وإن قلنا: هو الله تعالى، فالنظر للحاكم. انتهى.
قلت ـ القائل صاحب الإنصاف ـ قد تقدم أن الخلاف هنا مبني على الخلاف هناك. وعليه الأصحاب. قال الحارثي هنا: إذا قلنا: النظر للموقوف عليه. فيكون بناء على القول بملكه، كما هو المشهور عندهم. انتهى. فلعل المصنف ما اطلع على ذلك. فوافق احتماله ما قالوه، أو تكون طريقة أخرى في المسلم، وهو أقرب» (١).
° الراجح من الخلاف:
العين الموقوفة ليست ملكًا للموقوف عليه؛ لأنه لم يستفد من الوقف إلا مجرد المنفعة فقط، وبالتالي فالموقوف عليه مستبعد من حق التصرف في العين الموقوفة؛ لأنه لا ملك له على العين، وملك المنفعة لا يعطيه ملك العين، وربما لو وقعت الأجرة في يده لم ينفق على صيانة الوقف وعمارته مما يؤدي إلى تعطله وخرابه.
والأصل في النظر أن يكون للواقف؛ لأنه إذا صح بالإجماع أن يشترطه الواقف لغيره كان هذا دليلًا على أنه يملكه؛ لأنه لو لم يكن يملكه ما صح أن يشترطه لمن شاء، وإذا لم يخرج منه بقي الحق قائمًا له، فإن مات أو أبى انتقل إلى القاضي، والله أعلم.
* * *
стр. 7597
المبحث الثاني
في اتباع شرط الواقف في التأجير وعدمه
الوقف يتبع فيه مقتضى كلام الواقف.
شرط الواقف يجب اتباعه إذا كان له فيه غرض صحيح.
[م-١٥٢٣] اختلف الفقهاء في اشتراط شرط الواقف في عدم تأجير الوقف:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء إلى اعتبار شرط الواقف في تأجير الوقف أو وفي عدمه كما لو شرط أن يكون الوقف للسكنى فقط لا للإجارة (١).
قال ابن نجيم نقلًا من الإسعاف: «لو شرط الواقف ألا يؤجر المتولي الوقف ولا شيئًا منه، وأن لا يدفعه مزارعة، أو على أن لا يعمل على ما فيه من الأشجار ... كان شرطه معتبرًا، ولا تجوز مخالفته» (٢).
وقال الخرشي: «الواقف إذا شرط في كتاب وقفه شروطًا، فإنه يجب اتباعها حسب الإمكان، إن كانت تلك الشروط جائزة؛ لأن ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع» (٣).
стр. 7598
وفي نهاية المحتاج: «والأصح أنه إذا وقف بشرط ألا يؤجر أصلًا أو سنة، أو لا يؤجر من ذي شوكة كما قاله الأذرعي، أو أن الموقوف عليه يسكن فيه بنفسه اتبع ـ في غير حال الضرورة ـ شرطه كسائر شروطه التي لا تخالف الشرع» (١).
وفي الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وأن شرط الواقف ألا يؤجر وقفه صح واتبع شرطه» (٢).
وجاء في الإنصاف: «ويرجع إلى شرط الواقف في قسمه على الموقوف عليه .... وكذا لو شرط عدم إيجاره، أو قدر مدة. قاله الأصحاب» (٣).
حجة هذا القول:
الأصل في شرط الواقف أنه واجب الاتباع؛ لأن الواقف تبرع بالمال على وجه مشروط، فكان له ما اشترط ما دام لم يخالف الشرع، وله في اشتراطه غرض صحيح.
ولأن شرط الواقف كنص الشارع في وجوب الاتباع، فهو لم يرض بإخراج ماله من يده إلا بهذا الشرط، فلا تجوز مخالفته إلا لضرورة.
القول الثاني:
لا يعتبر شرط الوقف في عدم التأجير، وهذا وجه في مذهب الشافعية (٤).
стр. 7599
وجه ذلك:
أن هذا حجر على من ثبتت له ملك المنفعة.
