يصير وقفًا على البطن الثاني إلا إذا انقضى البطن الأول، فإذا صح التعليق في هذه الصورة صح فيما عداه من التعليق لعدم الفرق.
الدليل الرابع:
القياس على الوصية بجامع أن كلًا منهما من عقود التبرع، فإذا صحت الوصية مع كونها معلقة على الموت صح تعليق الوقف بالشرط.
الدليل الخامس:
التعليق يشبه البيع بشرط الخيار بالإجماع، مع أن العقد فيه متردد بين الفسخ والإمضاء.
الدليل السادس:
إذا صح تعليق الإبراء بالشرط على الصحيح، صح تعليق الوقف بالشرط بجامع أن كلًا منها من باب الإسقاط، فقد قال الإمام أحمد لمن اغتابه ثم استحله: أنت في حل إن لم تعد.
فقال له الميموني: قد اغتابك وتحلله؟ فقال: ألم ترني قد اشترطت عليه (١).
فالصحيح من أقوال أهل العلم، أنه لا فرق في صحة التعليق بين التمليك والإسقاط، وبين التبرع والمعاوضة.
قال ابن القيم في معرض رده على المخالفين: «فإن فرقتم بالمعاوضة، وقلتم: إن عقود المعاوضات لا تقبل التعليق بخلاف غيرها انتقض عليكم طردًا بالجعالة وعكسًا بالهبة والوقف، فانتقض عليكم الفرق طردًا وعكسًا، وإن فرقتم
стр. 7422
بالتمليك والإسقاط فقلتم: عقود التمليك لا تقبل التعليق بخلاف عقود الإسقاط انتقض أيضا طرده بالوصية، وعكسه بالإبراء، فلا طرد ولا عكس ... (١).
° دليل من قال: لا يصح تعليق الوقف بالشرط:
الدليل الأول:
أن التمليكات المالية عدا الوصية سواء كانت واردة على الأعيان كالبيع، والإبراء، أم على المنافع كالإجارة، والإعارة بطريق المعاوضة أم بطريق التبرع كالهبة، لا يصح تعليقها على شرط متردد بين الوجود والعدم؛ لأن الملكية لابد أن تكون مستقرة جازمة، لا تردد فيها، وإلا شابهت القمار.
ويجاب عن ذلك:
بأن التعليق يختلف عن القمار، فالقمار يتردد فيه المقامر بين الغنم والغرم، بخلاف التعليق، وإنما يشبه عقد البيع بشرط الخيار، وهو جائز بالإجماع، مع أن العقد يتردد فيه بين الإمضاء، والفسخ، وسبق ذكره.
الدليل الثاني:
أن الوقف عقد يبطل بالجهالة، فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع (٢).
ويجاب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
القول بأن التعليق ينطوي على جهالة غير مسلم؛ لأن الأمر يؤول فيه إلى
стр. 7423
العلم، فإن تحقق الشرط فقد تم الوقف، وإن لم يتحقق لم يتم، وتحققه من عدمه معلوم، وليس بمجهول.
الوجه الثاني:
أن المنع من تعليق الوقف قياسًا على المنع من تعليق عقد البيع قياس غير صحيح؛ لأن الحكم في المقيس عليه لم يسلم حتى يسلم الحكم في المقيس، فإذا اختلف العلماء في الأصل (المقيس عليه) لم يكن في القياس حجة على المخالف.
وقد ناقشت مسألة تعليق البيع في عقد البيع، فأغنى عن إعادته هنا، ولله الحمد.
الوجه الثالث:
على التسليم بأن تعليق البيع يمنع صحة البيع، فإن قياس تعليق الوقف على تعليق البيع قياس غير صحيح؛ لأن هناك فرقًا بين عقود التبرعات، وعقود المعاوضات، ويغتفر في عقود التبرع ما لا يغتفر في عقود المعاوضة على الصحيح، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على الهبة، فإذا كان لا يصح تعليق الهبة على شرط لم يصح تعليق الوقف على شرط كذلك.
قال ابن عابدين: «ولا معلقًا كقوله: إذا جاء غدًا أو إذا جاء رأس الشهر ... فأرضي هذه صدقة موقوفة ... يكون الوقف باطلًا؛ لأن الوقف لا يحتمل التعليق بالخطر لكونه مما لا يحلف به، كما لا يصح تعليق الهبة» (١).
стр. 7424
وقال ابن قدامة: «ولا يجوز تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فداري وقف، أو فرسي حبيس .... ونحو ذلك، ولا نعلم في هذا خلافًا؛ لأنه نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية، فلم يجز تعليقه على شرط كالهبة» (١).
وأجيب:
يرد على هذا بنحو ما رد به على الدليل السابق، بأن تعليق الهبة على شرط مختلف في صحته: فالجمهور على منعه (٢).
وخالف في ذلك المالكية، وبه قال الحارثي من الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم، حيث ذهبوا إلى جواز تعليق الهبة على شرط (٣).
وإذا كان الحكم مختلفًا فيه لم يصح القياس عليه، ذلك أن القياس حجة، ودليل من الأدلة الشرعية، وإذا كان الأصل المقيس عليه مختلفًا فيه، لم يكن القياس عليه حجة تلزم المخالف.
стр. 7425
قال ابن القيم في معرض رده على القول بأن الهبة لا تقبل التعليق: قال: «الحكم في الأصل غير ثابت بالنص، ولا بالإجماع، فما الدليل على بطلان تعليق الهبة بالشرط؟ وقد صح عن النبي ﵇ أنه علق الهبة بالشرط في حديث جابر لما قال: «لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا، وهكذا، ثم هكذا». فإن قيل: كان ذلك وعدًا. قلنا: نعم، والهبة المعلقة بالشرط وعد» (١). والله أعلم.
° الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن من ذهب إلى القول بأنه لا يشترط التنجيز في صيغة الوقف أقوى من القول بأنه شرط، والله أعلم.
