ثانيتهما: اعتبار النصوص الدالة على وقف السلاح والكراع أصل بذاتها، فيقاس عليها غيرها من سائر المنقولات.
وإن كان المقصود من اشتراط التأبيد ألا ينقطع مصرف الوقف بحيث ينتقل من بطن إلى آخر حتى ينتقل في آخر الأمر إلى جهة لا تنقطع، كالفقراء، والمساكين، فهذه مسألة أخرى سوف نتعرض لها بالبحث إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، أسأل الله العون والتوفيق.
الوجه الثاني:
على فرض أن التأبيد شرط في صحة الوقف، فإن محمد بن الحسن يصحح وقف المنقول إذا جرى به التعامل وتعارف الناس على وقفه، كما قاله في السلاح والكراع (١).
قال ابن عابدين: «لا يخفى عليك أن المفتى به الذي عليه المتون جواز وقف المنقول المتعارف» (٢).
وقد صحح العلماء وقف الماء مع أنه منقول، ويهلك بالاستهلاك، فالنقود مثله، بل أولى، فإن النقود مال بالأصالة، والماء مال بالتقويم والحيازة.
ورد على هذا:
بأن العرف معتبر في الموضع، أو الزمان الذي جرى فيه، ووقف النقود كان موجودًا في الدولة الرومية فقط، فلا يصح وقفها في البلاد الأخرى.
стр. 7492
قال ابن عابدين: «الظاهر اعتبار العرف في الموضع أو الزمان الذي اشتهر فيه دون غيره، فوقف الدراهم متعارف في بلاد الروم دون بلادنا، ووقف الفأس والقدوم كان متعارفًا في زمن المتقدمين، ولم نسمع به في زماننا، فالظاهر أنه لا يصح الآن، ولئن وجد نادرًا لا يعتبر؛ لما علمت من أن التعامل هو الأكثر استعمالًا فتأمل» (١).
ويجاب:
بأننا إذا لم نصحح الوقف في النقود والطعام لجريان التعامل قلنا بالصحة لمقتضى القياس على النصوص الدالة على صحة وقف المنقول من سلاح، وكراع، والقياس دليل لم يخالف فيه إلا الظاهرية، وقولهم شاذ، بينما القول باعتبار العمل دليلًا شرعيًا، خاصة عمل ما بعد الصحابة، ولو في بعض البلاد الإسلامية لم يقل به إلا الحنفية، وهو قول ضعيف، وعمل الناس ينبغي أن يعرض على الشرع، لا أن يعرض الشرع على عمل الناس، وكيف يكون الشيء في بلد حلالًا، وفي آخر حرامًا، وذات الشيء واحدة، أليس هذا مدعاة لاضطراب الأحكام.
الدليل الثاني:
أن الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وكيف يتصور حبس النقود والطعام، إذا كانت منفعتهما هي الثمنية والأكل، وهاتان المنفعتان لا يمكن تحصيلهما إلا باستهلاك أصلهما.
стр. 7493
قال ابن قدامة: «ولا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقاء عينه كالأثمان، والمأكول، والمشروب، والشمع؛ لأنه لا يحصل تسبيل ثمرته مع بقائه» (١).
وقال أيضًا: «أن ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالدنانير، والدراهم، والمطعوم، والمشروب، والشمع، وأشباهه لا يصح وقفه في قول عامة الفقهاء، وأهل العلم، إلا شيئًا يحكى عن مالك، والأوزاعي في وقف الطعام ... » (٢).
وأجيب:
بأن وقف النقود، والطعام يكون على أكثر من طريقة، فإن كان وقفها لإقراضها، فإن بدل القرض يقوم مقام بقاء العين.
قال ابن عابدين: «إن الدراهم لا تتعين بالتعيين فهي وإن كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها لكن بدلها يقوم مقامها لعدم تعيينها فكأنها باقية» (٣).
وإن كان وقف النقود يكون للمضاربة بها، وصرف ربحها على الموقوف عليه فإن رأس مال المضاربة يكون بمنزلة الأصل، والربح بمنزلة الثمرة، ومثله يقال في المضاربة بالطعام فإن الصحيح جواز المضاربة بالعروض مثليًا كان، أو متقومًا بعد تقويمه، والله أعلم.
° دليل من قال: يكره وقف النقود والطعام:
لا أعلم دليلًا يقتضي كراهة وقف النقود، ولعل مأخذ القائلين بالكراهة هو
стр. 7494
طلب الخروج من الخلاف، فإن كان هذا هو دليلهم فهو دليل ضعيف؛ لأن الكراهة دليل شرعي يقوم على دليل شرعي، والخروج من الخلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والخروج من الخلاف عند من يقول به في بعض المسائل، لا يؤدي إلى إحداث قول قائم برأسه، وإنما يكون الخروج من الخلاف في مسألة يكون الخلاف قويًا، ويمكن الجمع بين القولين احتياطًا، كما لو اختلف الناس في وجوب شيء واستحبابه، فإن فعله يكون خروجًا من الخلاف، أما إذا كان فعله يدور بين الصحة والبطلان لا تكون الكراهة خروجًا من القول بالبطلان، والله أعلم.
