← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

الدليل الرابع: صحح العلماء الوصية بخدمة عبده، وسكنى داره مدة معلومة، وتبقى الرقبة ملكًا للورثة، والوقف مقيس عليه؛ بجامع أن كلًا منهما عقد من عقود التبرع (١). قال ابن قدامة: «وإن أوصى بثمرة شجرة، أو بستان، أو غلة دار، أو خدمة عبد صح، سواء وصى بذلك في مدة معلومة، أو بجميع الثمرة، والمنفعة في الزمان كله، هذا قول الجمهور، منهم مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال ابن أبي ليلى: لا تصح الوصية بالمنفعة؛ لأنها معدومة. ولنا أنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة فتصح الوصية بها كالأعيان، ويعتبر خروج ذلك من ثلث المال» (٢). ويناقش: بأن هناك فروقًا بين الوقف والوصية، من ذلك: ١ - أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم لقول الرسول ﵇ لعمر: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدَّقَ) (٣). أما الوصية فإنه يجوز للوصي أن يرجع في جميع ما أوصى به، أو بعضه. ٢ - الوقف تحبيس للأصل، فلا يملك الموقوف عليه أصل المال الموقوف،

стр. 7457

وإنما يختص بمنفعته فقط، بينما الوصية تتناول العين الموصى بها، أو منفعتها للموصى له. ٣ - أن الوقف عقد ناجز، فإذا قال الرجل: وقفت بيتي، فإنه يكون وقفًا في الحال، وتمليك منفعة الوقف يكون في حياة الواقف، وبعد مماته، وأما التمليك في الوصية فلا يظهر حكمه إلا بعد موت الموصي مصرًا على وصيته. ٤ - الوقف لا حد لأكثره، بينما الوصية لا تتجاوز الثلث إلا بإجازة الورثة. ٥ - الوقف يجوز لوارث، والوصية لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة. الراجح: أن المنفعة يصح وقفها، ولا مفسدة في صحة ذلك، والوقف عقد من عقود التبرع يتسامح فيه بالشروط أكثر من غيره، والأصل في المعاملات الصحة والجواز، ولا يحرم منها شيء إلا لمعنى يقتضي التحريم، والمنع من وقف المنفعة تضييق بلا جلب مصلحة، ولا دفع مفسدة، وقد تكون عقود الإجارة أطول عمرًا من وقف الحيوان للجهاد، والطيب للمسجد ونحوهما. * * *

стр. 7458

الشرط الرابع في اشتراط أن يكون الموقوف معينًا [م-١٤٩٨] عرفنا من الفصل السابق خلاف الفقهاء في اشتراط أن يكون الموقوف عينًا، فهل يشترط في الوقف أن يكون معينًا؟ والفرق بين العين والمعين: أن العين في مقابل المنفعة. وأما المعين فإنه يقابله غير المعين، وهو يشمل شيئين: الأول: وقف ما في الذمة؛ لأن ما في الذمة غير معين. الثاني: وقف المبهم، كإحدى داريه، ونحوها. وسوف نبحث إن شاء الله تعالى خلاف الفقهاء في هاتين المسألتين. * * *

стр. 7459

المبحث الأول في وقف ما في الذمة الوقف إسقاط، وما في الذمة يجوز إسقاطه. ما جاز بيعه جاز وقفه. [م-١٤٩٩] اختلف العلماء في وقف ما في الذمة قبل تعينه على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط في الموقوف أن يكون معينًا، فلا يصح عندهم وقف ما في الذمة. والعلة في المنع عند الحنفية: أنهم قد اشترطوا في الموقوف أن يكون مالًا متقومًا، والديون عندهم لا تعتبر مالًا ما دامت في الذمة حتى تحاز وتتعين، ومقتضى هذا القول أن ما في الذمة لا يصح وقفه (١). وعلل الشافعية والحنابلة المنع: بأن الوقف يقتضي إسقاط الملك عن العين الموقوفة، وما في الذمة لم يتعين حتى يتوجه الإسقاط إلى عينه، فلم يصح وقفه (٢).

стр. 7460

القول الثاني: جواز وقف ما في الذمة، وهو قول في مذهب المالكية (١). واحتجوا بأدلة منها: الدليل الأول: أن الوقف من باب الإسقاط، والإبراء، وإسقاط ما في الذمة جائز بالاتفاق. الدليل الثاني: أن ما في الذمة يجوز بيعه بمعين عند الأئمة الأربعة، وما جاز بيعه جاز وقفه. الدليل الثالث: أن الوقف من عقود التبرع، وليس من عقود المعاوضة، فهو بالهبة أشبه، وهذا ينبغي التسامح في الشروط فيه. الدليل الرابع: أن وقف ما في الذمة غاية ما فيه أنه يبقى الوقف معلقًا إلى أن يتعين بالإشارة، أو بالحيازة، وهذا لا يمنع من صحة الوقف فيه على الصحيح، حيث لم يشترط المالكية التنجيز في الوقف، وجوزوا الوقف المعلق، وهذا يعني جواز وقف ما في الذمة، وتعليقه على الحيازة، أو التعيين بالإشارة، وقد سبق بحث اشتراط التنجيز في الوقف في مسألة مستقلة، والحمد لله.

