← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

° وجه القول بصحة وقف المرهون: يصح للراهن وقف المرهون؛ لأنه يملكه، لكن يبقى حق المرتهن متعلقًا بالمرهون، فالرهن أثبت للمرتهن حق الاستيفاء من المرهون عند العجز عن السداد، والوقف أثبت للجهة الموقوف عليها حق الاستغلال في عين واحدة، وهما متنافيان بالنسبة إلى العين نفسها، وأحدهما سابق. وقد كان مقتضى ذلك أن يتوقف الوقف الطارئ على رضى المرتهن وإجازته إلا فيما يزيد من العين عن مبلغ الدين إذا كان فيها زيادة. لكن حق المرتهن إنما هو في مالية المرهون، لا في عينه حتى لو أراد الراهن وفاء الدين بمال آخر من مثله واستخلاص الرهن، ليس للمرتهن أن يختار الاستيفاء من المرهون ببيعه، وأخذ ثمنه، بل يجبر على الفكاك. أما الوقف فمتعلق بعين الموقوف وبماليته، فإذا أمكن الجمع بين تنفيذ حق الجهة الموقوفة عليها، وحق المرتهن معًا وجب المصير إليه. وعلى هذا كان من المقرر فقهًا أن الراهن إذا كان له مال آخر يمكن وفاء الدين منه ينفذ وقفه في المرهون، ويجبر قضاء على وفاء الدين، ويفك المرهون الموقوف. وإن لم يكن له مال آخر يفي بالدين، أو مات كذلك، ولم يترك ما يفي بالدين سوى المرهون، فإن أجاز المرتهن الوقف نفذ، وإلا بطل، فيباع المرهون لوفاء الدين (١).

стр. 7527

القول الثاني: لا يصح وقف المرهون حال تعلق حق الغير به، فإن قصد الواقف أن يكون موقوفًا بعد الخلاص من الرهن صح الوقف؛ لأنه لا يشترط في الوقف التنجيز، وهذا مذهب المالكية (١). جاء في الشرح الكبير للدردير: «وشرطه ـ يعني الوقف ـ ألا يتعلق به حق الغير، فلا يصح وقف مرهون ومؤجر وعبد جان حال تعلق حق الغير به» (٢). علق الدسوقي على ذلك بقوله: «(قوله: حال تعلق حق الغير به) أي بأن أراد الواقف وقف ما ذكر من الآن مع كونه مرتهنًا، أو مستأجرًا، وأما لو وقف ما ذكر قاصدًا بوقفها من الآن أنها بعد الخلاص من الرهن والإجارة تكون وقفًا صح ذلك؛ إذ لا يشترط في الوقف التنجيز» (٣). القول الثالث: لا يصح وقف المرهون بغير إذن المرتهن، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٤). جاء في روضة الطالبين: «وقف المرهون باطل على المذهب .... » (٥).

стр. 7528

وجاء في الإنصاف: «وإن كان تصرف الراهن بغير العتق لم يصح تصرفه مطلقًا على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، قال المصنف هنا: وهو أصح، وجزم به كثير منهم. وقيل: يصح وقفه» (١). وجاء في كشاف القناع: «وتصرف راهن في رهن لازم أي مقبوض بغير إذن مرتهن بما يمنع ابتداء عقده كهبة، ووقف وبيع ورهن ونحوه .... لا يصح؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة، وليس بمبني على السراية والتغليب فلم يصح بغير إذن المرتهن» (٢). ° الراجح من الخلاف: أذهب إلى صحة قول المالكية، وذلك أن تصرف الراهن في الرهن إنما يمنع إذا كان ذلك يؤدي إلى إبطال حق المرتهن، وإذا كان التنجيز في الوقف ليس بشرط على الصحيح من أقوال أهل العلم فما المانع أن يكون الوقف صحيحًا بعد فك الرهن، وبهذا نكون قد حفظنا حق المرتهن وحق الموقوف عليهم، وعند حلول الدين إن كان الراهن موسرًا وجب عليه سداد الدين، وفك الرهن، ولزم الوقف، وإن كان معسرًا بطل الوقف لتعلق حق المرتهن في العين المرهونة، والله أعلم. * * *

стр. 7529

الشرط العاشر في اشتراط بيان مصرف الموقوف [م-١٥١٢] لو قال: داري هذه وقف، ولم يعين مصرفًا، فهل تصح هذه الصيغة؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: لا يصح، وهو مذهب الحنفية، وبه قال محمد، وهلال، والخصاف وغيرهم (١)، وهو الأظهر في مذهب الشافعية (٢). قال إمام الحرمين: «إذا قال الرجل: وقفت داري هذه، ولم يتعرض لذكر المصرف أصلًا فقد ذكر الأئمة أن الأصح بطلان الوقف» (٣).