قال الغزالي: «أحدهما لو شرط أن لا يؤاجر الوقف أصلًا، ففيه ثلاثة أوجه
أظهرها: أنه يتبع.
والثاني: لا؛ لأنه حجر على من ثبت له ملك المنفعة
والثالث: أنه يجوز في قدر سنة فيتبع؛ لأنه يليق بمصلحة الوقف ولو شرط المنع من أصل الإجارة لم يتبع» (١).
وهذا يتفق مع مذهب ابن تيمية وابن القيم في الموقف من شروط الواقف، حيث يرى ابن تيمية أن العمل بشرط الواقف إنما يلزم بالشرط المستحب خاصة، أما الشروط المباحة فلا يلزم العمل بها (٢).
وسيأتي مزيد إيضاح إن شاء الله تعالى عند الكلام على شروط الواقف الجعلية، والموقف منها.
* * *
стр. 7600
المبحث الثالث
في اتباع شرط الواقف في مدة الإجارة
كل شرط لا يخالف الشرع، ولا يخالف مقتضى عقد الوقف فإنه واجب الاتباع.
تقدم مصلحة الوقف على موافقة شرط الواقف.
[م-١٥٢٤] إذا شرط الواقف ألا يؤجر أكثر من سنة، فهل يجب اتباع شرطه؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء من الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة إلى وجوب اتباع شرط الواقف في مدة الإجارة (١).
стр. 7601
وجه القول بوجوب اتباع الشرط:
أن مثل هذا الشرط لا يخالف مقتضى العقد، ولا يخالف الشرع، وما كان كذلك من الشروط فهو واجب الاتباع.
ولأن مثل هذا الشرط فيه مصلحة للوقف، واستبقائه؛ فإن مدة الإجارة إذا طالت، واستولت أيدي المستأجرين عليه، فقد يؤدي ذلك إلى تعطيل الوقف وخرابه.
واستثنى المالكية والشافعية والحنابلة جواز مخالفة شرط الواقف في المدة للضرورة كما لو احتاج الوقف إلى عمارة، ولم تمكن عمارته إلا بمخالفة شرط الواقف، فإنها تقدم مصلحة الوقف على شرط الواقف بقدر ما تقتضي الضرورة (١).
стр. 7602
قال الحطاب المالكي: «إن الواقف إذا شرط ألا يؤجر الوقف أكثر من سنة مثلًا، وخرب الوقف، ولم يوجد ما يصلح به به، وأراد الناظر أو المستحق للوقف إجارته السنين بمقدار ما يعمر به، هل يمنع من ذلك؟ .... يكون حكم هذه المسألة حكم ما إذا شرط الواقف أن يبدأ غلته بمنافع أهله، ويترك إصلاح ما انخرم منه أنه لا يتبع شرطه، كما نصوا على ذلك» (١).
وجاء في شرح غاية المنتهى: «فإن شرط ألا يؤجر أكثر من سنة لم تجز الزيادة عليها لكن عند الضرورة يزاد بحسبها» (٢).
وحجتهم في ذلك:
أن التمسك بالشرط يؤدي إلى بطلان أصل الوقف، وما كان كذلك من الشروط لا يوفى بها تقديمًا لمصلحة الوقف، ومصلحة الموقوف عليه، بل ومصلحة الواقف نفسه.
وجوز الحنفية للقاضي وحده دون الناظر مخالفة شرط الواقف في مدة الإجارة إذا كانت هناك مصلحة، ولو لو تكن هناك ضرورة.
قال ابن عابدين: «الثالثة: شرط ألا يؤجر وقفه أكثر من سنة، والناس لا
стр. 7603
يرغبون في استئجار سنة، أو كان في الزيادة نفع للفقراء، فللقاضي المخالفة دون الناظر» (١).
قال ابن نجيم: «شرط الواقف يجب اتباعه لقولهم: شرط الواقف كنص الشارع أي في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة، كما بيناه في شرح الكنز إلا في مسائل: ....
