفق العلماء على صحة الهبة، والصدقة في الحياة، وعلى صحة الوصية بعد الموت، وكل هذه مسقطة لفرائض الورثة لم يصح القول بأن الوقف حبس عن فرائض الله، ولو صح لوجب إبطال كل هبة، وكل صدقة في الصحة والحياة، وكل وصية؛ لأنها مانعة من فرائض الله بالمواريث.
فإن قيل: هذه شرائع جاء بها النص. قلنا: والوقف شريعة جاء بها النص (٢).
قال الشافعي في الأم: «إنما أجزنا الصدقات الموقوفات إذا كان المتصدق بها صحيحًا فارغة من المال، فإن كان مريضًا لم نجزها إلا من الثلث إذا مات من مرضه ذلك، وليس في واحدة من الحالين حبس عن فرائض الله تعالى.
فإن قال قائل: وإذا حبسها صحيحًا، ثم مات، لم تورث عنه.
قيل: فهو أخرجها، وهو مالك لجميع ماله، يصنع فيه ما يشاء، ويجوز له أن يخرجها لأكثر من هذا عندنا وعندك، أرأيت لو وهبها لأجنبي، أو باعه إياها فحاباه، أيجوز؟
стр. 7362
فإن قال: نعم. قال: إذا فعل، ثم مات، أتورث عنه؟
فإن قال: لا.
قيل: فهذا فرار من فرائض الله تعالى؟
فإن قال: لا؛ لأنه أعطى، وهو يملك، وقبل وقوع فرائض الله تعالى.
قيل: وهكذا الصدقة، تصدق بها صحيحًا قبل وقوع فرائض الله تعالى. وقولك: لا حبس عن فرائض الله تعالى محال؛ لأنه فعله قبل أن تكون فرائض الله في الميراث؛ لأن الفرائض إنما تكون بعد موت المالك، وفي المرض» (١).
قال الطبري: «ولا حجة له في قول شريح؛ لأن من تصدق بماله في صحة بدنه، فقد زال ملكه عنه، ومحال أن يقال لما زال ملكه عنه قبل موته بزمان: حبسه عن فرائض الله، ولو كان حبسًا عن فرائض الله من أزال ملكه عما ملكه لم يجز لأحد التصرف في ماله، وفي إجماع الأمة أن ذلك ليس كذلك ما ينبئ عن فساد تأويل قول شريح أنه بمعنى إبطال الصدقات المحرمات، فثبت أن الحبس عن فرائض الله إنما هو لما يملكه في حال موته، فيبطل حبسه كما قال شريح، ويعود ميراثًا بين ورثته» (٢).
قد يقال في الجواب عن ذلك:
هذا القول يصح تخريجه على قول من يقول: إن العين الموقوفة لا تبقى على ملك الواقف بعد الوقف، فيكون الوقف في هذا يشبه الصدقة، والهبة، فإذا خرجت العين في حال الصحة لم يكن هناك حبس عن فرائض الله تعالى، وأما
стр. 7363
من قال: إن الوقف لا يوجب زوال الرقبة عن ملك الواقف، فقد يقال: إن هناك فرقًا بين الصدقة والوقف، فالصدقة تخرج عينًا ومنفعة عن مالك الواقف بخلاف الوقف، وإذا كانت العين الموقوفة باقية على ملك صاحبها في أحد القولين، انتقلت إلى وارثه بعد موته؛ لأن ما يملكه صاحبه يزول ملكه بالموت إلى وارثه، فقول شريح ﵀: لا حبس عن فرائض الله لا يتوجه في حال حياة الواقف، لأنه لا حبس حينئذ عن فرائض الله، فالميراث لا يقع إلا بعد تحقق الموت، ولذلك وقف العقار مسجدًا لا يقال فيه: إن مثل هذا حبس عن فرائض الله؛ لأن المسجد لا يبقى على ملك الواقف، وإنما يحمل كلام شريح على أن الوقف ينتهي بموت الواقف، وأن العين الموقوفة تنتقل إلى الورثة؛ لأن العين الموقوفة لم تخرج عن ملك صاحبها، والواقف قد حبس الغلة، وهي متجددة الحدوث، وما حدث منها بعد وفاته لم تحدث على ملكه، وليس في كلام شريح إبطال الوقف في حال الحياة؛ لأنه نفى الحبس في حال وجب الميراث، وهذا لا يكون إلا بعد الموت، ولذلك احتج العيني في عمدة القارئ لأبي حنيفة على إبطال الوقف بأن الملك فيه باق (١)، والله أعلم.
