قال الخرشي شارحًا لهذه العبارة: «يعني أن الشيء الموقوف على معين أو على غير معين من غير عقار، إذا صار لا ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه، كالثوب يخلق، والفرس يكلب، والعبد يعجز، وما أشبه ذلك، فإنه يباع، ويشترى بثمنه مثله، مما ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه، فإن لم يبلغ ثمنه ما يشترى به مثله، فإنه يستعان به في شقص مثله.
وقوله (بيع) أي وجوبًا، وقوله (مما لا ينتفع به) المنفي هو النفع المقصود للواقف، ولكن ينتفع به في الجملة؛ لأنه يشترط في صحة البيع كون المبيع مما ينتفع به .... وقوله (من غير عقار) في محل، تقديره: وبيع ما لا ينتفع به حالة كونه غير عقار» (١).
وأما إن كان الموقوف عليه غير منقول:
فإن كان الواقف قد شرط لنفسه، أو للموقوف عليه بيعه، جاز استبداله، سواء قيد ذلك بالحاجة أم لا، عملًا بالشرط.
جاء في الفواكه الدواني: «قال مالك: لا يباع العقار الحبس، ولو خرب، وبقاء أحباس السلف دائرة، دليل على منع ذلك .....
تنبيه: كلام المصنف مقيد بما إذا لم يكن الواقف شرط للموقوف عليه بيعه، وإلا جاز، سواء قيد ذلك بالحاجة أم لا، كما لو شرط الواقف لنفسه بيعه، فيجوز له بيعه عملًا بالشرط قياسًا على شرط الرجوع في صدقته ... » (٢).
وإن كان لم يشترط الاستبدال فالصحيح من مذهب المالكية أنه لا يجوز بيع
стр. 7562
العقار المحبس وإن خرب، ولو بعقار غير خرب (١)، إلا أن يكون العقار المحبس من أجل توسيع المسجد، فيجوز بيعه، ولو بالإكراه، إذا اقتضى الأمر.
وقيل: إن ذلك في مساجد الأمصار (الجوامع)، لا في مساجد القبائل (مسجد الجماعات) والمقبرة، والطريق العام كالمسجد في الحكم.
قال ابن رشد: «ظاهر سماع ابن القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد، وهو قول سحنون أيضًا.
وفي النوادر عن مالك والأخوين وأصبغ وابن عبد الحكم أن ذلك إنما يجوز في مساجد الجوامع إن احتيج لذلك، لا في مساجد الجماعات إذ ليست الضرورة فيها كالجوامع» (٢).
وقال ابن شاس: «حبس العقار عندنا الدور وغيرها لا سبيل إلى بيع شيء من ذلك وإن دثر وانتقلت العمارة عن مكانه، اللهم إلا أن يكون مسجد تحيط به دور محبسة فاحتاج إلى سعة فقد قالوا: لا بأس أن يشترى منها ليوسع بها فيه. والطريق أيضًا كالمسجد في ذلك؛ لأنه نفع عام أعم من نفع الدار المحبسة قاله ابن حبيب عن مالك. قال ابن الماجشون: وذلك في مثل جوامع الأمصار دون مساجد القبائل» (٣).
стр. 7563
وقيل: يجوز بيع العقار واستبداله، وهو قول ربيعة، وإحدى روايتي أبي الفرج عن مالك (١).
جاء في التاج والإكليل: «وفيها لربيعة: أن الإمام يبيع الربع إذا رأى ذلك لخرابه، وهو إحدى روايتي أبي الفرج عن مالك» (٢).
ورأى بعضهم الجواز بشرطين:
أحدهما: أن تنقطع منفعته، والثاني: أن يبعد عن العمران. فقد نقل الحطاب عن اللخمي ما نصه: «لا يباع إن كان بالمدينة؛ إذ لا يويئس من صلاحه من محتسب أو بعض عقب، وما بعد عن العمران ولم يرج صلاحه جرى على القولين، والذي آخذ به المنع خوف كونه ذريعة لبيع الحبس» (٣).
الثالث: مذهب الشافعية:
حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت أو أشرفت على ذلك، ولم تصلح إلا للإحراق ففي بيعها وجهان، أصحهما جواز بيعها؛ لئلا تضيع، ويضيق المكان بها من غير فائدة، وما تحصل من ثمنها يعود في مصالح الوقف.
ويجري الخلاف في الدار إذا انهدمت أو أشرفت على ذلك.
قال الرافعي: والقياس أن يشترى بثمن الحصير حصير لا غير، قال: ويشبه أنه مرادهم. قال في مغني المحتاج: وهو ظاهر إن أمكن وإلا فالأول (٤). اهـ
стр. 7564
ولا يدخل ذلك تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، ولذلك لو أمكن أن يتخذ منها ألواح وأبواب لم تبع.
جاء في منهاج الطالبين: «والأصح جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق» (١).
وجاء في المهذب: «وإن وقف نخلة فجفت، أو بهيمة فزمنت، أو جذوعًا على مسجد فتكسرت، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز بيعه لما ذكرناه في المسجد.
والثاني: يجوز بيعه؛ لأنه لا يرجى منفعته، فكان بيعه أولى من تركه بخلاف المسجد فإن المسجد يمكن الصلاة فيه مع خرابه، وقد يعمر الموضع فيصلى فيه» (٢).
وجاء في روضة الطالبين: «حصر المسجد إذا بليت، ونحاتة أخشابه إذا نخرت، وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها منفعة ولا جمال، في جواز بيعها وجهان:
أصحهما: تباع لئلا تضيع وتضيق المكان بلا فائدة.