* * *
стр. 7426
المبحث الثاني
الوقف المعلق بالموت
[م-١٤٨٩] اختلف الفقهاء القائلون باشتراط التنجيز في الوقف فيما إذا كان الوقف معلقًا على الموت، كما لو قال: إذا مت فأرضي هذه وقف على أقوال:
القول الأول:
يصح تعليق الوقف بالموت، ويأخذ حكم الوصية من كل وجه. فله فسخه ما دام حيًا، وله أن يبيعه، ويرهنه، إلى غير ذلك من وجوه التصرف، ولا يلزم إلا بالموت، وهذا مذهب الحنفية والشافعية، واختاره بعض الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (١).
стр. 7427
جاء في الإنصاف: «قال الحارثي: كلام الأصحاب يقتضي أن الوقف المعلق على الموت أو على شرط في الحياة لا يقع لازمًا قبل وجود المعلق عليه؛ لأن ما هو معلق بالموت وصية، والوصية في قولهم لا تلزم قبل الموت» (١).
أستدل أصحاب هذا القول:
الدليل الأول:
حكى فيها تاج الدين السبكي الإجماع على الصحة.
قال: «ولا يخالف فيها ـ يعني في صحة التعليق بالموت ـ حنفي ولا غيره» (٢).
والحق أن الخلاف فيها محفوظ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني:
القياس على تعليق العتق بالموت، وكون تعليق العتق بالموت اختص باسم خاص، وهو التدبير فلا يغير في حقيقة الأمر شيئًا؛ لأن المقصود من المعاملات مقاصدها ومعانيها بأي لفظ كان، وليس المقصود من المعاملات ألفاظها؛ إذ لم يشرع الله لنا، ولا رسوله التعبد بألفاظ معينة، لا نتعداها.
الدليل الثالث:
صح تعليق الوقف بالموت لكونه وصية، والوصية لا تقع إلا معلقة بمقتضى العقد، ولذلك يقبل الرجوع فيه قبل الموت، ويعتبر من الثلث، وإذا كان لوارث افتقر لإجازة الورثة، والوقف ليس كذلك.
стр. 7428
الدليل الرابع:
(ث-١٧٩) استدل بعضهم بما رواه أبو داود في سننه من طريق الليث، عن يحيى بن سعيد،
عن صدقة عمر، قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، بسم الله الرحمن الرحيم .... هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث، أن ثمغًا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، ألا يباع، ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل، والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من وليه، إن أكل، أو آكل، أو اشترى رقيقًا منه (١).
[صحيح وجادة، وعبد الحميد، وإن كان مجهولًا فليس له رواية في هذه القصة، وإنما قام باستنساخ الوجادة التي كانت في آل عمر ﵁] (٢).
ويناقش:
بأن هذا وصية في الولاية والنظارة، وليس وصية في الوقف؛ لأن الوقف حدث في حياة النبي ﷺ ، وكان عمر ﵁ هو الذي يلي الوقف في حياته، فأوصى أن تليه بعد وفاته ابنته حفصة أم المؤمنين ﵂، والله أعلم.
قال ابن حجر: «وتعقب بأن وقف عمر صدر منه في حياة النبي ﷺ والذي
стр. 7429
أوصى به إنما هو شرط النظر» (١).
القول الثاني:
يصح وقفًا، ويلزم من حين صدوره، ولا يمكن له فسخه، ولا ينفذ منه إلا ما كان من ثلث المال فأقل، إلا أن يجيز الورثة، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، وهو المشهور من مذهبه (٢).
وجه قول الحنابلة:
أن الحنابلة جعلوه وقفًا من حيث اللزوم اعتمادًا على الصيغة؛ لأن من أحكام الوقف لزومه في الحال، أخرجه مخرج الوصية، أم لم يخرجه، فينقطع التصرف فيه بالبيع ونحوه.
وجعلوه وصية من حيث المقدار؛ لأنه لا يستحق إلا بالموت.
جاء في شرح منتهى الإرادات «(ويلزم) الوقف المعلق بالموت (من حينه) أي حين صدوره منه. قال أحمد في رواية الميموني في الفرق بينه وبين المدبر: إن المدبر ليس لأحد فيه شيء، وهو ملك الساعة. وهذا شيء وقفه على قوم مساكين، فكيف يحدث به شيئًا؟ .... (ويكون) الوقف المعلق بالموت (من ثلثه) أي مال الواقف؛ لأنه في حكم الوصية، فإن كان قدر الثلث فأقل لزم، وإن زاد لزم في الثلث، ووقف الباقي على الإجازة» (٣).
стр. 7430
ويجاب عن ذلك:
أجاب الميموني عن قول الإمام أحمد: المدبر ليس لأحد فيه شيء، وهو ملك الساعة، وهذا شيء وقفه على المساكين، فكيف يحدث به شيئًا؟ قال الميموني: وهكذا الوقوف ليس لأحد فيها شيء الساعة، هو ملك، وإنما استحق بعد الوفاة، كما أن المدبر الساعة ليس بحر، ثم يأتي عليه وقت يكون فيه حرًا (١).
القول الثالث:
لا يصح مطلقًا. اختاره بعض الحنفية، وبعض الشافعية، وأبو الخطاب، والقاضي أبو يعلى، وابن البنا من الحنابلة (٢).
جاء في البحر الرائق نقلًا من المحيط: «لو قال: إن مت من مرضي هذا فقد وقفت أرضي هذه، لا يصح الوقف، برئ أو مات؛ لأنه تعليق» (٣).
وجاء في المغني: «وقال القاضي: لا يصح هذا ـ يعني تعليق الوقف على الموت ـ لأنه تعليق للوقف على شرط، وتعليق الوقف على شرط غير جائز، بدليل ما لو علقه على شرط في حياته» (٤).
