واختار بعض الشافعية، بأن المعين إذا رده لا ينتقل عنه إلى غيره؛ ولو قصد غيره؛ لأنه لما بطل في الطبقة الأولى من المستحقين صار وقفًا منقطعًا.
قال الشيرازي: «ومن أصحابنا من قال: يبطل قولًا واحدًا؛ لأن الأول باطل، والثاني فرع لأصل باطل، فكان باطلًا» (١).
ومنشأ الخلاف:
هل الوقف عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول، أو هو من جنس التصرف، كالإبراء، والإسقاط، فيتم بالإرادة المنفردة، ويكون ركنه الإيجاب فقط كالعتق.
فإن قلنا: إن الوقف هو إسقاط ملك الواقف في منافع العين الموقوفة، لم يحتج إلى قبول كالعتق، وعليه يكون الوقف نافذًا بمجرد اللفظ، ولا يتوقف على قبض، أو قبول الموقوف عليه؛ لأن حقيقة الوقف تبرع يمنع البيع والهبة والميراث، فلزم بمجرده كالعتق.
وإن قلنا: إن الوقف عقد يقوم الوقف من خلاله بنقل ملك تلك المنافع الموقوفة إلى ملك الموقوف عليه، فيفتقر إلى قبول الموقوف عليه كالوصية، وعليه فلا ينفذ الوقف بمجرد اللفظ حتى يقبله الموقوف عليه، ولو باعه الواقف قبل قبول الموقوف عليه صح البيع (٢).
جاء في فتاوى الرملي: «وسئل عمن وقف وقفًا على معينين، ثم باعه قبل قبولهم وقبول وليهم، هل يصح البيع أم لا؟
стр. 7387
فأجاب: بأن البيع قبل قبول الموقوف عليه المعين صحيح، بناء على اشتراط قبوله، وهو المعتمد» (١).
الراجح:
الذي أراه أن الوقف ينعقد بالإرادة المنفردة، فلا يتوقف على قبول من أحد، فإذا قال الموقوف عليه: أنا لا أريده، نقول: الوقف نفذ، ويصرف إلى من بعده إن ذكر له مآلًا، وإلا صرف مصرف الوقف المنقطع، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في مبحث خاص.
* * *
стр. 7388
الفصل الثاني
هل اشتراط الفورية في القبول
القبول في الوقف ملحق بالوصية والوكالة فيصح معجلًا ومؤجلًا (١).
[م-١٤٨١] هذه المسألة لا تبحث على قول من يقول: إن الوقف جنس من التصرف يتم بالإرادة المنفردة، ولا يحتاج إلى قبول، وعليه أكثر العلماء كما تقدم في المسألة السابقة.
وأما من قال: إن الوقف على المعين يتوقف على قبول الموقوف عليه، فإنه يتفرع على هذا القول مسألتنا هذه، فعلى هذا القول، هل يشترط في القبول من الموقوف عليه الفورية، أو يصح مع التراخي؟
وللجواب نقول:
إن كان الموقوف عليه غائبًا، ولم يبلغه الخبر، صح القبول، ولو متراخيًا، ولو طال الزمن.
أما إن كان الموقوف عليه حاضرًا، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أنه على التراخي؛ اختاره أكثر العلماء ورجحه بعض الشافعية؛ لأن الوقف بالقرب أشبه منه بالعقود (٢).
стр. 7389
قال ابن تيمية: «إذا اشترط القبول على المعين، فلا ينبغي اشتراط المجلس، بل يلحق بالوصية والوكالة، فيصح معجلًا ومؤجلًا، بالقول والفعل» (١).
القول الثاني:
يجب أن يكون القبول على الفور في البطن الأول قياسًا على البيع، والهبة، ولإلحاق الوقف بالعقد دون الوصية (٢).
وأما البطن الثاني فلا يشترط له الفورية، وإنما يشترط عدم الرد، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره الحارثي من الحنابلة (٣).
جاء في فتاوى السبكي: «قال الرافعي: إذا كان الوقف على شخص معين، أو جماعة معينين، فوجهان، أصحهما على ما ذكره الإمام، وآخرون: اشتراط القبول؛ لأنه يبعد دخول عين، أو منفعة في ملكه بغير رضاه، وعلى هذا فليكن متصلًا بالإيجاب كما في البيع، والهبة، هذا في البطن الأول، أما الثاني، والثالث فلا يشترط قبولهم فيما نقله الإمام، وصاحب الكتاب يعني الغزالي» (٤).
جاء في الإنصاف: «قال الحارثي: يشترط اتصال القبول بالإيجاب، فإن تراخى عنه بطل كما يبطل في البيع، والهبة» (٥).
стр. 7390
والصحيح أن الوقف لا يتوقف على القبول، بل يكون ناجزًا بمجرد اللفظ، وعليه فلا تجب الفورية في القبول؛ لأن القبول إنما هو لاستحقاق الغلة، وقد تتأخر، والله أعلم.
стр. 7391
الفصل الثالث
في أقسام الصيغة
المبحث الأول
الوقف بالصيغة القولية
[م-١٤٨٢] ينعقد الوقف بأحد أمرين:
الأول: الوقف بالصيغة الفعلية، كأن يبني مسجدًا، ويترك الناس يصلون فيه.
وقد اختلف الفقهاء في صحة الوقف عن طريق الفعل، وسوف أفرد له مبحثًا خاصًا إن شاء الله تعالى.
الثاني: الوقف بالصيغة القولية، كأن يقول: وقفت أرضي، أو حبست أرضي، أو سبلت أرضي.
ولم يختلف الفقهاء أن الوقف ينعقد بالقول، إلا أن جمهورهم قسموا ألفاظ الوقف إلى قسمين:
صريح: وهو الذي لا يفتقر في دلالته على الوقف إلى شيء آخر.
وكناية: وهو اللفظ الذي يحتمل معنى الوقف ويحتمل غيره، كقول الرجل: تصدقت، وحرمت، وأبدت، ويفتقر إلى نية الوقف لانعقاده وقفًا.