والثاني: لا تباع بل تترك بحالها أبدا، وعلى الأول قالوا: يصرف ثمنها في مصالح المسجد، والقياس: أن يشترى بثمن الحصير حصير، ولا يصرف في مصلحة أخرى، ويشبه أن يكون هو المراد بإطلاقهم، وجذع المسجد المنكسر
стр. 7565
إذا لم يصلح لشيء سوى الإحراق فيه هذا الخلاف، وإن أمكن أن يتخذ منه ألواح، أو أبواب قال المتولي: يجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف، ويجري الخلاف في الدار المنهدمة، وفيما إذا أشرف الجذع على الانكسار، والدار على الانهدام. قال الإمام: وإذا جوزنا البيع، فالأصح صرف الثمن إلى جهة الوقف، وقيل: هو كقيمة المتلف، فيصرف إلى الموقوف عليه ملكا على رأي، وإذا قيل به فقال الموقوف عليه: لا تبيعوها، واقلبوها إلى ملكي، فلا يجاب على المذهب، ولا تنقلب عين الوقف ملكا، وقيل: تنقلب ملكا بلا لفظ» (١).
الرابع: مذهب الحنابلة:
المشهور من مذهب الحنابلة صحة بيع الوقف واستبداله بمثله إذا تعطلت منافعه حتى ولو كان الوقف مسجدًا (٢).
قال ابن قدامة: «وجملة ذلك أن الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتًا، ولم يمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع منه بيع جميعه» (٣).
стр. 7566
وقول ابن قدامة: (بيع جميعه) هل بيعه على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب، قولان في المذهب:
أحدهما: الوجوب؛ لأن الولي يلزمه فعل المصلحة.
الثاني: جواز بيعه.
قال في الفروع: «قولهم: بيع: أي يجوز، نقله، وذكره جماعة، ويتوجه أن ما قالوه للاستثناء مما لا يجوز، وإنما يجب؛ لأن الولي يلزمه فعل المصلحة، وهو ظاهر رواية الميموني وغيرها، قال القاضي وأصحابه، والشيخ: ولأنه استبقاء للوقف بمعناه فوجب .... وكذا قال شيخنا: مع الحاجة يجب بالمثل، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة، ولا يجوز بمثله لفوات التعيين بلا حاجة» (١).
وفي الإنصاف نقلًا عن الفائق: «وبيعه حال تعطله أمر جائز عند البعض، وظاهر كلامه في المغني وجوبه، وكذلك إطلاق كلام الإمام أحمد ﵀، وذكره في التلخيص رعاية للأصلح. انتهى» (٢).
وقول ابن قدامة: (تعطلت منافعه) اختلفوا في المراد منها على أقوال:
فقيل: المراد بتعطل نفعه: المنافع المقصوده، كما لو ضاق المسجد عن أهله، وهذا هو المشهور من المذهب.
الثاني: المراد: لا ينتفع منه بشيء أصلًا.
стр. 7567
الثالث: المراد أن يتعطل أكثر منافعه.
الرابع: أن يغلب على الظن تعطل منافعه قريبًا.
الخامس: أن يخاف أن يتعطل أكثر منافعه قريبًا (١).
هذا تحرير المسألة في كل مذهب، وملخصها كالتالي:
أن الواقف إما أن يشترط الاستبدال في صيغة الوقف أو لا يشترط الاستبدال، فإن اشترط الاستبدال فقد اختلفوا في صحة هذا الشرط على ثلاثة أقوال:
فقيل: يصح الوقف والشرط، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (٢).
وقيل: يبطل الوقف والشرط، (٣).
وقيل: يصح الوقف ويبطل الشرط، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (٤).
стр. 7568
وسوف نناقش صحة هذا الشرط إن شاء الله تعالى في الكلام على الشروط الجعلية في الوقف، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
وإن لم يشترط الواقف الاستبدال عند تعطل منافع الوقف فالأقوال ثلاثة:
القول الأول:
له أن يستبدل الوقف مطلقًا، عقارًا كان أو منقولًا، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وهو قول ربيعة، وإحدى روايتي أبي الفرج عن مالك إلا أن الحنفية قالوا: لا يستبدل إلا بإذن القاضي. وقال الشافعية: إذا أمكن أن يتخذ من الوقف الخرب أبواب وألواح لم يصح الاستبدال.
القول الثاني:
لا يستبدل الوقف مطلقًا، عقارًا كان أو منقولًا، وهو اختيار بن الماجشون من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره بعض الحنابلة.
القول الثالث:
يستبدل المنقول إذا تعطل، ولا يستبدل العقار، إلا إذا كان ذلك للمصلحة العامة كبيع الوقف توسعة للمسجد، أو للمقبرة، أو للطريق العام. وهذا مذهب المالكية.
فإذا تصورت أقوال الفقهاء نأتي على ذكر أدلة كل قول إن شاء الله تعالى.
° دليل من قال: يستبدل الوقف إذا تعطلت منافعه مطلقًا:
الدليل الأول:
(ث-١٨٧) ما رواه الطبراني من طريق أبي نعيم، ثنا المسعودي، عن
стр. 7569
القاسم، قال:
قدم عبد الله وقد بنى سعد القصر، واتخذ مسجدًا في أصحاب التمر، فكان يخرج إليه في الصلوات، فلما ولي عبد الله بيت المال نقب بيت المال، فأخذ الرجل، فكتب عبد الله إلى عمر، فكتب عمر أن لا تقطعه، وانقل المسجد، واجعل بيت المال مما يلي القبلة، فإنه لا يزال في المسجد من يصلي، فنقله عبد الله وخط هذه الخطة ... (١)
[ضعيف، القاسم لم يسمع من جده عبد الله] (٢).