стр. 7461

الدليل الخامس: أن وقف النقود جائز في أصح أقوال أهل العلم، والراجح في النقود أنها لا تتعين بالتعيين، فيكون وقفها من باب وقف شيء غير معين. الدليل السادس: الدين مال معلوم قدرًا، وصفة، فلا جهالة فيه وكونه غير معين لا يمنع من صحة وقفه. يقول الشوكاني في السيل الجرار: «وأما قوله: (ولا يصح تعليق تعيينه في الذمة) فوجهه عدم استقرار ما وقع الوقف عليه، وليس مثل هذا ينبغي أن يكون مانعًا من الصحة» (١). * * *

стр. 7462

المبحث الثاني في وقف المبهم اشترط التعيين في عقود المعاوضة دفعًا للجهالة، والغبن، وهذا المعنى غير موجود في وقف المبهم. [م-١٥٠٠] إذا وقف الإنسان أحد داريه، فهل يصح الوقف؟ هذا الشرط يرجع إلى شرط سابق، وهو اشتراط أن يكون الموقوف معينًا. وقد اختلف العلماء في صحة الوقف إذا كان مبهمًا على قولين: القول الأول: لا يصح، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). وجه القول بالمنع: الوجه الأول: إذا كان المبهم لا يصح بيعه، فكذلك لا يصح وقفه. ويجاب عن ذلك: بأن البيع عقد من عقود المعاوضة، وقد تكون قيمه مختلفة، بخلاف الوقف، فإنه من عقود التبرع، لا يدخله غبن، فيتسامح فيه ما لا يتسامح في البيع، ولهذا

стр. 7463

لو كانت القيم متساوية صح البيع حتى في الأعيان المبهمة على الصحيح من أقوال أهل العلم. الوجه الثاني: بأن الوقف نقل ملك على وجه الصدقة، فلم تصح في غير معين كالهبة. ويناقش: بأن العلماء قد اختلفوا في صحة الهبة إذا كانت مبهمة، وإذا اختلفوا في الأصل لم يصح القياس عليه. الوجه الثالث: حكي الإجماع على وجوب التحديد والتعيين للوقف. قال المهلب: «إذا لم يكن الوقف معينًا، وكانت له مخاريف كثيرة، وأموال كثيرة، فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد، والتعيين، ولا خلاف في هذا» (١). ويناقش: لو صح الإجماع لكان حجة، ومع ثبوت الخلاف لا يقوم الإجماع. القول الثاني: يصح وقف المبهم، اختاره الإمام البخاري. قال البخاري في الصحيح: «باب إذا تصدق، أو وقف بعض ماله، أو بعض رقيقه، أو دوابه فهو جائز» (٢).

стр. 7464

فقوله (بعض رقيقه) أراد فيه صحة وقف المشاع، وقوله: (بعض دوابه) أراد فيه صحة وقف المبهم. قال الحافظ في الفتح: «وجه كونه يؤخذ منه وقف المشاع ووقف المنقول، هو من قوله: (أو بعض رقيقه، أو دوابه) فإنه يدخل فيه ما إذا وقف جزءًا من العبد، أو الدابة، أو وقف أحد عبديه، أو فرسيه مثلًا، فيصح كل ذلك عند من يجيز وقف المنقول، ويرجع إليه في التعيين» (١). وجاء في الاختيارات لابن تيمية: «قال في المحرر: ولا يصح وقف المجهول. قال أبو العباس: المجهول نوعان: مبهم، فهذا قريب. ومعين مثل دار لم يرها، فمنع هذا بعيد، وكذلك هبته ..... ووقف المبهم مفرع على هبته وبيعه، وليس عن أحمد في هذا منع» (٢). ° الراجح: الذي أميل إليه صحة وقف المبهم، ويرجع التعيين إلى إرادة الواقف، وإن شاء أقرع بينها، وإنما اشترط التعيين في عقود المعاوضة دفعًا للجهالة، والغبن، وليس هذا المعنى موجودًا في الوقف، والله أعلم. * * *

стр. 7465

الشرط الخامس في اشتراط أن يكون الموقوف معلومًا [م-١٥٠١] تكلمنا في شرط سابق عن خلاف العلماء في اشتراط أن يكون الموقوف عينًا معينة، فإذا تعين الوقف، إلا أنه لم يعلم مقداره، كما لو وقف أرضًا لم يرها، ولم يعلم حدودها، فهذا يصدق على الوقف أنه معين، إلا أنه غير معلوم، وقد اختلف العلماء في صحة هذا الوقف على قولين. القول الأول: لا يصح، وهذا مذهب الحنابلة (١). وعللوا المنع: بأنه وقف مجهول. القول الثاني: إن كان المجهول معينًا صح استحسانًا، ولو لم يعلم مقداره، وإن كان غير معين لم يصح للجهالة، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، واختيار الإمام البخاري، وابن تيمية (٢). جاء في حاشية ابن عابدين: «لو وقف شيئًا من أرضه، ولم يسمه لا يصح، ولو بين بعد ذلك، وكذا لو قال: وقفت هذه الأرض أو هذه.