ويرد على هذا الجواب:
بأن حق الوارث في العين كحق المورث، فإذا كان المورث لا يملك التصرف في العين المحبوسة بيعًا وهبة في أصح القولين، كذلك الوارث لا يملك التصرف فيها وإن انتقلت العين إليه، فليس حق الوارث بأولى من حق المورث في حياته.
стр. 7364
قال ابن العربي: «الحبس عندنا لا ينقل الملك، بل يبقى على حكم مالكه، وإنما يكون الحبس في الغلة والمنفعة على أحد القولين، وفي القول الثاني: ينقل الملك إلى المحبوس» (١).
الجواب الثالث:
أن آية المواريث أو بعضها نزلت بعد أحد، وحبس الصحابة بعلم رسول الله ﷺ بعد خيبر، أي بعد نزول آية المواريث، وهذا متواتر، ولو صح الخبر لكان منسوخًا؛ لاستمرار الحبس بعلمه ﷺ إلى أن مات، وعمل به الصحابة بعد موته، فكيف يقال: إن الوقف منسوخ بآية المواريث ثم نجد أوقاف الصحابة مستمرة إلى ما بعد وفاته ﷺ .
الدليل الثالث:
(ح-٩٤١) ما رواه الدارقطني من طرق عن أبي بكر بن حزم،
أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن حائطي هذا صدقة، وهو إلى الله تعالى ورسوله، فجاء أبواه، فقالا: يا رسول الله كان قوام عيشنا، فرده رسول الله ﷺ عليهما، ثم ماتا، فورثهما ابنهما بعدهما (٢).
[قال الدارقطني: هذا أيضًا مرسل؛ لأن عبد الله بن زيد بن عبد ربه توفي في خلافة عثمان، ولم يدركه أبو بكر بن حزم] (٣).
стр. 7365
وأجيب عن هذا الحديث بعدة أجوبة:
الجواب الأول:
الانقطاع، وقد سبق كلام الدارقطني ﵀ في ذلك، وقال ابن حزم: «منقطع؛ لأن أبا بكر لم يلق عبد الله بن زيد». والمنقطع لا حجة فيه.
الجواب الثاني:
جاء في الحديث أن الحائط كان قوام عيشهم، وليس كل أحد له أن يتصدق بقوام عيشه.
الجواب الثالث:
الذي أراه أن عبد الله بن زيد قد تصدق به، وفوض التصرف فيه إلى رسول الله ﷺ ، ولم يرده الرسول ﷺ إليه، بل أعطاه لوالديه، وهما محل للصدقة، فكان ذلك لعبد الله بن زيد صدقة وصلة، ولذلك جاء في لفظ النسائي: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري النداء، أنه تصدق على أبويه، ثم توفيا، فرده رسول الله ﷺ إليه ميراثًا (١).
فهذا صريح بأن الرسول ﷺ لم يرد صدقة عبد الله بن زيد؛ لأن الإنسان لا يرث ماله.
الدليل الرابع:
(ح-٩٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، وابن أبي زائدة، عن
стр. 7366
مسعر، عن أبي عون،
عن شريح: قال: جاء محمد ﷺ وسلم ببيع (١) الحبس (٢).
[رجاله ثقات إلا أنه مرسل] (٣).
وجه الاستدلال:
قول شريح ﵀: (جاء محمد ببيع الحبس) فيه بيان أن لزوم الوقف كان في شريعة من قبلنا، وأن شريعتنا ناسخة لذلك.
وأجيب:
أولًا: أنه مرسل، والمرسل منقطع.
الثاني: قال ابن حزم: «هذا اللفظ يقتضي أنه قد كان الحبس، وقد جاء محمد ﷺ بإبطاله، وهذا باطل يعلم بيقين؛ لأن العرب لم تعرف في جاهليتها الحبس الذي اختلفا فيه، إنما هو اسم شريعي، وشرع إسلامي جاء به محمد ﷺ كما جاء بالصلاة والزكاة، والصيام، ولولاه ﵊ ما عرفنا شيئًا من هذه الشرائع ولا غيرها فبطل هذا الكلام جملة» (٤).