ويناقش:
بأن تعليق الوقف في الحياة مختلف في جوازه، فلا يصح الاحتجاج على
стр. 7431
المخالف بأصل مختلف فيه؛ لأن المخالف قد يعكس القياس فيقول: إذا صح تعليق الوقف على شرط كما في أحد القولين صح تعليق الوقف على الموت، ولهذا قال ابن القيم: «الصحيح صحة تعليق الوقف بالشرط نص عليه في رواية الميموني في تعليقه بالموت، وسائر التعليق في معناه، ولا فرق البتة، ولهذا طرده أبو الخطاب، وقال: لا يصح تعليقه بالموت، والصواب طرد النص، وأنه يصح تعليقه بالموت وغيره» (١).
على أنه قد يقال: إن هناك فرقًا بين تعليق الوقف في حال الحياة، وتعليق الوقف على الموت، فما كان في الحياة كان وقفًا لازمًا بخلاف ما كان معلقًا بالموت، فإنه ليس بلازم على الصحيح؛ لأنه وصية، وله الرجوع عنه ببيعه، والتصرف فيه حال حياته، وإذا مات كان في الثلث، إلا أن يجيز الورثة، وتصح الوصية بالمجهول، والمعدوم، وللمجهول، والحمل وغير ذلك، وهذه فروق تجعل قياس الوصية على الوقف قد لا يصح، كما أن عقد الوصية عقد لا يقع إلا معلقًا بخلاف الوقف.
القول الرابع:
ذهب المالكية، وبعض الحنابلة، إلى أن صيغة الوقف تقبل التعليق، وليس التجيز شرطًا في صحة الوقف، وعليه فيصح تعليقه بالموت، ويكون وقفًا وليس وصية (٢).
стр. 7432
جاء في شرح الخرشي: «الوقف لا يشترط فيه التنجيز، بل يصح إذا كان لأجل كالعتق» (١).
وقال ابن القيم: «الصواب صحة تعليق الوقف بالشرط، نص عليه في رواية الميموني في تعليقه بالموت، وسائر التعليق في معناه، ولا فرق البتة، ولهذا طرده أبو الخطاب، وقال: لا يصح تعليقه بالموت، والصواب طرد النص، وأنه يصح تعليقه بالموت وغيره، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، وهو مذهب مالك، ولا يعرف عن أحمد نص على عدم صحته، وإنما عدم الصحة قول القاضي وأصحابه.
وفي المسألة وجه ثالث: أنه يصح تعليقه بشرط الموت، دون غيره من الشروط، وهذا اختيار الشيخ موفق الدين، وفرق بأن تعليقه بالموت وصية، والوصية أوسع من التصرف في الحياة، بدليل الوصية بالمجهول والمعدوم، والحمل. والصحيح الصحة مطلقًا، ولو كان تعليقه بالموت وصية لامتنع على الوارث» (٢).
وقد استدلوا على هذا القول بأدلة سوف نذكرها في مسألة تعليق الوقف في حال الحياة، فانظرها هناك مشكورًا.
° الراجح:
صحة تعليق الوقف بالموت، ويكون وصية، فيصح بالثلث، ولا يصح بأكثر منه، ولا لوارث إلا بإجازة بقية الورثة، والله أعلم.
* * *
стр. 7433
الفصل الخامس
في اشتراط أن تكون الصيغة جازمة
المبحث الأول
الوعد بالوقف
[م-١٤٩٠] أفتى العلماء بأن مجرد الوعد بالوقف لا يعتبر وقفًا، كما أن مجرد الوعد بالبيع، أو بالشراء لا يعتبر عقدًا.
جاء في إعانة الطالبين: «يصح تعليقه بالموت، كإذا مت فداري وقف على كذا، أو فقد وقفتها؛ إذ المعنى فاعلموا أني قد وقفتها بخلاف إذا مت وقفتها، والفرق أن الأول إنشاء تعليق، والثاني تعليق إنشاء، وهو باطل؛ لأنه وعد محض» (١).
فاعتبر قوله: إذا مت وقفتها أن هذه الصيغة باطلة، وعلل بذلك أنه وعد محض، وليس تعليقًا للوقف على الموت.
وقال الشيخ مصطفى الزرقا «يجب أن تشتمل صيغة الوقف على الشرائط التالية:
أولًا ـ أن يكون فيها جزم بالعقد، فلا ينعقد الوقف بالوعد؛ ولا يكون الوعد فيها ملزمًا، كما لو قال الإنسان: سأقف أرضي أو داري هذه على الفقراء، أو على ذريتي بل يجب أن يقول: وقفتها ونحوه بصيغة دالة على الإرادة الجازمة» (٢).
* * *
стр. 7434
المبحث الثاني
الوقف المضاف إلى زمن مستقبل
المضاف إلى وقت أو المعلق بالشرط عند وجوده كالمنجز (١).
[م-١٤٩١] اختلف الفقهاء في الوقف إذا كان مضافًا إلى المستقبل، كأن يقول: أرضي هذه وقف غدًا على قولين:
القول الأول:
الوقف يقبل الإضافة إلى المستقبل، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، واختاره ابن تيمية من الحنابلة (٤).
القول الثاني:
لا يصح، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٥).
стр. 7435
واستثنى الشافعية من ذلك لو قال: أرضي هذه مسجد، أو رباط، أو مقبرة، إذا جاء رمضان.
وعللوا الصحة:
بأن هذه الصيغة تضاهي تحرير الرقبة (العتق): أي تشبه العتق في انفكاك الوقف عن اختصاص الآدميين (١).
وأدلة الخلاف في هذه المسألة هي أدلة المسألة السابقة نفسها؛ فالتعليق والإضافة إلى المستقبل كل منهما يخالف التنجيز، فمن رأى أن التنجيز شرط في صيغة الوقف لم يقبل التعليق، ولا الإضافة إلى المستقبل.