стр. 7530

وجاء في مغني المحتاج: «(ولو اقتصر على) قوله (وقفت) كذا، ولم يذكر مصرفه (فالأظهر بطلانه) لعدم ذكر مصرفه» (١). وجاء في روضة الطالبين: «لو قال: وقفت هذا، واقتصر عليه، فقولان، وقيل وجهان: أظهرهما عند الأكثرين بطلان الوقف» (٢). ° وجه القول بالبطلان: إذا قال: أرضي هذه وقف، ولم يبين مصرفًا لم يصح الوقف؛ لأنه ذكر حبس الأصل ولم يسم لمن الغلة، فالصيغة يدخل فيها الغني والفقير، فلما لم يبين لأيهما كان الوقف باطلًا. ورد هذا: بأن الوقف مطلقه يراد للثواب؛ لكون صدقة من الصدقات، والفقراء هم المصرف الخيري العام عند عدم تخصيص مصرف آخر، فكان ذلك كالتنصيص عليهم. القول الثاني: يصح، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وبه أخذ مشايخ بلخ، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، ورجحه الشيرازي (٣).

стр. 7531

جاء في الشرح الكبير للدردير: «ولا يشترط تعيين مصرفه، فيلزم بقوله: داري وقف» (١). جاء في المهذب: «وإن وقف وقفاً مطلقاً، ولم يذكر سبيله ففيه قولان: أحدهما: أن الوقف باطل؛ لأنه تمليك فلا يصح مطلقاً كما لو قال: بعت داري ووهبت مالي. والثاني: يصح وهو الصحيح؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة فصح مطلقاً كالأضحية» (٢). ° وجه القول بالصحة: بأن الوقف إذا أطلق فإنه يراد به الفقراء عرفًا، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، فكان بمنزلة التنصيص عليهم. وعلى القول بالصحة، فقد اختلفوا كيف يصرف على أربعة أقوال: أحدها: يصرف على الفقراء والمساكين، وهذا قول أبي يوسف، ووجه في مذهب الشافعية، واختاره بعض المالكية. ° وجه هذا القول: بأن الأصل في الوقف أنه يراد به الثواب، فتعين أن يكون مصرفه على الفقراء والمساكين.

стр. 7532

الثاني: يصرف في غالب مصرف تلك البلاد، فإن لم يكن في تلك البلاد غالب صرف للفقراء، ووجوه البر. وهذا مذهب المالكية. ° وجه هذا القول: بأن مطلق تصرفات الناس محمولة على الغالب في بلادهم، كالنقد إذا أطلق حمل على غالب نقد البلد. الثالث: يصرف في وجوه الخير لعموم النفع، وهو وجه ثان في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١). وفي بعض عبارات الحنابلة: وكان لجماعة المسلمين، وفي بعضها: صرف في مصالح المسلمين، قال صاحب الإنصاف: «والمعنى متحد». ° وجه هذا القول: لما كان الأصل في الوقف أنه للثواب، ولم يتعين الفقراء لعدم التنصيص عليهم كان مصرف الوقف المطلق لعموم الخير، ومصالح المسلمين، ومنهم الفقراء. الرابع: يصرف الوقف للمالك ولورثته ما بقوا، فإذا انقرضوا صرف في مصالح المسلمين، وهذا وجه ثالث في مذهب الشافعية، وهو معنى قول الحنابلة أنه يصرف مصرف الوقف المنقطع. ° وجه هذا القول: أن الصيغة لا تدل إلا على وقف الأصل، وأما المنفعة فهي له، فصار كأنه وقف الأصل، واستبقى المنفعة لنفسه ولورثته.

стр. 7533

(ح-٩٦٤) ولما رواه أحمد من طريق ابن عون، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب بنت صليع، عن سلمان بن عامر الضبي، قال: قال رسول الله ﷺ إن الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي القرابة اثنتان: صلة وصدقة. [والحديث وإن كان فيه ضعف لجهالة رباب إلا أن معناه ثابت في الصحيح] (١).

стр. 7534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7537

ولأن الله قد قسم المال بينهم في كتابه العزيز، وقد قال النبي ﷺ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. ° الراجح: القول بصحة الوقف، وأنه يصرف في وجوه الخير، ومصالح المسلمين، ومن ذلك صرفه على الفقراء والمساكين، والله أعلم. * * *

стр. 7538

الفصل الثاني فيمن يملك العين الموقوفة [م-١٥١٣] اتفق العلماء على أن منفعة الوقف ملك للموقوف عليه (١)، كما اتفقوا على أن المسجد ليس ملكًا لمعين. قال ابن تيمية: «وأما المسجد ونحوه، فليس ملكًا لمعين باتفاق المسلمين، وإنما يقال: هو ملك لله، وقد يقال: هو ملك لجماعة المسلمين» (٢). [م-١٥١٤] واختلفوا في ملكية العين الموقوفة إذا كان الوقف على معين على أقوال: القول الأول: الوقف محبوس على ملك الواقف. وهذا قول أبي حنيفة، والمشهور من مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، على خلاف بينهم: فأبو حنيفة يرى أن الوقف غير لازم، ويرى غيره أن الوقف لازم (٣).

стр. 7539

القول الثاني: ينتقل الوقف إلى ملك الله تعالى، بمعنى: أنه ينفك عن اختصاص الآدمي، وإلا فجميع الموجودات لله تعالى. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والمشهور من مذهب الشافعية. إلا أن الشافعية، وأبا يوسف قالوا: ينتقل الملك بمجرد اللفظ. وقال محمد بن الحسن: لا ينتقل حتى يجعل للوقف وليًا ويسلمه إليه (١). القول الثالث: ينتقل إلى ملك الموقوف عليه، إلا أن يكون مما لا يملك، كالمسجد، وهو قول في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).