стр. 7466

نعم لو وقف جميع حصته من هذه الأرض، ولم يسم السهام جاز استحسانًا، ولو قال: وهو ثلث جميع الدار فإذا هو النصف كان الكل وقفًا ... أي كل النصف» (١). قال الشيخ مصطفى الزرقا: «لا يصح وقف الشيء المجهول، كما إذا قال الإنسان: وقفت شيئًا من مالي، أو حصة من داري هذه، ونحو ذلك. على أنه لو قال: وقفت جميع حصتي من هذه الأرض صح الوقف استحسانًا، وإن لم يذكر مقدارها؛ لأنها معينة في الواقع فيمكن معرفتها دون أن تؤدي إلى اختلاط، واشتباه، والجهالة المانعة إنما هي التي تورث التباسًا في محل الالتزام؛ إذ لا يمكن معه التنفيذ» (٢). وصحح الشافعية وقف المشاع، وإن لم يعلم قدر حصته، وصفتها، وهذا ذهاب منهم إلى صحة وقف المجهول إذا كان معينًا؛ لأن الجهالة إذا اغتفرت في المشاع اغتفرت في غيره من باب أولى. جاء في نهاية المحتاج: «ويصح وقف عقار ... ومشاع وإن جهل قدر حصته أو صفتها» (٣). وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث وقف المشاع في مسألة مستقلة، أسأل الله العون والتوفيق. وترجم البخاري في صحيحه، فقال: «باب: إذا أوقف أرضًا، ولم يبين

стр. 7467

الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة» (١). ونقل ابن بطال عن المهلب قوله: «إذا لم يبين الحدود في الوقف، فإنما يجوز إذا كان للأرض اسم معلوم يقع عليها، وتتعين به .... وأما إذا لم يكن الوقف معينًا، وكانت له مخاريف، وأموال كثيرة، فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد، والتعيين، ولا خلاف في هذا» (٢). وانتقده صاحب المتواري على أبواب البخاري قائلًا: «قوله: ولا خلاف، بل لا خلاف فيما أورده البخاري والله أعلم؛ لأنه إنما تعرض لجواز الوقف، ولقد ثبت أن الوقف على هذه الصورة لازم له، ولو استفتى من وقف بهذه الصيغة المنكرة لفظًا المتعين مقصودها نية، هل يجب عليه تنفيذ الوقف لألزمناه ذلك» (٣). وجاء في الاختيارات لابن تيمية: «قال في المحرر: ولا يصح وقف المجهول. قال أبو العباس: المجهول نوعان: مبهم، فهذا قريب. ومعين مثل دار لم يرها، فمنع هذا بعيد، وكذلك هبته» (٤). وهذا القول هو الصحيح، وأن الجهالة المؤثرة إذا كانت في عين الوقف، وأما الجهالة في مقدار الوقف فلا تضر؛ لأن الجهالة في عقود التبرع مغتفرة؛ ولأنه لا غبن فيها.

стр. 7468

قال شيخنا ابن عثيمين: «الراجح أنه يصح وقف المعين، وإن كان مجهولًا؛ لأنه تبرع محض إذا أمضاه الإنسان نفذ» (١). * * *

стр. 7469

الشرط السادس في اشتراط أن يكون الموقوف عقارًا المبحث الأول في تعريف العقار والمنقول قسم الفقهاء الأموال بالنظر إلى إمكان نقله، وتحويله إلى قسمين: عقار، ومنقول. تعريف العقار: جاء في مجلة الأحكام العدلية: العقار: غير المنقول: ما لا يمكن نقله من محل لآخر كالدور، والأراضي مما يسمى بالعقار. والمنقول: هو الشيء الذي يمكن نقله من محل إلى آخر، ويشمل النقود، والعروض، والحيوانات والمكيلات، والموزونات (١). وفي مجلة الأحكام الشرعية: «العقار: هو الأرض وحدها، أو ما اتصل بها للقرار، كالدور، والبساتين. والمنقول: هو الشيء الذي يمكن نقله من محل إلى آخر» (٢). [م -١٥٠٢] فالفقهاء متفقون على أن ما لا يمكن نقله، وتحويله من مكان إلى

стр. 7470

آخر يسمى عقارًا، وأن ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر مع بقاء صورته وهيئته منقول. [م-١٥٠٢] واختلفوا فيما يمكن نقله مع تغيير صورته عند النقل، كالبناء، والشجر، هل هو عقار، أو منقول؟ على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية إلى اعتباره من المنقولات إلا إذا كانا تابعين للأرض، فيسري عليهما حكم العقار بالتبعية (١). القول الثاني: ذهب الجمهور إلى اعتبار ذلك من العقار (٢). ° الراجح الراجح والله أعلم قول الجمهور، وهو أن العقار يشمل الأرض، وما اتصل بها من بناء أو شجر. قال في مختار الصحاح: العقار بالفتح مخففًا: الأرض والضياع والنخل (٣). وفي اللسان: العقار بالفتح: الضيعة، والنخل والأرض (٤). * * *

стр. 7471

المبحث الثاني خلاف العلماء في وقف المنقول صحة وقف بعض المنقولات دليل على صحة وقف سائرها. تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة كما يصح في العقار يصح في المنقول. [م-١٥٠٣] أجمع الفقهاء بأن العقار يصح وقفه. قال المرداوي: وقف غير المنقول يصح بلا نزاع (١). [م-١٥٠٤] كما أجمعوا على صحة وقف المنقول تبعًا للعقار، قال الزيلعي: «وقف المنقول تبعًا للعقار جائز بالإجماع» (٢). [م-١٥٠٥] واختلفوا في وقف المال المنقول على أقوال: القول الأول: لا يصح وقفه، وهذا قول أبي حنيفة (٣)، ورواية عن أحمد (٤).