الثانية: شرط ألا يؤجر وقفه أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجاره سنة أو كان في الزيادة نفع للفقراء، فللقاضي المخالفة دون الناظر» (٢).
لأن هذا شرط لا يخالف مقتضى العقد، ولا يخالف الشرع، وقد يكون في هذا الشرط مصلحة للوقف، فوجب اتباع شرطه (٣).
القول الثاني:
لا يتبع شرط الواقف في مدة الإجارة؛ وهذا قول للشافعية في مقابل الأصح.
ويتفق هذا القول مع مذهب ابن تيمية وابن القيم في الموقف من شروط الواقف، حيث يرى ابن تيمية أن العمل بشرط الواقف إنما يلزم بالشرط المستحب خاصة، أما الشروط المباحة فلا يلزم العمل بها (٤).
стр. 7604
حجة هذا القول:
احتج بعض الشافعية على عدم اعتبار شرط الواقف في مدة الإجارة بأن في ذلك حجرًا على مستحق المنفعة.
قال إمام الحرمين: «ولو وقف ضيعة، أو دارًا على معينين، وسوغ الإجارة، ولكن حجر عليهم في زيادة مدة الإجارة على سنة مثلًا، فالمذهب الذي يجب القطع به أن شرطه متبع .....
وأبعد بعض أصحابنا فأفسد هذا الشرط، ورآه ملحقا بما يتضمن الحجر. وهذا مما لا أعتد به أصلا» (١).
° الراجح:
جواز مخالفة شرط الواقف إذا كان التزام شرطه يؤدي إلى تعطيل الوقف أو خرابه؛ لأن ذلك وإن خالف لفظ الواقف فإنه موافق لمقصد الواقف من استمرار نفع وقفه حتى لا ينقطع عمله، والله أعلم.
* * *
стр. 7605
المبحث الرابع
في مدة الإجارة إذا لم يشترط الواقف مدة معينة
التقديرات بابها التوقيف.
لا فرق بين الوقف والملك في تقدير مدة الإجارة.
تقدير مدة إجارة الوقف اقتضاه النظر في مصلحة الوقف.
[م-١٥٢٥] اختلف الفقهاء في تقدير مدة إجارة الوقف إذا لم يشترط الواقف مدة محددة:
القول الأول:
اختلف الحنفية في تقدير مدة إجارة الوقف على أقوال كثيرة، والمختار عندهم: يجوز في الضياع ثلاث سنين، وفي غير الضياع سنة.
قال في الاختيار لتعليل المختار: «وقيل: يجوز في الضياع ثلاث سنين، وفي غير الضياع سنة، وهو المختار؛ لأنه لا يرغب في الضياع أقل من ذلك» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى التفريق بين الدار وبين الأرض:
فإن كان الموقوف دارًا فلا تؤجر أكثر من سنة مطلقًا، أي سواء كان الموقوف عليه معينًا أو غير معين.
стр. 7606
وإن كان الموقوف أرضًا، فإن كان الوقف على معين جاز للناظر إجارة الأرض سنتين وثلاث سنين، ولا يجوز أكثر من ذلك.
وإن كان الوقف على غير معين كالفقراء ونحوهم جاز أن تكرى أربعة أعوام.
وهذا كله إذا كان الكراء لغير من مرجعها له، فإن كان الكراء لمن يرجع إليه الوقف ملكًا أو وقفًا، كما لو كان الوقف على زيد، ثم على عمرو، فأكراها زيد لعمرو جاز أن يكريها إلى عشرة أعوام، ولا فرق في ذلك بين الأرض والدار؛ لخفة الغرر؛ لأن مرجع الوقف إليه.
جاء في الشرح الصغير: «(وأكرى) الوقف (ناظره): أي جاز له أن يكري (السنة والسنتين إن كان) أرضًا (على معين): كزيد أو عمرو أو أولادي (وإلا) يكن على معين - بأن كان على الفقراء أو العلماء أو نحو ذلك - (فكالأربعة) من الأعوام لا أكثر.