° دليل من قال: يصح وقف النقود:
الدليل الأول:
الوقف من عقود التبرع، ويراد للإرفاق والإحسان، والأصل فيه الجواز، والصحة، سواء تبرع المالك بالمال أصلًا وعينًا، كالصدقات، والهبات، أو تبرع بمنفعة المال، وحبس أصله كالوقف، ولا يمنع منه شيء إلا لدليل من الشرع، أو معنى يقتضي المنع، ولا دليل من الشرع يمنع من صحة وقف النقود، وسائر المنقولات، ولا يوجد معنى يقتضي المنع حتى يقال به، فكان القول بالصحة هو مقتضى القواعد.
الدليل الثاني:
الأدلة العامة الدالة على مشروعية الوقف، فإن هذه النصوص تشمل النقود، كما تشمل غيرها من سائر الأموال الثابتة، والمنقولة، ولا يوجد دليل من كتاب، ولا سنة يخصص هذه النصوص، أو يقيدها بالثابت دون المنقول، ولا
стр. 7495
بالدائم دون المستهلك، والأصل أن الدليل العام يبقى على عمومه، والمطلق على إطلاقه، حتى يرد دليل من الشرع يقتضي التخصيص، أو التقييد، ولا يجوز تخصيص العام، أو تقييد المطلق بالرأي المحض، والله أعلم.
واعترض على هذا:
بأننا لا نسلم أن وقف النقود يدخل في عموم أدلة مشروعية الوقف، فكان الواجب الاقتصار على مورد النص.
ويرد هذا الاعتراض:
ليس الأصل في الوقف المنع حتى يقال: يجب الاقتصار على مورد النص، وإذا كان البيع الأصل فيه الجواز، والصحة، وهو قائم على المعاوضة، فما بالك بالوقف القائم على التبرع، والإحسان، فكل من منع معاملة من المعاملات المالية، فإنه مطالب بالحجة والبرهان على هذا المنع، وليس العكس.
الدليل الثاني:
قياس وقف النقود على النصوص الدالة على صحة وقف المنقول من سلاح، وكراع، بجامع أن كلًا منها مال منقول.
ونوقش هذا:
لا يصح قياس وقف النقود على وقف السلاح، والكراع؛ لأن المعنى الموجود في السلاح، والكراع لا يوجد في النقود.
جاء في فتح القدير: «حكم الوقف الشرعي التأبيد، ولا يتأبد غير العقار، غير أنه ترك في الجهاد؛ لأنه سنام الدين، فكان معنى القربة فيهما أقوى، فلا يلزم
стр. 7496
من شرعية الوقف فيهما، شرعيته فيما هو دونهما، ولا يلحق دلالة أيضًا؛ لأنه ليس في معناهما» (١).
ورد هذا الاعتراض:
بأن الكلام هذا مبني على مقدمتين ونتيجة:
المقدمة الأولى: حكم الوقف الشرعي التأبيد، ولا يتأبد غير العقار.
المقدمة الثانية: استثني وقف السلاح، والكراع، وإن كان منقولًا لا يتأبد من أجل مصلحة الجهاد.
النتيجة: لا يلزم من صحة الوقف في السلاح والكراع صحة الوقف في سائر المنقولات، ومنها النقود.
فيجاب: بأن القول بأن حكم الوقف الشرعي التأبيد هذه دعوى في محل النزاع، فأين البرهان على هذه الدعوى حتى يصح أن يقال: إن مقتضى القياس المنع من وقف السلاح والكراع، وإنما ترك هذا من أجل مصلحة الجهاد، فلم تصح المقدمة الأولى حتى تصح المقدمة الثانية، وإذا لم تصح المقدمات لم تصح النتائج.
فلو عكس أحد هذا، فقال: إن كان وقف السلاح، والكراع صحيحًا من أجل الجهاد، دل على صحة وقف النقود؛ لأن حاجة الجهاد إلى المال، لا تقل عن حاجة الجهاد إلى السلاح، والكراع، فالله ذكر في الجهاد نوعين منه: الجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، وكان يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس
стр. 7497
في أكثر الآيات القرآنية، فلو كانت الحاجة هي التي أباحت الوقف في السلاح، والكراع فهي قائمة في النقود.
و إن كان وقف السلاح، والكراع صحيحًا من أجل أنه مال ينتفع به، فهذا المعنى موجود في النقود أيضًا.
الدليل الثالث:
(ح-٩٥٧) ما رواه البخاري تعليقًا، قال أبو عبد الله البخاري:
وقال عثمان: قال النبي ﷺ : من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁.
[رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وهو حديث صحيح بطرقه] (١).
وجه الاستدلال:
إذا صح وقف الماء، وهو منقول، ولا يتأبد، ومنفعته باستهلاكه صح وقف المال؛ حيث لا فرق.
وقد يعترض عليه:
بأن وقف البئر أعم من وقف الماء، والبئر غير منقول، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
القول بجواز وقف النقود أقوى من حيث القياس، وأنفع للعباد، والمنع فيه تضييق لباب من أبواب الخير، دون دفع مفسدة تخشى، وإذا حبس المال، ودفع منه لراغبي الزواج، أو لأصحاب الاستثمارات الصغيرة الناجحة، وقدمنا المساعدات للموقوف عليهم على شكل قروض ميسرة تحققت المصلحة،
стр. 7498
ودفعت الحاجة، وأبقينا على رأس المال، ليدور فترة أطول في نفع البلاد، والعباد، على أنه لا يجوز لناظر هذا المال أن يدفعه إلى مشاريع ذات مخاطر عالية، كاستثماره في سوق الأسهم حتى يحمى رأس المال من المخاطر العالية، وينبغي أن يحرص على الحصول على ضمانات شرعية من رهن أو كفيل لاسترداد المال، والله أعلم.