стр. 7472

القول الثاني: لا فرق بين العقار والمنقول في باب الوقف، والجميع يصح وقفه، وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٣).

стр. 7473

القول الثالث: يصح وقف السلاح، والكراع من المنقولات، وهذا مذهب أبي يوسف من الحنفية (١). القول الرابع: يصح وقف ما جرى العرف بوقفه، وهذا رأي محمد بن الحسن من الحنفية (٢). وعرف الناس في وقف المنقول لا يتقيد بالقديم، فالحادث والقديم فيه سواء، فما جد التعارف على وقفه صح وقفه وإن لم يكن قبله صحيحًا، وإذا تعارف الناس على وقف نوع من المنقولات في زمان، ثم ترك، لم يصح ما يوقف منه بعد زوال العرف، وإذا تعارفوا وقف نوع في بلد صح فيه دون غيره، فوقف القمح مثلًا غير متعارف عليه في الأقطار المصرية، فلا يصح، ووقف الدراهم والدنانير متعارف عليه في الديار الرومية فيصح فيها دون سواها (٣). دليل من قال: يصح وقف المنقول: الدليل الأول: (ح-٩٥٢) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل،

стр. 7474

وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، ورسوله، وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة، ومثلها معها (١). قال الخطابي: «وفي الحديث دليل على جواز إحباس آلات الحروب من الدروع، والسيوف، والجحف، وقد يدخل فيها الخيل والإبل؛ لأنها كلها عتاد للجهاد، وعلى قياس ذلك الثياب، والبسط والفرش، ونحوها من الأشياء التي ينتفع بها مع بقاء أعيانها» (٢). الدليل الثاني: (ح-٩٥٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن حفص، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا طلحة بن أبي سعيد، قال: سمعت سعيدًا المقبري يحدث، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده، فإن شبعه، وريه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة (٣). قال الحافظ: «ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات .. » (٤). الدليل الثالث: (ح-٩٥٤) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن

стр. 7475

مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل، ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح، والكراع عدة في سبيل الله (١). الدليل الرابع: (ح-٩٥٥) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي، فهو صدقة (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: قال ابن حجر في الفتح: «وفي حديث أبي هريرة دلالة على صحة وقف المنقولات، وأن الوقف لا يختص بالعقار؛ لعموم قوله: ما تركت بعد نفقة نسائي ... » (٣). قلت: ولا يمكن حمل الصدقة على صدقة التطوع؛ لأن ذلك التصرف كما كان في حياته ﵇ كما في حديث عمر، كان أيضًا بعد وفاته ﵇ كما في حديث أبي هريرة، وهذا لا يصدق إلا على صدقة الوقف، لأن الملكية تنقطع بالموت، والله أعلم.

стр. 7476

الدليل الخامس: أن حقيقة الوقف: هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وهذا حاصل في المنقول، كما هو حاصل في العقار. الدليل السادس: أين الدليل على اشتراط التأبيد في العين الموقوفة، فوقف الماء للشرب جائز، مع أنه منقول، ومستهلك، فكذلك يصح وقف المنقول غير المستهلك من باب أولى. وعلى فرض أن يكون التأبيد شرطًا في العين الموقوفة، فإن التأبيد في كل عين بما يناسبها، فيكون معنى التأبيد فيه مقدرًا بمقدار بقائه، وينتهي الوقف بتلف المنقول. الدليل السابع: إذا كان وقف المنقول جائزًا مع العقار بلا نزاع، فيصح وقفه وحده كذلك، ولا يصح الاعتراض على هذا بأن ما يجوز تبعًا لا يجوز استقلالًا، لأن هذا يصح لو كان الأصل في الوقف المنع، فإذا كان الأصل في الوقف المشروعية، فما جاز تبعًا جاز استقلالًا، والله أعلم. ° دليل من قال: لا يجوز وقف المنقول . الدليل الأول: ذكر الحنفية أن من شروط صحة الوقف التأبيد، والمنقول لا يتأبد؛ لكونه قابلًا للفناء، والزوال، فلا يجوز وقفه مقصودًا إلا إذا كان تابعًا للعقار (١).