стр. 7540

القول الرابع: إن كان الوقف على معين ملكه الموقوف عليه، وإن كان على جهة انتقل إلى الله تعالى، وهو قول في مذهب الشافعية (١). دليل من قال: الوقف يبقى على ملك الواقف: الدليل الأول: (ح-٩٦٥) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (٢). وجه الاستدلال: أن العين الموقوفة لو لم تكن باقية على ملك الواقف ما عده رسول الله ﵇ من عمله الجاري بعد موته؛ لأن المال غير الوقف ينقطع عن الواقف بمجرد موته؛ لانقطاع الملك إلى غيره. ويناقش: بأن الأجر أوسع من الملك، ولذا جاء الأجر من العلم المنتفع به بعد موته، وإن كان علم الإنسان لا يبقى إذا مات، كما أن الإنسان إذا سن سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص ذلك من أجور العاملين، وعكسه من سن سنة سيئة، والله أعلم.

стр. 7541

الدليل الثاني: (ح-٩٦٦) ما رواه النسائي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر للنبي ﵇ إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إلي منها، قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي ﵇: احبس أصلها، وسبل ثمرتها. [صحيح، وأصله في الصحيحين] (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﵇ قال لعمر: (احبس أصلها) ظاهره: حبسها على ما كان؛ إذ لم يقم دليل على وجوب خروج الوقف من ملك صاحبه، وقوله ﵇: (وسبل ثمرتها) أي يجب إخراج المنافع إلى الموقوف عليهم، فالإخراج خاص بالثمرة، لا بالعين، وهذا يدل على أن الوقف لا يوجب زوال الملك عن الواقف، فتبقى العين الموقوفة على ملك صاحبها، ومنافع الوقف ملك للموقوف عليهم. فإن قيل: كيف يكون مالكًا للعين، وهو ممنوع من التصرف فيها بالبيع، والهبة، والإرث، فإن هذا ينافي الملك؟ فالجواب: أن الملك قد يصح مع المنع من التصرف، فهذه أم الولد الملك فيها باق، ومالكها ممنوع من التصرف فيها، ومثله المدبر. ويناقش: بأن المال كونه في يد الواقف لا يعني أنه يملكه، شأنه في ذلك شأن ولي الوقف، حيث يكون الوقف في يده، ولا يملك منه شيئًا.

стр. 7542

الدليل الثالث: أن العين كانت ملكًا للواقف قبل الوقف، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يزيلها. ويجاب: إذا كانت الملكية عندكم تعني بقاء العين في يد الواقف، وهو ممنوع من التصرف فيها بيعًا وهبة وإرثًا، فهذا خلاف لفظي بيننا وبينكم، فهذه الأمانة في يد الأمين للحفظ، وهو لا يملك التصرف فيها، ولم يقل أحد: إنه يملك العين لبقاء العين في يده، وإن كانت الملكية تعني أن يملك الواقف التصرف في العين، فهذا لا يملكه الواقف، وهذا دليل على خروج الوقف عن ملك الواقف. دليل من قال: عين الوقف ملك لله تعالى: الدليل الأول: (ح-٩٦٧) ما رواه البخاري من طريق صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله ﵇، وكان يقال له: ثمغ، وكان نخلًا، فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالًا، وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق به، فقال النبي ﵇: تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره، فتصدق به عمر ... الحديث (١). وجه الاستدلال: قوله ﵇: (تصدق بأصله) دليل على أن العين الموقوفة يتصدق بها الواقف،

стр. 7543

وما تصدق به لا يمكن أن يبقى على ملكه، ولم تنتقل العين إلى ملك الموقوف عليه، وهذا بالاتفاق؛ فإن الموقوف عليه لا يملك إلا المنفعة، فبقي إما أن نقول: إن المال يبقى بلا مالك، أو يقال: إن المال قد انتقل إلى ملك لله تعالى، وخرج من اختصاص الآدميين، وهذا هو المتعين. ويجاب: بأن قوله: (تصدق بأصله) انفرد به صخر بن جويرية، عن نافع عند البخاري وحده، وقد رواه ابن عون عن نافع في الصحيحين (١) بلفظ: (إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها) وهذا هو المحفوظ، فقد رواه غير ابن عون على هذا اللفظ (٢)، وعلى تقدير أن يكون اللفظان محفوظين، فإن المفهومين مختلفان؛ لأن معنى تصدق بأصله: أي ملِّك الفقير أصله.