ومن رأى أن التنجيز ليس بشرط لم يمنع الأمرين، ولهذا أكثر الباحثين يذكرون المسألتين كمسألة واحدة، ولا يفرقونهما كمسألتين، ولولا أن الحنفية اختلف قولهم في المسألتين لجعلتهما مسألة واحدة، ولم أفرقهما.
وكما رجحنا في المسألة السابقة بأن التنجيز ليس بشرط نرجحه في هذا الباب، والله أعلم.
* * *
стр. 7436
الفصل السادس
في اشتراط أن تكون الصيغة خالية من التوقيت
توقيت الوقف لا يمنع من صحته قياسًا على توقيت الهبة في العمرى والرقبى.
المطلق فيما يحتمل التأبيد بمنزلة المصرح بذكر التأبيد (١).
[م-١٤٩٢] اختلف الفقهاء في صيغة الوقف هل يشترط أن تكون مؤبدة، أو يجوز توقيت الوقف؟
وعلى القول باشتراط التأبيد، هل يشترط أن ينص صراحة على التأبيد، أو يكفي أن تخلو صيغة الوقف من التوقيت؟ وإليك بيان هذا الاختلاف:
القول الأول:
التأبيد شرط لصحة الوقف، إلا أنه يكفي فيه أن تخلو صيغة الوقف من التوقيت، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، والمذهب عند الشافعية، والحنابلة، على خلاف بينهم فيما إذا وقت الوقف بمدة، هل يبطل الوقف، أو يصح الوقف ويلغى التوقيت؟ (٢).
стр. 7437
القول الثاني:
التأبيد شرط، ولابد أن ينص صراحة عليه، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية (١).
القول الثالث:
لا يشترط التأبيد، بل يصح أن تكون الصيغة مؤقتةً، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
جاء في المقنع: «وقفت داري سنة لم يصح، ويحتمل أن يصح، ويصرف بعدها مصرف المنقطع» (٣).
وجاء في الشرح الكبير على المقنع: «وإن قال وقفت داري سنة أو إلى يوم يقدم الحاج لم يصح في أحد الوجهين؛ لأن مقتضى الوقف التأبيد وهذا ينافيه.
والوجه الآخر: يصح؛ لأنه منقطع الانتهاء، فهو كما لو وقف على منقطع الانتهاء» (٤).
دليل من قال: لا يصح التوقيت في الوقف:
الدليل الأول:
(ح-٩٤٨) ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر،
أن عمر بن
стр. 7438
الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق بها عمر، أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث .... » (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (حبست أصلها، وقوله: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب، ولا يورث)، كل ذلك لا يفهم منه إلا التأبيد، ولو صح الوقف مؤقتًا لصح أن يباع بعد ذلك، وأن يوهب، وأن يورث.
ونوقش هذا:
بأن قوله: (لا يباع ولا يوهب ولا يورث) يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يقال: إن هذه اللفظة لا تدل على التأبيد، وإنما تدل على أن هذا هو حكم الوقف ما دام وقفًا، فإذا انتهى الوقف رجع إلى جواز بيعه، وهبته، وإرثه، كالوقف المنقطع، والتأبيد يستفاد إما لفظًا، بأن يقول: هذا وقف مؤبد، وإما معنى كما لو وقف على جهة لا تنقطع.
الثاني: أن هذه الصيغة تستلزم التأبيد، لكنه في الوقف المطلق، فإذا قيدها بوقت معين كان له ذلك؛ لأنه تبرع مشروط بشرط، فوجب العمل بشرط المتبرع؛ فالوقف تبرع بالمنفعة أو بالغلة، وإذا جاز مؤبدًا جاز مؤقتًا؛ لأنه عمل من أعمال الخير، غاية ما فيه أن المؤبد أفضل، وأكثر أجرًا، وهذا لا يبطل الوقف.
стр. 7439
الدليل الثاني:
(ح-٩٤٩) ما رواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (١).
فالوقف إذا لم يرد به التأبيد لم يكن صدقة جارية. قال في المبدع: «القصد بالوقف: الصدقة الدائمة، لقوله ﵇: أو صدقة جارية» (٢).
ويناقش:
بأن الوقف يكون صدقة جارية إذا كان على سبيل الدوام، وهذا ليس محلًا للنزاع، وإنما النزاع في اشتراط أن يكون الوقف صدقة دائمة، وهذا ليس مفهومًا من الحديث.
وقد يكون المقصود بصدقة جارية جريان الأجر بعد الموت، ولو لم يكن على سبيل الدوام.
الدليل الثالث:
الوقف إزالة ملك، سواء فسرنا إزالة الملك بالإسقاط كالعتق، أو بالتمليك كالهبات، والعتق والهبات لا يصح فيهما الرجوع، فكذا الوقف (٣).
فإذا كان لا يصح توقيت العتق، والهبة، فكذلك لا يصح توقيت الوقف (٤).
стр. 7440
ويناقش:
بأن توقيت الهبة لا يمنع من صحتها، كالعمرى والرقبى على قول.
الدليل الرابع:
الإجماع الفعلي للصحابة، فقد وقف أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، وجابر، وغيرهم (١)، فلم ينقل عن أحد منهم أنه رجع عن وقفه، أو تصرف فيه.
قال الإمام أحمد: «إذا كان في الوقف شيء من ذكر البيع فليس بوقف صحيح، وذلك أن أوقاف أصحاب رسول الله ﷺ إنما هي بتة بتلة، والشرط فيها ألا تباع، ولا توهب، فإذا دخلها البيع لم يصح» (٢).
ونوقش هذا:
بأن ما نقل إلينا من أوقاف الصحابة ﵃ إنما هو حكاية وقائع صدر الوقف فيها مؤبدًا، ولم ترد في معرض بيان أن التأبيد شرط لصحة الوقف، ولا دليل فيها على عدم جواز التوقيت، فالوقف من عمل الخير، يجوز مؤبدًا ومؤقتًا، والمؤبد أفضل من المؤقت، والأمر راجع إلى شرط المتبرع.
