الفرع الثاني
في معادن الأرض
[م - ١٤٦] ذهب عامة الفقهاء إلى أن المعادن إن كانت جامدة، كالذهب، والفضة والنحاس، والرصاص، أنها تدخل في بيع الأرض؛ لأنها تعتبر جزءًا من الأرض (١).
قال ابن قدامة: «فإن كان في الأرض معادن جامدة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ونحوها دخلت في البيع وملكت بملك الأرض التي هي فيها ; لأنها من أجزائها فهي كترابها، وأحجارها ولكن لا يباع معدن الذهب بذهب ولا معدن الفضة بفضة ويجوز بيعها بغير جنسها ... » (٢).
وأما مذهب الحنفية، فإنه يمكن أن يستنبط الحكم عندهم من مسألة مشابهة، فإنهم نصوا على أن الإنسان لو اشترى سمكة، فوجد فيها لؤلؤة، فهي للمشتري؛ لأن السمك يأكل الصدف، والصدف فيه اللؤلؤ، فكان بمثابة ما لو اشترى سمكة، فوجد فيها سمكة أخرى. قلت: كذلك الأرض من شأنها أن يوجد فيها معادن جامدة (٣).
وجاء في مختصر الإنصاف والشرح الكبير: «وإن ظهر في الأرض معدن، لا
стр. 772
يعلم به البائع، فله الخيار، وروي أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر ابن عبد العزيز أرضًا، فظهر فيها معدن، فقالوا: إنما بعنا الأرض، ولم نبع المعدن، وأتوا عمر بالكتاب الذي فيه، قطيعة النبي ﷺ لأبيهم، فأخذه، وقبله، ورد عليهم المعدن، وعن أحمد: إذا ظهر المعدن في ملكه ملكه، وظاهره أنه لم يجعله للبائع، ولا جعل له خيارًا» (١).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن ظهر ذلك في الأرض - يعني المعدن - ولم يعلم به بائع، فله الفسخ» (٢).
ويرى أن ثبوت الخيار للبائع لا ينافي القول بأن المعدن من حق المشتري؛ لأنه لو كان للبائع مطلقًا للزم البيع في حق المشتري، ولوجب على المشتري تسليمه للبائع، وإنما ثبوت الخيار للجهل بالمبيع، ألا ترى أن الرجل لو اشترى نخلة قد أبرت، فثمرتها للبائع، ومع ذلك لو ادعى المشتري أنه يجهل الحكم، وأنه اشترى النخلة باعتبار أن الثمرة داخلة معها، ثبت له الخيار إن كان مثله يجهل.
قال في الإنصاف: «لو اشترى أرضًا فيه زرع للبائع، أو شجرًا فيها ثمر للبائع، وظن دخوله في البيع، أو ادعى الجهل به، ومثله يجهله، فله الفسخ» (٣). وبهذا يفهم ما جاء عن الشوكاني في السيل الجرار.
جاء فيه (ولا يدخل معدن)
قال الشوكاني في شرح ذلك: «وجه هذا: أن البائع لو علم به لم تطب نفسه
стр. 773
بالثمن الذي تراضيا عليه، فقد كشف ذلك عن اختلال التراضي، الذي هو المناط في نقل الأملاك، وإذا اختل فلا بيع، فلا بد بعد انكشاف المعدن والدفين ونحوهما من التراضي عن البيع، بثمن تطيب به نفساهما، فإن وقع منهما ذلك كان بيعًا جديدًا، وهكذا الكلام فيما وجد في بطن الشاة أنه مستحق للبائع، وأما التفصيل بين كونه إسلاميًا، أو كفريًا، فلا دخل له في الباب، بل ذلك حكم آخر يعمل البائع فيه بما يقتضيه الشرع، وهكذا حكم العنبر في سمك ونحوه، والحاصل أن من عرف أن مناط أحكام البيع الشرعية هو التراضي لم يستبعد هذا، ومن خفي عليه فمن نفسه أتي» (١).
* * *
стр. 774
الفرع الثالث
الزرع الذي يحصد مرة واحدة
[م - ١٤٧] ذهب عامة فقهاء المذاهب الأربعة على عدم دخول الزرع الذي يقلع، أو يقطع دفعة واحدة، كحنطة، وشعير، وسائر الزروع، كجزر، وفجل، ونحوهما في المبيع إلا إذا اشترطه المشتري (١).
قال في المغني: «لا أعلم فيه خلافًا» (٢).
وفي الإنصاف: «قال في المبهج: إن كان الزرع بدا صلاحه لم يتبع الأرض، وإن لم يبد صلاحه فعلى وجهين ... قال في القواعد: وهو غريب جدًا، مخالف لما عليه الأصحاب» (٣).
وجه كونه لا يدخل في الأرض:
الوجه الأول:
أنه متصل بالأرض لا على سبيل الثبات والدوام، فلم يدخل.
стр. 775
قال في البحر الرائق: «ولا يدخل الزرع في بيع الأرض بلا تسمية؛ لأنه متصل بالأرض للفصل فشابه المتاع الذي هو فيها» (١).
الوجه الثاني:
أن الزرع الذي يحصد مرة واحدة يشبه الثمرة، بجامع أن كلًا منهما يراد به النقل، وليس البقاء.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في بحث مستقل حكم الثمرة، ومن تكون له إذا بيع شجر مثمر.