وقسم بعض الفقهاء الصريح إلى قسمين:
صريح بنفسه، وصريح بغيره، كأن يقترن بالكناية لفظ من ألفاظ الصريح، كان يقول: صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة.
стр. 7392
أو يقترن بالكناية حكم من أحكام الوقف، كأن يقول: تصدقت بها صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، فإن الكناية تصبح صريحة، فلا تفتقر إلى نية (١).
قال الخرشي: «يصح ويتأبد الوقف إذا قال: تصدقت على الفقراء والمساكين، أو على المساجد، أو على طلبة العلم وما أشبه ذلك إذا قارنه قيد أيضًا، كقوله: لا يباع، ولا يوهب» (٢).
وقال الماوردي: «التصدق يحتمل الوقف ويحتمل صدقة التمليك المتطوع بها، ويحتمل الصدقة المفروضة، فإذا قرنه بقرينة تدل على الوقف انصرف إلى الوقف، وانقطع الاحتمال، والقرينة أن يقول: تصدقت صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو محرمة، أو مؤبدة، أو يقول: صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث؛ لأن هذه كلها تصرف إلى الوقف» (٣).
فقوله: (انصرف إلى الوقف، وانقطع الاحتمال) هذا دليل على أنه ملحق بالصريح، لأن ألفاظ الكناية: هي الألفاظ التي تحتمل الوقف، وتحتمل غيره، وتفتقر في التعيين إلى النية.
وقال ابن تيمية: «لا نسلم أن الكناية تفتقر إلى النية مطلقًا، بل إذا قرن بها لفظ من ألفاظ الصريح أو حكم من أحكام العقد كانت صريحة» (٤).
стр. 7393
وقال أيضًا: «إذا قرن بالكناية بعض أحكامه صارت كالصريح» (١).
فقول ابن تيمية ﵀: لا نسلم أن الكناية تفتقر إلى النية، بل إذا قرن بها لفظ من ألفاظ الصريح كانت صريحة، هذا الكلام آخره يناقض أوله؛ فأول الكلام يقول (لا نسلم أن الكناية تفتقر إلى نية) إذاً الكلام عن الكنايات، وقوله: (كانت صريحة) وإذا كانت صريحة كيف تكون كناية لا تفتقر إلى نية؛ لأن الفرق بين الكناية والصريح، أن الصريح لا يحتمل غير الوقف، والكناية تحتمل الوقف وغيره، ومتى كان اللفظ لا يفتقر إلى نية، ولا يحتمل إلا الوقف لم يكن كناية.
يقول القرافي: «قد يصير الصريح كناية يفتقر إلى نية، وقد يصير الكناية صريحًا مستغنيًا عن النية» (٢).
* * *
стр. 7394
الفرع الأول
في تحديد الصريح من الكناية
الصريح من الألفاظ يثبت بغلبة الاستعمال في العرف.
قد يكون اللفظ صريحًا عند قوم، وكناية عند آخرين.
الصريح أقوى من الكناية (١).
[م-١٤٨٣] اختلف الفقهاء في تحديد اللفظ الصريح من الكناية، هل يحدد ذلك العرف، وغلبة الاستعمال، أو يتلقى من الشرع على قولين:
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى أن الصريح يثبت بغلبة الاستعمال في العرف.
جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: «الصريح ما كان ظاهر المراد لغلبة الاستعمال» (٢).
وفي حاشية ابن عابدين: «الصريح ما غلب في العرف استعماله» (٣).
ويقول القرافي: «إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك، لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجره عليه، وأفته به، دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين، وعلى
стр. 7395
هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق، وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى نية، وقد يصير الكناية صريحًا مستغنيا عن النية» (١).
ويقول في موضع آخر: «ثم الكناية تنقسم إلى ما غلب استعماله في العرف .... فيلحق بالصريح في استغنائه عن النية ... لقيام الوضع العرفي مقام الوضع اللغوي» (٢).
ويقول ابن القيم ﵀: «فكون اللفظ صريحًا أو كناية أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم، والمخاطب، والزمان، والمكان، فكم من لفظ صريح عند قوم، وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان، وزمان دون زمان، فلا يلزم من كونه صريحًا في خطاب الشارع، أن يكون صريحًا عند كل متكلم، وهذا ظاهر» (٣).
القول الثاني:
ذهب الشافعية إلى أن مأخذ الصريح ورود الشرع به.
قال الزركشي: «وأما ما لم يرد في الكتاب والسنة، ولكن شاع في العرف كقوله لزوجته: أنت علي حرام، فإنه لم يرد شرعًا الطلاق به، وشاع في العرف إرادته، فوجهان، والأصح التحاقه بالكناية» (٤).
стр. 7396
ويمكن أن نقول: إن مذهب الشافعية في الصريح والكناية يمكن أن يقسم إلى قسمين:
الأول: ما ورد في الشرع استعماله من ألفاظ العقود والفسوخ وما جرى مجراهما، فهو من الألفاظ الصريحة؛ لأن عرف الشرع هو المتبع.
الثاني: ما لم يرد في الكتاب والسنة.
فإن شاع على ألسنة حملة الشرع، وكان هو المقصود من العقد، كلفظ التمليك في البيع، ولفظ الفسخ في الخلع، فالأصح عندهم أنه من الصريح.
وإن شاع في العرف فقط، كقول الرجل لزوجته: أنت علي حرام، ويقصد به الطلاق، فالأصح عندهم التحاقه بالكناية، هذا هو ملخص مذهب الشافعية (١).
الراجح:
الصحيح رأي الجمهور، وأن مرد الصريح والكناية إلى العرف، خاصة في باب المعاملات؛ لأن المعتبر في ذلك مقاصد الناس، وما يختارون في الدلالة عليها من الألفاظ، ولم نتعبد بلفظ شرعي لا يجوز تجاوزه.