стр. 7367
وقد ناقشت في مبحث مستقل، وجود الوقف قبل الإسلام، ورجحت أنه كان موجودًا قبل الإسلام.
الثالث: أن المراد بالحبس ما كان أهل الجاهلية يحبسونه، ويحرمونه من ظهور الحامي، والسائبة، والبحيرة، وما أشبهها، فنزل القرآن بإحلال ما حرموه منها، وإطلاق ما حبسوه.
قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣]. فهذه الحبس التي كان أهل الجاهلية يحبسونها، فأبطل الله شروطهم فيها.
(ث-١٧٥) فقد روى البيهقي من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
سمعت الشافعي يقول: اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين، فتكلما في الوقف، وما يحبسه الناس، فقال يعقوب: هذا باطل. قال شريح: جاء محمد ﷺ بإطلاق الحبس. فقال مالك: إنما جاء محمد ﷺ بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة، والسائبة، فأما الوقوف، فهذا وقف عمر بن الخطاب ﵁ حيث استأذن النبي ﷺ ، فقال: حبس أصلها، وسبل ثمرتها، وهذا وقف الزبير، فأعجب الخليفة ذلك، وبقي يعقوب (١).
(دليل من قال: لا وقف إلا في السلاح والكراع:
الدليل الأول:
(ح-٩٤٣) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان،
عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: كانت أموال بني
стр. 7368
النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل، ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله (١).
والكراع: اسم يجمع الخيل، وقيل: اسم يجمع الخيل والسلاح.
والسلاح: اسم جامع لآلة الحرب (٢).
ويناقش:
بأن الحديث دليل على جواز الوقف في السلاح والكراع، ولا دليل فيه على اختصاص الوقف فيهما، كيف وقد ثبت عنه ﷺ أنه وقف في غير السلاح، والكراع كما في أدلة الجمهور السابقة.
الدليل الثاني:
(ث-١٧٦) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال:
قال علي: لا حبس عن فرائض الله، إلا ما كان من سلاح أو كراع (٣).
[صحيح].
ويجاب:
قول الإمام علي ﵁ لا حبس إلا ما كان من سلاح، أو كراع قد يكون المراد
стр. 7369
منه، لا حبس أفضل منه، إلا ما كان في ذلك، خاصة أن عليًا ﵁ قد ثبت عنه الوقف في غير السلاح والكراع على ما سبق في أدلة الجمهور، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ث-١٧٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن رجل، عن القاسم: قال:
قال عبد الله: لا حبس إلا في كراع أو سلاح.
[ضعيف] (١).
الراجح:
بعد استعراض الأقوال، وأدلتها، أجد أن الراجح قول الجمهور، وأن الوقف مندوب، وهذا وإن كان هو الأصل في الوقف، إلا أن الوقف قد تعتريه أحكام أخرى، فقد يكون واجبًا كالوقف المنذور، وقد يكون حرامًا كالوقف المشتمل على معصية، أو حيف، وقد يكون مباحًا، إذا لم يقصد به القربة، وقد يكون مكروهًا، إذا كان فيه تضييق على الورثة، فيمكن أن يقال: إن حكم الوقف تجري فيه الأحكام الخمسة، الوجوب، والتحريم، والاستحباب، والكراهة، والندب، والله أعلم.
* * *
стр. 7370
الفصل الثاني
في حكم الوقف من حيث اللزوم وعدمه
لا يجوز الرجوع في الوقف كما لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد إخراجها.
حبس عمر على أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث.
[م-١٤٧٨] اختلف الفقهاء في الوقف من حيث اللزوم وعدمه على قولين:
القول الأول:
الوقف لازم أبدًا، ولا رجوع فيه.
وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى، والقضاء في مذهب الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
قال ابن نجيم: «ألا يذكر مع الوقف اشتراط بيعه، فلو وقف بشرط أن يبيعها، ويصرف ثمنها إلى حاجته، لا يصح الوقف في المختار ....... وجوزه يوسف بن خالد السمتي إلحاقًا للوقف بالعتق» (٥).
стр. 7371
القول الثاني:
الوقف غير لازم، فهو بمنزلة العارية، فله أن يرجع فيه أي وقت شاء، ويورث عنه إذا مات، وهو قول أبي حنيفة (١).