وجه الاستدلال:
أن هذا نقل للمسجد وكان بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان كالإجماع، وإذا صح استبدال المسجد صح غيره قياسًا عليه إن لم يكن من باب أولى.
وقد يناقش:
بأن الأثر على فرض صحته ليس فيه إلا مجرد نقل المسجد، والنقل ليس صريحًا على جواز البيع، فقد تكون البقعة التي انتقلوا عنها بقيت مسجدًا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن في بيع الوقف استبقاء للوقف، فإما أن يبطل الوقف وذلك بتعطل منافعه، وإما أن يبقى وذلك ببيعه واستبداله، ولأشك أن استمرار الوقف خير من انقطاعه. وبيعه في مثل هذه الحال يعتبر من باب الضرورة، والضرورة تبيح
стр. 7570
الممنوع؛ فتعطيل الوقف لا يحصل به مقصود الواقف، ولا الموقوف عليه، بل هو فساد، والله لا يحب الفساد.
الدليل الثالث:
(ث-١٨٨) ما رواه الخلال، قال: أخبرني محمد بن الحسين بن هارون، حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي، حدثنا الدراوردي، أخبرني علقمة، عن أمه،
أن شيبة بن عثمان الحجبي جاء إلى عائشة زوج النبي ﷺ فقال: يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تكثر عليها فننزعها، فنحفر لها آبارًا فنعمقها، فندفنها فيها حتى لا تلبسها الحائض والجنب؟ فقالت عائشة: بئس ما صنعت، ولم تصب، إن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لم يضرها من لبسها من حائض أو جنب، ولكن لو بعتها، وجعلت ثمنها في سبيل الله والمساكين، فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن، فتباع، فيضع ثمنها حيث أمرته عائشة (١).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٢).
стр. 7571
قال ابن تيمية: «: فأمرت عائشة ببيع كسوة الكعبة مع أنها وقف وصرف ثمنها في سبيل الخير؛ لأن ذلك أصلح للمسلمين» (١).
ويناقش:
بأن بيع كسوة الكعبة محل خلاف بين الفقهاء، وما كان محل خلاف لا يصح أن يحتج به على المخالف، وربما كان تصرف الإمام في كسوة الكعبة؛ لأنها كانت من بيت مال المسلمين، وما صرفه الإمام في مصالح المسلمين لم يكن وقفًا كما لو اشترى الناظر شيئًا للوقف، ولم يكن بنية الوقف فإنه يجوز له بيعه
стр. 7572
إذا استغني عنه، فلو كانت الكسوة وقفًا من آحاد المسلمين ربما كان الحكم مختلفًا، والله أعلم ..
° دليل من قال: لا يصح استبدال الوقف مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٩٧٠) ما رواه البخاري من طريق صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له ثمغ، وكان نخلًا، فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالًا، وهو عندي نفيس ... وفيه فقال له النبي ﷺ : تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره .... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث) دليل على منع بيعه بنية الاستبدال.
ويناقش:
بأن المقصود من منع بيع الوقف إذا كان ذلك بنية إبطال الوقف والرجوع فيه، فلا يدخل فيه إبداله بسبب تعطل منافعه، بل إن ذلك يؤدي إلى استمرار الوقف، وهو مقصود للشرع، ومقصود للواقف، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٩٧١) ما رواه البخاري من طريق أبي وائل، قال:
جلست إلى شيبة في
стр. 7573
هذا المسجد، قال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. قال: هما المرءان يقتدى بهما (١).
وجه الاستدلال:
استدل شيبة بترك النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ التعرض لمال الكعبة مع علمهما به، وحاجتهما إليه على أنه لا يجوز بيع الوقف ولا التعرض له، ووافقه عمر ﵁ على ذلك.
ونوقش:
قال ابن حجر: «وأما الترك الذي احتج به عليه شيبة فليس صريحًا في المنع» (٢).
قلت: لأن فعل الشيء أو تركه زمن التشريع يدل على أنه الأفضل والأكمل ولا يدل على الوجوب في الفعل ولا المنع في الترك هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تقسيم مال الوقف على المسلمين يؤدي إلى إنهاء الوقف، وبيع الوقف إذا خرب واستبداله بمثله يؤدي إلى استمرار الوقف، فلم يكن الأثر نصًا في الموضوع.
الدليل الثالث:
علل القائلون بالمنع بأن الواقف لا يملك حق بيع الوقف بعد أن خرج الوقف عن ملكه، وأصبح ملكًا لله تعالى كما لو أعتق عبدًا ثم زمن.
стр. 7574
ويجاب:
بأن حق البيع تارة يستفاد من الملك وتارة يستفاد من الولاية، وبيع الوقف متلقى من الثاني دون الأول.
الدليل الرابع:
لأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها قياسًا على العبد المعتق.
ويناقش:
بأن القياس غير صحيح، فالعبد إذا أعتق خرج من المالية بخلاف الوقف.