* * *
стр. 7397
الفرع الثاني
في بيان الألفاظ الصريحة
الصريح من الألفاظ لا يحتاج إلى نية والكناية لا تلزم إلا بالنية (١).
المشتق من الصريح صريح (٢).
[م-١٤٨٤] بعد أن عرفنا أن الحكم بأن هذا اللفظ صريح، أو كناية، إنما يحدده عرف الناس، وغلبة الاستعمال، ولا يرجع في تحديد ذلك إلى الحقائق اللغوية، ولا الشرعية في أصح قولي أهل العلم، ومع ذلك فقد اختلف الفقهاء في بعض الألفاظ، هل هي من الصريح أو من الكناية؟
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء إلى أن لفظ الوقف، والحبس، والتسبيل، وما اشتق منها من الألفاظ صريحة.
فإذا قلت: وقفت كذا، أو أرضي موقوفة، أو حبست كذا، أو أرضي محبسة، أو سبلت كذا، أو أرضي مسبلة، فهذه الألفاظ صريحة في الوقف. هذا هو مذهب الحنفية، والحنابلة، والمشهور من مذهب المالكية، والصحيح الذي قطع به جمهور الشافعية (٣).
стр. 7398
فمن أتى بكلمة من هذه الثلاث صح الوقف؛ لعدم احتمال غيره بعرف الاستعمال.
قال العيني: «وألفاظه على مراتب: إحداها قوله: وقفت كذا، أو حبست، أو سبلت، أو أرضي موقوفة أو محبسة أو مسبلة. فكل لفظ من هذا صريح، هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور» (١).
جاء في الجوهرة النيرة: «وألفاظ الوقف ستة: وقفت، وحبست، وسبلت، وتصدقت، وأبدت، وحرمت، فالثلاثة الأولى صريح فيه، وباقيه كناية، لا يصح إلا بالنية» (٢).
وجاء في الشرح الصغير: «صيغة صريحة: بوقفت، أو حبست، أو سبلت. أو غير صريحة: نحو تصدقت إن اقترن بقيد يدل على المراد، نحو: لا يباع، ولا يوهب، أو تصدقت به على بني فلان طائفة بعد طائفة، أو عقبهم ونسلهم؛ فإن لم يقيد (تصدقت) بقيد يدل على المراد، فإنه يكون ملكًا لمن تصدق به عليه» (٣).
وأرى أن لفظ الصدقة إذا اقترن بها لفظ: لا يباع، ولا يوهب، أصبح صريحًا، وليس كناية لعدم احتماله معنى آخر غير الوقف؛ ولأنه لا يفتقر إلى نية، وهذا شأن الصريح، والله أعلم.
стр. 7399
وقال الشيرازي: «فأما الوقف والحبس والتسبيل فهي صريحة فيه؛ لأن الوقف موضوع له، ومعروف به، والحبس والتسبيل ثبت لهما عرف الشرع، فإن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: حبس الأصل وسبل الثمرة» (١).
وفي الإنصاف: «وقفت، وحبست: صريح في الوقف، بلا نزاع» (٢).
القول الثاني:
أن كل هذه الألفاظ كناية، وهو وجه مرجوح عند الشافعية (٣).
القول الثالث:
أن الوقف صريح، والحبس والتسبيل كناية، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ووجه مرجوح عند الشافعية (٤).
قال في التلقين: «الوقف مفيد بمجرده التحريم، وأما الحبس والصدقة ففيها روايتان» (٥).
وعلل الشافعية ذلك بأن لفظ الحبس والتسبيل لم يشتهرا اشتهار الوقف (٦).
стр. 7400
القول الرابع:
التسبيل كناية والباقي صريح؛ وهو وجه مرجوح عند الشافعية، وعللوا ذلك بأنه من السبيل، وهو مبهم (١).
قال النووي في الروضة: «وألفاظ الوقف على مراتب:
إحداها: قوله: وقفت كذا، أو حبست، أو سبلت، أو أرضي موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، فكل لفظ من هذا صريح، هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور.
وفي وجه: كل هذه كناية.
وفي وجه: الوقف صريح، والباقي كناية.
وفي وجه التسبيل كناية، والباقي صريح» (٢).
الراجح من الخلاف:
أرى أن قول الجمهور هو الراجح، وأن الألفاظ الثلاثة كلها صريحة، هذا هو الأصل إلا أن يجري عرف في بلد ما، أن لفظ الحبس، أو التسبيل، لا يدل على الوقف، فالعرف في دلالة الألفاظ محكم، والله أعلم.
* * *
стр. 7401
الفرع الثالث
في ألفاظ الكناية
ألفاظ الكنايات تحتاج إلى نية لانعقاد الوقف بها (١).
[م-١٤٨٥] سبق لنا الكلام على الألفاظ الصريحة في الوقف، وهي الألفاظ التي تدل على الوقف عرفًا، أو شرعًا، ولا تحتمل شيئًا آخر.
وأما ألفاظ الكناية، فهي التي تحتمل معنى الوقف، وتحتمل غيره، كقولك: تصدقت، وحرمت وأبدت، فلفظ الصدقة يستعمل في الزكاة ويستعمل في الوقف، وكذا لفظ التحريم، والتأبيد.
والفرق بين الصريح والكناية:
أن الصريح لا يحتاج إلى وقوعه إلى نية، بخلاف الكناية.
قال في الجوهرة النيرة: «وألفاظ الوقف ستة: وقفت، وحبست، وسبلت، وتصدقت، وأبدت، وحرمت، فالثلاثة الأولى صريح، وباقيه كناية لا يصح إلا بالنية» (٢).
وصيغة تصدقت عند المالكية لا تدل على الوقف إلا بثلاثة أمور:
إما أن يقترن بها قيد، نحو: لا يباع ولا يوهب.
أو تكون الصدقة على جهة لا تنقطع، كالفقراء.
стр. 7402
أو كانت الصدقة لمجهول، ولو كان محصورًا، كالصدقة على عقب فلان (١).