* * *
стр. 7499
المبحث الخامس
في وقف الكلب
وقف الكلب القابل للتعليم نقل للمنفعة بلا عوض، ومنفعة الكلب مباحة بشرطها.
[م-١٥٠٨] يرجع الخلاف في وقف الكلب إلى مسألتين وقع فيهما الخلاف:
أحدهما: الخلاف في وقف المنقول، وقد سبق تحرير الخلاف، وترجح القول بالصحة.
الثانية: الخلاف في وقف الأعيان التي لا يصح بيعها، وتصح إعارتها، كالكلب، وجلد الأضحية، والآبق، وما لا يقدر على تسليمه، ونحوها.
وقد اختلف الفقهاء في صحة بيع الكلب على ثلاثة أقوال:
أحدها: يصح مطلقًا. والثاني: لا يصح مطلقًا. والثالث: يصح في المأذون اقتناؤه، كالكلب المعلم للصيد، والحراسة، ونحوها، وسبق تحرير الخلاف في عقد البيع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
إذا علم هذا نأتي على أقوال أهل العلم في وقف الكلب:
القول الأول:
لا يصح وقف الكلب مطلقًا، معلمًا كان، أو غير معلم، وهو مقتضى قول
стр. 7500
أبي حنيفة، وأبي يوسف، والأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة على خلاف بينهم في وجه المنع (١).
° وجه المنع عند أبي حنيفة وأبي يوسف:
الحنفية يرون صحة بيع الكلب، لهذا كان وجه المنع من وقف الكلب عندهما المنع من وقف المنقول إلا تبعًا للعقار، ولا شك أن الكلب منقول.
وسبق تحرير الخلاف في وقف الأعيان المنقولة، ومناقشة أدلة الحنفية في المنع، ورجحت صحة الوقف فيها.
° وجه المنع عند الشافعية والحنابلة:
أن الكلب لا يصح تملكه وبيعه، وقد أبيح الانتفاع بالكلب المعلم للحاجة، فلا يتوسع فيها.
قال في روضة الطالبين: «لا يصح وقف الكلب المعلم على الأصح، وقيل: لا يصح قطعًا؛ لأنه غير مملوك» (٢).
وقال في الإنصاف: «وأما الكلب فالصحيح من المذهب أنه لا يصح وقفه،
стр. 7501
وعليه الأصحاب؛ لأنه لا يصح بيعه» (١).
ويناقش:
بأن الوقف ليس فيه تملك للرقبة حتى يقال إنه بمعنى البيع، وإنما فيه نقل للمنفعة من الواقف للموقوف عليه، ومنفعة الكلب المعلم مباحة بلا خلاف، ونقلها تبرعًا بلا عوض يشبه الهبة، والعارية، فلا يصح القياس على البيع.
القول الثاني:
يصح وقف المعلم دون غيره، وهو مذهب المالكية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية، على خلاف بينهم في وجه القول بالصحة (٢).
فقيل: يصح وقف الكلب المعلم؛ لأنه يصح بيعه، وقد قال الحارثي الحنبلي كما في كتاب الإنصاف: «والصحيح اختصاص النهي عن البيع بما عدا كلب الصيد بدليل رواية حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد، والإسناد جيد (٣)،
قال: فيصح وقف المعلم؛ لأن بيعه
وقيل يصح وقفه؛ لأن ما صح إعارته صح وقفه، سواء أصح بيعه أم لا، ويدخل فيه وقف الآبق وما لا يقدر على تسليمه.
جاء في شرح الخرشي: «الشيء المملوك يصح وقفه، ويلزم، ولو لم يحكم به حاكم، وأراد بالمملوك ما تملك ذاته، وإن لم يجز بيعه، كجلد الأضحية، وكلب صيد ونحوه، ووقف الآبق صحيح» (١).
وقال ابن تيمية: «ويصح وقف الكلب المعلم، والجوارح المعلمة، وما لا يقدر على تسليمه، وأقرب الحدود في الوقف أنه كل عين تجوز عاريتها» (٢).
° الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الخلاف أجد أن القول بصحة وقف الكلب المعلم أقوى من حيث الدليل؛ لأن منع الوقف لمنع البيع قول ضعيف، فالوقف عقد من عقود التبرع، والبيع عقد من عقود المعاوضة فافترقا.
والمسوغ للصحة: أن منفعة الكلب المعلم مباحة بلا خلاف، والوقف نقل لهذه المنفعة المباحة بلا عوض، دون تملك الرقبة، أشبه الهبة، والعارية.
* * *
стр. 7506
الشرط السابع
في اشتراط ألا يكون الموقوف مشاعًا
ما صح بيعه صح وقفه.
المشاع: هو ما كان بين الشركاء غير متميز، ولا مقسوم من عين، أو منفعة، أو حق.
والمشاع ينقسم إلى قسمين: ما يقبل القسمة كالعقار.
وما لا يقبل القسمة كالسيارة، والحيوان.
[م-١٥٠٩] وقد اختلف العلماء في وقف المشاع:
القول الأول:
يصح مطلقًا، سواء كان يحتمل القسمة، أو لا يحتملها، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، وابن الماجشون وابن حبيب من المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (١).