على أن أبا حنيفة يقول بلزوم الوقف، وعدم جواز الرجوع عنه، في أربع حالات:
الأول: أن يقضي قاض بلزومه باعتبار أن حكم الحاكم يرفع الخلاف.
الثانية: وقف العقار مسجدًا.
الثالثة: أن يكون الوقف معلقًا على الموت، فهذا لا يلزم إلا بعد موت الواقف ومن ثلث تركته، فإن زاد عن الثلث توقف الزائد على إجازة الورثة مع ملاحظة ألا يكون في الموقوف عليه وارث، وهذا الوقف له حكم الوصية، وإن كان بلفظ الوقف.
الرابعة: أن يقف الإنسان الوقف في حياته، وبعد مماته، فإذا مات كان لازمًا. وهذه الحالة تكرار لسابقتها، والله أعلم (٢).
(دليل الجمهور على عدم جواز بيعه .
الدليل الأول:
(ح-٩٤٤) ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر،
أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله
стр. 7372
إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق بها عمر، أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث .... » (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا يباع ولا يوهب، ولا يورث)، دليل على لزوم الوقف حيث قطع حق الواقف في التصرف في ملكه.
الدليل الثاني:
(ح-٩٤٥) ما رواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (٢).
فالوقف إذا لم يرد به الدوام لم يكن صدقة جارية. قال في المبدع: «القصد بالوقف: الصدقة الدائمة، لقوله ﵇: أو صدقة جارية» (٣).
وقال في مغني المحتاج: «والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف، كما قاله الرافعي، فإن غيره من الصدقات ليست جارية، بل يملك المتصدق عليه أعيانها، ومنافعها ناجزًا» (٤).
стр. 7373
الدليل الثالث:
الإجماع الفعلي للصحابة، فقد وقف أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، وجابر، وغيرهم (١)، فلم ينقل عن أحد منهم أنه رجع عن وقفه، أو تصرف فيه.
قال الإمام أحمد: «إذا كان في الوقف شيء من ذكر البيع فليس بوقف صحيح، وذلك أن أوقاف أصحاب رسول الله ﷺ إنما هي بتة بتلة (٢)، والشرط فيها ألا تباع، ولا توهب، فإذا دخلها البيع لم يصح» (٣).
الدليل الرابع:
القياس على وقف المسجد، فإذا أوقف أرضه مسجدًا لزم بمجرد الوقف، بدون حكم حاكم، ولا إضافة لما بعد الموت، فيقاس على المساجد سائر الموقوفات، فتلزم بمجرد الوقف، ولا يجوز الرجوع فيها.
الدليل الخامس:
إذا كان الرجوع في الصدقة بعد إخراجها من يده لا يجوز، لأن العطية لا يجوز الرجوع فيها بعد إخراجها من يده، فكذلك الوقف لا يجوز الرجوع فيه بعد أن يتصدق به.
стр. 7374
(دليل أبي حنيفة على أن الوقف غير لازم:
(ث-١٧٨) ما رواه الطحاوي من طريق مالك، عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب.
أن عمر قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ ، أو نحو هذا لرددتها (١).
[منقطع، ابن شهاب لم يدرك عمر ﵁].
وجه الاستدلال:
قال الطحاوي: «لما قال عمر ﵁ هذا دل على أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها، وإنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله ﷺ أمره فيها بشيء، وفارقه على الوفاء به، فكره أن يرجع عن ذلك، كما كره عبد الله بن عمر أن يرجع بعد موت رسول الله ﷺ عن الصوم الذي كان فارقه على أن يفعله، وقد كان له أن لا يصوم» (٢).
وأجيب:
قال ابن حجر: «لا حجة فيما ذكره من وجهين:
أحدهما: أنه منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر.
ثانيهما: أنه يحتمل ما قدمته، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى بصحة الوقف ولزومه، إلا إن شرط الواقف الرجوع، فله أن يرجع» (٣).
وقال البيهقي: «والذي روي عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﵇ أو نحو هذا لرددتها فهو منقطع، لا تثبت به
стр. 7375
حجة، ومشكوك في متنه لا يدرى كيف قاله، والظاهر منه مع ما روينا فيه عن النبي ﵇ أنه لولا ذكري إياها لرسول الله ﵇ وأمره إياي بحبس أصلها، وقوله: لا تباع، ولا توهب، ولا تورث لرددتها» (١).