الدليل الخامس:
لو صح توقيت الوقف لتحول عقد الوقف إلى عارية، وهناك فرق بين الوقف وبين العارية.
стр. 7441
ويناقش:
بأن العارية لا تمليك فيها البتة، وإن ملك المعار الانتفاع مدة الإعارة إلا أنه لا يملك المنفعة، ولذلك لا يحق له بيع المنفعة، ولا هبتها بخلاف الوقف فإن منفعة الوقف ملك للموقوف عليه مدة الوقف، لا يرجع فيها الواقف.
دليل من قال: لا بد من النص على التأبيد:
الدليل الأول:
(ح-٩٥٠) ما رواه الدارقطني من طريق رواد بن الجراح، عن صدقة بن يزيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله، ما من مالي شيء أحب إلي من المائة وسق التي أطعمتنيها من خيبر، فقال له رسول الله ﵇: فاحبس أصلها، واجعل ثمرها صدقة، قال: فكتب عمر هذا الكتاب: من عمر بن الخطاب في ثمغ، والمائة الوسق التي أطعمنيها رسول الله ﵇ من أرض خيبر إني حبست أصلها وجعلت ثمرتها صدقة ... وفيه: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ما قامت السموات والأرض، جعل ذلك إلى ابنته حفصة، فإذا ماتت فإلى ذي الرأي من أهلها (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ما قامت السموات والأرض) فنص على ذكر التأبيد.
ويناقش من وجهين:
أحدهما: أن زيادة ما قامت السموات والأرض زيادة منكرة، لم يروها عن
стр. 7442
عبيد الله بن عمر إلا صدقة، تفرد بها رواد، وكل من صدقة ورواد ضعيفان، وقد رواه سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، ولم يذكر هذه الزيادة، كما رواه جماعة عن نافع، ولم يذكروها (١).
الوجه الثاني:
على فرض أن تكون الزيادة محفوظة، فإن فعل عمر رضي الله لا يدل على الشرطية، غاية ما يدل عليه أن الوقف يصح مؤبدًا، وهذا ليس محلًا للنزاع، بل إن التأبيد هو الأصل حتى لو كانت صيغة الوقف مطلقة حملت على التأبيد، وإنما النزاع هو في جعل التأبيد شرطًا في الوقف، وهذا ما لا يدل عليه قول عمر ﵁، وهذا على التسليم بصحة الزيادة.
стр. 7443
الدليل الثاني:
أن الوقف صدقة بالمنفعة أو بالغلة، وهذا يكون مؤبدًا ومؤقتًا، فمطلقه لا ينصرف إلى التأبيد، لهذا كان لا بد من التنصيص على التأبيد.
ونوقش هذا:
بأن الوقف ليس صدقة مطلقة، ولو كان كذلك لم يكن هناك فرق بين الصدقة والوقف، فالوقف يعني تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، ومطلقه يدل على التأبيد دون حاجة إلى التنصيص عليه، المهم أن تكون الصيغة خالية عن التوقيت المنافي للتأبيد.
دليل من قال: يجوز أن تكون الصيغة مؤقتة:
الدليل الأول:
الوقف صدقة من الصدقات، وفارق الصدقة باختصاص الوقف بالصدقة بالمنفعة دون الأصل، وهذا الفارق لا يوجب اشتراط التأبيد، فالصدقة تجوز أن تكون مؤبدة ومؤقتة، ولا يوجد دليل من كتاب أو سنة، أو إجماع يوجب أن تكون الصدقة مؤبدة، ولأنه إذا جاز للإنسان أن يتقرب بكل ماله وببعضه، جاز له أن يتقرب به في كل الزمان وفي بعضه.
ونوقش هذا:
هناك فرق بين أن يقف بعض ماله فيجوز، وبين أن يقف في بعض الزمان فلا يجوز؛ لأنه ليس في وقف بعض ماله رجوع في الوقف، وفي وقفه في بعض الزمان رجوع في الوقف.
стр. 7444
ورد هذا:
بأن الوقف المؤقت ليس رجوعًا في الوقف، وإنما هو إمضاء للوقف مدة معينة بالشرط، نعم يصدق عليه أنه رجوع في الوقف لو أنه وقفه لمدة شهر، وبعد مضي عشرة أيام أراد الرجوع، وفرق بين الرجوع في الصدقة، وبين إمضاء الصدقة مدة معينة بالشرط.
الدليل الثاني:
قياس جواز توقيت الوقف على جواز اشتراط الواقف توقيت انتفاع الموقوف عليه بالعين الموقوفة، فإذا جاز للواقف أن يقيد بالشرط مدة انتفاع الموقوف عليه بالغلة، جاز بالضرورة تقييد الوقف بمدة.
ونوقش هذا:
بأن تقييد انتفاع الموقوف عليه بالعين الموقوفة لا يخل باشتراط التأبيد في الوقف، بخلاف توقيت الوقف، والله أعلم.
الراجح:
جواز توقيت الوقف بمدة معينة؛ لأنه بر وإحسان، ولا ينبغي أن يتشدد في شروطه، ولا مفسدة في توقيت الوقف، وكل ما لا مفسدة فيه يجب التوسعة فيه خاصة إذا كان من أعمال الخير كالوقف، والإنسان قد يكون عنده قطعة أرض لا يحتاجها مدة معينة فيتصدق بغلتها هذه المدة، فما هي المفسدة في ذلك حتى تمنع؟! والله أعلم.
* * *
стр. 7445
الباب الثالث
في أحكام الموقوف
الفصل الأول
في شروط الموقوف
الشرط الأول
في اشتراط أن يكون الموقوف مالًا
يصح وقف كل ما يباح الانتفاع به مع بقاء أصله (١).