стр. 7544

ومعنى: احبس أصله: أي على ما كان، ولا يمكن أن يراد بهما إلا معنى أحدهما، وإلا كان ﵇ مجيبًا لعمر ﵁ في حادثة واحدة بأمرين متنافيين، فلا بد من حمل أحد اللفظين على معنى الآخر، فإن حملنا: قوله: (احبس أصله) على معنى تصدق بأصله، فإن الاتفاق على نفيه؛ إذ لا يقول أحد: إن الفقير يملك العين، فوجب أن يحمل لفظ: (تصدق) على معنى (احبس)، فتحبس الرقبة على ملك صاحبها، فلا يبيعها، ولا يهبها، ولا يورثها، ويكون الفرق بين اللفظين: أن أحدهما كان لفظًا صريحًا، في الوقف، والآخر كان كناية، تحول إلى صريح حين قرن به لفظ: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، فيكون الراوي صخر بن جويرية قد روى الحديث بالمعنى مستبدلًا اللفظ الصريح بلفظ من الكنايات، والخطب يسير، والله أعلم. ويرد على هذا الجواب: على التسليم بأن لفظ (تصدق بأصله) غير محفوظة، فإن الوقف من باب الصدقات، والفرق بين الوقف وغيره من الصدقات، أن الصدقة تمليك للعين، والمنفعة. والوقف حبس للعين، وإخراجها عن اختصاص الآدميين إلى ملك الله تعالى، فلا يملك أحد من الآدميين التصرف فيها ببيع، أو هبة، أو إرث، وهذه هي خصائص الملكية، وتمليك للمنفعة لمن أوقفت عليه، والله أعلم. الدليل الثاني: من النظر، وذلك أن الواقف لا يبقى له ملك على الوقف بعد موته؛ لخراب ذمته، فكذلك لم يبق له ملك على الوقف قبل موته؛ لأن حكم الوقف بعد موت واقفه، كحكمه في حياة واقفه.

стр. 7545

الدليل الثالث: القياس على وقف الأرض مسجدًا، فإذا كان مثل هذا يزول عنه الملك لا إلى مالك اتفاقًا، فكذلك الوقف على معين؛ لأنه أحد نوعي الوقف. الدليل الرابع: الوقف سبب يقطع تصرف الواقف في الرقبة والمنفعة، فوجب أن يزيل الملك كالبيع والعتق، ولا يمكن أن يكون الملك قد انتقل إلى الموقوف عليه؛ لأنه لم يستفد من الوقف إلا ملك المنفعة، فوجب أن يكون الملك قد خرج من اختصاص الآدميين، وهو ما عبر عنه شرعًا بالحبس، والله أعلم. دليل من قال: الوقف ملك للموقوف عليه: الدليل الأول: لو كان الوقف تمليكًا للمنفعة المجردة فقط لم يكن الوقف لازمًا كالعارية، فلما كان الوقف متى صدر من أهله مستجمعًا شروطه أصبح لازمًا، دل ذلك على انتقال الملك إلى الموقوف عليهم، وهم أولى بالملك من الواقف، ذلك أن الواقف والموقوف عليهم يشتركون بأنهم لا يملكون التصرف في العين، ويزيد الموقوف عليهم، أنهم يملكون المنفعة، فهم أقرب من الواقف، ومنعهم من التصرف لا يمنع الملك كأم الولد، والله أعلم. الدليل الثاني: أن الوقف لا يصح قياسه على العتق، فالعتق يخرج العبد عن كونه مالًا بخلاف الوقف، فإنه لا يخرج الموقوف عن المالية، ولذلك جاز في الوقف

стр. 7546

القضاء بالشاهد واليمين، كسائر الأموال، ولو كان كالعتق يخرج به عن المالية لما حكم له إلا بشاهدين، وحيث إنه جرى عليه الملك في الضمان، واستحقاق البدل، والملك لا يكون إلا لمالك، والموقوف عليه أولى بالملك من الواقف لما تقدم. الراجح: الذي أميل إليه أن العين الموقوفة لا يملكها الواقف، بدليل أن الواقف إذا مات زالت أهليته عن الملكية، ومع ذلك لا يختلف حال الوقف بعد موته عنه قبل موته، وعلى هذا فالوقف خارج عن ملك الواقف عينًا ومنفعة، كما أن العين الموقوفة ليست ملكًا للموقوف عليه؛ لأنه لم يستفد من الوقف إلا مجرد المنفعة فقط، ولا ملك له على العين، وملك المنفعة لا يعطيه ملك العين. وعلى هذا يبقى إما أن نقول: إن العين الموقوفة محبوسة عن الملك، فلا يختص بملكها أحد من الآدميين شأنها شأن المسجد، والوقف على جهة غير محصورة، فيكون المالك لها هو الله تعالى. أو نقول: إن الوقف في نفسه شخصية اعتبارية لها ذمة مستقلة عن الواقف والموقوف عليه، شأنه في ذلك شأن بيت المال. وقد رجح ذلك الشيخ مصطفى الزرقا، يقول الشيخ: «أحكام الوقف في الإسلام تقوم على أساس الوقف في النظر الفقهي مؤسسة ذات شخصية حكمية، لها ذمة مالية وأهلية لثبوت الحقوق لها، وعليها، يمثلها من يتولى إدارة الوقف» (١).