وعلى التسليم بأنه أراد الرجوع عن الوقف فهو رأي عمر ﵁، ولا يقدم على قوله ﵇ لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث.
الدليل الثاني:
(ح-٩٤٦) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم،
عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه جاء إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله، إن حائطي هذا صدقة، وهو إلى الله تعالى ورسوله، فجاء أبواه، فقالا: يا رسول الله كان قوام عيشنا، فرده رسول الله ﷺ ، ثم ماتا، فورثهما ابنهما بعدهما.
[قال الدارقطني: مرسل؛ لأن عبد الله بن زيد بن عبد ربه توفي في خلافة عثمان، ولم يدركه أبو بكر بن حزم] (٢).
стр. 7376
وما قيل في أثر عمر، يقال في أثر عبد الله بن زيد بن عبد ربه من وجهين أيضًا:
الوجه الأول:
الانقطاع، والمنقطع لا حجة فيه.
الوجه الثاني:
ليس في الحديث أنه أراد به الوقف، فالصدقة جنس يدخل فيها الوقف، ويدخل فيها الصدقة المنقطعة.
قال البيهقي: الحديث وارد في الصدقة المنقطعة، وكأنه تصدق به صدقة تطوع، وجعل مصرفها إلى اختيار رسول الله ﷺ ، فتصدق بها رسول الله ﷺ على أبويه (١).
стр. 7377
وبناء عليه لا يكون الرسول ﵇ قد رد صدقة عبد الله بن زيد، بل أعطاها لوالديه، وهما محل للصدقة، فكان ذلك لعبد الله بن زيد صدقة وصلة، ولذلك جاء في لفظ النسائي: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري النداء، أنه تصدق على أبويه، ثم توفيا، فرده رسول الله ﷺ إليه ميراثًا (١).
فهذا صريح بأن الرسول ﷺ لم يرد صدقة عبد الله بن زيد؛ لأن الإنسان لا يرث ماله.
وعلى التنزل أن يكون قد أراد به الوقف، فإنه لما أوقفه رسول الله ﷺ على أبويه، ولم يذكر مصرفًا آخر بعدهما رجع الوقف إليه ميراثًا كالقول في الوقف على المنقطع على قول.
وقيل: إن أبويه قد قالا لرسول الله ﷺ : إن فيه قوام عيشنا، والمرء منهي عن أن يتصدق بقوام عيشه، خاصة إذا كان مسؤولًا عن عائلة من أب، وولد، والجواب الأول أصح.
الدليل الثالث:
(ح-٩٤٧) ما رواه البخاري في صحيحه،
عن أنس ﵁، قال: لما نزلت ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢]، جاء أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، يقول الله ﵎ في كتابه: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل العمران: ٩٢]، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، قال: وكانت حديقة كان رسول الله ﷺ يدخلها، ويستظل بها، ويشرب من مائها، فهي إلى الله ، وإلى رسوله ﷺ ، أرجو بره، وذخره، فضعها يا رسول
стр. 7378
الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : بخ يا أبا طلحة، ذلك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين، فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، وكان منهم أُبَي، وحسان، قال: وباع حسان حصته منه إلى معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر، بصاع من دراهم؟ ..... الحديث (١).
أجيب عنه:
قال الحافظ ابن حجر: «يدل على أن أبا طلحة ملكهم الحديقة المذكورة، ولم يوقفها عليهم، إذ لو وقفها ما ساغ لحسان أن يبيعها .... ويحتمل أن يقال: شرط أبو طلحة عليهم لما وقفها عليهم، أن من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بجواز هذا الشرط بعض العلماء» (٢).
وإن كان الجواب الأول أقوى؛ لأنه لو كان لأبي طلحة شرط لنقل إلينا، واللفظ ليس فيه ما يدل على أن أبا طلحة وقف الحديقة، كل ما فيه أنه تصدق بها، وهذا يحتمل أنه تصدق بعينها، وهو الأصل، ويحتمل أنه حبس أصلها، وتصدق بثمرتها، فكان بيع حسان لنصيبه دليلًا على أنه لم يوقف الحديقة، وعلى التسليم بأنه وقف، فإن فعل حسان ﵁ فعل صحابي، وهو حجة ما لم يخالف، وقد أُنْكِر عليه، فقيل له كما في الحديث نفسه: (أتبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر، بصاع من دراهم).