стр. 7507
القول الثاني:
إن وقف ما يقبل القسمة صح، وإن وقف ما لا يقبل القسمة فقولان في مذهب المالكية، واختار اللخمي عدم النفاذ (١).
جاء في شرح الخرشي: «ويصح وقف المشاع، إن كان مما يقبل القسمة، ويجبر الواقف عليه» (٢).
القول الثالث:
يصح إن كان مما لا يحتمل القسمة، فإن قبل القسمة لم يصح الوقف، عكس القول السابق، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (٣).
دليل من قال: يصح وقف المشاع مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٩٥٨) ما رواه البخاري من طريق أبي التياح،
عن أنس ﵁، قال: أمر النبي ﵇ ببناء المسجد، فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ... الحديث (٤).
وجه الاستدلال:
أجاز النبي ﵇ فعل بني النجار، وكان الحائط ملكًا مشاعًا بينهم، فدل ذلك على جواز وقف المشاع.
стр. 7508
ونوقش هذا:
هذا وقف لجميع المشاع، وليس وقفًا لبعض المشاع دون بعض، فالعين كلها ستكون وقفًا، وليس جزءًا مشاعًا منها، والشيوع هنا لن يمنع من الاستفادة من العين الموقوفة، حتى ولو وقفت مقبرة، أو مسجدًا.
أما إذا وقف بعض المشاع، فعند من يشترط القبض للزوم الوقف، لا يمكن القبض، وهو مشاع، والله أعلم.
ويرد على هذا:
بأن القبض ليس شرطًا للزوم الوقف على الصحيح من أقوال أهل العلم، فالوقف يلزم بمجرد اللفظ، وسيأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى، وعليه فإذا كان المشاع يقبل القسمة قسم، وإلا بيع، وجعل الثمن في مثله، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٩٥٩) ما رواه النسائي من طريق ابن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال عمر للنبي ﵇ إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إلي منها، قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي ﵇: احبس أصلها، وسبل ثمرتها.
[صحيح، إلا أن ذكر الأسهم تفرد بذكرها ابن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، ورواه جماعة عن نافع بدون ذكر الأسهم] (١).
стр. 7509
وجه الاستدلال:
أن عمر ﵁ قد أراد أن يتصدق بسهمه الذي بخيبر، فأمره النبي ﵇ بوقفها، ولم يأمره بقسمتها أولًا، ولا علق صحة الوقف على القسمة، فدل ذلك على جواز وقف المشاع.
ويجاب عن ذلك:
الجواب الأول:
أن ذكر الأسهم تفرد بذكرها ابن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، ورواه جماعة عن نافع بدون ذكر الأسهم في الصحيحين وغيرهما، وأحسن من جود هذا الحديث ابن عون، رواه عن نافع في الصحيحين، ولفظه: أصبت أرضًا بخيبر، وسبق بيانه.
стр. 7510
الجواب الثاني:
أن السهم في اللغة: هو النصيب، والحظ، وليس في الحديث أن عمر ﵂ أوقفها، وهي مشاعة، فقد تكون سهامًا باعتبار أصلها، وأنه كان نصيبًا من أنصباء، ولا يلزم أن يكون مشاعًا، ولهذا يصح أن يقول الرجل: هذا أسهمي من الغنيمة، وإن كان قد قسم، حتى إن عمر عندما كتب وصيته فيمن يلي وقفه، ولا شك أن ذلك كان متأخرًا عن الوقف؛ لأن الوقف كان في حياة النبي ﵇ وكتابة وصيته بعد ذلك، كان يطلق على وقفه بالأسهم التي بخيبر باعتبار أنه استفاده كذلك.
(ث-١٨٢) فقد روى أبو داود في سننه من طريق الليث، عن يحيى بن سعيد،
عن صدقة عمر، قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، بسم الله الرحمن الرحيم .... هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغًا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، ألا يباع، ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل، والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل، أو آكل، أو اشترى رقيقًا منه (١).
[صحيح وجادة، وعبد الحميد وإن كان مجهولًا فليس له رواية في هذه القصة، وإنما قام باستنساخ الوجادة التي كانت في آل عمر ﵁] (٢).
стр. 7511
وقد قال الحافظ ابن حجر: «قوله: إن المائة سهم كانت مشاعة لم أجده صريحًا، بل في مسلم ما يشعر بغير ذلك، فإنه قال: إن المال المذكور يقال له: ثمغ، وكان نخلًا» (١).
قلت: الرواية التي أشار إليها الحافظ هي في البخاري، وليست في مسلم،
(ح-٩٦٠) وقد رواها البخاري من طريق صخر بن جويرية، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄ أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله ﵇، وكان يقال له ثمغ، وكان نخلًا، فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالًا، وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق به ... وذكر الحديث (٢).
وأجيب:
بأن ثمغًا تحتمل أن تكون غير المائة سهم التي له بخيبر، بدليل أن وصية عمر ﵁ التي رواها يحيى بن سعيد وجادة قد ذكرت ثمغًا، وذكرت المائة سهم التي له بخيبر.
(ح-٩٦١) وقد روى أحمد من طريق أيوب، عن نافع به بلفظ:
أن عمر أصاب أرضًا من يهود بني حارثة يقال لها ثمغ، فقال: يا رسول الله إني أصبت مالًا نفيسًا أريد أن أتصدق به ... وذكر الحديث (٣).