هذا إذا لم يكن مرجعه للمكري، ولا ضرورة أن يكري، (و) جاز أن يكري (لمن مرجعها): أي الذات الموقوفة (له) وقفًا أو ملكًا (كالعشرة) من السنين؛ لخفة الأمر فيه.
وصورتها أنه حبسها على زيد ثم رجع بعده لعمرو ملكًا أو وقفًا، فجاز لزيد أن يكريها لعمرو عشرة أعوام» (١).
القول الثالث:
لم يقدر المتقدمون من الحنفية، وكذا الشافعية في المعتمد، والحنابلة مدة
стр. 7607
يجوز للناظر فيها تأجير الوقف، وإنما كان الرجوع في ذلك لأحكام الإجارة العامة من غير فرق بين الوقف وغيره (١).
جاء في المبدع: «ولا فرق بين الوقف والملك» (٢).
وقد سبق لنا تحرير مذهب الشافعية والحنابلة في أكثر مدة الإجارة عند الكلام على عقد الإجارة، وأن ذلك جائز في أي مدة طالت أو قصرت إذا كان ذلك في مدة تبقى فيه العين غالباً، وهذا يختلف من عين لأخرى فالعقار يختلف عن غيره من الدواب والثياب، والله أعلم.
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «فإن لم يشرط مدة فالمتقدمون من أصحابنا قالوا: يجوز إجارته أي مدة كانت» (٣).
وعللوا ذلك: بأن «الواقف فوض الأمر إلى المتولي، فنزل المتولي منزلة الواقف، وللواقف أن يؤجر سنين كثيرة فكذا من يقوم مقامه» (٤).
وقال النووي: «لا بد من تقدير هذه المنفعة بالمدة، وفي التي يجوز عقد الإجارة عليها ثلاثة أقوال، المشهور، والذي عليه جمهور الأصحاب أنه يجوز عقد سنين كثيرة بحيث يبقى إليها ذلك الشيء غالباً» (٥).
стр. 7608
وقال الماوردي: «فإن كان ذلك أرضاً تأبد بقاؤها، وإن كان داراً روعي فيها مدة يبقى فيها بناؤها، وإن كان حيواناً روعي فيه الأغلب من مدة حياته، والله أعلم» (١).
قال الشيرازي: «تجوز ـ يعني الإجارة ـ ما بقيت العين» (٢).
وقال إمام الحرمين: «فإن كانت المدة بحيث يقطع بأن المستأجَر لا يبقى فيها فالإجارة مردودة، وإن كان يغلب إمكان البقاء فيها صحت الإجارة، وإن غلب على الظن أن العين لا تبقى فيها، وأمكن البقاء على بعد، ففي المسألة احتمال، والأظهر التصحيح» (٣).
القول الرابع:
هناك قول في مذهب الشافعية أن مدة الإجارة سنة واحدة.
القول الخامس:
قال الشافعي: له أن يؤجر عبده وداره ثلاثين سنة (٤).
стр. 7609
وقال ابن قدامة: «ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة، بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى فيها وإن كثرت. وهذا قول كافة أهل العلم ... » (١).
° الراجح:
الذين قالوا بتقييد مدة إجارة الوقف لم يقولوا بذلك من أجل نص يجب الوقوف عنده، وإنما نظروا في ذلك إلى مصلحة الوقف، ومصلحة الموقوف عليه، وهو نظر شرعي.
أما مصلحة الوقف: فإن تحديد مدة قصيرة للوقف يؤدي إلى صيانة الأوقاف عن دعوى الملكية بطول المدة؛ لأن المدة إذا طالت تؤدي إلى إبطال الوقف، فإن من رآه يتصرف فيها تصرف الملاك على طول الزمان متواليًا ولا مالك يعارض ويزاحم يظنه الرائي بتصرفه الدائم مالكًا، ويشهد له بالملك إذا ادعاه. ولا مصلحة للوقف في أمر يدعو إلى هذا الضرر.