جاء في حاشية الدسوقي: «فإن كان ـ يعني الوقف ـ بلفظ حبست، أو وقفت فظاهر، وإن كان بلفظ تصدقت فلابد من قيد نحو (لا يباع ولا يوهب) وإلا كان ملكًا لهم» (٢).
وقال الدسوقي أيضًا: «يصح الوقف ويتأبد إذا وقع لمجهول محصور كـ على فلان وعقبه ولو بلفظ (تصدقت)؛ لأن قوله: (وعقبه) دليل على أنه وقف» (٣).
وجاء في الشرح الصغير: «وأما تصدقت؛ فلا يفيد الوقف إلا بقيد يدل عليه، (أو) على (جهة لا تنقطع)» (٤).
وجه هذا القول:
أن تعليق الصدقة بجماعة ينتقل إليه بعد انقراض بعض بنيه أن المراد بذلك الصدقة بالمنافع؛ لأن الرقبة لا يصح فيها نقلها بالصدقة عن قوم إلى قوم، وإنما يصح ذلك في المنافع، وهذا معنى الحبس (٥).
وفي مذهب الشافعية، قال الشيرازي: «وأما التصدق فهو كناية فيه؛ لأنه مشترك بين الوقف، وصدقة التطوع، فلم يصح الوقف بمجرده.
стр. 7403
فإن اقترنت به نية الواقف.
أو لفظ من الألفاظ الخمسة، بأن يقول: تصدقت به صدقة موقوفة، أو محبوسة، أو مسبلة، أو مؤبدة، أو محرمة.
أو حكم الوقف، بأن يقول: صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، صار وقفًا؛ لأنه مع هذه القرائن لا يحتمل غير الوقف.
وأما قوله: حرمت، وأبدت، ففيه وجهان:
أحدهما: كناية، فلا يصح به الوقف إلا بإحدى القرائن التي ذكرنا؛ لأنه لم يثبت له عرف الشرع، ولا عرف اللغة، فلم يصح الوقف بمجرده كالتصدق.
والثاني: أنه صريح؛ لأن التحريم والتأبيد في غير الأبضاع لا يكون إلا بالوقف فحمل عليه» (١).
وجاء في المغني: «وأما الكناية، فهي: تصدقت، وحرمت، وأبدت، فليست صريحة؛ لأن لفظة الصدقة والتحريم مشتركة، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة، والهبات، والتحريم يستعمل في الظهار، والأيمان، ويكون تحريمًا على نفسه، وعلى غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم، وتأبيد الوقف، ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال، فلا يحصل الوقف بمجردها، ككنايات الطلاق فيه.
فإن انضم إليها أحد ثلاثة أشياء، حصل الوقف بها:
أحدها: أن ينضم إليها لفظة أخرى تخلصها من الألفاظ الخمسة، فيقول: صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو محرمة، أو مؤبدة، أو يقول: هذه محرمة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو مؤبدة.
стр. 7404
الثاني: أن يصفها بصفات الوقف، فيقول: صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث؛ لأن هذه القرينة تزيل الاشتراك.
الثالث: أن ينوي الوقف، فيكون على ما نوى، إلا أن النية تجعله وقفًا في الباطن دون الظاهر؛ لعدم الاطلاع على ما في الضمائر، فإن اعترف بما نواه لزم في الحكم؛ لظهوره، وإن قال: ما أردت الوقف فالقول قوله؛ لأنه أعلم بما نوى» (١).
الراجح:
أن الفرق بين اللفظ الصريح والكناية، أن الصريح لا يفتقر إلى النية بخلاف الكناية، وعليه فبعض صور الكناية السابقة هي من الصريح، فإذا كان العلماء لا يختلفون أنه إذا قال: أرضي موقوفة، أن هذا صريح، فإذا قال: أرضي صدقة موقوفة كيف يستقيم أن نقول: هذا من الكناية؟ مع أنها في دلالة الوقف لا تحتمل غيره، ولا تحتاج إلى نية، ولاشتمالها على اللفظ الصريح، ومثل هذا قولنا: صدقة لا تباع ولا توهب، ولا تورث، أو نقول كما قال بعض الفقهاء: الصريح قسمان: صريح بنفسه، وصريح بغيره، أما أن نقول: إن هذه من ألفاظ الكناية فهذا عندي ضعيف، والله أعلم.
* * *
стр. 7405
المبحث الثاني
الوقف بالصيغة الفعلية
يصح الوقف بالفعل الدال عليه قياسًا على البيع
[م-١٤٨٦] اختلف الفقهاء في إنشاء الوقف بالفعل دون القول على قولين:
القول الأول:
يجوز، وهو مذهب الجمهور في الجملة (١).
стр. 7406
القول الثاني:
لا يصح الوقف إلا بالقول، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
قال الشيرازي: «ولا يصح الوقف إلا بالقول، فإن بنى مسجدًا وصلى فيه، أو أذن للناس بالصلاة فيه لم يصر وقفًا» (٢).
واستثنى الشافعية مسألتين من اشتراط اللفظ:
الأولى: صحة الوقف بالإشارة، أو بالكتابة من الأخرس.
جاء في مغني المحتاج: «ولا يصح الوقف إلا بلفظ من ناطق يشعر بالمراد، كالعتق .... وفي معناه إشارة الأخرس المفهمة، وكتابته» (٣).
стр. 7407
المسألة الثانية: إذا بنى مسجدًا، أو مقبرة، أو رباطًا، أو بئرًا في موات، ونوى جعله وقفًا، فإنه يصير وقفًا، ولا يفتقر إلى اللفظ، فإن كان ذلك في أرض مملوكة، فلا يكون وقفًا بالفعل، بل لابد من القول.
قال في مغني المحتاج: «يستثنى من اشتراط اللفظ ما إذا بنى مسجدًا في موات، ونوى جعله مسجدًا؛ فإنه يصير مسجدًا، ولم يحتج إلى لفظ .... لأن الفعل مع النية مغنيان هنا عن القول، ووجهه السبكي بأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجدًا» (١).