° دليل من فرق بين العقار والمنقول:
الأصل أن الوقف لا يباع ولا يستبدل، جاز ذلك في المنقول إذا تعطلت منافعه؛ لأنه لا يرجى عودها بحال بخلاف العقار فإن المنفعة لا تنعدم بالكلية، فيمكن إصلاحه وذلك بإجارته سنين فيعود كما كان، وإذا تعطلت منافع العقار في وقت فقد تعود في وقت آخر، وبقاء أوقاف السلف دائرة دليل على منع بيع الوقف في حال كان عقارًا إلا أن يكون العقار الموقوف قد احتيج إليه لتوسعة المسجد والطريق العام والمقبرة العامة، فيجوز بيع الوقف لذلك، لأن نفع المسجد والطريق والمقبرة أكثر من نفع الوقف فهو غرض قريب للواقف ومن باب تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
ويناقش:
بأن جوازكم استبدال الوقف إذا كان منقولًا دليل على صحة استبدال العقار؛ ولا فرق؛ لأن الجميع وقف، فإذا كان الوقف لا يمنع من الاستبدال في المنقول
стр. 7575
لم يمنع منه في العقار، فإما أن تمنعوا منه مطلقًا أو تجوزوه مطلقًا، والتفريق بينهما لا دليل عليه.
• الراجح:
أرى أن القول بجواز استبدال الوقف إذا تعطلت منافعه أقوى من القول بالمنع، والله أعلم.
قال الكبيسي عن القول بمنع استبدال الوقف ولو تعطلت منافعه: «والذي أراه: أن هذا الإفراط في التشديد قد يجر إلى بقاء الكثير من دور الأوقاف خربة لا ينتفع بها أحد، وإلى بقاء بعض الأراضي غامرة ميتة لا تنبت زرعًا ولا تمد أحداً بغذاء، وفي هذا من الإضرار ما فيه، وهو يصطدم مع مصلحة المستحقين في الارتزاق، كما يصطدم مع مصلحة الأمة في العمارة والنماء» (١).
* * *
стр. 7576
المبحث الثاني
في استبدال الوقف إذا لم تتعطل منافعه
إذا جاز إبدال المنذور بخير منه جاز إبدال الوقف قياسًا عليه.
[م-١٥١٧] اختلف العلماء في استبدال الوقف بخير منه إذا لم تتعطل منافعه كما لو كان استبداله أنفع للجهة الموقوف عليها:
القول الأول:
لا يستبدل إذا لم تتعطل منافعه، ولو ظهرت المصلحة في الاستبدال، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وعليه أكثر الحنفية (١).
قال ابن عابدين: «الثالث: أن لا يشترطه ـ يعني الاستبدال ـ ولكن فيه نفع في الجملة، وبدله خير منه ريعًا ونفعًا، وهذا لا يجوز استبداله على الأصح المختار» (٢).
стр. 7577
القول الثاني:
يصح الاستبدال، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية وابن القيم، ورجحه الشوكاني (١).
جاء في حاشية ابن عابدين: «أن يرغب إنسان فيه ببدل أكثر غلة وأحسن صقعًا فيجوز على قول أبي يوسف، وعليه الفتوى كما في فتاوي قارئ الهداية» (٢).
وجاء في البحر الرائق: «وإن كان للوقف ريع ولكن يرغب شخص في استبداله إن أعطي مكانه بدلًا أكثر ريعًا منه في صقع أحسن من صقع الوقف جاز عند القاضي أبي يوسف، والعمل عليه، وإلا فلا يجوز» (٣).
° دليل القائلين بالمنع:
الدليل الأول:
(ح-٩٧٢) ما رواه البخاري من طريق صخر بن جويرية، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄ أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له ثمغ، وكان نخلًا، فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالًا، وهو عندي نفيس ...
стр. 7578
وفيه فقال له النبي ﷺ : تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره .... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث) دليل على منع بيعه بنية الاستبدال.
ويناقش:
بأن المنع من بيع الوقف المقصود به إذا كان ذلك يؤدي إلى إبطال الوقف، وأما بيع الوقف بنية استبداله بأفضل منه فلا يدخل في النهي؛ لأن فيه مصلحة للوقف وحظًا للواقف والموقوف عليه، والله يعلم المفسد من المصلح، ولذلك صح بيع الأرض الخراجية على الصحيح مع أنها وقف؛ لأن بيعها لا يؤدي إلى إبطال الخراج المضروب عليها.
قال الشوكاني: «ومعلوم أن الاستبدال بالشيء إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الوقف والفائدة المطلوبة من شرعيته حسن سائغ شرعًا وعقلًا؛ لأنه جلب مصلحة خالصة عن المعارض، ... ومن عرف هذه الشريعة كما ينبغي وجدها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد وها هنا قد وجد المقتضى وهو جلب المصلحة بظهور الأرجحية وانتفاء المانع وهو وجود المفسدة فلم يبق شك ولا ريب في حسن الاستبدال» (٢).
стр. 7579
الدليل الثاني:
(ح-٩٧٣) ما رواه أبو داود من طريق جهم بن الجارود، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال:
أهدى عمر بن الخطاب نجيبًا فأعطى بها ثلاث مائة دينار، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاث مائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: لا انحرها إياها. قال أبو داود: هذا لأنه كان أشعرها (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
إذا منع المسلم من إبدال الهدي بخير منه فالوقف مقيس عليه.
ونوقش هذا:
أولًا: الحديث ضعيف كما تبين من التخريج.
الثاني: أن الحديث ليس نصًا في الموضوع فعمر أراد إبدال الأغلى بالأكثر لحمًا، فلم يكن الإبدال إلى الأفضل، ولذلك جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا (٣)، فكان اهداؤها إلى الله أفضل من إبدلها بالأكثر لحمًا، نعم يصح الاستدلال لو جاء في الحديث نهي عن إبدال الهدي مطلقًا بلفظ عام.