وأما مصلحة الموقوف عليه: فإن القول بجواز الإجارة مدة طويلة يفضي إلى ضياع حقوق المستحقين الآخرين ممن يولد أو ينتقل إليهم الحق، خاصة إذا رجحنا أن الإجارة عقد لازم لا تنفسخ بموت المستحق، لذا كان لا بد من النظر في إجارة الوقف سنوات بما يحفظ مصلحة الوقف والموقوف عليه، من ذلك:
стр. 7610
أن يكون عقد الإجارة لازمًا في السنة الأولى، وجائزًا في بقية السنوات، وبالتالي يزول المحذور من إجارته مدة طويلة.
أو لا بد من تقييد المدة بمدة معقولة تحفظ فيها حقوق الموقوف عليهم من البطون الأخرى.
أو نقول بانفساخ العقد بعد موت المستحق، وانتقال الحق في الوقف إلى بطن آخر.
مع القول بعدم تمكين الموقوف عليه المعين من استلام كامل الأجرة إلا بعد مضي مدة الإجارة واستقرار استحقاقه لها؛ لأن الأجرة وإن كانت تستحق بالعقد إلا أنها لا تستقر إلا بمضي المدة، ولأنه قد يظهر مستحق جديد قبل استحقاق الكراء.
قال ابن شاس المالكي: «لا يقسم الكراء عليهم قبل كمال سكنى المكتري؛ لأنه إنما يقسم على من يحضر القسم، فمن ولد قبل القسم ثبت حقه، ومن مات قبله سقط» (١).
وجاء في الفتاوى الكبرى: «وتنفسخ إجارة البطن الأول إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في أصح الوجهين» (٢).
وقال ابن تيمية: «وليس للوكيل أن يطلق في الإجارة مدة طويلة، بل العرف كسنتين ونحوهما، وإذا شرط الواقف أن النظر للموقوف عليه، أو أتى بلفظ يدل على ذلك، فأفتى بعض أصحابنا أن إجارته كإجارة الناظر، وعلى ما ذكره
стр. 7611
ابن أحمد، أن ليس كذلك، وهو الأشبه، وتنفسخ إجارة البطن الأول إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في أصح الوجهين» (١).
وقال أيضًا: إن كان قبضها المؤجر ـ يعني الأجرة ـ رجع بذلك في تركته، فإن لم تكن تركة فأفتى بعض أصحابنا بأنه إذا كان الموقوف عليه هو الناظر فمات فللبطن الثاني فسخ الإجارة والرجوع بالأجرة على من هو في يده (٢) اهـ
وسوف نناقش مسألة قبض الأجرة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 7612
المبحث الخامس
في إجارة الوقف بأقل من أجرة المثل
تصرف الناظر مقيد بتحصيل ما هو الأغبط، وطلب ما هو الأحوط.
تصرف الناظر مقيد بالمصلحة.
الناظر لا يصح منه التبرع لانتفاء الإذن فيه.
[م-١٥٢٦] الأصل في تأجير الوقف أن يكون بأجرة المثل، ويتسامح بالغبن اليسير عرفًا، فإن أجره بأقل من أجرة المثل بغبن فاحش، فاختلف العلماء في حكم ذلك:
القول الأول:
لا يجوز للناظر أن يؤجر الوقف بأقل من أجرة المثل مطلقًا حتى ولو كان الناظر هو المستحق وحده للأجرة كلها، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
° تعليل القول بالمنع:
التعليل الأول:
علل الحنفية ذلك: بأنه قد يموت، والإجارة لا تنفسخ بموته، فيتضرر
стр. 7613
المستحقون للوقف بعده بسبب نقص الأجرة، وقد يتضرر الوقف حين يكون محتاجًا إلى عمارة، فإن عمارته من غلته.