стр. 7547

ومع القول بذلك فإنه يبقى للواقف حق النظر على الوقف، لا من باب الملكية، ولكن لأنه أحرص الناس على استمراره وبقائه وقفًا، وقد أخرجه بإرادته فهو مقدم على غيره في النظر. * * *

стр. 7548

الفصل الثالث في بيع الوقف لاستبداله إذا كان بيع الوقف بنية الرجوع عن الوقف، فهذه مسألة خلافية بين أبي حنيفة والجمهور، وسبق تحرير الخلاف فيها. وإذا كان بيع الوقف لتعطل منافعه، أو من أجل استبداله بخير منه، وإن لم تتعطل منافعه، فهاتان مسألتان اختلف فيهما الفقهاء، وسوف نبحث كل واحدة منها في بحث مستقل. وهل يختلف الحكم فيما لو كان الوقف مسجدًا وبين غيره من الأوقاف. * * *

стр. 7549

المبحث الأول في بيع الوقف إذا تعطلت منافعه الفرع الأول في استبدال الوقف إذا كان مسجدًا ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه، لا يجوز بيعه مع تعطلها. وأرجح منه من قال: يتعين الإفتاء بما هو الأنفع للوقف. بدل الشيء قائم مقام أصله، وحكمه حكم الأصل. استبدال الوقف خير من تعطيله. [م-١٥١٥] اختلف العلماء في بيع المسجد؛ لاستبداله، إذا تعطلت منافعه، بأن انتقل عنه الناس، إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: يبقى على حاله، فلا يباع، ولا يستبدل، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وعليه الفتوى، وأكثر المشايخ عليه، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة (١).

стр. 7550

جاء في الهداية: «ولو خرب ما حول المسجد، واستغني عنه يبقى مسجدًا عند أبي يوسف؛ لأنه إسقاط منه فلا يعود إلى ملكه» (١). وجاء في القوانين الفقهية: «والأحباس بالنظر إلى بيعها ثلاثة أقسام: الأول: المساجد، فلا يحل بيعها أصلًا بإجماع» (٢). وقال النووي في الروضة: «لو انهدم المسجد، أو خربت المحلة حوله، وتفرق الناس عنها، فتعطل المسجد لم يعد ملكًا بحال، ولا يجوز بيعه؛ لإمكان عوده كما كان، ولأنه في الحال يمكن الصلاة فيه» (٣). وجاء في الإنصاف: «وعنه: لا تباع المساجد، لكن تنقل آلتها إلى مسجد آخر. اختاره أبو محمد الجوزي، والحارثي، وقال: هو ظاهر كلام ابن أبي موسى. وعنه: لا تباع المساجد، ولا غيرها، لكن تنقل آلتها. نقل جعفر فيمن جعل

стр. 7551

خانًا للسبيل، وبنى بجانبه مسجدًا، فضاق المسجد، أيزاد منه في المسجد؟ قال: لا. قيل: فإنه إن ترك ليس ينزل فيه أحد، قد عطِّل. قال: يترك على ما صير له، واختار هذه الرواية الشريف، وأبو الخطاب، قاله في الفروع» (١). القول الثاني: يصح بيعه، وصرف ثمنه في مثله، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو من المفردات، واختار هذه الرواية ابن تيمية وابن القيم (٢). جاء في مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله: «سألت أبي عن مسجد خرب ترى أن تباع أرضه، وينفق على مسجد استحدثوه؟ فقال: إذا لم يكن له جيران، ولم يكن له أحد يعمره، فأرجو ألا يكون به بأس أن تباع أرضه وينفق على الآخر» (٣). القول الثالث: إذا تعطل المسجد رجع إلى مالكه الأول، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية. جاء في المبسوط: «فإن خرب ما حول المسجد، واستغنى الناس عن الصلاة فيه، فعلى قول أبي يوسف ﵀ لا يعود إلى ملك الثاني، ولكنه مسجد كما كان

стр. 7552

وعند محمد ﵀ يعود إلى ملك الثاني، وإلى ملك وارثه إن كان ميتًا؛ لأنه جعل هذا الجزء من ملكه مصروفًا إلى قربة بعينها، فإذا انقطع ذلك عاد إلى ملكه، كالمحصر إذا بعث بالهدي، ثم زال الإحصار، فأدرك الحج، كان له أن يصنع بهديه ما شاء» (١). ومثله حصير المسجد، وحشيشه، إذا استغني عنه يعود إلى ملك صاحبه عند محمد، وعند أبي يوسف ينقل إلى مسجد آخر (٢). ° دليل من قال: لا يصح بيع المسجد واستبداله بمثله: الدليل الأول: (ح-٩٦٨) ما رواه البخاري من طريق صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له ثمغ، وكان نخلًا، فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالًا، وهو عندي نفيس ... وفيه فقال له النبي ﷺ : تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره .... الحديث (٣). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث) دليل على منع بيعه ومنه بيعه بنية الاستبدال.

стр. 7553

الدليل الثاني: (ح-٩٦٩) ما رواه البخاري من طريق أبي وائل، قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا، فقال: لقد هممت ألا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. قال: هما المرءان يقتدى بهما (١). وجه الاستدلال: استدل شيبة بتركه النبي ﷺ وأبي بكر التعرض لمال الكعبة، مع علمهما به، وحاجتهما إليه، على أنه لا يجوز بيع الوقف، ولا التعرض له، ووافقه عمر ﵁ على ذلك. ونوقش: بأن الترك لا يدل على تحريم الفعل، ولهذا قال ابن حجر: «وأما الترك الذي احتج به عليه شيبة، فليس صريحًا في المنع» (٢). وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى في أدلة المخالفين جواز قسمة كسوة الكعبة إذا استغني عنها، وجواز بيعها، وهو رأي عمر، وعائشة، وبعض الصحابة ﵃، وكسوة الكعبة داخلة في مال الكعبة. الدليل الثالث: علل الحنفية المنع بأن الواقف لا يملك حق بيع المسجد، بعد أن خرج الوقف عن ملكه، وأصبح ملكًا لله تعالى، كما لو أعتق عبدًا ثم زمن.