ويرد على هذا:
بأن الجمع بين مال خيبر ومال ثمغ لم يرد إلا فيما رواه أبو داود عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن وصية عمر، وهي وجادة، وكل الأحاديث تذكر وقف عمر
стр. 7512
في الصحيح، وخارج الصحيح، وظاهرها أنها قصة واحدة، وهي تذكر أن عمر ﵁ استفاد مالًا نفيسًا، ففي بعض النصوص، أنه كان بخيبر كما في رواية الصحيحين، وفي بعضها أنه استفاده من يهود بني حارثة، يقال له: ثمغ، كما في مسند أحمد وغيره (١)، ولا يظهر أن في هذا تعارضًا، فإن يهود بني حارثة قد يكون لهم مال بخيبر، حتى على فرض أن يكون بنو حارثة ليسوا بخيبر، فإن ملك الإنسان للمال ليس مرتبطًا بالبقعة التي يسكنها، ولهذا كان وقف علي ﵁ بينبع، وفي غيرها، والظن بتعدد القصة بناء على وصية عمر والتي لم تصل لنا مسندة لا يمكن التعويل عليها، والله أعلم.
قال الحافظ في الفتح: «ويحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر» (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٩٦٢) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، أن عبد الله بن كعب، قال:
سمعت كعب بن مالك ﵁ يقول: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله، وإلى رسوله. قال: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر (٣).
وجه الاستدلال:
فقوله: (أمسك عليك بعض مالك) دليل على جواز وقف المشاع؛ لأنه إذا أمره النبي ﵇ بإخراج بعض ماله، وإمساك البعض، فهو من وقف المشاع.
стр. 7513
ويناقش:
بأن هذا من باب الصدقة، ولا دليل على أنه أراد الوقف، ومعلوم أن الصدقة لا تلزم إلا بالقبض، ولا تتحقق إلا بالفرز، وحينئذ لا تكون مشاعًا.
الدليل الرابع:
إذا كان يصح بيع المشاع بالإجماع، قال ابن تيمية: «يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنة رسول الله ﷺ » (١). فما صح بيعه صح وقفه.
ويناقش:
القول بأن ما صح بيعه صح وقفه غير مسلم، ولذلك يصح وقف الفحل للضراب، ولا يجوز بيع ماء الفحل، ولا إجارة الفحل للضراب على الصحيح.
الدليل الخامس:
(ث-١٨٣) ما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال البخاري في الصحيح:
وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله (٢).
ويناقش:
ليس صريحًا أن ابن عمر أوقف نصيبه من دار عمر قبل فرزه، وقسمته، فقد يكون الوقف بعد قبضه لهذا النصيب.
الدليل السادس:
أن حقيقة الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع، كما يحصل في غيره.
стр. 7514
° وجه من قال: يصح وقف المشاع إذا كان يقبل القسمة:
إذا كان المشاع يقبل القسمة فإن وقفه لا يلحق ضررًا بالشريك لإمكان قسمته بلا ضرر، والقسمة في هذه الحال ليست بيعًا وإنما هي إفراز، وأما إذا كان المشاع لا يقبل القسمة فإن وقفه يلحق ضررًا بالشريك؛ لتعذر قسمته.
ولأن قسمته لا تكون إلا عن طريق بيعه، والوقف لا يصح بيعه، وإذا فسد في العين شيء لم يجد من يصلحه معه.
ويناقش:
أما الجواب عن قولهم: بأن الوقف لا يصح بيعه:
فيقال: إن المشاع إذا كان لا يقبل القسمة يقوم بيعه مقام قسمته، وبيع الوقف هنا ضرورة؛ لأنه لا سبيل إلى أن يأخذ الشريك حقه إلا عن طريق البيع، فيباع، ويجعل ثمن الوقف في مثله، شأنه في ذلك شأن الوقف الذي تعطلت منافعه، فيباع على الصحيح، ويشترى بثمنه مثله.
وأما الجواب عن قولهم: إذا فسد المشاع لم يجد من يصلحه معه:
فيقال: إن الواقف، أو ناظر الوقف يمثل الوقف في إصلاح ما فسد منه، والله أعلم.
وجه من قال: يصح وقف المشاع إذا كان لا يقبل القسمة:
أن الوقف عندهم في حكم الصدقة، والصدقة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا كان الوقف يقبل القسمة كان القبض شرطًا لجواز الوقف، والشيوع يخل فيه، وأما إذا كان الوقف لا يقبل القسمة، فإن القبض ليس شرطًا لنفاذه على الصحيح لتعذره، فصح وقف المشاع.
стр. 7515
° الراجح:
بعد استعراض الأقوال، والأدلة أجد أن القول بصحة وقف المشاع مطلقًا أقوى الأقوال، سواء كان المشاع مما يقبل القسمة، أو لا يقبلها، فإن كان يقبلها قسم، وكان نصيب الواقف وقفًا، وإن كان لا يقبل القسمة بيع، واشتري بثمن الوقف وقف آخر، والله أعلم.
* * *
стр. 7516
الشرط الثامن
في اشتراط إخراج الموقوف من يد الواقف
الوقف إسقاط لا يفتقر إلى القبض كالعتق.