جاء في الإسعاف: «والفتوى على أنه يجب أجر المثل على كل حال، وإنما منع الفقهاء ذلك؛ لأنه قد يموت، والإجارة لا تنفسخ بموته، فيتضرر المستحقون للوقف بعده بسبب نقص الأجرة، أو يتضرر الوقف حين يكون محتاجًا إلى عمارة» (١).
التعليل الثاني:
تأجيره بأقل من أجرة المثل لا يصح؛ لانتفاء الإذن فيه؛ لأن تصرفه مقيد بالمصلحة.
جاء في كشاف القناع: «وإن أجر الناظر العين الموقوفة بأنقص من أجرة المثل، صح عقد الإجارة، وضمن الناظر النقص ..... وفيه وجه بعدم الصحة. قال الحارثي: وهو الأصح لانتفاء الإذن فيه» (٢).
القول الثاني:
فرق الشافعية بين أن يكون الناظر هو المستحق للأجرة وبين أن يكون المستحق غيره:
فإن كان المستحق للأجرة غير الناظر فلا يجوز أن يؤجر الوقف بغبن فاحش (٣).
стр. 7614
قال إمام الحرمين: «إذا كان الوقف على جهة من جهات الخير، وإجارته مفوضة إلى متول، فلا شك أنه لا يصح منه التبرع؛ فإنه ناظر محتاط في تحصيل ما هو الأغبط، وطلب ما هو الأحوط» (١).
وجه القول بعدم الجواز:
أن تصرف الناظر في مال غيره مشروط بالمصلحة، ولا مصلحة في تأجيره بغبن فاحش.
وإن كان الناظر هو المستحق للأجرة، وانحصر الحق فيه بأن لم يكن في طبقته غيره، جاز أن يؤجرها بأقل من أجرة المثل (٢).
قال إمام الحرمين: لأن «الإجارة متعلقة بحقه الخاص، لا يعدوه، فكان كالمالك يكري، وإذا كان الأمر على هذا الوجه، ولا حجر على الموقوف عليه، فلو تبرع، وأعار، أو أكرى بدون أجر المثل، فلا معترض عليه.
ولو استثمر الأشجار المحبسة، وتبرع بجميعها، فإنما يتصرف في ملك نفسه» (٣).
стр. 7615
° وجه القول بالجواز:
الوجه الأول:
أن ملكية منافع الوقف هي للموقوف عليه، وما كان مملوكًا له صح تصرفه فيه.
الوجه الثاني:
القياس على صحة إعارة العين الموقوفة لمن ملك منفعتها، فإذا صحت الإعارة وهي بلا مقابل، صحت الإجارة بأقل من أجرة المثل من باب أولى، وهذا الوجه ذكره الشافعية (١).
وقريب من هذا مذهب المالكية حيث خيروا المستحق بين الإجازة والرد في حال أكرى الوكيل أو ناظر الوقف أو الوصي بمحاباة، ولم يفت، فإن فات رجع المستحق على ناظر الوقف إن كان مليًا، وإن كان معدمًا رجع المستحق على الساكن (٢).
فلما جعلوا الخيار للمستحق، صار الحق له وحده، ومقتضاه أنه لو كان الناظر هو المستحق لجاز إجارتها بأقل من أجرة المثل.
وسيأتي مزيد بحث لمذهب المالكية في المبحث التالي عند الكلام على حكم العقد إذا أجر بأقل من أجرة المثل.
стр. 7616
القول الثالث:
ذهب الحنابلة إلى أن الناظر إن أجر بأقل من أجرة المثل صح العقد، وضمن الناظر النقص إن كان المستحق غيره، وكان النقص أكثر مما يتغابن الناس به في العادة (١).
وجه القول بالصحة والضمان:
أما الصحة فلأن عقد الإجارة من العقود اللازمة، وتعدي الناظر لا يرجع إلى المستأجر بالنقض.
وأما وجوب الضمان فلأن هذا التصرف غير مأذون فيه، وقياساً على الوكيل إذا باع أو أجر بأقل من ثمن المثل.