стр. 7554

وعلل الشافعية المنع، بأن المسجد إذا خرب أمكن الصلاة فيه، والإعتكاف في أرضه، فلم تنعدم المنفعة، ولإمكان رجوعه وإصلاحه، ولهذا لو وقف أرضًا خرابًا جاز، ولو وقف حيوانًا عطبًا لم يجز. ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه، لا يجوز بيعه مع تعطلها، قياسًا على العبد المعتق. ° دليل من قال: يصح بيعه واستبداله بمثله: الدليل الأول: (ث-١٨٥) ما رواه الطبراني من طريق أبي نعيم، ثنا المسعودي، عن القاسم، قال: قدم عبد الله، وقد بنى سعد القصر، واتخذ مسجدًا في أصحاب التمر، فكان يخرج إليه في الصلوات، فلما ولي عبد الله بيت المال نقب بيت المال، فأخذ الرجل، فكتب عبد الله إلى عمر، فكتب عمر، ألا تقطعه، وانقل المسجد، واجعل بيت المال مما يلي القبلة، فإنه لا يزال في المسجد من يصلي، فنقله عبد الله وخط هذه الخطة ... (١) [ضعيف، القاسم لم يسمع من جده عبد الله] (٢).

стр. 7555

وجه الاستدلال: أن هذا نقل للمسجد، وكان بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان كالإجماع. وقد يناقش: بأن الأثر على فرض صحته ليس فيه إلا مجرد الأمر بنقل المسجد، والنقل ليس صريحًا على جواز البيع، فقد تكون البقعة التي انتقلوا عنها بقيت مسجدًا لغيرهم، والله أعلم، ولهذا سماه الإمام أحمد تحويل المسجد، والتحويل غير البيع. الدليل الثاني: أن استبدال الوقف إذا تعطل من باب الضرورة، والضرورة تبيح الممنوع؛ لأن تعطيل الوقف لا يحصل به مقصود الواقف، ولا الموقوف عليه، بل هو فساد، والله لا يحب الفساد. وقد وجه ابن عقيل الحنبلي ذلك، بأن الوقف إذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض: وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، واتصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا مع العين مع تعطيلها تضييق للغرض، ويقرب هذا من الهدي إذا عطب، فإنه يذبح في الحال، وإن كان يختص بموضع، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفي منه ما أمكن (١).

стр. 7556

الدليل الثالث: ذكر الفاكهي في أخبار مكة، قال: (ث-١٨٦) عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة ﵂ قالت دخل علي شيبة الحجبي فقال يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر فننزعها ونحفر بئارا فنعمقها وندفنها لكيلا تلبسها الحائض والجنب قالت بئس ما صنعت ولكن بعها فاجعل ثمنها في سبيل الله وفي المساكين فإنها إذا نزعت عنها لم يضر من لبسها من حائض أو جنب. [حسن إن شاء الله تعالى] (١). قال ابن تيمية: «: فأمرت عائشة ببيع كسوة الكعبة، مع أنها وقف، وصرف ثمنها في سبيل الخير؛ لأن ذلك أصلح للمسلمين» (٢). وإذا صح بيع ثياب الكعبة، وهي وقف صح استبدال المسجد عند تعطل منافعه قياسًا عليها. ويجاب: بأن الأعلى لا يقاس على الأدنى، والمسألة في استبدال المسجد، وثياب الكعبة من توابع المسجد، فهي بمنزلة حصير المسجد، والذين منعوا استبدال المسجد لا يمنعون من استبدال حصير المسجد إذا بلي، والكسوة إن كانت من بيت مال المسلمين لم يكن لها حكم الوقف؛ لأنه مال للمسلمين صرف في مصالحهم، وعلى التسليم بأن ثياب الكعبة بمنزلة المسجد، فإن بيع كسوة الكعبة

стр. 7557

محل خلاف بين الفقهاء، وما كان محل خلاف لا يصح أن يحتج به على المخالف. ° وجه من قال: يعود إلى مالكه الأول: علل محمد بن الحسن الشيباني القول بعود المسجد إلى مالكه الأول إذا تعطل، بأن الواقف عين الوقف لنوع قربة، وقد انقطعت، فينقطع هو أيضًا وذلك كما لو كفن ميتًا، فافترسه سبع عاد إلى مالكه، وكالمحصر إذا بعث الهدي، ثم زال الإحصار، فأدرك الحج، كان له أن يصنع بهديه ما شاء (١). ويناقش: أجاب الحنفية ممن قال بقول أبي يوسف: بأن تكفين الميت ليس بإزالة للعين عن ملكه، بل هو تبرع بالمنفعة لحاجة الميت، فكان بمنزلة العارية حال الحياة، وقد وقع الاستغناء للمستعير، فتعود المنفعة إلى المعير، كما في حال الحياة. وعندي أن تخريج الكفن على الإعارة فيه إشكال؛ فإذا لم يكن الكفن وقفًا فهو إلى الهبة أقرب منه إلى الإعارة؛ لأن الإعارة تمليك مؤقت، وهذا تمليك على سبيل الدوام على القول بأن الميت يملك، وإذا ملَّكها للميت على سبيل الدوام فاستغنى عنها انتقلت المنفعة لأقارب الميت، وهو أولى من عودها إلى من أخرجها من ملكه، والله أعلم. الراجح: جواز استبدال الوقف، ولو كان مسجدًا إذا تعطلت منافعه. * * *