وجاء في حاشية عميرة: «ولا يصح إلا بلفظ، أي: ولو كان بناء مسجد، بخلاف ما لو أحيى مواتًا بنية المسجد، أو المقبرة، أو البئر، أو الرباط أو المدرسة، وما أشبه ذلك كما نبه عليه الزركشي» (٢).
دليل الجمهور على صحة الوقف بالفعل الدال عليه:
الدليل الأول:
الأصل في العقود والإسقاطات الإباحة، ولا يمنع منها شيء إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل مع القائلين بعدم صحة الوقف عن طريق المعاطاة، ولو كان اللفظ شرطًا في صحة الوقف لبينه الشارع بيانًا عامًا، ولو بينه لنقل إلينا، فلما لم ينقل علمنا أن اللفظ ليس بشرط.
الدليل الثاني:
أن الله استحب لنا الصدقة، ومنها الوقف، ولم يحد لنا كيفية معينة،
стр. 7408
فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق، وقد جرى العرف أن من بنى مسجدًا، وخلى بينه وبين الناس للصلاة فيه، ولم يخص قومًا دون قوم، ولا فرضًا دون نفل، أو بنى مقبرة وخلى بينها وبين الناس للدفن فيها أن ذلك بمنزلة قوله: وقفت هذا مسجدًا، أو هذه مقبرة، ومثله من قرب طعامًا إلى ضيفه فإنه إذن في أكله، قال تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧].
وأن من ملأ خابية ماء على الطريق كان تسبيلًا له، ومن نثر على الناس نثارًا كان إذانًا في التقاطه، والله أعلم (١).
الدليل الثالث:
قياس الوقف على البيع، والهبة، فإذا كان المسلمون في أسواقهم يتعاطون البيع عن طريق المعاطاة في كل عصر، فإذا صح البيع بالمعاطاة في أصح قولي العلماء صح الوقف بالفعل الدال عليه قياسًا على البيع.
دليل من قال: لا يصح الوقف إلا باللفظ:
الدليل الأول:
الوقف إزالة ملك، أو تمليك للمنفعة، فلم يصح من غير قول مع القدرة عليه، وإذا كان العتق مع قوته، وسرايته لا يصح إلا باللفظ فهذا أولى (٢).
стр. 7409
ويناقش:
القول بأن الوقف لا يصح من غير قول مع القدرة عليه، هذا الكلام دعوى في محل النزاع، فأين الدليل عليه، ومثله يقال في العتق.
الدليل الثاني:
إزالة الملك تتوقف على الرضا، والذي هو شرط في صحة جميع التصرفات،
ففي البيع قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
وفي التبرع قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
والرضا عمل قلبي، لا يعلمه إلا الله، فهو أمر خفي، فلا بد من لفظ يدل عليه، ويناط به الحكم، سواء كان مما يستقل به الإنسان كالوقف، والطلاق، والعتاق، والعفو، والإبراء، أو من غيره مما لا يستقل به وحده، كالبيع، والإجارة، والنكاح، ونحوها.
ويناقش:
بأن الرضا عمل قلبي، والفعل دال عليه، وإذا اعتبرتم الإشارة من الأخرس، وأنها تدل على ما في قلبه من الرضا، كان الفعل من غيره دالًا أيضًا على الرضا، ولا يتوقف الأمر على اللفظ.
الدليل الثالث:
القياس على عقد النكاح، فإنه لا ينعقد إلا باللفظ (١)، وقد اتفقوا على اشتراط الصيغة فيه، حتى لا يعلم أنه وجد لأحد من العلماء قول بالمعاطاة
стр. 7410
البتة، وإنما اختلفوا هل ينعقد بغير لفظ التزويج والنكاح أو لا ينعقد إلا بخصوص لفظهما (١).
وأجيب:
بأن هناك فرقًا بين عقد النكاح وبين الوقف، فاشتراط الشهادة في صحة النكاح آكد منها في الوقف، والولي شرط في صحة عقد النكاح عند الجمهور، وليس بشرط في الوقف، ولأن الأصل في الوقف الإباحة أو الندب، وهو من عقود التبرع، والأصل في الفروج التحريم حتى يعقد عليهن بملك، أو نكاح، ويحتاط للفروج ما لا يحتاط لغيرها، والله أعلم (٢).
الدليل الرابع:
المعاطاة قد يراد بها الوقف، وقد يراد بها البيع، وقد يراد بها الهبة، وقد يراد بها الإجارة، وقد يراد بها الرهن، وقد يراد بها العارية، وعليه فلا يصلح أن يكون الإعطاء سببًا في الوقف؛ لكونه جنسًا يشمل أنواعًا مختلفة من العقود، وكل عقد يختلف آثاره عن العقد الآخر، فلا بد للوقف أن يكون بالقول الدال على تحديد كل عقد بعينه، وإلا أدى ذلك إلى وقوع النزاع بين الناس، وعدم معرفة الرضا الكامل الذي أناط الله به صحة التصرف.
وأجيب:
إذا احتملت المعاطاة غير الوقف لم ينعقد بها الوقف، وإنما الكلام فيما إذا كانت المعاطاة لا تحتمل إلا الوقف، كما لو بنى دارًا على هيئة مسجد، وخلى
стр. 7411
بينها وبين الناس للصلاة فيها فإن احتمال التبرع هنا، أو الإجارة بعيد كل البعد، ومثله لو بنى مقبرة، وخلى بينها وبين الناس للدفن فيها، فإن التصرف لا يحتمل غير الوقف، وعليه نقول: لابد من الفعل من قرينة ظاهرة تدل على الوقف؛ لأن الأصل بقاء ملك الإنسان فيما يملك، ولا نخرجه عن هذا الأصل إلا بقرينة ظاهرة، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
أن الفعل إن كان معه قرينة عمل بها فإن دلت على أنه أراد الوقف صح وقفًا، أو دلت القرينة على أنه لم يرد الوقف لم يصح وقفًا، فإذا بنى مسجدًا، وخلى بينه وبين الناس للصلاة فيه فلا يخلو هذا الفعل من ثلاث حالات:
الأولى: أن ينوي الوقف، فهذا لا إشكال فيه.