[م-١٤٩٣] يشترط في الموقوف أن يكون مالًا، زاد الحنفية: متقومًا (٢).
وهذه الزيادة عند الحنفية راجعة إلى الخلاف بين الحنفية والجمهور في تعريف المال في الاصطلاح:
فالجمهور يشترطون في الشيء حتى يكون مالًا أن يكون الانتفاع به مباحًا، فالشيء إذا لم يكن مما يباح الانتفاع به شرعًا فليس بمال أصلًا.
стр. 7446
جاء في الأوسط: «كل ما لا ينتفع به فليس بمال، سواء كان ذلك لتحريمه كالخمر، أو لقلته كحبة الأرز، أو لخسته كبعض الحشرات» (١).
وقال ابن عبد البر: كل ما تملك وتمول فهو مال (٢).
وأما الحنفية فلا يشترطون في المالية إباحة الانتفاع، وهذا الذي دفعهم إلى تقسيم المال إلى متقوم وغير متقوم، ليخرجوا المال غير المتقوم أن يكون محلًا للوقف، أو للتعاقد، نظرًا لعدم تقويمه.
يقول ابن عابدين في حاشيته: «المال أعم من المتقوم (٣) ; لأن المال ما يمكن ادخاره، ولو غير مباح كالخمر والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة فالخمر مال لا متقوم ... » (٤).
وقال أيضًا: «فما يباح بلا تمول لا يكون مالًا كحبة حنطة، وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدم .. » (٥).
وعلى هذا يشترط عند الجمهور فيما يصح وقفه أن يكون مالًا.
وعند الحنفية يشترط أن يكون متمولًا مع إباحة الانتفاع، فإذا تمول كان مالًا، وإذا أبيح انتفاعه كان متقومًا، ولهذا قالوا: يشترط أن يكون مالًا متقومًا: وهو معنى قولنا: أن يكون متمولًا يباح الانتفاع به.
стр. 7447
ولم ير الجمهور حاجة إلى اشتراط أن يكون متقومًا؛ لأن ما ليس بمتقوم لا يعتبر مالًا.
والخلاف خلاف اصطلاحي، ولا مشاحاة في الاصطلاح، مع أنني أرى أن قول الجمهور أقرب للصواب، فلا حاجة إلى القول بأن الخمر مال غير متقوم، فإذا فقد قيمته شرعًا فقد ماليته، وسبق الكلام عن ذلك في عقد البيع عند الكلام على تعريف المال.
وعلى هذا فإن القدر الذي لا يختلف الفقهاء في صحة وقفه أن يكون الموقوف معلومًا، مملوكًا، يباح الانتفاع به، مع بقاء أصله (١)، على خلاف بينهم في صحة وقف المنفعة، والمشاع، والمرهون، والمنقول من الأعيان كالسلاح، والنقود، والكلاب المعلمة، وسوف نتعرض لهذه المسائل إن شاء الله تعالى بالبحث في مباحث مستقلة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 7448
الشرط الثاني
في اشتراط أن يكون الموقوف مملوكًا
الوقف إما إسقاط أو تمليك وكلاهما لا يصحان إلا من مالك.
[م-١٤٩٤] يشترط لصحة الوقف أن يكون المال الموقوف مملوكًا (١).
واحترز بهذا الشرط من أمرين:
الأول: الأعيان التي لا تقبل التملك كالهواء.
الثاني: الأعيان التي تقبل التملك، ولكن وقفها أحد قبل تملكها كالمباحات من أرض، وشجر، وماء.
ولا أقصد بهذا الشرط الاحتراز من وقف الفضولي، فإن هذا الشرط سوف يناقش إن شاء الله تعالى في أحكام الواقف، وليس في أحكام الموقوف.
° وجه القول بهذا الشرط:
أن حقيقة الوقف إما إسقاط كالعتق، وإما تمليك كالهبة، ولا يخرج الوقف عن هذا التوصيف على الخلاف المتقدم، وكل من الإسقاط والتمليك فرع عن ثبوت الملكية للمال الموقوف، فالعتق، والهبة لا يتوجهان إلا لمال مملوك، وبناء عليه فلا يصح وقف الأموال التي لا تقبل الملكية كالهواء، أو الأعيان قبل تملكها، وإن كانت قابلة للتملك، كالمباحات قبل إحرازها، كالحطب قبل
стр. 7449
احتطابه، والماء في بئر غير مملوك قبل إحرازه، وحيوان الصيد قبل صيده، ونحو ذلك.
قال النووي في بيان ما يصح وقفه، قال: «كل عين معينة مملوكة ملكًا يقبل النقل، يحصل منها فائدة أو منفعة ... فاحترزنا بالعين حق المنفعة .... وبالمملوكة عما لا يملك» (١).
ويستثنى من هذا وقف السلطان لأراضي بيت المال؛ وأول من أحدث وقف أراضي بيت المال على جهات الخير نور الدين الشهيد صاحب دمشق، ثم صلاح الدين يوسف صاحب مصر لما استفتيا ابن أبي عصرون فأفتاهما بالجواز (٢).
[م-١٤٩٥] واختلف الفقهاء في توجيه القول بالصحة مع أن السلطان لا يملك بيت المال على قولين:
القول الأول:
أنه وقف حقيقي، والسلطان هو الواقف باعتباره وكيلًا عن المسلمين، فهو كوكيل الوقف، وبالتالي لا يصح الاعتراض على وقف السلطان، بأن من شرط صحة الوقف، أن يكون الوقف مملوكًا، والسلطان لا يملك ما وقفه، وهذا توجيه المالكية (٣).
стр. 7450
القول الثاني:
أنه إرصاد، وإفراز من بيت المال على بعض مستحقيه، ليصلوا إليه بسهولة، لا أنه وقف حقيقي؛ إذ من شرط الوقف أن يكون مملوكًا للواقف، والسلطان ليس بمالك لذلك. وهذا توجيه الحنابلة (١).