стр. 7558

الفرع الثاني في استبدال الوقف إذا لم يكن مسجدًا استمرار الوقف باستبداله خير من انقطاعه. تأبيد الوقف يتحقق باستبداله عند تعطل منافعه. [م-١٥١٦] إذا تعطل الوقف ولم يكن مسجدًا، فهل يصح بيعه، واستبداله بمثله؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة، ولما كان في المذهب الواحد تجد أكثر من قول احتاج الأمر أولًا إلى تحرير المذاهب، ثم نلخص منها الأقوال في المسألة، ونختم ذلك بذكر أدلتها ومناقشتها. الأول: مذهب الحنفية: إذا تعطلت منافع الوقف، فإن كان الواقف قد شرط لنفسه أو لغيره حق الاستبدال، ملك بهذا الشرط أن يستبدل الوقف على الصحيح، ولا يحتاج إلى إذن القاضي عملًا بالشرط. وإن كان الواقف لم يشرطه، بأن سكت، أو شرط عدم الاستبدال، جاز استبداله على الصحيح، لكن بإذن القاضي (١).

стр. 7559

° وجه جواز الاستبدال: أن موجب الاستبدال في الصورة الأولى العمل بشرط الواقف، وحكاه بعض الحنفية إجماعاً. جاء في فتح القدير نقلًا عن فتاوى قاضي خان: «أجمعوا أن الواقف إذا شرط الاستبدال لنفسه يصح الشرط والوقف، ويملك الاستبدال» (١). والموجب له في الصورة الثانية الضرورة، حيث تعطلت منافعه. قال ابن الهمام: «فإن كان لخروج الوقف عن انتفاع الموقوف عليهم فينبغي ألا يختلف فيه» (٢).

стр. 7560

الثاني: مذهب المالكية . المالكية فرقوا في الاستبدال بين العقار والمنقول: فإن كان الموقوف منقولًا، فالصحيح في مذهب المالكية، أنه يجب على الواقف استبداله، إذا لم توجد جهة تنفق عليه، أو خيف عليه الهلاك، أو تعطلت منافعه، وصار لا ينتفع به فيما حبس من أجله (١). واختار ابن الماجشون أنه لا يباع مطلقًا، إلا أن يكون اشترط ذلك في أصل الحبس (٢). جاء في المدونة: «قال مالك: أما ما ضعف من الدواب، حتى لا يكون فيها قوة للغزو، فإنه يباع، ويشترى بثمنها غيرها من الخيل، فيجعل في سبيل الله» (٣). وقال ابن جزي: «الثالث: العروض والحيوان، قال ابن مالك: إذا ذهبت منفعتها كالفرس يهرم، والثوب يخلق، بحيث لا ينتفع بهما، جاز بيعه، وصرف ثمنه في مثله، فإن لم تصل قيمته إلى كامل، جعلت في نصيب من مثله. وقال ابن الماجشون: لا يباع أصلًا» (٤). قال خليل: «وبيع ما لا ينتفع به من غير عقار في مثله، أو شقصه» (٥).

стр. 7561

قال الخرشي شارحًا لهذه العبارة: «يعني أن الشيء الموقوف على معين أو على غير معين من غير عقار، إذا صار لا ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه، كالثوب يخلق، والفرس يكلب، والعبد يعجز، وما أشبه ذلك، فإنه يباع، ويشترى بثمنه مثله، مما ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه، فإن لم يبلغ ثمنه ما يشترى به مثله، فإنه يستعان به في شقص مثله. وقوله (بيع) أي وجوبًا، وقوله (مما لا ينتفع به) المنفي هو النفع المقصود للواقف، ولكن ينتفع به في الجملة؛ لأنه يشترط في صحة البيع كون المبيع مما ينتفع به .... وقوله (من غير عقار) في محل، تقديره: وبيع ما لا ينتفع به حالة كونه غير عقار» (١). وأما إن كان الموقوف عليه غير منقول: فإن كان الواقف قد شرط لنفسه، أو للموقوف عليه بيعه، جاز استبداله، سواء قيد ذلك بالحاجة أم لا، عملًا بالشرط. جاء في الفواكه الدواني: «قال مالك: لا يباع العقار الحبس، ولو خرب، وبقاء أحباس السلف دائرة، دليل على منع ذلك ..... تنبيه: كلام المصنف مقيد بما إذا لم يكن الواقف شرط للموقوف عليه بيعه، وإلا جاز، سواء قيد ذلك بالحاجة أم لا، كما لو شرط الواقف لنفسه بيعه، فيجوز له بيعه عملًا بالشرط قياسًا على شرط الرجوع في صدقته ... » (٢). وإن كان لم يشترط الاستبدال فالصحيح من مذهب المالكية أنه لا يجوز بيع