[م-١٥١٠] هل يشترط إخراج الموقوف من يد الواقف، وحيازة الموقوف عليه للوقف؟ أو يصح الوقف ولو كان الموقوف في يد الواقف؟
اختلف الفقهاء في ذلك، وسبب الخلاف، هل يلحق الوقف بالهبة، والصدقة، فلا يلزم إلا بالقبض؟
أو يلحق الوقف بالإعتاق، فيحصل بمجرد اللفظ، وللعلماء في ذلك قولان:
القول الأول:
لا يتم الوقف حتى يخرجه الواقف من يده، ويحوزه غيره.
اختار هذا القول محمد بن الحسن، وابن أبي ليلى من الحنفية، وبه يفتي مشايخ بخارى، (١)،
стр. 7517
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعي في قول، وإحدى الروايتين عن الإمام
стр. 7518
أحمد (١).
القول الثاني:
أن الوقف يلزم بمجرد اللفظ، ولا يفتقر إلى قبض.
وبهذا قال أبو يوسف، وهلال، ومشايخ بلخ من الحنفية، وعليه الفتوى في المذهب (٢)، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
° دليل من قال: يشترط القبض:
الدليل الأول:
قياس الوقف على الهبة، والوصية، بجامع أن كلًا منها تبرع بمال، والتبرع لا يلزم إلا بالقبض، فكذا الوقف.
(ث-١٨٤) فقد روى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة زوج النبي ﵇، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية، ما من
стр. 7519
الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقًا، فلو كنت جددتيه، واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث (١).
[صحيح] (٢).
قال ابن بطال: «حجة الذين جعلوا القبض شرطًا في صحة الوقف إجماع أئمة الفتوى على أنه لا تنفذ الهبات، والصدقات بالقول، حتى يقبضها الذي ملكها» (٣).
ويناقش:
بأن قياس الهبة، والوصية على الوقف قياس غير صحيح، فالهبات إذا تمت لمن أعطيها، ثم ردها أو لم يقبلها منه بقيت على ملك صاحبها بخلاف الوقف.
كما أن الهبة يملك الموهوب له أصلها، وله بيعها وهبتها، وتورث عنه، بخلاف الوقف، ففارق الوقف الهبة، والوصية (٤).
الدليل الثاني:
[ث-١٨٥) استدل بعضهم بما رواه أبو داود في سننه من طريق الليث، عن
стр. 7520
يحيى بن سعيد، عن صدقة عمر، قال:
نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، بسم الله الرحمن الرحيم .... هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين، إن حدث به حدث أن ثمغًا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع، ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل، والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل، أو آكل، أو اشترى رقيقًا منه (١).
[صحيح وجادة، وعبد الحميد، وإن كان مجهولًا فليس له رواية في هذه القصة، وإنما قام باستنساخ الوجادة التي كانت في آل عمر ﵁] (٢).
وجه الاستدلال:
أن عمر ﵁، إنما جعل وقفه في يد ابنته حفصة ﵂ ليتم الوقف.
ويناقش:
بأن عمر ﵁ هو الذي كان يلي الوقف في حياته، فأوصى أن يليه بعد وفاته ابنته حفصة أم المؤمنين ﵂؛ لأنه علق ولاية حفصة بقوله: (إن حدث به حدث) أي نزل به موت، فلم يكن فيه دليل على قولهم، والله أعلم.
قال الشافعي ﵀: «لم يزل عمر بن خطاب المتصدق بأمر رسول الله ﵇ يلي فيما بلغنا صدقته حتى قبضه الله ﵎، ولم يزل علي بن أبي طالب ﵁ يلي صدقته بينبع حتى لقي الله ، ولم تزل فاطمة ﵍ تلي صدقتها حتى لقيت
стр. 7521
الله ﵎، قال الشافعي: أخبرنا بذلك أهل العلم من ولد فاطمة، وعلي، وعمر، ومواليهم، ولقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين، والأنصار، لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم، وأهليهم، أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم، عن العامة، لا يختلفون فيه» (١).
° دليل من قال: لا يشترط القبض:
الدليل الأول:
(ح-٩٦٣) ما رواه النسائي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال عمر للنبي ﵇ إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إلي منها، قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي ﵇: احبس أصلها، وسبل ثمرتها.
[صحيح، وأصله في الصحيحين] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﵇ لم يأمر عمر ﵁ إلا أن يحبس أصلها، ويسبل ثمرتها، فلو كان إخراج الوقف من يده شرطًا، لذكر النبي ﵇ ذلك له؛ خاصة أن عمر ﵁ كان لا يعرف الوقف، أفيعلمه حبس الأصل، ويدع أن يعلمه أن يخرجها من يده؟!
стр. 7522
الدليل الثاني:
القياس على العتق، قال الطحاوي: «رأينا أشياء يفعلها العباد على ضروب، فمنها العتاق ينفذ بالقول؛ لأن العبد إنما يزول ملك مولاه عنه إلى الله ، ومنها الهبات، والصدقات لا تنفذ بالقول حتى يكون معه القبض من الذي ملكها له، فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيها هي أشبه، فنعطفه عليه، فرأينا الرجل إذا أوقف أرضه، أو داره، فإنما يملك الذي أوقفها منافعها، ولم يملك من رقبتها شيئًا، إنما أخرجها من ملك نفسه إلى الله ، فثبت أن ذلك نظير ما أخرجه من ملكه إلى الله ، فكما كان ذلك لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول، كان ذلك الوقوف لا يحتاج فيها إلى قبض مع القول» (١).