وجه من قال: يتبع الأرض إذا لم يبد صلاحه:
يظهر أن هذا القول قاسه على الثمرة المؤبرة، فقبل التأبير هي من حق المشتري، وبعده من حق البائع، فجعل بدو الصلاح في الزرع بمنزلة التأبير في الثمر.
والراجح القول الأول، والله أعلم.
* * *
стр. 776
الفرع الرابع
الزرع الذي يجز مرة بعد أخرى
[م - ١٤٨] ذهب عامة الفقهاء إلى أن الزرع الذي يجز مرة بعد أخر ى أن الجزة الظاهرة عند البيع لا تدخل في المبيع إلا بالشرط، وأما أصول الزرع فهي للمشتري (١).
وقيل: تدخل في المبيع، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢).
ولعل عامة الفقهاء قاسوا ذلك على الثمرة المؤبرة، فرأوا أن ظهور الجزة بمنزلة التأبير للثمرة.
* * *
стр. 777
الفرع الخامس
في دخول البذر في بيع الأرض
[م - ١٤٩] إذا باعه أرضًا، وفيها بذر، فإما أن يبيعه الأرض والبذر معًا، وإما أن يبيعه الأرض ويطلق، فهل يدخل البذر مع الأرض تبعًا؟
فإن باعه الأرض والبذر معًا، فاختلف العلماء في صحة هذا البيع إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجوز بيع الأرض والبذر معًا، وهو مذهب الجمهور (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢).
القول الثاني:
لا يجوز بيع الأرض والبذر معًا، وهو مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
القول الثالث:
إن ذكر قدره ووصفه صح، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وسبب الخلاف، هل جهالة مقدار البذر تؤثر في صحة البيع، أو لا توثر،
стр. 778
فالجمهور يرون أن البذر تابع، وليس مقصودًا في العقد، كمن اشترى عبدًا، وله مال، فالجهالة بمقدار المال لا تؤثر في صحة العقد.
ويرى الشافعية أن ذكر البذر في الصفقة يدل على أنه مقصود في العقد، بدليل ذكره في العقد، وإذا كان مقصودًا لم يكن تابعًا، فجهالته تؤثر (١).
والقول الثالث لا يختلف عن هذا القول؛ لأنه اشترط العلم بالصفة والمقدار لتنتفي الجهالة، وإذا انتفت الجهالة صح، والله أعلم.
[م - ١٥٠] أما إذا باع الأرض وأطلق، فهل يدخل البذر تبعًا، في ذلك خلاف بين العلماء على أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن البذر إذا لم ينبت، لم يدخل في البيع، وإذا نبت، وصار له قيمة، دخل في البيع. وهذا قول واحد في المذهب. وأما إذا نبت، ولم يصر له قيمة، أو عفن في الأرض، فقولان، أصحهما أنه يدخل في البيع (٢).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الأرض إذا كان فيها بذر مستكن، فهو من حق المشتري، داخل في المبيع، لا يجوز للبائع استثناؤه (٣).
стр. 779
القول الثالث:
ذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، إلى أن البذر إن كان مما يبقى أصله في الأرض سنتين، أو ثلاثًا، دخل البذر في بيع الأرض، وإن كان البذر مما لا يبقى أصله في الأرض، صح البيع في الأرض، ولم يدخل البذر في الأرض، وللبائع تبقيته إلى أن يستحصد، فإن علم المشتري بأن الأرض مبذورة فلا خيار له، وإن لم يعلم ثبت له الخيار.
وقيل: البذر لا يدخل في بيع الأرض مطلقًا، وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة (٣).
وجه قول من قال: إذا لم ينبت لم يدخل في الأرض:
أن البذر إذا لم ينبت لم يدخل في الأرض لوجهين:
الأول: أنه ليس من جنس الأرض، فلا يتناوله الاسم لا لغة، ولا عرفًا.
والثاني: لأنه يشبه الشيء المودع في الأرض، كالمتاع ونحوه، لا يدخل فيها، وأما إذا نبت، وصار له قيمة فإنه صار جزءًا من الأرض، لا يجوز بيعه وحده، فلهذا كان تابعًا للأرض، فيدخل فيها.
وجه من قال: يدخل في بيع الأرض مطلقًا:
أن البذر المستكن في الأرض يشبه الجنين، والثمرة قبل ظهورها، فيدخل في بيع الأرض، ولا يصح للبائع استثناؤه.
стр. 780
ولأن إبار الزرع هو خروجه من الأرض عندنا، وقبل خروجه يعتبر غير مؤبر، فيدخل في بيع الأرض تبعًا.
وجه من قال: إن كان البذر يراد للبقاء دخل، وإلا لم يدخل:
قاسوا ذلك على الشجر والزرع، فإن كان البذر يبقى في الأرض السنتين والثلاث فإنه يشبه الشجر فيكون للمشتري، وإن كان لا يبقى فإنه يشبه الزرع، فيكون للبائع.
الراجح من الخلاف:
المسألة مفروضة على اعتبار أنه لا يوجد عرف يمكن الرجوع إليه، فإن كان هناك عرف قدم على غيره؛ لأن الباب كله مبني على تحكيم العرف، ثم اللغة. فإن لم يكن هناك عرف فأرى نفسي تميل إلى مذهب المالكية، وأن البذر قبل ظهوره من الأرض يعتبر بحكم المستتر في الأرض، فأخذه من الأرض فيه مشقة، وقد يضر الحرث بالأرض، وإذا كنا نعتبر الزرع بالظهور، فما ظهر من الزرع فهو للبائع، وما لم يظهر فهو للمشتري، فكذلك البذر، و الله أعلم.