стр. 7580
قال السندي: «والحديث يدل على الأغلى ثمنًا أولى في الأضحية والأهنأ من الكبير».
الثالث: يحتمل أن يكون المنع لمعنى في الهدي كما فسره أبو داود، قال: هذا لأنه كان أشعرها.
الدليل الثالث:
القياس على المعتق، فإذا كان العتيق لا يقبل الرق بعد إعتاقه فكذا العين الموقوفة لا تقبل الملك بعد ثبوت الوقف.
ونوقش هذا:
بأنه قياس مع الفارق، فالعبد إذا أعتق خرج عن المالية بخلاف الوقف.
الدليل الرابع:
أن الوقف ما دام نفعه قائمًا لا يجوز استبداله؛ لأنه لا يطلب به التجارة، ولا تطلب به الأرباح، وإنما سميت وقفًا؛ لأنها لا تباع.
° دليل من قال: يجوز استبدال الوقف بخير منه:
الدليل الأول:
(ث-١٨٩) ما رواه الطبراني من طريق أبي نعيم، ثنا المسعودي، عن القاسم، قال:
قدم عبد الله وقد بنى سعد القصر، واتخذ مسجدًا في أصحاب التمر، فكان يخرج إليه في الصلوات، فلما ولي عبد الله بيت المال نقب بيت المال، فأخذ الرجل، فكتب عبد الله إلى عمر، فكتب عمر، ألا تقطعه، وانقل المسجد، واجعل بيت المال مما يلي القبلة، فإنه لا يزال في المسجد من
стр. 7581
يصلي، فنقله عبد الله وخط هذه الخطة ... (١)
[ضعيف، القاسم لم يسمع من جده عبد الله] (٢).
وجه الاستدلال:
فقد تم استبدال المسجد في مشهد من الصحابة مع أن نفعه لم يتعطل.
الدليل الثاني:
(ح-٩٧٤) ما رواه البخاري من طريق عروة،
عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم ... الحديث (٣).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على جواز تغيير الوقف من صورة إلى أخرى لأجل المصلحة الراجحة وإنما ترك النبي ﷺ تغييره من أجل معارض راجح، وهو كون أهل مكة حديثي عهد بجاهلية.
الدليل الثالث من الآثار:
(ح-٩٧٥) ما رواه البخاري من طريق صالح بن كيسان، قال: حدثنا نافع،
أن عبد الله بن عمر، أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًا
стр. 7582
باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة: وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج (١).
وجه الاستدلال:
أن ما فعله عمر وعثمان من هدم المسجد وإعادة بنائه على وجه أصلح من البناء الأول دليل على جواز إبدال الوقف بخير منه، وقد كان هذا الفعل بمشهد من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليهم ذلك.
قال ابن تيمية: «ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بعرصة: إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ ولهذا أبدل عمر بن الخطاب مسجد الكوفة بمسجد آخر: أبدل نفس العرصة وصارت العرصة الأولى سوقًا للتَّمارين. فصارت العرصة سوقًا بعد أن كانت مسجدًا. وهذا أبلغ ما يكون في إبدال الوقف للمصلحة» (٢).
الدليل الرابع:
مما يدل على جواز ذلك أن العبادات يجوز إبطالها لإعادتها على وجه أكمل مما كانت، كما أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ليعيدوا الحج على وجه أكمل مما كان، وهو وجه التمتع فإنه أفضل من الإفراد والقران بغير سوق
стр. 7583
الهدي، وكما أن من دخل في صلاة مكتوبة منفردًا، ثم حضر جماعة، فإن إبطال صلاته أو قلبها نفلًا؛ ليعيد فرضه في جماعة أكمل من صلاته منفردًا.
وهذا قول جمهور العلماء، منهم: أحمد، والشافعي في أحد قوليه، وكذلك قال مالك وأبو حنيفة إذا لم يكن قد صلى أكثر صلاته (١).
الدليل الخامس:
ثبت عن النبي ﷺ جواز إبدال المنذور بخير منه،
(ح-٩٧٦) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء،
عن جابر، أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: صل هاهنا، فسأله، فقال: صل هاهنا، فسأله، فقال: شأنك إذًا (٢).
[إسناده حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
أجاز النبي ﷺ إبدال النذر الذي تعين في بيت المقدس بإقامته في الحرم المكي فصح فيه إبدال الفاضل بالأفضل، ويدخل في ذلك الوقف، والله أعلم.
стр. 7586
° الراجح:
بعد استعراض الخلاف أجد أن القول بجواز بيع الوقف واستبداله أرجح من غيره إلا أن المسألة تحتاج إلى وضع ضوابط شرعية حتى لا يدخل الاعتداء على الأوقاف بحجة استبدالها بأفضل منها.
يقول الشيخ الكبيسي: «التطبيق العملي أظهر في كثير من حالات الاستبدال حالة سلبية يخشى على الوقف منها، وضاعت حقوق الناس بها، وكان الاستبدال في كثير من الأزمنة ذريعة الحكام الظلمة إلى أكل أموال الناس بالباطل.
فمن المؤلم أن نرى التاريخ قد حفظ لنا كثيرًا من الصور غير الكريمة لقوم من ذوي السلطة قد مكن لهم في الأرض، فعدوا على أملاك الوقف يأكلونها بغير وجه حق، متذرعين بالاستبدال، أعانهم على ذلك قضاة ظلمة، وشهود زرو، وقد ذكرت كتب التاريخ والفقه بعض هذه الصور، وهناك صور خفيت على رجال التاريخ وفقهاء الأمة، وهذه الصور لا يمكن حصرها لكثرتها، والا الوقوف عليها لسريتها، أو لإلباسها لباس الحق والشرع» (١).