وقد سبق في مسألة متقدمة ذكر الأدلة على أن الوقف ليس من باب التمليك حتى يتوقف على القبض، وإنما هو من باب إخراج المال من ملك الواقف، ولذلك يصح الوقف ولا يحتاج إلى قبول إذا كان على غير معين بالاتفاق، وكذا إذا كان على معين على الصحيح.
قال ابن القيم: «لا يفتقر إلى قبول ـ يعني الوقف ـ إذا كان على غير معين اتفاقًا» (٢).
وقال الماوردي: «الوقف إزالة ملك على وجه القربة فأشبه العتق» (٣).
وإذا كان من باب إزالة الملك لم يفتقر إلى القبض، والله أعلم.
стр. 7523
الدليل الثالث:
القياس على الهدي، فكما أن الرجل إذا أوجب الهدي على نفسه بكلام، أو ساقه، أو قلده، أو أشعره لم يكن له بيعه، ولا هبته، ولا أن يرجع فيه بحجة أنه لمساكين الحرم، ولم يقبضوه، فكذلك الوقف إذا أوجبه على نفسه فقد خرج من ملكه، سواء خرج من يده، أو لم يخرج، والله أعلم (١).
الدليل الرابع:
إذا أوجبنا القبض فإنما نوجبه للأصل (العين الموقوفة) والأصل غير مملوك للموقوف عليه، قبضه أو لم يقبضه، وإذا كان لا يملكه بالوقف فلا معنى لاشتراط قبضه إياه.
° الراجح:
أن إخراج الوقف من يد الواقف ليس بشرط، وقد ذكر ابن القيم أن ذلك ما اتفق عليه الصحابة، قال ﵀: «وهو اتفاق من الصحابة; فإن عمر ﵁ كان يلي صدقته وكذلك الخلفاء الراشدون، وغيرهم من الصحابة، والنبي ﵇ لما أشار على عمر بوقف أرضه لم يقل له: لا يصح ذلك حتى تخرجها عن يدك، ولا تلي نظرها، وأي غرض للشارع في ذلك؟ وأي مصلحة للواقف، أو للموقوف عليه؟ بل المصلحة خلاف ذلك; لأنه أخبر بماله وأقوم بعمارته، ومصالحه، وحفظه من الغريب، الذي ليست خبرته، وشفقته كخبرة صاحبه، وشفقته ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه وثبوت نظره، ويده عليه، كثبوت نظر الأجنبي ويده ولاسيما إن كان متبرعًا فأي مصلحة في أن يقال له: لا يصح وقفك
стр. 7524
حتى تجعله في يد من لست على ثقة من حفظه، والقيام بمصالحه، وإخراج نظرك عنه؟
فإن قيل: إخراجه لله يقتضي رفع يده عنه بالكلية كالعتق.
فالجواب: إذا أعتق العبد خرج عن أن يكون مالًا وصار محررًا محضًا فلا تثبت عليه يد أحد، وأما الوقف فإنه لا بد من ثبوت اليد عليه؛ لحفظه والقيام بمصالحه وأحق ما يثبت عليه يد أشفق الناس عليه، وأقومهم بمصالحه وثبوت يده ونظره لا ينافي وقفه لله فإنه وقفه لله، وجعل نظره عليه، فكلاهما قربة وطاعة فكيف يحرم ثواب هذه القربة، ويقال له: لا يصح لك قربة الوقف إلا بحرمان قربة النظر، والقيام بمصالح الوقف؟ فأي نص، وأي قياس، وأي مصلحة، وأي غرض للشارع أوجب ذلك؟ ... (١).
* * *
стр. 7525
الشرط التاسع
في اشتراط أن يكون العقار غير مرهون
وقف المرهون صحيح معلق على استخلاصه من يد المرتهن.
حق المرتهن في مالية المرهون لا في عينه، والوقف يتعلق في عين المرهون وماليته.
إذا كان المال مرهونًا بدين، فقام الراهن بوقف الرهن بعد لزوم الرهن: أي بعد قبض المرتهن للعين المرهونة، فإن كان ذلك بإذن المرتهن صح الوقف؛ لأن المنع من التصرف في الرهن إنما كان لحق المرتهن، وقد أسقطه بإذنه (١).
[م-١٥١١] وإن أوقف الراهن الرهن بعد لزومه ودون إذن المرتهن، فهل يصح الوقف؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح وقف العقار المرهون، ولا يشترط لصحة الوقف عدم تعلق حق الغير به، فإن كان الراهن موسرًا أجبر على دفع ما عليه من الدين، وفك الرهن، ولزم الوقف، وإن كان معسرًا فإن أجاز المرتهن الوقف صح، وإلا بطل الوقف، وباعه فيما عليه، وهذا مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
стр. 7526
° وجه القول بصحة وقف المرهون:
يصح للراهن وقف المرهون؛ لأنه يملكه، لكن يبقى حق المرتهن متعلقًا بالمرهون، فالرهن أثبت للمرتهن حق الاستيفاء من المرهون عند العجز عن السداد، والوقف أثبت للجهة الموقوف عليها حق الاستغلال في عين واحدة، وهما متنافيان بالنسبة إلى العين نفسها، وأحدهما سابق.