* * *
стр. 781
الفرع السادس
في دخول ماء الأرض في بيع الأرض
تحرير محل الخلاف:
[م -١٥١] ليس الكلام هنا في دخول البئر في بيع الأرض، فإنه لا خلاف بين الفقهاء في دخول ذلك:
(ح-٧٦) فقد روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم.
قال البخاري: وقال عثمان: قال النبي ﷺ : من يشتري بئر رومة، فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁.
وإذا صح شراء البئر على وجه الاستقلال، جاز شراء الأرض، ودخول البئر تبعًا من باب أولى (١).
стр. 782
[م - ١٥٢] كما أنه يجوز بيع الماء وحده إذا حازه الإنسان في إناء مثلًا:
قال القرطبي: «المسلمون مجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلًا فقد ملكه، وأن له بيعه، قال بعض مشايخنا: فيه خلاف شاذ، لا يلتفت إليه» (١).
وقال المازري في المعلم: «اعلم أن من الناس من زعم أن الإجماع قد حصل على أن من أخذ من دجلة ماء في إنائه، وحازه دون الناس أن له بيعه إلا قولًا شاذًا ذكر في ذلك، لا يعتد بخلافه عنده ... » (٢).
стр. 783
والدليل على أن الماء إذا استخرج من البئر، أو حيز في إناء جاز له بيعه:
القياس على بيع الكلأ بعد حيازته، فكما أن الكلأ الناس شركاء فيه كالماء، فإذا حاز الإنسان الكلأ جاز له بيعه فكذلك الماء:
(ح-٧٧) فقد روى البخاري من حديث الزبير بن العوام،
عن النبي ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم أحبلًا، فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع، فيكف الله بها وجهه خير من أن يسأل الناس، أعطي أم منع (١).
[م - ١٥٣] وإنما البحث هنا في دخول ماء البئر في بيع الأرض، وهل يملك الماء إذا ملكت الأرض، أو لا يملك بذلك، هذا هو محل البحث.
وسبب الخلاف: اختلافهم في ملك الماء قبل حيازته بملك الأرض والبئر، ومعارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وهل يقاس الماء على الطعام إذا احتيج إليه، بحيث يجوز بذله بالقيمة، أو لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا يملك الماء بملك الأرض أو البئر قبل حيازته، إلا أن صاحب الأرض إن
стр. 784
كان محتاجًا إليه فهو أحق به، وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الماء يملك بملك الأرض أو البئر قبل حيازته، وله منع المارة من مائها إلا بثمن، إلا على قوم لا ثمن معهم، وخافوا هلاكًا على أنفسهم، أو دوابهم، فيجب عليه أن يبذل لهم مجانًا، ولو كانوا أغنياء في بلادهم، أما إذا كان معهم مال فبالثمن باتفاق أهل المذهب.
وكذلك يجب بذل فضل الماء إذا انهارت بئر جاره، وله زرع يخاف عليه التلف، فعليه أن يبذل له فضل مائه، ما دام متشاغلًا بإصلاح بئره، واختلف أصحاب مالك، هل يكون ذلك بثمن أو بغير ثمن،
فقال بعضهم: يجبر، ويعطى الثمن.
وقال بعضهم: يجبر، ولا ثمن له، وجعلوه كالشفاه من الآدميين والمواشي. هذا ملخص مذهب المالكية (٣)،
стр. 785
ومذهب الشافعية قريب منه (١)،
وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقد فصلنا أدلتهم في مسألة (بيع فضل الماء) فأغنى عن إعادتها هنا، والحمد لله على عونه وتوفيقه، وقد رجحنا هناك أن ملك البئر أو ملك الأرض لا يعني ملك الماء ما دام في مقره، لكن إذا كان الماء لا يكفي صاحبه فحاجته مقدمة على غيره، وذلك أن حديث: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء حديث
стр. 786
صحيح، وهو مطلق، يشمل ما إذا كان بيع الفضل للشفة، أو للزرع، لا فرق في ذلك، خاصة أن النهي متوجه إلى الماء، وهو في مستقره، وقبل حيازته، وهو يتجدد، وما يستخرج من البئر يعقبه ماء جديد، فهو ماء جار تحت الأرض، فالمياه تحت الأرض أنهار جارية، كالأنهار الجارية فوق الأرض، وله ممراته الخاصة، وإذا كان الناس سواء في ماء النهر، كان الناس سواء في الماء قبل الحيازة، والله أعلم.
* * *
стр. 787
الفرع السابع
في دخول الحجارة في بيع الأرض
[م - ١٥٤] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن الحجارة المخلوقة في الأرض، أو المثبتة فيها، تدخل في بيع الأرض، دون الحجارة المنقولة، والمدفونة؛ لأنها مودعة فيها أشبهت المتاع (١).
فإن كان نقل الحجارة يضر بالأرض أو ينقصها، ولم يعلم بذلك المشتري ثبت له الخيار، وإن كان عالمًا فلا خيار له، الشأن في ذلك شأن العيب يكون في السلعة.