الثانية: ألا ينوي شيئًا، فهذا وقف أيضًا؛ لأن هذا الفعل يلحق بالصريح، فلا يحتاج إلى نية.
الثالثة: أن ينوي خلاف الوقف، فهذا إن كان هناك قرينة تدل علي أنه لم يرد الوقف قبل ذلك منه، كما لو بنى مصلى عند بستانه، وصار الناس يصلون فيه، فهذا المصلى من حقوق المكان، ولا يدل على أنه أراد الوقف، أو أراد الناس أن يجددوا بناء المسجد، فهدموه، فأذن للناس بالصلاة في بيته، فإذا قال: إنه أراد بهذا أن ذلك إلى حين بناء المسجد، قبل ذلك منه؛ لوجود القرينة، وهو هدم المسجد.
أما لو بنى الأرض على هيئة المسجد، وخلى بينه وبين الناس للصلاة فيه، وادعى أنه لم ينو الوقف فهل يقبل قوله؟
стр. 7412
هذا ينبني على مسألتنا هذه، فالجمهور يرون أن الرجل إذا فعل ما يدل على الوقف لزم الوقف، ولا تقبل دعوى أنه لم ينو الوقف.
جاء في كتاب الوقوف للخلال من رواية أبي طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن رجل بنى مسجدًا من داره يؤذن فيه، ويصلي فيه مع الناس، وتكون نيته حين بناه وحين أخرجه على أن يؤذن فيه، ويصلي فيه حياته فإذا مات رد إلى الميراث، يجوز له إذا كان على هذا بناه؟
قال: لا، إذا أذن فيه ودعى الناس إلى الصلاة فليس يرجع في شيء قد مضى. قلت: فبيته؟ قال: ليس بيته بشيء إذا أذن، ودعا الناس إلى الصلاة فإذا صلى فيه فهو مسجد، لا يرجع فيه» (١).
وخالف في ذلك الشافعية الذي لا يرون صحة الوقف بمجرد الفعل، وقول الجمهور أقوى، والله أعلم.
* * *
стр. 7413
فرع
كتابة الوقف على العين تقوم مقام الصيغة
البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان (١).
وبعبارة أخرى الكتاب كالخطاب.
[م-١٤٨٧] اختلف العلماء في الرجل يشتري عينًا، فيجد عليها مكتوبًا هذا وقف، أو ينحت على جدار بأن هذا مسجد، هل تقوم الكتابة مقام الصيغة؟ على قولين:
القول الأول:
لا تعتبر وقفًا مطلقًا. وهذا مذهب الحنفية (٢).
جاء في البحر الرائق نقلًا من كتاب القنية: «اشترى حانوتًا فوجد بعد القبض على بابه مكتوبًا وقف على مسجد كذا: لا يرده؛ لأنها علامة لا تبنى الأحكام عليها» (٣).
وجاء في غمز عيون البصائر نقلًا من وقف الخانية: «رجل في يده ضيعة، فجاء رجل وادعى أنها وقف، وأحضر صكًا فيه خطوط العدول والقضاة الماضية، فطلب من القاضي القضاء بذلك الصك، قالوا: ليس للقاضي أن يقضي بذلك الصك؛ لأن القاضي إنما يقضي بالحجة، والحجة هي البينة أو
стр. 7414
الإقرار، أو النكول، أما الصك فلا يصلح حجة؛ لأن الخطي يشبه الخط، وكذا لو كان على باب الدار لوح مضروب ينطق بالوقف لا يجوز للقاضي أن يقضي بالوقف ما لم يشهد الشهود» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية والحنابلة إلى أن كتابة الوقف على الكتب تقوم مقام الصيغة إن كانت وقفيتها مقيدة بمدارس مشهورة، وإلا فلا، ويقوم مقام الصيغة أيضًا الكتابة على أبواب المدارس الربط، والأشجار القديمة، وعلى الحيوان (٢).
جاء في حاشية الدسوقي: «وحاصله أنه إذا وجد مكتوبًا على كتاب (وقف لله على طلبة العلم) فإنه لا يثبت بذلك وقفية حيث كانت وقفية مطلقة، فإن وجد مكتوبًا عليه وقف على طلبة العلم بالمدرسة الفلانية، أو وقف على طلبة العلم، ومقره بالمدرسة الفلانية، فإن كانت مشهورة بالكتب ثبتت وقفيته، وإن لم تكن مشهورة بذلك لم تثبت وقفيته» (٣).
جاء في شرح الخرشي: «ويثبت الوقف بالإشاعة بشروطها، وبكتابة الوقف على الكتب إن كانت موقوفة على مدارس مشهورة، وإلا فلا، ويثبت أيضًا بالكتابة على أبواب المدارس، والربط، والأشجار القديمة، وعلى الحيوان» (٤).
стр. 7415
وقال العدوي في حاشيته تعليقًا: «قوله: (إن كانت على مدارس مشهورة) أي بأن رأينا كتبًا مودوعة في خزانة في مدرسة، وعليها كتابة الوقف وقد مضى عليها مدة طويلة، وقد اشتهرت بذلك لم يشك في كونها وقفًا، وحكمها حكم المدرسة في الوقفية، فإن انقطعت كتبها، أو فقدت، ثم وجدت عليها تلك الوقفية، وشهرة تلك المدرسة في الوقفية معلومة فيكفي في ذلك الاستفاضة، ويثبت مصرفه بالاستفاضة، وأما إذا رأينا كتبًا لا نعلم مقرها، ولا نعلم من كتب عليها الوقفية، فهذه يجب التوقف في أمرها حتى يتبين حالها، وهو عيب يثبت للمشتري به الرد ..... فقول شارحنا: (وإلا فلا) أي فلا يثبت كونها وقفًا، بل يتوقف في أمرها حتى يتبين حالها» (١).