وقد كان مقتضى ذلك أن يتوقف الوقف الطارئ على رضى المرتهن وإجازته إلا فيما يزيد من العين عن مبلغ الدين إذا كان فيها زيادة.
لكن حق المرتهن إنما هو في مالية المرهون، لا في عينه حتى لو أراد الراهن وفاء الدين بمال آخر من مثله واستخلاص الرهن، ليس للمرتهن أن يختار الاستيفاء من المرهون ببيعه، وأخذ ثمنه، بل يجبر على الفكاك.
أما الوقف فمتعلق بعين الموقوف وبماليته، فإذا أمكن الجمع بين تنفيذ حق الجهة الموقوفة عليها، وحق المرتهن معًا وجب المصير إليه.
وعلى هذا كان من المقرر فقهًا أن الراهن إذا كان له مال آخر يمكن وفاء الدين منه ينفذ وقفه في المرهون، ويجبر قضاء على وفاء الدين، ويفك المرهون الموقوف.
وإن لم يكن له مال آخر يفي بالدين، أو مات كذلك، ولم يترك ما يفي بالدين سوى المرهون، فإن أجاز المرتهن الوقف نفذ، وإلا بطل، فيباع المرهون لوفاء الدين (١).
стр. 7527
القول الثاني:
لا يصح وقف المرهون حال تعلق حق الغير به، فإن قصد الواقف أن يكون موقوفًا بعد الخلاص من الرهن صح الوقف؛ لأنه لا يشترط في الوقف التنجيز، وهذا مذهب المالكية (١).
جاء في الشرح الكبير للدردير: «وشرطه ـ يعني الوقف ـ ألا يتعلق به حق الغير، فلا يصح وقف مرهون ومؤجر وعبد جان حال تعلق حق الغير به» (٢).
علق الدسوقي على ذلك بقوله: «(قوله: حال تعلق حق الغير به) أي بأن أراد الواقف وقف ما ذكر من الآن مع كونه مرتهنًا، أو مستأجرًا، وأما لو وقف ما ذكر قاصدًا بوقفها من الآن أنها بعد الخلاص من الرهن والإجارة تكون وقفًا صح ذلك؛ إذ لا يشترط في الوقف التنجيز» (٣).
القول الثالث:
لا يصح وقف المرهون بغير إذن المرتهن، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٤).
جاء في روضة الطالبين: «وقف المرهون باطل على المذهب .... » (٥).
стр. 7528
وجاء في الإنصاف: «وإن كان تصرف الراهن بغير العتق لم يصح تصرفه مطلقًا على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، قال المصنف هنا: وهو أصح، وجزم به كثير منهم. وقيل: يصح وقفه» (١).
وجاء في كشاف القناع: «وتصرف راهن في رهن لازم أي مقبوض بغير إذن مرتهن بما يمنع ابتداء عقده كهبة، ووقف وبيع ورهن ونحوه .... لا يصح؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة، وليس بمبني على السراية والتغليب فلم يصح بغير إذن المرتهن» (٢).
° الراجح من الخلاف:
أذهب إلى صحة قول المالكية، وذلك أن تصرف الراهن في الرهن إنما يمنع إذا كان ذلك يؤدي إلى إبطال حق المرتهن، وإذا كان التنجيز في الوقف ليس بشرط على الصحيح من أقوال أهل العلم فما المانع أن يكون الوقف صحيحًا بعد فك الرهن، وبهذا نكون قد حفظنا حق المرتهن وحق الموقوف عليهم، وعند حلول الدين إن كان الراهن موسرًا وجب عليه سداد الدين، وفك الرهن، ولزم الوقف، وإن كان معسرًا بطل الوقف لتعلق حق المرتهن في العين المرهونة، والله أعلم.
* * *
стр. 7529
الشرط العاشر
في اشتراط بيان مصرف الموقوف
[م-١٥١٢] لو قال: داري هذه وقف، ولم يعين مصرفًا، فهل تصح هذه الصيغة؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
لا يصح، وهو مذهب الحنفية، وبه قال محمد، وهلال، والخصاف وغيرهم (١)،
وهو الأظهر في مذهب الشافعية (٢).
قال إمام الحرمين: «إذا قال الرجل: وقفت داري هذه، ولم يتعرض لذكر المصرف أصلًا فقد ذكر الأئمة أن الأصح بطلان الوقف» (٣).
стр. 7530
وجاء في مغني المحتاج: «(ولو اقتصر على) قوله (وقفت) كذا، ولم يذكر مصرفه (فالأظهر بطلانه) لعدم ذكر مصرفه» (١).
وجاء في روضة الطالبين: «لو قال: وقفت هذا، واقتصر عليه، فقولان، وقيل وجهان: أظهرهما عند الأكثرين بطلان الوقف» (٢).
° وجه القول بالبطلان:
إذا قال: أرضي هذه وقف، ولم يبين مصرفًا لم يصح الوقف؛ لأنه ذكر حبس الأصل ولم يسم لمن الغلة، فالصيغة يدخل فيها الغني والفقير، فلما لم يبين لأيهما كان الوقف باطلًا.
ورد هذا:
بأن الوقف مطلقه يراد للثواب؛ لكون صدقة من الصدقات، والفقراء هم المصرف الخيري العام عند عدم تخصيص مصرف آخر، فكان ذلك كالتنصيص عليهم.
القول الثاني:
يصح، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وبه أخذ مشايخ بلخ، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، ورجحه الشيرازي (٣).