قال ابن عابدين في حاشيته: «(قوله: اتصال قرار الخ) فيدخل الحجارة المخلوقة، والمثبتة في الأرض والدار، لا المدفونة يدل عليه قولهم: لو اشترى أرضًا بحقوقها، وانهدم حائط منها فإذا فيه رصاص، أو ساج، أو خشب إنْ من جملة البناء كالذي يكون تحت الحائط يدخل وإنْ شيئًا مودعًا فيه فهو للبائع وإن قال البائع: ليس لي فحكمه حكم اللقطة فقولهم: شيئًا مودعًا يدخل فيه الأحجار المدفونة ويقع كثيرًا في بلادنا أنه يشتري الأرض، أو الدار فيرى المشتري فيها بعد حفرها أحجار المرمر، والكذان والبلاط، والحكم فيه: إن كان مبنيًا فللمشتري، وإنْ موضوعًا لا على وجه البناء، فللبائع، وهي كثيرة الوقوع فاغتنم ذلك» (٢).
стр. 788
وقال القرافي في الذخيرة: «اللفظ الثالث: الأرض ... وتندرج الحجارة المخلوقة فيها دون المدفون ... » (١).
وقال في الفروق: «بيع الأرض يندرج تحته الأشجار، والبناء، دون الزرع الظاهر، كمأبور الثمار، فإن كان كامنًا في الأرض اندرج على إحدى الروايتين، كما تندرج الحجارة المخلوقة فيها دون المدفونة، إلا على القول بأن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها .. » (٢).
وقال الشافعي في الأم: «ولو باع رجل رجلًا أرضًا، أو دارًا، فكان له فيها خشب مدفون، أو حجارة مدفونة ليست بمبنية أن مُلْك الموضوع كله للبائع، لا يملك المشتري منه شيئًا، إنما يملك الأرض بما خلق في الأرض من ماء وطين، وما كان فيها من أصل ثابت من غرس، أو بناء، وما كان غير ثابت، أو مستودع فيها فهو لبائعه وعلى بائعه أن ينقله عنه. قال: فإن نقله عنه كان عليه تسوية الأرض حتى تعود مستوية لا يدعها حفرًا (قال): وإن ترك قلعه منه، ثم أراد قلعه من الأرض من زرعه، لم يكن ذلك له حتى يحصد الزرع ثم يقلعه إن شاء وإن كان له في الأرض خشب، أو حجارة مدفونة، ثم غرس الأرض على ذلك ثم باعه الأصل، ثم لم يعلم المشتري بالحجارة التي فيها، نظر: فإن كانت الحجارة أو الخشب تضر بالغراس، وتمنع عروقه كان المشتري بالخيار في الأخذ أو الرد ; لأن هذا عيب ينقص غرسه وإن كان لا ينقص الغراس، ولا يمنع عروقه، وكان البائع إذا أراد إخراج ذلك من الأرض قطع من عروق الشجر ما يضر به، قيل لبائع الأرض: أنت بالخيار بين أن تدع هذا، وبين رد البيع فإن
стр. 789
أحب تركه للمشتري تم البيع وإن امتنع من ذلك قيل للمشتري لك الخيار بين أن يقلعه من الأرض، وما أفسد عليك من الشجر فعليه قيمته إن كانت له قيمة أو رد البيع» (١).
وقال العز بن عبد السلام: «لا يدخل في البيع ما كان مدفونًا في الأرض من الحجارة، والكنوز، والأحطاب، والأخشاب؛ لأنه ليس جزءًا منها، ولا داخلًا في اسمها، ولا متصلا بها اتصال الأبنية» (٢).
* * *
стр. 790
المبحث الثالث
ما يدخل في بيع النخل والشجر
الفرع الأول
في ثمرة النخل والشجر
[م - ١٥٥] إذا باع نخلًا أو شجرًا، وكان عليه ثمر، فهل يدخل في البيع، أو تكون الثمرة للبائع؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول:
الثمرة للبائع مطلقًا، سواء كان مؤبرًا، أو غير مؤبر، إلا أن يشترطه المشتري.
وهذا قول أبي حنيفة، وبه أخذ محمد بن الحسن (١).
القول الأول:
الثمرة للمشتري مطلقًا، وإن لم يشترطه، وهو رأي ابن أبي ليلى (٢)، وابن عتاب من المالكية (٣).
القول الثالث:
الثمار للمشتري، إلا في النخل إذا أبر، وفي غير النخل إذا برزت جميع الثمرة عن موضعها، وتميزت عن أصلها، فإنها للبائع، وهذا مذهب
стр. 791
المالكية (١)، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٢).
القول الرابع:
الثمار للمشتري، إلا في النخل إذا تشقق طلعه، وفي غير النخل: إذا بدا ثمره، وبدو الورد والقطن ظهوره من أكمامه.
وهذا مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 792
دليل الحنفية على أن الثمرة للبائع مطلقًا أبرت أو لم تؤبر:
الدليل الأول:
(ح -٧٨) استدل الحنفية بما يروونه في كتبهم عن النبي ﷺ أنه قال: من اشترى أرضًا فيها نخل، فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع (١).
[لم أقف عليه بهذا ا للفظ، وهو مخالف لما رواه الشيخان في الصحيحين] (٢).