وثمرة الخلاف:
أنه إذا كان وقفًا لا يمكن الرجوع فيه، وإذا كان إفرازًا أمكن الرجوع فيه، وتغييره، والله أعلم.
* * *
стр. 7451
الشرط الثالث
في اشتراط أن يكون الموقوف عينًا
المنفعة يصح تمليكها بعقد المعاوضة فيصح وقفها كالأعيان.
[م-١٤٩٦] تطلق العين أحيانًا في مقابل الدين، وهذا غير مراد في هذا البحث.
وتطلق العين أحيانًا في مقابل المنفعة، وهو المقصود هنا، فالمنفعة ليست عينًا، وإنما هي عرض، كالسكنى، والركوب، ونحوها.
[م-١٤٩٧] وقد اتفق الفقهاء القائلون بمشروعية الوقف على صحة وقف الأعيان المنتفع بها على الدوام كالعقار (١)، واختلفوا في وقف المنفعة وحدها دون الرقبة لمن لا يملك العين على قولين:
القول الأول:
لا يصح، وهذا مذهب الجمهور (٢).
стр. 7452
القول الثاني:
يصح وقف المنفعة وحدها، فمن استأجر دارًا مدة معلومة، فإنه يجوز له أن يقف منفعتها في تلك المدة، وينقضي الوقف بانقضائها، وهذا مذهب المالكية (١)، واختيار ابن تيمية من الحنابلة.
قال ابن تيمية: «ولو وقف منفعة يملكها، كالعبد الموصى له بخدمته، أو منفعة أم ولده في حياته، أو منفعة العين المستأجرة فعلى ما ذكره أصحابنا: لا يصح. قال أبو العباس: وعندي هذا ليس فيه فقه، فإنه لا فرق بين هذا، ووقف البناء، والغرس، ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه، أو فرس يركبونه، أو ريحان يشمه أهل المسجد، وطيب الكعبة حكمه حكم كسوتها، فعلم أن الطيب منفعة مقصودة، لكن قد يطول بقاء مدة الطيب وقد يقصر، ولا أثر لذلك» (٢).
دليل الجمهور على اشتراط أن يكون عينًا:
الدليل الأول:
(ح-٩٥١) ما رواه النسائي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن
стр. 7453
ابن عمر، قال: قال عمر للنبي ﵇ إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إلي منها، قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي ﵇: احبس أصلها، وسبل ثمرتها.
[صحيح، وهو في الصحيحين] (١).
وجه الاستدلال:
لما كان الوقف عبارة عن تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة، لم يصح وقف المنفعة؛ لأن المنفعة لا يمكن تحبيسها؛ لأنها عرض يزول، فقبل وجود المنفعة هي في حكم المعدومة، وبعد الانتفاع بها تتلاشى وتفنى، والوقف إنما يراد به حبس العين على سبيل الدوام.
قال ابن قدامة: «ولا يصح وقف ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالأثمان والمأكول، والمشروب، والشمع؛ لأنه لا يحصل تسبيل ثمرته مع بقائه» (٢).
ويناقش:
بأن الحديث دليل على صحة وقف العين، ولا دليل فيه على منع صحة صحة وقف المنفعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المراد بتحبيس الأصل: هو
стр. 7454
المنع من التصرف في الأصل بالبيع، والهبة مدة الوقف، وهذا متحقق في وقف المنفعة، حيث يمنع مالك العين المستأجرة من التصرف في العين مدة وقف المنفعة.
الدليل الثاني:
أن تحبيس المنفعة وحدها يعني توقيت الوقف، ولو جاز التوقيت لجاز بيع الوقف، وهبته، وتوريثه.
ويناقش هذا الكلام من وجوه:
الوجه الأول:
لا يلزم من وقف المنفعة التوقيت؛ لأن ملك المنفعة قد يكون مؤبدًا أيضًا كما لو أوصي له بسكنى دار، أو خدمة عبد فهو لا يملك الدار ولا العبد، ولكن يملك منفعتهما على سبيل الدوام، فما المانع من صحة الوقف حينئذ، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى الوصية بالمنافع في كتاب الوصية، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
الوجه الثاني:
لا يوجد دليل يمنع من توقيت الوقف، وقد سبق مناقشة الخلاف في هذه المسألة في بحث مستقل، ولله الحمد.
الوجه الثالث:
بأن المنع من بيع الوقف حتى لا يؤدي إلى إبطال الوقف، ولذلك صح بيع الوقف إذا كان لا يؤدي إلى إبطاله كما في حال استبدال الوقف عند تعطل منافعه على الصحيح من أقوال أهل العلم، أما إذا كان البيع يبطل الوقف فهو ممنوع
стр. 7455
سواء كان ذلك في وقف العين، أو وفي وقف المنفعة، فالوقف إن كان متوجهًا للأصل لم يصح بيعه، ولا هبته، ولا توريثه؛ لأن التصرف في العين مبطل لوقفه، وإن كان الوقف متوجهًا للمنفعة فقط دون العين لم يصح التصرف بالعين مدة سريان وقف المنفعة؛ لأن التصرف في العين يبطل حق المستأجر في وقف المنفعة مدة ملكه لها، فإذا انتهت مدة الإجارة، وعادت العين إلى صاحبها صح له بيعها؛ لأن البيع حينئذ لم يؤد إلى إبطال وقف مالك المنفعة مدة ملكه لها، وهذا معنى القول بأن الوقف لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث: أي أنه يمنع من التصرف في الوقف بالبيع، والهبة مدة الوقف، وهذا متحقق في وقف المنفعة، حيث يمنع مالك العين المستأجرة من التصرف في العين مدة وقف المنفعة، والله أعلم.
دليل المالكية على صحة وقف المنفعة:
الدليل الأول:
عدم الدليل المقتضي للبطلان، فلا يوجد دليل نقلي صريح بالمنع، والأصل صحة وقف المنفعة حتى يقوم دليل على البطلان.