стр. 7477

ويناقش: التأبيد في الموقوف ليس محل وفاق بين الفقهاء، وعلى التسليم بأن التأبيد شرط فإن تأبيد كل شيء بحسبه، وقد وقف السلاح، وهو منقول، وغيره مقيس عليه. الدليل الثاني: أن وقف المنقول غير معروف، قال أحمد رحمه الله تعالى: «لا أعرف الوقف في المال، إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب النبي ﷺ ، قال: ولا أعرف وقف المال البتة» (١). وقد ناقشت كلام الإمام أحمد ﵀ حين عرض الأقوال، وهل يدل كلام أحمد ﵀ على عدم وقف الدراهم والدنانير على منع وقف كل منقول؟ وقد أذن الإمام أحمد في وقف المصحف والسلاح والحيوان في الوقت الذي ينهى عن وقف الدراهم والدنانير. ° دليل أبي يوسف على جواز وقف السلاح والكراع خاصة . الدليل الأول: (ح-٩٥٦) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل، ولا

стр. 7478

ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله (١). والكراع: اسم يجمع الخيل، وقيل: اسم يجمع الخيل والسلاح. والسلاح: اسم جامع لآلة الحرب (٢). وجه الاستدلال: قال في البحر الرائق «وأما ما سوى الكراع، والسلاح، فعند أبي يوسف لا يجوز وقفه؛ لأن القياس إنما يترك بالنص، والنص ورد فيهما فيقتصر عليه» (٣). ويناقش: بأن الحديث دليل على جواز الوقف في السلاح، والكراع، ومقتضاه جواز الوقف في كل مال منقول قياسًا عليهما، ولا دليل فيه على اختصاص الوقف في السلاح والكراع من المنقولات. الدليل الثاني: (ث-١٨٠) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: قال علي: لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان من سلاح أو كراع (٤). [صحيح].

стр. 7479

ويجاب عن ذلك: أن النفي في أثر الإمام علي بن أبي طالب، لا حبس إلا ما كان من سلاح، أو كراع، لا يمكن حمله على نفي الصحة، بدليل أنكم ترون جواز الوقف في العقار، بل حكي ذلك إجماعًا، فتعين حمل النفي على الكمال: أي لا حبس أفضل من السلاح، والكراع، بدليل أن عليًا ﵁ قد ثبت عنه الوقف في غير السلاح، والكراع كما ذكرناه عنه في حكم الوقف، وإذا حمل النفي على الكمال دل على جواز وقف المنقول في غير السلاح، والكراع، والله أعلم. الدليل الثالث: (ث-١٨١) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن رجل، عن القاسم: قال: قال عبد الله: لا حبس إلا في كراع أو سلاح. [ضعيف] (١). ويجاب عن أثر ابن مسعود على فرض ثبوته بما أجيب به الأثر، عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁. ° دليل محمد بن الحسن على جواز وقف المنقول إذا جرى بذلك العمل . إذا جرى العمل بشيء قدم على القياس، كما جاز الاستصناع، مع أنه بيع ما ليس عند البائع (٢). ° الراجح: جواز وقف كل مال مشتمل على منفعة سواء كان عقارًا، أو منقولًا. * * *

стр. 7480

المبحث الثالث في وقف البناء دون الأرض [م-١٥٠٦] إذا كان البناء، والغراس لرجل، والأرض لآخر، فإن وقف هذا أرضه، وهذا بناءه صح. قال النووي: بلا خلاف (١). وإن وقف مالك البناء والغرس ولم يوقف مالك الأرض أرضه، فقد اختلف العلماء في صحة الوقف على قولين: القول الأول: لا يصح، وهو مذهب الحنفية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية، إلا أن الحنفية صححوا وقف البناء والغرس إذا قام على أرض معدة للاحتكار، فيصح وقف ما بني أو غرس عليها. جاء في الفتاوى الهندية: «وإذا غرس شجرة، ووقفها بموضعها من الأرض صح تبعًا للأرض بحكم الاتصال، وإن وقفها دون أصلها لا يصح، وإن كانت في أرض موقوفة فوقفها على تلك الجهة جاز، كما في البناء، وإن وقفها على جهة أخرى فعلى الاختلاف» (٢). وعلل الحنفية المنع بعلتين: الأولى: أنه منقول.

стр. 7481

الثانية: أنه غير متعارف عليه. جاء في البحر الرائق نقلًا من الذخيرة: «وقف البناء من غير وقف الأصل لم يجز، وهو الصحيح؛ لأنه منقول، ووقفه غير متعارف» (١). القول الثاني: يصح، وهو قول في مذهب الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة. وهو مقتضى مذهب المالكية؛ لأن وقف البناء والغراس مدة الإجارة يدخل في الوقف المؤقت المنقول، والمالكية يجيزون ذلك (٢). علل بعض الحنفية القائلين بالجواز: بأن علة المنع في المذهب من وقف البناء دون الأرض كونه منقولًا، وغير متعارف على وقفه، كما نقله صاحب البحر الرائق عن الذخيرة. جاء في البحر الرائق: «وقف البناء من غير وقف الأصل لم يجز، وهو الصحيح؛ لأنه منقول، ووقفه غير متعارف» (٣). وإذا كان هذا هو علة المنع فإن نصوص المذهب على جواز وقف المنقول إذا تعارف الناس على وقفه. قال العلامة عبد البر بن الشحنة كما في حاشية ابن عابدين: «إن الناس من