الدليل الثاني:
إذا وجبت الثمرة للبائع بعد الأبار، فهي أحرى أن تجب له قبل الأبار (٣).
وجه ذلك: أنه إذا كان يحق للبائع أن يستبقي الثمرة بعد أن كانت صالحة للبيع والتداول، فكونه يستبقيها قبل صلاحها، واشتدادها، وأمنها للعاهة من باب أولى.
стр. 793
ويجاب:
بأن المسألة ليست من باب جواز ذلك بالشرط، فهو يحق له أن يستبقيها قبل التأبير بالشرط على الصحيح، وإنما الكلام على دخولها في البيع المطلق، فالحديث المتفق عليه نص على أن من باع نخلًا قد أبرت فثمرها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع، وقَيْدُ التأبير يفهم منه أن النخل إذا لم يؤبر فهو للمشتري، فعدم دخول الثمرة في المبيع بعد التأبير لم نعرف ذلك من خلال اللغة، ولا من خلال العرف، وإنما عرفنا ذلك من خلال النص الشرعي، والذي فيه يفرق بين الثمرة قبل التأبير، والثمرة بعد التأبير، ومن سوى بينهما فقد سوى بين ما فرق الله ورسوله في الحكم.
الدليل الثالث:
شبه الحنفية خروج الثمرة بالولادة، فكما أن من باع أمة لها ولد، فولدها للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، كذلك الأمر في الثمرة إذا خرجت (١).
ويجاب:
بأن قياس الثمرة على الحمل قياس في مقابل النص، فيكون قياسًا فاسدًا، وقد يقال: إن الحمل الكامن يتبع الأصل، والحمل الظاهر لا يتبع، وظهور الحمل إنما يكون بالولادة، وكذلك الثمرة الكامنة تتبع الأصل، والثمرة الظاهرة لا تتبع، وظهور الثمرة يكون إما بالتشقق على قول، بحيث تخرج من مكمنها، أو بالتأبير على قول.
стр. 794
الدليل الرابع:
إذا كان اسم النخلة لا يدخل فيها الثمرة المؤبرة، فكذلك غير المؤبر مقيس عليها، لخروجه عن اسم النخلة.
وسبق الجواب على هذا، وأن قيد التأبير يفهم منه أن غير المؤبر يختلف حكمه عن المؤبر، وإلا لما كان قيد التأبير له فائدة.
قال العز بن عبد السلام: «لو باع نخلًا عليها طلع مؤبر لم يدخل في البيع؛ لأن اسم النخلة لا يتناوله وإن كان غير مؤبر فالقياس أنه لا يدخل، لخروجه عن اسم النخلة لكن الشافعي نقله إلى المشتري مع خروجه عن اسم النخلة لاستتاره كما نقل حمل الجارية والبهيمة إلى المشتري لاستتارهما وعملًا بقوله ﵇: (من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) ومفهوم هذا أن ما لم يؤبر فهو للمشتري» (١).
دليل ابن أبي ليلى على أن الثمرة للمشتري مطلقًا:
احتج ابن أبي ليلى على أن الثمرة للمشتري قياسًا على الشجر، بجامع أن كلًا منهما متصل بالأرض.
جاء في المبسوط: «قال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري، وإن لم يشترطها؛ لأن الثمرة متصلة بالمبيع اتصال خلقة، فتدخل في المبيع من غير ذكر، كأطراف العبد، وأغصان الشجر، والدليل عليه: أن النخل جعل تبعًا للأرض بسبب الاتصال، حتى يدخل في بيع الأرض من غير ذكر، فكذلك الثمرة؛ لأن الاتصال موجود فيها» (٢).
стр. 795
ويجاب:
بأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون نظرًا فاسدًا، ولعل الحديث لم يبلغ ابن أبي ليلى ﵀.
دليل ابن عتاب على أن الثمرة للمشتري:
يرى ابن عتاب أن هناك فرقًا بين أن تباع النخلة وعليها ثمرة، وبين أن تباع الأرض، وفيها شجر مثمرة، فالأحاديث تنص على أن من باع نخلًا وقد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، فالمعقود عليه النخل لا ذات الأرض، ولم تذكر ما إذا كان المعقود عليه الأرض لا ذات النخل، فإذا كان بيع الأرض يتناول بيع الشجر، فكيف لا يتناول ثمرة النخل، وهي فرع عن الشجرة، فتناول الأرض لأصله يقتضي تناولها لفرع الأصل بالأولى.
دليل من قال: الثمرة للمشتري ما لم تؤبر أو تتميز ثمرته:
(ح-٧٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم.
عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ... الحديث (١).
فالحديث نص في النخل، وفهم المالكية منه حكم ما عداه، فقالوا: الثمار التي لا تؤبر إذا برزت جميع الثمرة عن موضعها، وتميزت عن أصلها، أن ذلك بمنزلة التأبير في النخل. واقتصاره في الحديث على ثمرة النخل، إما لكونه كان الغالب بالمدينة، أو خرج جوابا لسؤال، والله أعلم.
стр. 796
دليل من قال: الثمرة للمشتري ما لم يتشقق الطلع أو تبد الثمرة .
فسر الشافعية التأبير بالتشقق، سواء حُطَّ فيها شيء أم لا.