ومذهب الحنابلة نحو من مذهب المالكية.
جاء في الطرق الحكمية لابن القيم: «فما تقولون في الدار يوجد على بابها، أو حائطها الحجر، مكتوب فيه: إنها وقف، أو مسجد، هل يحكم بذلك؟
قيل: نعم؛ يقضي به، ويصير وقفًا، صرح بعض أصحابنا، وممن ذكره الحارثي في شرحه.
فإن قيل: يجوز أن ينقل الحجر إلى ذلك الموضع؟
قيل: جواز ذلك كجواز كذب الشاهدين، بل هذا أقرب؛ لأن الحجر يشاهد جزءًا من الحائط داخلًا فيه، ليس عليه شيء من أمارات النقل، بل يقطع غالبًا بأنه بنى مع الدار، ولا سيما حجر عظيم وضع عليه الحائط بحيث يتعذر وضعه بعد البناء، فهذا أقوى من شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين.
стр. 7416
فإن قيل: فما تقولون في كتب العلم، يوجد على ظهرها، وهوامشها كتابة الوقف، هل للحاكم أن يحكم بكونها وقفًا بذلك؟
قيل: ذلك يختلف باختلاف قرائن الأحوال، فإذا رأينا كتبًا مودعة في خزانة، وعليها كتابة (الوقف) وهي كذلك مدة متطاولة، وقد اشتهرت بذلك، لم نسترب في كونها وقفًا، وحكمها حكم المدرسة التي عهدت لذلك، وانقطعت كتب وقفها، أو فقدت، ولكن يعلم الناس على تطاول المدة كونها وقفًا، فتكفي في ذلك الاستفاضة، فإن الوقف يثبت بالاستفاضة، وكذلك مصرفه، وأما إذا رأينا كتابًا لا نعلم مقره، ولا عرف من كتب عليه الوقف، فهذا يوجب التوقف في أمره حتى يتبين حاله.
والمعول في ذلك على القرائن، فإن قويت حكم بموجبها، وإن ضعفت لم يلتفت إليها، وإن توسطت طلب الاستظهار، وسلك طريق الاحتياط، وبالله التوفيق» (١).
* * *
стр. 7417
الفصل الرابع
في اشتراط أن تكون الصيغة منجزة
اختلف الفقهاء في اشتراط التنجيز في صيغة الوقف، بحيث لا يكون الوقف معلقًا.
فالمنجز: هو ضد المعلق. وتكون الصيغة منجزة إذا دلت على إنشاء الوقف في الحال، وترتب آثاره وقت صدوره.
والمراد بتعليق الوقف: هو ربط حصول الوقف بحصول أمر آخر يحتمل الوجود، والعدم، كما لو قال: إن قدم زيد، أو إن شفى الله مريضي فأرضي هذه وقف.
ولما كان الوقف غير المنجز يشمل صيغتين: الوقف المعلق، والوقف المؤجل المضاف إلى زمن مستقبل فسوف نبحث كل مسألة على انفراد إن شاء الله تعالى
* * *
стр. 7418
المبحث الأول
في الوقف المعلق على شرط
المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز (١).
[م-١٤٨٨] إذا قال الواقف: إن قدم زيد أو إن شفى الله مريضي فأرضي وقف، فهل تكون الدار وقفًا بقدوم زيد، أو بشفاء المريض، أو تكون هذه الصيغة باطلة؛ لكونها غير منجزة، فلا ينعقد بها الوقف؟
في هذا خلاف بين الفقهاء على قولين:
القول الأول:
يشترط التنجيز في صيغة الوقف، فلا ينعقد الوقف إذا كان معلقًا على شرط، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
جاء في فتح القدير: «والوقف لا يقبل التعليق بالشرط» (٣).
وجاء في المهذب: «ولا يصح تعليقه على شرط مستقبل» (٤).
стр. 7419
وفي كتاب الإنصاف: «أن يقف ناجزًا، فإن علقه على شرط لم يصح» (١).
واستثنى الفقهاء من ذلك أشياء:
أحدها: لو كان التعليق بصيغة النذر، كما لو قال: لله علي إن شفى الله مريضي أن أوقف أرضي، وجب عليه أن يقف أرضه بتحقق شرطه (٢).
على أن الإنسان إذا قال: عليَّ أن أقف عقاري الفلاني على الفقراء يجب عليه ديانة أن يفعل وفاء بنذره، ولكن لا يلزم به قضاء؛ لأن النذور وجوبها ديني بحت، لا يدخل تحت القضاء، فإن نفذ النذر فوقف العقار بالفعل وقفًا مستوفيًا لشرائطه صح الوقف، ولزم قضاء بمقتضى وقفه، لا بمقتضى نذره.
الثاني: استثنى الحنفية الشرط المعلق على أمر موجود حين تعليق الوقف، كما لو قال: إن كانت هذه الدار ملكي فهي وقف، وتبين أنه مالكها حين الوقف فإنه يصح الوقف. وعللوا ذلك: بأن التعليق بالشرط الكائن تنجيز (٣).
الثالث: التعليق بالموت، وهذا سوف أفرد له بحثًا مستقلًا إن شاء الله تعالى.
стр. 7420
القول الثاني:
يصح تعليق الوقف بالشرط، وهذا مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية، وابن القيم (١).
القول الثالث:
يصح الوقف، ويبطل التعليق بناء على الشروط الفاسدة في البيع، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
دليل من قال: يصح تعليق الوقف بالشرط:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
فالعقود في الآية مطلقة، تشمل المعلق منها والمنجز.
الدليل الثاني:
الأصل في الشروط الصحة والجواز، ولا يبطل منها شيء إلا بدليل، ولا دليل على بطلان تعليق الوقف بالشرط.