стр. 7482

زمن قديم نحو مائتي سنة وإلى الآن على جوازه، والأحكام به من القضاة العلماء متواترة، والعرف جار به، فلا ينبغي أن يتوقف فيه» (١). وأجيب عن هذا: لم يقبل العلامة قاسم هذا التوجيه، وقال: «يحتمل هذا المنع أن يكون لا لعدم التعارف، بل لأن غير المنقولات تبقى بنفسها مدة طويلة فتكون متأبدة، بخلاف البناء، فإنه لا بقاء له بدون الأرض، فلا يتم التخريج، فثبت أنه باطل بالاتفاق، والحكم به باطل» (٢). ورد على هذا: قال ابن عابدين: «لا يخفى عليك أن المفتى به، الذي عليه المتون، جواز وقف المنقول المتعارف، وحيث صار وقف البناء متعارفًا، كان جوازه موافقًا للمنقول، ولم يخالف نصوص المذهب على عدم جوازه؛ لأنها مبنية على أنه لم يكن متعارفًا كما دل عليه كلام الذخيرة» (٣). هذا في ما يتعلق بكلام الحنفية، وأما نصوص الشافعية، فقد جاء في روضة الطالبين: «استأجر أرضًا، ليبني فيها، أو يغرس، ففعل، ثم وقف البناء والغراس، صح على الأصح» (٤).

стр. 7483

وصحح الحنابلة الوقف إلا أنهم قالوا: إن المالك مخير بين ثلاثة أمور: أخذه بقيمته، أو تركه بالأجرة، أو قلعه، وضمان نقصه، وكل ما يؤخذ قيمة للبناء، والغراس، أو ضمانًا لنقصه يشترى به ما يكون وقفًا (١). ° الراجح: جواز وقف البناء دون الأرض؛ لأن البناء إن كان منقولًا فالراجح صحة وقف المنقول، وإن كان غير منقول، فالراجح أيضًا صحة وقفه، وإذا صح وقف المشاع كما سيأتي، فهذا من باب أولى، والله أعلم. * * *

стр. 7484

المبحث الرابع في وقف النقود بحث وقف النقود يدخل تحت أكثر من عنوان، فإن شئت أدرجت هذا البحث تحت عنوان وقف المنقول باعتبار النقود من المنقولات، وإن شئت أدرجت هذا البحث تحت عنوان: اشتراط التأبيد في الأعيان الموقوفة، باعتبار أن النقود تتلف بالاستعمال، كما يصح بحث وقف النقود تحت عنوان: وقف ما لا تصح إجارته، والذي يهم القارئ هو بحث وقف النقود تحت أي عنوان من هذه العناوين. والفائدة من هذا التنبيه: هو معرفة مظان بحث هذه المسألة عند البحث عن كلام العلماء في كتب الفقه، والله أعلم. * * *

стр. 7485

الفرع الأول في تعريف النقود تعريف النقد اصطلاحًا (١): حقيقة النقد: هو كل شيء يجري اعتباره في العرف والعادة، ويلقى قبولًا عامًا كوسيط للتبادل. قال ابن تيمية ﵀: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي، ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود بها الانتفاع بها بنفسها، فلهذا كانت مقدرة بالأمور

стр. 7486

الطبعية، أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها، ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت» (١). وجاء في المدونة «لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة، وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة» (٢).

стр. 7487

الفرع الثاني خلاف العلماء في وقف النقود صحة وقف السلاح والكراع من أجل الجهاد دليل على صحة وقوف النقود. [م-١٥٠٧] اختلف العلماء في صحة وقف النقود: الدراهم والدنانير، ويدخل فيها المطعوم والشمع، وكل عين تكون منفعتها باستهلاكها على قولين: القول الأول: لا يصح، اختاره ابن شاس، وابن الحاجب من المالكية (١)، وهو أصح القولين في مذهب

стр. 7488

الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢)، وهو مقتضى قول أبي حنيفة وأبي يوسف حيث منعا من وقف المنقول (٣). القول الثاني: يصح وقفها مع الكراهة، وهو قول عند المالكية (٤). القول الثالث: يصح وقفها، وهو مذهب المالكية (٥)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٦)، ووجه في مذهب الحنابلة، رجحه ابن تيمية (٧)، وهو مقتضى قول محمد بن الحسن، حيث يرى أن المنقول إذا جرى التعامل بوقفه صح وقفه (٨). قال في الاختيار: والفتوى على قول محمد؛ لحاجة الناس، وتعاملهم بذلك (٩). واختلف العلماء في كيفية وقفها: فقيل: وقفها بإقراضها، وينزل رد بدل القرض منزلة بقاء العين، فإن أوقفها للإنفاق والتزين لم يصح، وهو المنصوص عن الإمام مالك (١٠)، ورواية الأنصاري عن الإمام زفر (١١). وقيل: وقفها بإقراضها، وكذا بأن تدفع مضاربة إلى من يعمل بها، ثم يتصدق بالربح في الوجه الذي وقفت عليه، وهذا مروي عن زفر من الحنفية (١٢). وقيل: وقفها يكون للتحلي، والوزن، دون الإنفاق، بناء على صحة إجارتها،