стр. 7379
الدليل الرابع:
القياس على العارية، فإن الوقف تمليك منفعة الموقوف دون عينه، فلا يلزم كالعارية.
ويجاب:
بأن العارية لم يحبس أصلها، فهي تبرع مؤقت بالمنفعة، دون حبس الأصل بخلاف الوقف.
الراجح من الخلاف:
أرى أن الراجح هو قول الجمهور، القائل بلزوم الوقف، جاء في الفتح «قال القرطبي: رد الوقف مخالف للإجماع، فلا يلتفت إليه، وأحسن ما يعتذر به عمن رده ما قال أبو يوسف، فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيره» (١).
يقصد القرطبي ما حكاه الطحاوي، ونقله الحافظ ابن حجر عنه أنه قال: «كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا، فقال: من سمع هذا من ابن عون؟ فحدث به ابن علية، فقال: هذا لا يسع أحدًا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، فرجع عن بيع الوقف، حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد» (٢).
* * *
стр. 7380
الفصل الثالث
في بيان أركان الوقف
[م-١٤٧٩] لم يختلف الفقهاء على اعتبار الصيغة ركنًا من أركان الوقف، على خلاف بينهم، هل الصيغة في الوقف يكفي فيها الإيجاب، أو لابد فيها من القبول؟ وسوف نبحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في فصل مستقل.
واختلفوا في غير الصيغة:
فذهب الحنفية إلى أن الركن الصيغة فقط، وأما الواقف والموقوف عليه، والعين الموقوفة فليست أركانًا (١).
وذهب الجمهور إلى اعتبار الواقف، والموقوف عليه، والعين الموقوفة كلها أركان مع الصيغة، لتكون أركان الوقف أربعة.
قال الخرشي المالكي: «وأركان الوقف أربعة: العين الموقوفة، والصيغة، والواقف، والموقوف عليه».
وجاء في تحفة المحتاج: «وأركانه موقوف، وموقوف عليه، وصيغة، وواقف» (٢).
وكذا قال البهوتي في شرح منتهى الإرادات (٣).
стр. 7381
وسبب الخلاف بين الحنفية والجمهور:
أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الصيغة، أما الواقف والموقوف عليه، والعين الموقوفة فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود الوقف يتوقف على الواقف والموقوف عليه، والعين الموقوفة، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته.
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطَّردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (١).
* * *
стр. 7382
الباب الثاني
في صيغة الوقف وما يتعلق بها من أحكام
الفصل الأول
في اشتراط القبول في صيغة الوقف
الوقف شبيه بالعتق: فهو إسقاط لا تمليك، فلا يفتقر إلى القبول (١).
[م-١٤٨٠] الصيغة: هي الإيجاب بالاتفاق، أي اللفظ الصادر من الواقف، فلا ينعقد الوقف إلا بإيجاب من الواقف.
وأما القبول من الموقوف عليه:
فإن كان الوقف على غير معين لم يشترط القبول، وهذا بالاتفاق، كما لو كان الوقف على جهة الفقراء، والمساكين، أو كان الوقف على طلبة العلم؛ لتعذر قبولهم، وكذلك ما كان منه لله ، كوقف الأرض مسجدًا؛ لأنه لا ملك فيه لأحد.
قال ابن القيم: «لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معين اتفاقًا» (٢).
واختلف الفقهاء في انعقاد الوقف بالإرادة المنفردة، إذا كان على معين، كشخص، أو جماعة معينة محصورة على قولين:
стр. 7383
القول الأول:
ينعقد الوقف بالإرادة المنفردة، ولا يشترط القبول للانعقاد، سواء كان الموقوف عليه معينًا، أو غير معين، فإن قبل الموقوف عليه الغلة، وإلا صرف للفقراء. فالقبول، إنما هو شرط لاستحقاق الغلة، حتى لا يدخل في ملك الشخص شيء جبرًا عليه، وليس القبول شرطًا لانعقاد الوقف.
وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، وأحد الوجهين عند الشافعية، ورجحه النووي، وابن القيم (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «إذا وقف على قوم فلم يقبلوا، فهذا على وجهين: إما أن يرد كلهم، أو بعضهم، فإن رد كلهم كان الوقف جائزًا، وتكون الغلة للفقراء، وإذا رد البعض فإن كان الاسم ينطلق على الباقين، فالغلة تكون للباقين، وإن كان الاسم لا ينطلق على الباقين فنصيب الذي لا يقبل يصرف إلى الفقراء، وبيانه أنه إذا قال لولد عبد الله، فرد بعضهم، كان جميع الغلة للباقين، ولو قال: لزيد وعمرو، فلم يقبل زيد، صرف نصيبه إلى الفقراء» (٢).
وجاء في شرح الخرشي: «فإن رد الموقوف عليه المعين ما وقفه الغير عليه في حياة الواقف أو بعد موته، فإن الوقف يرجع حبسًا للفقراء والمساكين» (٣).
стр. 7384
فظاهره أن الوقف لا يتوقف على القبول، فهو ينفذ وقفًا بمجرد اللفظ، فإن قبل الموقوف عليه الغلة وإلا رجع وقفًا على الفقراء.
وقال الماوردي: «يتم الحبس، وإن لم يقبض، أما القبول فليس بشرط في لزوم الوقف، وإنما هو شرط في تملك الغلة عند حصولها؛ لأن الوقف إزالة ملك على وجه القربة فأشبه العتق» (١).
وجاء في المغني: «قال أبو الخطاب: إن كان الوقف على غير معين كالمساكين، أو من لا يتصور منه القبول، كالمساجد، والقناطر لم يفتقر إلى قبول، وإن كان على آدمي معين ففي اشتراط القبول وجهان: .....
الوجه الثاني: لا يشترط القبول؛ لأنه أحد نوعي الوقف، فلم يشترط له القبول كالنوع الآخر؛ ولأنه إزالة ملك يمنع البيع، والهبة، والميراث، فلم يعتبر، وبهذا فارق الهبة والوصية.
والفرق بينه وبين الهبة، والوصية: أن الوقف لا يختص بالمعين، بل يتعلق به حق من يأتي من البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم، إلا أنه مرتب، فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم، ولا يقف على قبوله، والوصية للمعين بخلافه» (٢).
وقال ابن القيم: «لا يشترط فيه القبول إذا كان على جهة اتفاقًا، وكذلك إذا كان على آدمي معين في أقوى الوجهين، وما ذاك إلا لشبهه بالعتق» (٣).
стр. 7385
القول الثاني:
أن الوقف إن كان على معين، كزيد، اشترط قبوله، فإن رده، وكان الواقف قد قصده بخصوصه رجع إلى ملك الواقف، وإن قصده، وقصد غيره انتقل إلى غيره.
وهذا أحد القولين في مذهب المالكية، ورواية عند الحنابلة، وأحد الوجهين عند الشافعية، قال الرملي: وهو المعتمد (١).
واختار بعض الشافعية بأن المعين إذا رده لا ينتقل إلى غيره؛ لأنه لما بطل في الطبقة الأولى صار منقطعًا، وإليك نصوص الفقهاء الدالة على هذا الاختيار.
جاء في حاشية الدسوقي: «الراجح من القولين قول مالك: وحاصله: أنه إن قبله المعين الأهل اختصَّ، فإن رده كان حبسًا على غيره، وهذا إذا جعله الواقف حبسًا، سواء قبله من عين له أم لا، وأما إن قصده بخصوصه، فإن رده المعين عاد ملكًا للمحبس» (٢).
وقال ابن قدامة: «وإن كان ـ يعني الوقف ـ على آدمي معين ففي اشتراط القبول وجهان:
أحدهما: اشتراطه؛ لأنه تبرع لآدمي، فكان من شرطه القبول كالهبة، والوصية .... » (٣).
стр. 7386
واختار بعض الشافعية، بأن المعين إذا رده لا ينتقل عنه إلى غيره؛ ولو قصد غيره؛ لأنه لما بطل في الطبقة الأولى من المستحقين صار وقفًا منقطعًا.
قال الشيرازي: «ومن أصحابنا من قال: يبطل قولًا واحدًا؛ لأن الأول باطل، والثاني فرع لأصل باطل، فكان باطلًا» (١).
ومنشأ الخلاف:
هل الوقف عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول، أو هو من جنس التصرف، كالإبراء، والإسقاط، فيتم بالإرادة المنفردة، ويكون ركنه الإيجاب فقط كالعتق.