ولذلك لا بد من وضع شروط تعمل على صيانة الأوقاف وحفظها من التلاعب والأطماع، من ذلك:
ألا يستقل الناظر ببيع الوقف، بل لا بد من الرجوع إلى القضاء، كما هو معمول به اليوم في المحاكم السعودية، وينظر من خلال لجنة من القضاة تنظر
стр. 7587
في دعوى مصلحة الاستبدال للوقف والموقوف عليه، فإذا جاءت موافقة اللجنة على البيع باشر الناظر البيع.
وأن يكون الاستبدال بغير النقود، وأن يكون البديل جاهزًا حتى لا تنقطع منفعة الوقف.
قال ابن نجيم: «ويجب أن يزاد شرط آخر في زماننا: وهو أن يستبدل بعقار لا بالدراهم والدنانير، فإنا قد شاهدنا النظار يأكلونها، وقل أن يشترى بها بدل، ولم نر أحدًا من القضاة يفتش على ذلك مع كثرة الاستبدال في زماننا مع أني نبهت بعض القضاة على ذلك، وهم بالتفتيش، ثم ترك» (١).
* * *
стр. 7588
الفصل الرابع
في إجارة الوقف
لما كان الوقف قائمًا على تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وكان الوقف متوجهًا على عين ينتفع بها مع بقاء عينها، جاء البحث في كيفية استثمار هذه المنفعة بما يعود بالنفع على الوقف وعلى الموقوف عليه، ومن ذلك استثمار الوقف عن طريق الإجارة، وهو طريق فقهي قديم أفتى به العلماء من أجل مصلحة الوقف بإيجاد موارد مالية لإعماره وصيانته، وإيجاد فائض مالي ينتفع به الموقوف عليه، بل إن هناك من العلماء من ربط القول بصحة وقف العين بصحة إجارتها، ومنع من وقف بعض الأعيان إذا لم تصح إجارتها عنده، كالخلاف في وقف النقود بناء على أن إجارة النقود لا تصح.
[م-١٥١٩] قال الشيرازي: «اختلف أصحابنا في الدراهم والدنانير، فمن أجاز إجارتها أجاز وقفها، ومن لم يجز إجارتها لم يجز وقفها» (١).
وقد بحثت هذه المسألة في مبحث مستقل.
[م-١٥٢٠] ولم يختلف العلماء فيما أعلم في صحة إجارة الوقف، وإنما اختلفوا في مدة إجارته، وفي مخالفة شرط الواقف إذا منع من الإجارة، أو حددها بمدة معينة، وفي أجر المثل، والله أعلم،
يقول فضيلة الشيخ علي القره داغي: «وإجارة الموقوف والانتفاع بإجارته محل اتفاق بين الفقهاء ولكنهم
стр. 7589
اختلفوا في بعض التفاصيل من حيث مدة الإجارة، وأجر المثل» (١).
وسوف نبحث إن شاء الله تعالى كل هذه المسائل، أسأل الله العون والتوفيق.
стр. 7590
المبحث الأول
من يتولى إجارة الوقف
إذا لم يوجد الناظر الخاص انتقل الحق إلى الناظر العام، وهو القاضي.
والموقوف عليه لا يخرج عن حالين:
[م-١٥٢١] الحال الأولى: أن يكون الواقف قد عين ناظرًا.
وفي هذه الحالة فإنه هو الذي يتولى بنفسه الإجارة، سواء كان الموقوف عليه معينًا كزيد، أو جهة كالفقراء، وسواء كان الناظر أجنبيًا، أو كان الناظر هو الموقوف عليه، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء، وإذا تولى الموقوف عليه الإجارة فإن هذا الحق ثبت له من حيث كونه ناظرًا على الوقف، لا من حيث كونه مستحقًا فيه.
جاء في قانون العدل والإنصاف: «للناظر ولاية إجارة الوقف، فلا يملكها الموقوف عليه إلا إذا كان متوليًا من قبل الواقف، أو مأذونًا ممن له ولاية الإجارة من ناظر، أو قاض» (١).
جاء في لسان الحكام: «وليس للموقوف عليه إذا لم يكن متوليًا على الوقف ولا نائبًا من جهة القاضي أن يؤاجره؛ لأنه لا يملك ذلك، وإنما يملك الغلة دون العين، والتصرف بالاجارة إلى من له الولاية في ذلك» (٢).
стр. 7591
وجاء في مغني المحتاج: «لا يؤجر إلا إذا كان ناظرًا، أو أذن له الناظر في ذلك» (١).
وقال ابن الصلاح في فتاويه: «وحيث يؤجر الموقوف عليه فلا يؤجر إلا بالنظر المجعول له، فإن مجرد استحقاقه لا يفيده الولاية في ذلك على الأصح» (٢).
الحال الثانية: ألا يعين الواقف ناظرًا.
إذا لم يعين الواقف ناظرًا، فإما أن يكون الموقوف عليه معينًا كزيد أو جماعة محصورة، أو يكون الموقوف عليهم غير محصورين كالفقراء.
[م-١٥٢٢] فإن كان معينًا فقد اختلف العلماء فيمن يملك الإجارة:
القول الأول:
أن الإجارة للقاضي أو وكيله، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «الموقوف عليه الغلة لا يملك الإجارة إلا
стр. 7592
بتولية، أو إذن قاض، ولو كان الوقف على رجل معين على ما عليه الفتوى (عمادية)؛ لأن حقه في الغلة لا العين» (١).