قال النووي: الأبار: هو شقه، سواء حط فيه شيء أو لا، ولو تأبرت بنفسها: أي تشققت، فحكمها في البيع حكم المؤبرة بفعل الآدمي (١).
فعبر بالتأبير عن ظهور الثمرة، ولذلك الثمر الذي لا يؤبر أنيط الحكم بالظهور، فكذلك النخل إذا تشقق وبدا طلعه فقد ظهر ثمره.
وذهب الحنابلة بأن التشقق هو سبب التأبير، ووقته، فأنيط الحكم به.
جاء في الإنصاف: «وإنما أنيط الحكم بالتأبير في الحديث لملازمته للتشقق غالبًا» (٢).
ولأن التشقق هو سبب التأبير، فعلق الحكم به، والمراد سببه.
فالتشقق: هو وقت التأبير، وبلوغ الثمرة وقت التأبير قائم مقام التأبير، فيكون ذكر التأبير أغلبيًا.
ورجح شيخنا ابن عثيمين ﵀ رأي مالك، وأن الحكم معلق بالتأبير، وليس بالتشقق: قال ﵀: لما يلي
أولًا: لأن النبي ﷺ علقه به، وليس لنا أن نتجاوز ما حده الرسول ﷺ .
ثانيًا: أن البائع إذا أبره فقد عمل فيه عملًا يصلحه، وتعلقت نفسه به، بخلاف ما إذا لم يؤبره، فإنه لم يصنع فيه شيئًا (٣).
стр. 797
ورغم قوة هذا القول لكونه منطوق الحديث النبوي، فإنه يعكر عليه ما يلي:
أولًا: قال ابن عبد البر في التمهيد: «لم يختلف العلماء أن الحائط إذا تشقق طلع إناثه، فأخر إباره، وقد أبر غيره ممن حاله مثل حاله أن حكمه حكم ما أبر; لأنه قد جاء عليه وقت الأبار، وظهرت ثمرته بعد تغيبها في الخف» (١).
فهذا الإجماع إن صح قد يعكر على من علق الحكم بالتأبير.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار أيضًا: «الإجماع على أن الثمرة لو لم تؤبر حتى تناهت، وصارت بلحًا أو بسرًا، وبيع النخل أن الثمرة لا تدخل فيه، قالوا: فعلمنا أن المعنى في ذكر التأبير ظهور الثمرة، فاعتبروا ظهور الثمرة، ولم يفرقوا بين المؤبر وغير المؤبر» (٢).
ثانيًا: قال ابن حجر: «لا يشترط في التأبير أن يؤبره أحد، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به» (٣).
وهذا أيضًا يعكر على قول شيخنا ﵀: إن البائع إذا أبره فقد عمل فيه عملًا يصلحه، وتعلقت نفسه به، بخلاف ما إذا لم يؤبره، فإنه لم يصنع شيئًا فيه.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن مذهب ابن أبي ليلى هو أضعف الأقوال، حيث إنه يخالف صريح الحديث، ولعله لم يبلغه، ويليه بالضعف مذهب الحنفية حيث أخذوا بمنطوق حديث ابن عمر في المؤبرة، وهو لا يقول بدليل الخطاب، فألحق غير المؤبرة بالمؤبرة، وأقوى الأقوال القول بالتأبير فهو
стр. 798
أسعدها بالدليل، لأنه منطوق الحديث، فمن أخذ به فقد أخذ بظاهر الحديث، وأما القول بالتشقق فيأتي بعده بالقوة، ولا يبعد أن يكون المعنى يقتضيه.
* * *
стр. 799
المسألة الأولى
لو لم يعلم بالتأبير أو لم يعلم في حكم الثمر المؤبر
[م - ١٥٦] قال في الإنصاف: «لو اشترى أرضًا فيه زرع للبائع، أو شجرًا فيها ثمر للبائع، وظن دخوله في البيع، أو ادعى الجهل به، ومثله يجهله، فله الفسخ» (١).
وقال الشافعي في الأم: «إن كانت الأرض غائبة عند البيع عن البائع والمشتري، أو عن المشتري دون البائع، فوجد في شجرها ثمرًا قد أبر، وزرعًا قد طلع، فالمشتري بالخيار إذا علم هذا، إن كان قد رأى الأرض قبل الشراء ورضيها; لأن في هذا عليه نقصًا بانقطاع الثمرة عنه عامه ذلك، وحبس شجره بالثمرة، وشغل أرضه بالزرع، وبالداخل فيها عليه، إذا كانت له ثمرتها; لأنه ليس له أن يمنعه الدخول عليه في أرضه لتعاهد ثمرته، ولا يمنع من يصلح له أرضه من عمل له فإن أحب أجاز البيع وإن أحب رده» (٢).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وكذا مشتر نخلًا عليها طلع، ظن المشتري طلعها لم يؤبر، فيدخل في البيع، فبان مؤبرًا ... فيثبت له الخيار ... ويثبت خيار لمشتر أرضًا، أو شجرًا، ظن دخول زرع بأرض، أو دخول ثمرة على شجر لبائع، كما لو جهل وجودهما، أي الزرع والثمر لبائع؛ لتضرره بفوات منفعة
стр. 800
الأرض والشجر ذلك العام، والقول قوله أي المشتري بيمينه في جهله ذلك إن جهله مثله، كعامي؛ لأن الظاهر معه، وإلا لم يقبل قوله» (١).