الدليل الثاني:
الأصل في الوقف هو المنفعة، والعين تبع، ولذلك صح استبدال العين على الصحيح عند تعطل المنفعة، ولا يصح وقف ما لا منفعة فيه، كل ذلك يدل على أن المراد في الوقف المنفعة لا غير.
الدليل الثالث:
لا يوجد دليل على اشتراط التأبيد لصحة الوقف، والأصل عدم الاشتراط.
стр. 7456
الدليل الرابع:
صحح العلماء الوصية بخدمة عبده، وسكنى داره مدة معلومة، وتبقى الرقبة ملكًا للورثة، والوقف مقيس عليه؛ بجامع أن كلًا منهما عقد من عقود التبرع (١).
قال ابن قدامة: «وإن أوصى بثمرة شجرة، أو بستان، أو غلة دار، أو خدمة عبد صح، سواء وصى بذلك في مدة معلومة، أو بجميع الثمرة، والمنفعة في الزمان كله، هذا قول الجمهور، منهم مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقال ابن أبي ليلى: لا تصح الوصية بالمنفعة؛ لأنها معدومة. ولنا أنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة فتصح الوصية بها كالأعيان، ويعتبر خروج ذلك من ثلث المال» (٢).
ويناقش:
بأن هناك فروقًا بين الوقف والوصية، من ذلك:
١ - أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم لقول الرسول ﵇ لعمر: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدَّقَ) (٣).
أما الوصية فإنه يجوز للوصي أن يرجع في جميع ما أوصى به، أو بعضه.
٢ - الوقف تحبيس للأصل، فلا يملك الموقوف عليه أصل المال الموقوف،
стр. 7457
وإنما يختص بمنفعته فقط، بينما الوصية تتناول العين الموصى بها، أو منفعتها للموصى له.
٣ - أن الوقف عقد ناجز، فإذا قال الرجل: وقفت بيتي، فإنه يكون وقفًا في الحال، وتمليك منفعة الوقف يكون في حياة الواقف، وبعد مماته، وأما التمليك في الوصية فلا يظهر حكمه إلا بعد موت الموصي مصرًا على وصيته.
٤ - الوقف لا حد لأكثره، بينما الوصية لا تتجاوز الثلث إلا بإجازة الورثة.
٥ - الوقف يجوز لوارث، والوصية لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة.
الراجح:
أن المنفعة يصح وقفها، ولا مفسدة في صحة ذلك، والوقف عقد من عقود التبرع يتسامح فيه بالشروط أكثر من غيره، والأصل في المعاملات الصحة والجواز، ولا يحرم منها شيء إلا لمعنى يقتضي التحريم، والمنع من وقف المنفعة تضييق بلا جلب مصلحة، ولا دفع مفسدة، وقد تكون عقود الإجارة أطول عمرًا من وقف الحيوان للجهاد، والطيب للمسجد ونحوهما.
* * *
стр. 7458
الشرط الرابع
في اشتراط أن يكون الموقوف معينًا
[م-١٤٩٨] عرفنا من الفصل السابق خلاف الفقهاء في اشتراط أن يكون الموقوف عينًا، فهل يشترط في الوقف أن يكون معينًا؟
والفرق بين العين والمعين:
أن العين في مقابل المنفعة.
وأما المعين فإنه يقابله غير المعين، وهو يشمل شيئين:
الأول: وقف ما في الذمة؛ لأن ما في الذمة غير معين.
الثاني: وقف المبهم، كإحدى داريه، ونحوها.
وسوف نبحث إن شاء الله تعالى خلاف الفقهاء في هاتين المسألتين.
* * *
стр. 7459
المبحث الأول
في وقف ما في الذمة
الوقف إسقاط، وما في الذمة يجوز إسقاطه.
ما جاز بيعه جاز وقفه.
[م-١٤٩٩] اختلف العلماء في وقف ما في الذمة قبل تعينه على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط في الموقوف أن يكون معينًا، فلا يصح عندهم وقف ما في الذمة.
والعلة في المنع عند الحنفية:
أنهم قد اشترطوا في الموقوف أن يكون مالًا متقومًا، والديون عندهم لا تعتبر مالًا ما دامت في الذمة حتى تحاز وتتعين، ومقتضى هذا القول أن ما في الذمة لا يصح وقفه (١).
وعلل الشافعية والحنابلة المنع:
بأن الوقف يقتضي إسقاط الملك عن العين الموقوفة، وما في الذمة لم يتعين حتى يتوجه الإسقاط إلى عينه، فلم يصح وقفه (٢).
стр. 7460
القول الثاني:
جواز وقف ما في الذمة، وهو قول في مذهب المالكية (١).
واحتجوا بأدلة منها:
الدليل الأول:
أن الوقف من باب الإسقاط، والإبراء، وإسقاط ما في الذمة جائز بالاتفاق.
الدليل الثاني:
أن ما في الذمة يجوز بيعه بمعين عند الأئمة الأربعة، وما جاز بيعه جاز وقفه.
الدليل الثالث:
أن الوقف من عقود التبرع، وليس من عقود المعاوضة، فهو بالهبة أشبه، وهذا ينبغي التسامح في الشروط فيه.
الدليل الرابع:
أن وقف ما في الذمة غاية ما فيه أنه يبقى الوقف معلقًا إلى أن يتعين بالإشارة، أو بالحيازة، وهذا لا يمنع من صحة الوقف فيه على الصحيح، حيث لم يشترط المالكية التنجيز في الوقف، وجوزوا الوقف المعلق، وهذا يعني جواز وقف ما في الذمة، وتعليقه على الحيازة، أو التعيين بالإشارة، وقد سبق بحث اشتراط التنجيز في الوقف في مسألة مستقلة، والحمد لله.