وعللوا ذلك: جاء في البحر الرائق: «من له السكنى لا تصح إجارته؛ لأنه غير مالك كذا في الهداية.
وأورد عليه: أنه إن أراد أنه ليس بمالك للمنفعة، وإنما أبيح له الانتفاع كما اختاره في العناية وغاية البيان لزم ألا يملك الإعارة، والمنقول في الخصاف أنه يملكها، فلولا أنه مالك للمنفعة لما ملكها؛ لأنها تمليك المنافع.
وإن أراد أنه ليس بمالك للعين، والإجارة تتوقف على ملك العين لزم ألا تصح إجارة المستأجر فيما لا يختلف باختلاف المستعمل، وأن لا تصح إعارته، وهما صحيحان.
فالأولى أن يقال كما في فتح القدير؛ لأنه يملك المنافع بلا بدل، فلا يملك تمليكها ببدل وهو الإجارة، وإلا لملك أكثر مما ملك، بخلاف الإعارة، ولا فرق في هذا الحكم أعني عدم الإجارة بين الموقوف عليه السكنى وغيره فلا يملكها المستحق للغلة أيضًا، ونص الأسروشني أن إجارة الموقوف عليه لا تجوز، وإنما يملك الإجارة المتولي أو القاضي» (٢).
وجاء في مغني المحتاج: «إن شرط الواقف النظر لنفسه أو غيره اتبع، وإلا فالنظر للقاضي على المذهب» (٣).
стр. 7593
وجهه: إذا وجد ناظر الوقف قدم على القاضي؛ لأنه من باب تقديم الناظر الخاص على الناظر العام، فإذا لم يوجد الناظر الخاص انتقل الحق إلى صاحب النظر العام، وهو القاضي، كالولي مع القاضي فإذا لم يوجد ولي فإن القاضي ولي من لا ولي له.
ولأن الملك في الوقف لله تعالى فكان النظر إلى الحاكم الشرعي، وهو القاضي.
القول الثاني:
يتولى الإجارة الموقوف عليه، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة.
وذهب إليه أبو جعفر من الحنفية بشروط:
أحدها: ألا يكون له مشارك في الغلة.
الثاني: أن يكون الوقف غير محتاج إلى عمارة.
الثالث: ألا يشترط الواقف تقديم العشر والخراج وسائر المؤن على نصيب الواقف (١).
قال الدرديرالمالكي: «فإن لم يجعل ناظرًا فإن كان المستحق معينًا رشيدًا فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان غير رشيد فوليه، وإن كان المستحق غير معين كالفقراء فالحاكم يولي عليه من شاء» (٢).
стр. 7594
وقال الخرشي المالكي: «فإن لم يجعل الواقف لوقفه ناظرا فإن جعل الوقف على معين مالك لأمر نفسه فهو الذي يحوزه ويتولاه وإلا فالنظر فيه للحاكم يقدم له من يرتضيه» (١).
وقال المرداوي الحنبلي: «فإن لم يشترط ناظرًا، فالنظر للموقوف عليه. هذا المذهب بلا ريب بشرطه، وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به كثير منهم» (٢).
وجاء في حاشية ابن عابدين: «قال الفقيه أبو جعفر: لو كان الأجر كله للموقوف عليه، بأن كان لا يحتاج إلى العمارة، ولا شريك معه في الغلة، فحينئذ يجوز في الدور والحوانيت، وأما الأراضي، فإن شرط الواقف تقديم العشر والخراج وسائر المؤن، وجعل للموقوف عليه الفاضل لم يكن له أن يؤجرها؛ لأنه لو جاز كان كل الأجر له بحكم العقد، فيفوت شرط الواقف، ولو لم يشترط يجب أن يجوز ويكون الخراج والمؤن عليه اهـ ونحوه في الإسعاف». (٣)
القول الثالث:
وقيل: النظر مرتب على الخلاف في ملك الوقف، فإن قيل: إن الملك للواقف كان النظر له، أو للموقوف عليه كان النظر له، وإن قيل: لله تعالى كان النظر للقاضي، وهذه الثلاثة كلها أوجه في مذهب الشافعية (٤).
стр. 7595
جاء في إعانة الطالبين: «ومقابل المذهب يقول: إن النظر مرتب على أقوال الملك، أي فإن قيل: إن الملك في الموقوف للواقف، كان النظر له، أو للموقوف عليه كان النظر له، وإن قيل: لله تعالى، كان النظر للقاضي» (١).
جاء في المهذب: «وإن وقف ولم يشرط الناظر ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه إلى الواقف؛ لأنه كان النظر إليه، فإذا لم يشرطه بقي على نظره.
والثاني: أنه للموقوف عليه؛ لأن الغلة له فكان النظر إليه.
والثالث: إلى الحاكم؛ لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه، وحق من ينتقل إليه» (٢).
وجاء في الإنصاف: «فإن لم يشترط ناظرا. فالنظر للموقوف عليه. هذا المذهب بلا ريب بشرطه. وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به كثير منهم.
وقيل: للحاكم. قطع به ابن أبي موسى. واختاره الحارثي، وقال: فمن الأصحاب من بنى هذا الوجه على القول بانفكاك الموقوف عن ملك الآدمي. وليس هو عندي كذلك ولا بد؛ إذ يجوز أن يكون لحق من يأتي بعد. انتهى. وأطلقهما في الكافي.