стр. 7489

وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، فإن وقفها، وأطلق بطل الوقف عند الحنابلة (١). سبب الخلاف بين الفقهاء في وقف النقود والمطعوم: يرجع الخلاف في وقفها إلى الخلاف في مسألتين: المسألة الأولى: اشتراط التأبيد في الأعيان الموقوفة، فمن قال: يشترط في الوقف التأبيد كالجمهور قال: لا يصح وقف النقود، وكذا المطعوم؛ لأن ما لا يتأبد لا يصح وقفه. ومن قال: لا يشترط في الوقف التأبيد لم يمنع من وقف النقود، والطعام، كالمالكية. وقد سبق بحث اشتراط التأبيد، ولله الحمد. المسألة الثانية: الخلاف في وقف الأعيان التي لا يمكن الانتفاع بها إلا بإتلافها، باعتبار أن حقيقة الوقف: هو عبارة عن تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، فرقًا بين الوقف، وبين الصدقة المطلقة. والنقود، والطعام لا يمكن الوصول إلى منفعتها إلا باستهلاك أصلها، فمن ثم وقع الخلاف في وقف النقود، والطعام، وكيفيته، إذا قيل بالصحة. وإذا عرفنا سبب الخلاف نأتي على ذكر الأدلة على وجه التفصيل.

стр. 7490

دليل من قال: لا يصح وقف النقود والطعام: الدليل الأول: ذكر الحنفية أن من شروط صحة الوقف التأبيد، والنقود والطعام كسائر المنقولات لا تتأبد؛ لكونها قابلة للفناء، والزوال، وقد استثنينا السلاح، والكراع؛ لورود النص فيهما، والقياس يترك للنص، وبقي ما عداهما على المنع (١). قال أحمد رحمه الله تعالى: «لا أعرف الوقف في المال، إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب النبي ﷺ ، قال: ولا أعرف وقف المال البتة» (٢). ونوقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: إن كان المقصود من اشتراط التأبيد هو قصر الوقف على العقار فقط، ومنع الوقف في المنقول فقد ناقشت هذه المسألة في بحث مستقل، وقدمت الأدلة على صحة وقف المنقول، ويدخل فيها النقود، والطعام باعتبارها أعيانًا منقولة، ويكفي في ضعف هذا الشرط صحة النصوص في وقف السلاح، والكراع في سبيل الله، فإن ورود الوقف في هذه المنقولات يؤخذ منه فائدتان: إحداها: جواز وقف السلاح والكراع دليل على ضعف هذا الشرط.

стр. 7491

ثانيتهما: اعتبار النصوص الدالة على وقف السلاح والكراع أصل بذاتها، فيقاس عليها غيرها من سائر المنقولات. وإن كان المقصود من اشتراط التأبيد ألا ينقطع مصرف الوقف بحيث ينتقل من بطن إلى آخر حتى ينتقل في آخر الأمر إلى جهة لا تنقطع، كالفقراء، والمساكين، فهذه مسألة أخرى سوف نتعرض لها بالبحث إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، أسأل الله العون والتوفيق. الوجه الثاني: على فرض أن التأبيد شرط في صحة الوقف، فإن محمد بن الحسن يصحح وقف المنقول إذا جرى به التعامل وتعارف الناس على وقفه، كما قاله في السلاح والكراع (١). قال ابن عابدين: «لا يخفى عليك أن المفتى به الذي عليه المتون جواز وقف المنقول المتعارف» (٢). وقد صحح العلماء وقف الماء مع أنه منقول، ويهلك بالاستهلاك، فالنقود مثله، بل أولى، فإن النقود مال بالأصالة، والماء مال بالتقويم والحيازة. ورد على هذا: بأن العرف معتبر في الموضع، أو الزمان الذي جرى فيه، ووقف النقود كان موجودًا في الدولة الرومية فقط، فلا يصح وقفها في البلاد الأخرى.

стр. 7492

قال ابن عابدين: «الظاهر اعتبار العرف في الموضع أو الزمان الذي اشتهر فيه دون غيره، فوقف الدراهم متعارف في بلاد الروم دون بلادنا، ووقف الفأس والقدوم كان متعارفًا في زمن المتقدمين، ولم نسمع به في زماننا، فالظاهر أنه لا يصح الآن، ولئن وجد نادرًا لا يعتبر؛ لما علمت من أن التعامل هو الأكثر استعمالًا فتأمل» (١). ويجاب: بأننا إذا لم نصحح الوقف في النقود والطعام لجريان التعامل قلنا بالصحة لمقتضى القياس على النصوص الدالة على صحة وقف المنقول من سلاح، وكراع، والقياس دليل لم يخالف فيه إلا الظاهرية، وقولهم شاذ، بينما القول باعتبار العمل دليلًا شرعيًا، خاصة عمل ما بعد الصحابة، ولو في بعض البلاد الإسلامية لم يقل به إلا الحنفية، وهو قول ضعيف، وعمل الناس ينبغي أن يعرض على الشرع، لا أن يعرض الشرع على عمل الناس، وكيف يكون الشيء في بلد حلالًا، وفي آخر حرامًا، وذات الشيء واحدة، أليس هذا مدعاة لاضطراب الأحكام. الدليل الثاني: أن الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وكيف يتصور حبس النقود والطعام، إذا كانت منفعتهما هي الثمنية والأكل، وهاتان المنفعتان لا يمكن تحصيلهما إلا باستهلاك أصلهما.