* * *
стр. 801
المسألة الثانية
إذا اشترطت الثمرة على النخل
المطلب الأول
أن يشترطها المشتري
[م - ١٥٧] سبق لنا تحرير مسألة ما إذا باع نخلًا وعليها ثمرة، وأطلق البيع من غير تعرض للثمرة، فإن شرطها المشتري قبل التأبير صح الاشتراط، ويكون ذلك من باب التوكيد؛ لأن الثمرة له من غير اشتراط.
وإن اشترطها المشتري بعد التأبير كانت للمشتري بالاتفاق، إن كانت الثمرة ثمرة نخل، وقد نص حديث ابن عمر المتفق عليه على ذلك.
قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ... الحديث (١).
وثمار غير النخل مقيس عليه عند الأئمة الأربعة.
وقال ابن حزم: الظاهر من الثمار للبائع، لا يحل بيعه لا مع الأصول، ولا دونه، ولا يصح أن يشترطه المشتري؛ لأن الاشتراط إنما جاء بالنص في ثمرة النخل، والقياس عنده باطل (٢).
واستدل ابن حزم
(ح -٨٠) بما رواه الشيخان من طريق حميد،
حدثنا أنس بن مالك ﵁، عن
стр. 802
النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو، قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار أو يصفار (١).
قال ابن حزم: «لا يجوز في ثمرة النخل إلا الاشتراط فقط ما لم تزه ... فلا يجوز بيعها قبل أن تزهي أصلًا وأباح ﵇ اشتراطها فيجوز ما أجازه ﵇ ويحرم ما نهى عنه».
وانتقد العراقي قول ابن حزم، فقال: «كان مقتضى الجمود على الظاهر أن يكون ثمر غير النخل الظاهر للمشتري؛ لأنها داخلة في اسم الشجرة، وكونه يمتنع بيعها قبل بدو الصلاح بدون شرط القطع لا ينافي اندراجها تبعًا؛ لأنه يغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال» (٢).
ومذهب الظاهرية أضعف ما يكون في باب المعاملات المالية بخلاف العبادات فإن مذهبهم فيه قوة في غالب المسائل؛ لأن أحكامه غير معللة غالبًا، ولذلك أغرب من قول ابن حزم هذا قوله ﵀: «من باع نخلة أو نخلتين، وفيها ثمر قد أبر، لم يجز للمبتاع اشتراط ثمرتها أصلًا، ولا يجوز ذلك إلا في ثلاثة فصاعدًا ....
لقول رسول الله ﷺ : (من باع نخلًا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
فلم يحكم ﵇ بذلك إلا في نخل، وأقل ما يقع عليه اسم نخل، ثلاث فصاعدًا؛ لأن لفظ التثنية الواقع على اثنين معروف في اللغة التي بها نزل القرآن، وخاطبنا بها رسول الله ﷺ ، وأول لفظ الجمع إنما يقع على الثلاث فصاعدًا» (٣).
* * *
стр. 803
المطلب الثاني
أن يشترط البائع الثمرة
[م - ١٥٨] إذا شرط البائع الثمرة لنفسه بعد التأبير كان الشرط من باب التوكيد؛ لأن الثمرة له، ولو لم يشترط بمقتضى حديث ابن عمر المتفق عليه.
قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ... الحديث (١).
وإن اشترطها البائع قبل التأبير كانت له عند جماهير العلماء (٢).
وخالف مالك: فقال: لا يجوز شرطها للبائع قبل التأبير (٣).
ولا تتأتى هذه المسألة على مذهب الحنفية؛ لأنهم يقولون بأنها للبائع مطلقًا قبل التأبير وبعده، فإذا اشترطها لنفسه قبل التأبير فهو من باب التوكيد عندهم.
دليل الجمهور:
الدليل الأول:
(ح-٨١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم،
عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ... الحديث (٤).
стр. 804
وجه الاستدلال:
قوله (إلا أن يشترط المبتاع) والمبتاع وإن كان المقصود به المشتري، فإذا صح أن يشترط المشتري ما كان من حق البائع ساغ للبائع أن يشترط ما هو من حق المشتري، ولأن البائع أحد المتبايعين، فصح اشتراطه للثمرة كالمشتري.
الوجه الثاني:
أن اشتراط البائع الثمرة هو استثناء لبعض ما وقع عليه العقد، وهو معلوم، فإذا كانت الثنيا معلومة صح الاستثناء، كما لو باع بستانًا واستثنى منه نخلة معلومة.
الوجه الثالث:
أن الاستثناء استبقاء لبعض ملكه، فيصح؛ لأن الاستبقاء أقوى من الابتداء.
وجه قول مالك:
أن هذا كامن لم يظهر بعد، فكان كالجنين في بطن أمه (١).
والراجح قول الجمهور؛ لأن الاستثناء ليس بيعًا على الصحيح، وإنما إبقاء لملكه، فهو كأنه باع النخلة إلا ثمرتها، وهذا يعني أنها لم تدخل في العقد، ولذلك جاء في الذخيرة: «قال صاحب الإكمال: المشهور منع اشتراط البائع ما لم يؤبر، وعلى القول بأن المستثنى غير مبيع يجوز» (٢).