وقال المصنف، ومن تبعه: ويحتمل أن يكون ذلك مبنيًا على أن الملك فيه: هل ينتقل إلى الموقوف عليه، أو إلى الله؟ فإن قلنا: هو للموقوف عليه، فالنظر فيه له.
стр. 7596
وإن قلنا: هو الله تعالى، فالنظر للحاكم. انتهى.
قلت ـ القائل صاحب الإنصاف ـ قد تقدم أن الخلاف هنا مبني على الخلاف هناك. وعليه الأصحاب. قال الحارثي هنا: إذا قلنا: النظر للموقوف عليه. فيكون بناء على القول بملكه، كما هو المشهور عندهم. انتهى. فلعل المصنف ما اطلع على ذلك. فوافق احتماله ما قالوه، أو تكون طريقة أخرى في المسلم، وهو أقرب» (١).
° الراجح من الخلاف:
العين الموقوفة ليست ملكًا للموقوف عليه؛ لأنه لم يستفد من الوقف إلا مجرد المنفعة فقط، وبالتالي فالموقوف عليه مستبعد من حق التصرف في العين الموقوفة؛ لأنه لا ملك له على العين، وملك المنفعة لا يعطيه ملك العين، وربما لو وقعت الأجرة في يده لم ينفق على صيانة الوقف وعمارته مما يؤدي إلى تعطله وخرابه.
والأصل في النظر أن يكون للواقف؛ لأنه إذا صح بالإجماع أن يشترطه الواقف لغيره كان هذا دليلًا على أنه يملكه؛ لأنه لو لم يكن يملكه ما صح أن يشترطه لمن شاء، وإذا لم يخرج منه بقي الحق قائمًا له، فإن مات أو أبى انتقل إلى القاضي، والله أعلم.
* * *
стр. 7597
المبحث الثاني
في اتباع شرط الواقف في التأجير وعدمه
الوقف يتبع فيه مقتضى كلام الواقف.
شرط الواقف يجب اتباعه إذا كان له فيه غرض صحيح.
[م-١٥٢٣] اختلف الفقهاء في اشتراط شرط الواقف في عدم تأجير الوقف:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء إلى اعتبار شرط الواقف في تأجير الوقف أو وفي عدمه كما لو شرط أن يكون الوقف للسكنى فقط لا للإجارة (١).
قال ابن نجيم نقلًا من الإسعاف: «لو شرط الواقف ألا يؤجر المتولي الوقف ولا شيئًا منه، وأن لا يدفعه مزارعة، أو على أن لا يعمل على ما فيه من الأشجار ... كان شرطه معتبرًا، ولا تجوز مخالفته» (٢).
وقال الخرشي: «الواقف إذا شرط في كتاب وقفه شروطًا، فإنه يجب اتباعها حسب الإمكان، إن كانت تلك الشروط جائزة؛ لأن ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع» (٣).
стр. 7598
وفي نهاية المحتاج: «والأصح أنه إذا وقف بشرط ألا يؤجر أصلًا أو سنة، أو لا يؤجر من ذي شوكة كما قاله الأذرعي، أو أن الموقوف عليه يسكن فيه بنفسه اتبع ـ في غير حال الضرورة ـ شرطه كسائر شروطه التي لا تخالف الشرع» (١).
وفي الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وأن شرط الواقف ألا يؤجر وقفه صح واتبع شرطه» (٢).
وجاء في الإنصاف: «ويرجع إلى شرط الواقف في قسمه على الموقوف عليه .... وكذا لو شرط عدم إيجاره، أو قدر مدة. قاله الأصحاب» (٣).
حجة هذا القول:
الأصل في شرط الواقف أنه واجب الاتباع؛ لأن الواقف تبرع بالمال على وجه مشروط، فكان له ما اشترط ما دام لم يخالف الشرع، وله في اشتراطه غرض صحيح.
ولأن شرط الواقف كنص الشارع في وجوب الاتباع، فهو لم يرض بإخراج ماله من يده إلا بهذا الشرط، فلا تجوز مخالفته إلا لضرورة.
القول الثاني:
لا يعتبر شرط الوقف في عدم التأجير، وهذا وجه في مذهب الشافعية (٤).
стр. 7599
وجه ذلك:
أن هذا حجر على من ثبتت له ملك المنفعة.
قال الغزالي: «أحدهما لو شرط أن لا يؤاجر الوقف أصلًا، ففيه ثلاثة أوجه
أظهرها: أنه يتبع.
والثاني: لا؛ لأنه حجر على من ثبت له ملك المنفعة
والثالث: أنه يجوز في قدر سنة فيتبع؛ لأنه يليق بمصلحة الوقف ولو شرط المنع من أصل الإجارة لم يتبع» (١).
وهذا يتفق مع مذهب ابن تيمية وابن القيم في الموقف من شروط الواقف، حيث يرى ابن تيمية أن العمل بشرط الواقف إنما يلزم بالشرط المستحب خاصة، أما الشروط المباحة فلا يلزم العمل بها (٢).
وسيأتي مزيد إيضاح إن شاء الله تعالى عند الكلام على شروط الواقف الجعلية، والموقف منها.
* * *
стр. 7600
المبحث الثالث
في اتباع شرط الواقف في مدة الإجارة
كل شرط لا يخالف الشرع، ولا يخالف مقتضى عقد الوقف فإنه واجب الاتباع.
تقدم مصلحة الوقف على موافقة شرط الواقف.
[م-١٥٢٤] إذا شرط الواقف ألا يؤجر أكثر من سنة، فهل يجب اتباع شرطه؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء من الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة إلى وجوب اتباع شرط الواقف في مدة الإجارة (١).