فإن قلنا: إن الوقف هو إسقاط ملك الواقف في منافع العين الموقوفة، لم يحتج إلى قبول كالعتق، وعليه يكون الوقف نافذًا بمجرد اللفظ، ولا يتوقف على قبض، أو قبول الموقوف عليه؛ لأن حقيقة الوقف تبرع يمنع البيع والهبة والميراث، فلزم بمجرده كالعتق.
وإن قلنا: إن الوقف عقد يقوم الوقف من خلاله بنقل ملك تلك المنافع الموقوفة إلى ملك الموقوف عليه، فيفتقر إلى قبول الموقوف عليه كالوصية، وعليه فلا ينفذ الوقف بمجرد اللفظ حتى يقبله الموقوف عليه، ولو باعه الواقف قبل قبول الموقوف عليه صح البيع (٢).
جاء في فتاوى الرملي: «وسئل عمن وقف وقفًا على معينين، ثم باعه قبل قبولهم وقبول وليهم، هل يصح البيع أم لا؟
стр. 7387
فأجاب: بأن البيع قبل قبول الموقوف عليه المعين صحيح، بناء على اشتراط قبوله، وهو المعتمد» (١).
الراجح:
الذي أراه أن الوقف ينعقد بالإرادة المنفردة، فلا يتوقف على قبول من أحد، فإذا قال الموقوف عليه: أنا لا أريده، نقول: الوقف نفذ، ويصرف إلى من بعده إن ذكر له مآلًا، وإلا صرف مصرف الوقف المنقطع، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في مبحث خاص.
* * *
стр. 7388
الفصل الثاني
هل اشتراط الفورية في القبول
القبول في الوقف ملحق بالوصية والوكالة فيصح معجلًا ومؤجلًا (١).
[م-١٤٨١] هذه المسألة لا تبحث على قول من يقول: إن الوقف جنس من التصرف يتم بالإرادة المنفردة، ولا يحتاج إلى قبول، وعليه أكثر العلماء كما تقدم في المسألة السابقة.
وأما من قال: إن الوقف على المعين يتوقف على قبول الموقوف عليه، فإنه يتفرع على هذا القول مسألتنا هذه، فعلى هذا القول، هل يشترط في القبول من الموقوف عليه الفورية، أو يصح مع التراخي؟
وللجواب نقول:
إن كان الموقوف عليه غائبًا، ولم يبلغه الخبر، صح القبول، ولو متراخيًا، ولو طال الزمن.
أما إن كان الموقوف عليه حاضرًا، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أنه على التراخي؛ اختاره أكثر العلماء ورجحه بعض الشافعية؛ لأن الوقف بالقرب أشبه منه بالعقود (٢).
стр. 7389
قال ابن تيمية: «إذا اشترط القبول على المعين، فلا ينبغي اشتراط المجلس، بل يلحق بالوصية والوكالة، فيصح معجلًا ومؤجلًا، بالقول والفعل» (١).
القول الثاني:
يجب أن يكون القبول على الفور في البطن الأول قياسًا على البيع، والهبة، ولإلحاق الوقف بالعقد دون الوصية (٢).
وأما البطن الثاني فلا يشترط له الفورية، وإنما يشترط عدم الرد، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره الحارثي من الحنابلة (٣).
جاء في فتاوى السبكي: «قال الرافعي: إذا كان الوقف على شخص معين، أو جماعة معينين، فوجهان، أصحهما على ما ذكره الإمام، وآخرون: اشتراط القبول؛ لأنه يبعد دخول عين، أو منفعة في ملكه بغير رضاه، وعلى هذا فليكن متصلًا بالإيجاب كما في البيع، والهبة، هذا في البطن الأول، أما الثاني، والثالث فلا يشترط قبولهم فيما نقله الإمام، وصاحب الكتاب يعني الغزالي» (٤).
جاء في الإنصاف: «قال الحارثي: يشترط اتصال القبول بالإيجاب، فإن تراخى عنه بطل كما يبطل في البيع، والهبة» (٥).
стр. 7390
والصحيح أن الوقف لا يتوقف على القبول، بل يكون ناجزًا بمجرد اللفظ، وعليه فلا تجب الفورية في القبول؛ لأن القبول إنما هو لاستحقاق الغلة، وقد تتأخر، والله أعلم.