الدليل الثالث:
قد صح تعليق الوقف بالشرط بالنسبة إلى البطون، بطنًا بعد بطن، بحيث لا
стр. 7421
يصير وقفًا على البطن الثاني إلا إذا انقضى البطن الأول، فإذا صح التعليق في هذه الصورة صح فيما عداه من التعليق لعدم الفرق.
الدليل الرابع:
القياس على الوصية بجامع أن كلًا منهما من عقود التبرع، فإذا صحت الوصية مع كونها معلقة على الموت صح تعليق الوقف بالشرط.
الدليل الخامس:
التعليق يشبه البيع بشرط الخيار بالإجماع، مع أن العقد فيه متردد بين الفسخ والإمضاء.
الدليل السادس:
إذا صح تعليق الإبراء بالشرط على الصحيح، صح تعليق الوقف بالشرط بجامع أن كلًا منها من باب الإسقاط، فقد قال الإمام أحمد لمن اغتابه ثم استحله: أنت في حل إن لم تعد.
فقال له الميموني: قد اغتابك وتحلله؟ فقال: ألم ترني قد اشترطت عليه (١).
فالصحيح من أقوال أهل العلم، أنه لا فرق في صحة التعليق بين التمليك والإسقاط، وبين التبرع والمعاوضة.
قال ابن القيم في معرض رده على المخالفين: «فإن فرقتم بالمعاوضة، وقلتم: إن عقود المعاوضات لا تقبل التعليق بخلاف غيرها انتقض عليكم طردًا بالجعالة وعكسًا بالهبة والوقف، فانتقض عليكم الفرق طردًا وعكسًا، وإن فرقتم
стр. 7422
بالتمليك والإسقاط فقلتم: عقود التمليك لا تقبل التعليق بخلاف عقود الإسقاط انتقض أيضا طرده بالوصية، وعكسه بالإبراء، فلا طرد ولا عكس ... (١).
° دليل من قال: لا يصح تعليق الوقف بالشرط:
الدليل الأول:
أن التمليكات المالية عدا الوصية سواء كانت واردة على الأعيان كالبيع، والإبراء، أم على المنافع كالإجارة، والإعارة بطريق المعاوضة أم بطريق التبرع كالهبة، لا يصح تعليقها على شرط متردد بين الوجود والعدم؛ لأن الملكية لابد أن تكون مستقرة جازمة، لا تردد فيها، وإلا شابهت القمار.
ويجاب عن ذلك:
بأن التعليق يختلف عن القمار، فالقمار يتردد فيه المقامر بين الغنم والغرم، بخلاف التعليق، وإنما يشبه عقد البيع بشرط الخيار، وهو جائز بالإجماع، مع أن العقد يتردد فيه بين الإمضاء، والفسخ، وسبق ذكره.
الدليل الثاني:
أن الوقف عقد يبطل بالجهالة، فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع (٢).
ويجاب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
القول بأن التعليق ينطوي على جهالة غير مسلم؛ لأن الأمر يؤول فيه إلى
стр. 7423
العلم، فإن تحقق الشرط فقد تم الوقف، وإن لم يتحقق لم يتم، وتحققه من عدمه معلوم، وليس بمجهول.
الوجه الثاني:
أن المنع من تعليق الوقف قياسًا على المنع من تعليق عقد البيع قياس غير صحيح؛ لأن الحكم في المقيس عليه لم يسلم حتى يسلم الحكم في المقيس، فإذا اختلف العلماء في الأصل (المقيس عليه) لم يكن في القياس حجة على المخالف.
وقد ناقشت مسألة تعليق البيع في عقد البيع، فأغنى عن إعادته هنا، ولله الحمد.
الوجه الثالث:
على التسليم بأن تعليق البيع يمنع صحة البيع، فإن قياس تعليق الوقف على تعليق البيع قياس غير صحيح؛ لأن هناك فرقًا بين عقود التبرعات، وعقود المعاوضات، ويغتفر في عقود التبرع ما لا يغتفر في عقود المعاوضة على الصحيح، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على الهبة، فإذا كان لا يصح تعليق الهبة على شرط لم يصح تعليق الوقف على شرط كذلك.
قال ابن عابدين: «ولا معلقًا كقوله: إذا جاء غدًا أو إذا جاء رأس الشهر ... فأرضي هذه صدقة موقوفة ... يكون الوقف باطلًا؛ لأن الوقف لا يحتمل التعليق بالخطر لكونه مما لا يحلف به، كما لا يصح تعليق الهبة» (١).
стр. 7424
وقال ابن قدامة: «ولا يجوز تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فداري وقف، أو فرسي حبيس .... ونحو ذلك، ولا نعلم في هذا خلافًا؛ لأنه نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية، فلم يجز تعليقه على شرط كالهبة» (١).
وأجيب:
يرد على هذا بنحو ما رد به على الدليل السابق، بأن تعليق الهبة على شرط مختلف في صحته: فالجمهور على منعه (٢).
وخالف في ذلك المالكية، وبه قال الحارثي من الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم، حيث ذهبوا إلى جواز تعليق الهبة على شرط (٣).
وإذا كان الحكم مختلفًا فيه لم يصح القياس عليه، ذلك أن القياس حجة، ودليل من الأدلة الشرعية، وإذا كان الأصل المقيس عليه مختلفًا فيه، لم يكن القياس عليه حجة تلزم المخالف.
стр. 7425
قال ابن القيم في معرض رده على القول بأن الهبة لا تقبل التعليق: قال: «الحكم في الأصل غير ثابت بالنص، ولا بالإجماع، فما الدليل على بطلان تعليق الهبة بالشرط؟ وقد صح عن النبي ﵇ أنه علق الهبة بالشرط في حديث جابر لما قال: «لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا، وهكذا، ثم هكذا». فإن قيل: كان ذلك وعدًا. قلنا: نعم، والهبة المعلقة بالشرط وعد» (١). والله أعلم.
° الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن من ذهب إلى القول بأنه لا يشترط التنجيز في صيغة الوقف أقوى من القول بأنه شرط، والله أعلم.
* * *