стр. 7562

العقار المحبس وإن خرب، ولو بعقار غير خرب (١)، إلا أن يكون العقار المحبس من أجل توسيع المسجد، فيجوز بيعه، ولو بالإكراه، إذا اقتضى الأمر. وقيل: إن ذلك في مساجد الأمصار (الجوامع)، لا في مساجد القبائل (مسجد الجماعات) والمقبرة، والطريق العام كالمسجد في الحكم. قال ابن رشد: «ظاهر سماع ابن القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد، وهو قول سحنون أيضًا. وفي النوادر عن مالك والأخوين وأصبغ وابن عبد الحكم أن ذلك إنما يجوز في مساجد الجوامع إن احتيج لذلك، لا في مساجد الجماعات إذ ليست الضرورة فيها كالجوامع» (٢). وقال ابن شاس: «حبس العقار عندنا الدور وغيرها لا سبيل إلى بيع شيء من ذلك وإن دثر وانتقلت العمارة عن مكانه، اللهم إلا أن يكون مسجد تحيط به دور محبسة فاحتاج إلى سعة فقد قالوا: لا بأس أن يشترى منها ليوسع بها فيه. والطريق أيضًا كالمسجد في ذلك؛ لأنه نفع عام أعم من نفع الدار المحبسة قاله ابن حبيب عن مالك. قال ابن الماجشون: وذلك في مثل جوامع الأمصار دون مساجد القبائل» (٣).

стр. 7563

وقيل: يجوز بيع العقار واستبداله، وهو قول ربيعة، وإحدى روايتي أبي الفرج عن مالك (١). جاء في التاج والإكليل: «وفيها لربيعة: أن الإمام يبيع الربع إذا رأى ذلك لخرابه، وهو إحدى روايتي أبي الفرج عن مالك» (٢). ورأى بعضهم الجواز بشرطين: أحدهما: أن تنقطع منفعته، والثاني: أن يبعد عن العمران. فقد نقل الحطاب عن اللخمي ما نصه: «لا يباع إن كان بالمدينة؛ إذ لا يويئس من صلاحه من محتسب أو بعض عقب، وما بعد عن العمران ولم يرج صلاحه جرى على القولين، والذي آخذ به المنع خوف كونه ذريعة لبيع الحبس» (٣). الثالث: مذهب الشافعية: حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت أو أشرفت على ذلك، ولم تصلح إلا للإحراق ففي بيعها وجهان، أصحهما جواز بيعها؛ لئلا تضيع، ويضيق المكان بها من غير فائدة، وما تحصل من ثمنها يعود في مصالح الوقف. ويجري الخلاف في الدار إذا انهدمت أو أشرفت على ذلك. قال الرافعي: والقياس أن يشترى بثمن الحصير حصير لا غير، قال: ويشبه أنه مرادهم. قال في مغني المحتاج: وهو ظاهر إن أمكن وإلا فالأول (٤). اهـ

стр. 7564

ولا يدخل ذلك تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، ولذلك لو أمكن أن يتخذ منها ألواح وأبواب لم تبع. جاء في منهاج الطالبين: «والأصح جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق» (١). وجاء في المهذب: «وإن وقف نخلة فجفت، أو بهيمة فزمنت، أو جذوعًا على مسجد فتكسرت، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيعه لما ذكرناه في المسجد. والثاني: يجوز بيعه؛ لأنه لا يرجى منفعته، فكان بيعه أولى من تركه بخلاف المسجد فإن المسجد يمكن الصلاة فيه مع خرابه، وقد يعمر الموضع فيصلى فيه» (٢). وجاء في روضة الطالبين: «حصر المسجد إذا بليت، ونحاتة أخشابه إذا نخرت، وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها منفعة ولا جمال، في جواز بيعها وجهان: أصحهما: تباع لئلا تضيع وتضيق المكان بلا فائدة. والثاني: لا تباع بل تترك بحالها أبدا، وعلى الأول قالوا: يصرف ثمنها في مصالح المسجد، والقياس: أن يشترى بثمن الحصير حصير، ولا يصرف في مصلحة أخرى، ويشبه أن يكون هو المراد بإطلاقهم، وجذع المسجد المنكسر

стр. 7565

إذا لم يصلح لشيء سوى الإحراق فيه هذا الخلاف، وإن أمكن أن يتخذ منه ألواح، أو أبواب قال المتولي: يجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف، ويجري الخلاف في الدار المنهدمة، وفيما إذا أشرف الجذع على الانكسار، والدار على الانهدام. قال الإمام: وإذا جوزنا البيع، فالأصح صرف الثمن إلى جهة الوقف، وقيل: هو كقيمة المتلف، فيصرف إلى الموقوف عليه ملكا على رأي، وإذا قيل به فقال الموقوف عليه: لا تبيعوها، واقلبوها إلى ملكي، فلا يجاب على المذهب، ولا تنقلب عين الوقف ملكا، وقيل: تنقلب ملكا بلا لفظ» (١). الرابع: مذهب الحنابلة: المشهور من مذهب الحنابلة صحة بيع الوقف واستبداله بمثله إذا تعطلت منافعه حتى ولو كان الوقف مسجدًا (٢). قال ابن قدامة: «وجملة ذلك أن الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتًا، ولم يمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع منه بيع جميعه» (٣).
следующие страницы →