стр. 7493

قال ابن قدامة: «ولا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقاء عينه كالأثمان، والمأكول، والمشروب، والشمع؛ لأنه لا يحصل تسبيل ثمرته مع بقائه» (١). وقال أيضًا: «أن ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالدنانير، والدراهم، والمطعوم، والمشروب، والشمع، وأشباهه لا يصح وقفه في قول عامة الفقهاء، وأهل العلم، إلا شيئًا يحكى عن مالك، والأوزاعي في وقف الطعام ... » (٢). وأجيب: بأن وقف النقود، والطعام يكون على أكثر من طريقة، فإن كان وقفها لإقراضها، فإن بدل القرض يقوم مقام بقاء العين. قال ابن عابدين: «إن الدراهم لا تتعين بالتعيين فهي وإن كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها لكن بدلها يقوم مقامها لعدم تعيينها فكأنها باقية» (٣). وإن كان وقف النقود يكون للمضاربة بها، وصرف ربحها على الموقوف عليه فإن رأس مال المضاربة يكون بمنزلة الأصل، والربح بمنزلة الثمرة، ومثله يقال في المضاربة بالطعام فإن الصحيح جواز المضاربة بالعروض مثليًا كان، أو متقومًا بعد تقويمه، والله أعلم. ° دليل من قال: يكره وقف النقود والطعام: لا أعلم دليلًا يقتضي كراهة وقف النقود، ولعل مأخذ القائلين بالكراهة هو

стр. 7494

طلب الخروج من الخلاف، فإن كان هذا هو دليلهم فهو دليل ضعيف؛ لأن الكراهة دليل شرعي يقوم على دليل شرعي، والخروج من الخلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والخروج من الخلاف عند من يقول به في بعض المسائل، لا يؤدي إلى إحداث قول قائم برأسه، وإنما يكون الخروج من الخلاف في مسألة يكون الخلاف قويًا، ويمكن الجمع بين القولين احتياطًا، كما لو اختلف الناس في وجوب شيء واستحبابه، فإن فعله يكون خروجًا من الخلاف، أما إذا كان فعله يدور بين الصحة والبطلان لا تكون الكراهة خروجًا من القول بالبطلان، والله أعلم. ° دليل من قال: يصح وقف النقود: الدليل الأول: الوقف من عقود التبرع، ويراد للإرفاق والإحسان، والأصل فيه الجواز، والصحة، سواء تبرع المالك بالمال أصلًا وعينًا، كالصدقات، والهبات، أو تبرع بمنفعة المال، وحبس أصله كالوقف، ولا يمنع منه شيء إلا لدليل من الشرع، أو معنى يقتضي المنع، ولا دليل من الشرع يمنع من صحة وقف النقود، وسائر المنقولات، ولا يوجد معنى يقتضي المنع حتى يقال به، فكان القول بالصحة هو مقتضى القواعد. الدليل الثاني: الأدلة العامة الدالة على مشروعية الوقف، فإن هذه النصوص تشمل النقود، كما تشمل غيرها من سائر الأموال الثابتة، والمنقولة، ولا يوجد دليل من كتاب، ولا سنة يخصص هذه النصوص، أو يقيدها بالثابت دون المنقول، ولا

стр. 7495

بالدائم دون المستهلك، والأصل أن الدليل العام يبقى على عمومه، والمطلق على إطلاقه، حتى يرد دليل من الشرع يقتضي التخصيص، أو التقييد، ولا يجوز تخصيص العام، أو تقييد المطلق بالرأي المحض، والله أعلم. واعترض على هذا: بأننا لا نسلم أن وقف النقود يدخل في عموم أدلة مشروعية الوقف، فكان الواجب الاقتصار على مورد النص. ويرد هذا الاعتراض: ليس الأصل في الوقف المنع حتى يقال: يجب الاقتصار على مورد النص، وإذا كان البيع الأصل فيه الجواز، والصحة، وهو قائم على المعاوضة، فما بالك بالوقف القائم على التبرع، والإحسان، فكل من منع معاملة من المعاملات المالية، فإنه مطالب بالحجة والبرهان على هذا المنع، وليس العكس. الدليل الثاني: قياس وقف النقود على النصوص الدالة على صحة وقف المنقول من سلاح، وكراع، بجامع أن كلًا منها مال منقول. ونوقش هذا: لا يصح قياس وقف النقود على وقف السلاح، والكراع؛ لأن المعنى الموجود في السلاح، والكراع لا يوجد في النقود. جاء في فتح القدير: «حكم الوقف الشرعي التأبيد، ولا يتأبد غير العقار، غير أنه ترك في الجهاد؛ لأنه سنام الدين، فكان معنى القربة فيهما أقوى، فلا يلزم
следующие страницы →