стр. 805
الفرع الثاني
في ثمر النخل إذا بيع وقد أبر بعضه
[م - ١٥٩] إذا أبر بعض النخل، وبعضه لم يؤبر، فمن تكون له الثمرة؟
هذه المسألة لا تتأتى على مذهب الحنفية، لأنهم يقولون: إن الثمرة للبائع مطلقًا قبل التأبير وبعده، ولذا سيكون تحرير الأقوال بحسب بقية المذاهب عدا الحنفية.
فقيل: إن أبرت كلها أو أكثرها، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطه المشتري، وإن أبر منها دون النصف، فإنها تكون للمشتري، وإن أبر نصفها كان لكل حكمه، فالمؤبر للبائع، وغيره للمشتري، لا فرق بين الشائع وغيره. هذا مذهب المالكية (١).
وقيل: إذا أبر نخلة تبعها في الحكم جميع النخل التي في البستان، بشرط أن يتحد المؤبر وغيره في البستان، والعقد، والنوع.
فإن اختلف في شيء منها بأن اشترى في عقد نخل بستانين، ولو متلاصقين، أو نخلًا وعنبًا،، أو في عقدين المؤبر في عقد، وغير المؤبر في عقد فلا تبعية لانقطاعهما، هذا هو الراجح في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: ما أبر للبائع، وما لم يؤبر فهو للمشتري، قليلًا كان أ و كثيرًا، وهذا
стр. 806
مذهب الحنابلة (١)، وقول في مذهب المالكية (٢).
دليل المالكية بأن الحكم للأكثر:
مشى المالكية ﵏ على القاعدة الفقهية التي تقول: (الأقل تبع للأكثر، وللأكثر حكم الكل) في مسائل كثيرة مختلفة، ومنها هذه المسألة.
قال الشاطبي: «للقليل مع الكثير حكم التبعية، ثبت ذلك في كثير من مسائل الشريعة، وإن لم يكن بينهما تلازم في الوجود، ولكن العادة جارية بأن القليل إذا انضم إلى الكثير في حكم الملغى قصدًا، فكان كالملغى حكمًا» (٣).
قال العلامة مسلم بن علي الدمشقي: «الأصول مبنية على أن الأقل تبع للأكثر» (٤).
وقال السرخسي: «إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع» (٥).
وقال ابن مفلح الصغير في المبدع: «الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام» (٦).
دليل الشافعية أنه إذا أبر واحدة فقد أبر الجميع من نفس النوع:
الدليل الأول:
(ح-٨٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن
стр. 807
الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :من باع عبدًا فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلا فيها ثمرة قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع (١).
[انفرد عبد الرزاق بلفظ (فيها ثمرة قد أبرت) والمحفوظ من باع نخلًا قد أبرت] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله (وفيها ثمرة قد أبرت) فلم يشترط تأبير جميع الثمار.
الدليل الثاني:
ولأننا إذا جعلنا المؤبر للبائع، وجعلنا غيره للمشتري، أدى ذلك إلى الاشتراك في البستان، وهذه الشراكة قد تلحق ضررًا بالبائع، والضرر في الشرع مدفوع.
ويجاب:
بأن الشراكة ليست ضررًا، ولو كانت كذلك ما جازت في البيع مطلقًا، فإذا دخل المشتري على بينة من أمره، وأن العقد سوف يقتضي الشراكة جاز لرضاه بذلك، وإذا أجاز الشرع الشراكة إذا أبرت جميع الثمار، فالأصل للمشتري، والثمار للبائع بمقتضى الحديث النبوي، وهذا فيه نوع من الشركة، جازت الشراكة في بعض النخل دون بعض، بحيث تكون ثمار النخل التي لم تؤبر للمشتري، وثمار النخل التي أبرت للبائع.
الدليل الثالث:
ولأن إفراد كل نخلة بحكم فيه عسر، وضرر، والضرر مدفوع.
الدليل الرابع:
ولأن الباطن سائر إلى الظهور، فكما يتبع باطن الصبرة ظاهرها في الرؤية، يتبع ما لم يخرج من الثمار ما خرج منها، خاصة أن الثمرة ثمرة عام واحد.
стр. 810
الدليل الخامس:
القياس على النخلة الواحدة، فإن العادة جارية بتأبير بعض ثمار النخلة على بعض، ولم تجر العادة بتأبيرها جميعها، فإذا كان يتبع غير المؤبر المؤبر في النخلة الواحدة، فليتبع غير المؤبر من الثمار الثمر المؤبر في البستان الواحد.
الدليل السادس:
القياس على جواز بيع ثمر البستان الذي بدا صلاح بعضه، فكما يتبع الثمر الذي لم يبد صلاحه يتبع الثمر الذي بدا صلاحه، فكذلك يتبع ثمرُ النخل غير المؤبر ثمرَ النخل المؤبر.
دليل الحنابلة على أن النخلة المؤبرة للبائع وغيرها للمشتري:
(ح-٨٣) استدل الحنابلة بما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم.
عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
التأبير صفة للنخل المبيعة، وحقيقة ذلك أن يكون في الجميع، أما غير المؤبر فلا يشمله الحكم.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها نجد أن مذهب الحنابلة أحوط لمن أراد أن يسلك مسلك الاحتياط، لكن القول بأنه إذا باع نخلًا بعضه مؤبر وبعضه لم يؤبر، وكان الغالب عليه التأبير أن الحكم للأكثر قول له قوة، ويتفق مع قواعد