جاء في كشاف القناع: «وإن أجر الناظر العين الموقوفة بأنقص من أجرة المثل صح عقد الإجارة، وضمن الناظر النقص عن أجرة المثل، إن كان المستحق غيره، وكان أكثر مما يتغابن به في العادة، كالوكيل إذا باع بدون ثمن المثل أو أجر بدون أجرة المثل» (٢).
ويناقش:
بأن الناظر إذا أجره بدون أجرة المثل، وقد بذل جهده، واستفرغ وسعه لم يضمن على الصحيح، وسوف نناقش الضمان في المسألة التالية إن شاء الله تعالى، فانظره هناك.
стр. 7617
فإن اشترك مع الناظر غيره في الاستحقاق، وأجر بأقل من إجارة المثل، فهل يصح في حقه، أو يبطل الجميع، قولان مبنيان على مسألة تفريق الصفقة:
جاء في حاشية الشبراملسي: «فإن لم ينحصر الوقف فيه، وأجر بدون أجرة المثل، فهل تصح الإجارة في قدر نصيبه، وتبطل فيما زاد تفريقًا للصفقة، أو في الجميع؟
فيه نظر، والظاهر الثاني؛ لما تقدم أنه حيث شملت ولايته جميع المستحقين كان كولي المحجور عليه فلا يتصرف إلا بالمصلحة في المال» (١).
وهل يختلف الحكم فيما لو كان المؤجر بأقل من إجارة المثل هو الناظر، وأذن له المستحق بأن يؤجر بغبن فاحش؟
فيها قولان:
الأول: تجوز الإجارة بغبن فاحش؛ لأن الحق له، وقد رضي بإسقاطه، وهذا مذهب المالكية ومذهب الشافعية (٢).
جاء في تحفة المحتاج: «لو كان هو المستحق أو أذن له جاز إيجاره بدون أجرة المثل» (٣).
الثاني: لا تجوز الإجارة بغبن فاحش؛ لأن تصرف الناظر محكوم بالمصلحة، ولا مصلحة للوقف في ذلك، اختاره بعض الشافعية.
стр. 7618
جاء في حاشية الشبراملسي: «لو لم يكن النظر مستحقًا، وأذن له المستحق أن يؤجر بدون أجرة المثل، فهل للناظر ذلك؛ لأن الحق لغيره، وقد أذن له في ذلك؟ أم لا؛ لأنه لا يتصرف إلا بالمصلحة، وإجارته بدون أجرة المثل ولو بإذن المستحق لا مصلحة فيها للوقف، فيه نظر، والأقرب الثاني» (١). والشافعية على القول الأول.
° الراجح:
الذي أميل إليه هو مذهب الحنفية؛ ذلك أن ملك المنفعة للموقوف عليه ملك ناقص، لا يورث عنه، ولا يستطيع التصرف في العين، فلا يقاس على الملك المطلق، وإذا أراد الموقوف عليه أن ينفع المستأجر فعليه أن يهب له ما شاء من الأجرة بعد استحقاقه لها، لا أن يكون ذلك في عقد الإجارة، خاصة إذا علمنا أن تعمير الوقف مقدم على استحقاق الموقوف عليه، وإنما يعمر الوقف من غلته كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
* * *
стр. 7619
المبحث السادس
في حكم عقد الإجارة إذا كانت بأقل من المثل
[م-١٥٢٧] اختلف العلماء في صحة العقد إذا وقعت الإجارة بأقل من إجارة المثل:
القول الأول: مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية بأن الناظر إذا أجرها بأقل من أجرة المثل فإنها إجارة فاسدة، وله أن يؤجرها إجارة صحيحة إما من الأول، أو من غيره بأجر المثل وبأكثر منه.
فإن سكن المستأجر الأول وجب أجر المثل بالغًا ما بلغ، وعليه الفتوى (١).
وجه ذلك:
أن الإجارة لو كانت من المالك ولم يسم قدر الأجرة وجب أجر المثل بالغًا ما بلغ، والناظر لو لم يسم الأجرة أصلًا وجب أجر المثل أيضًا بالغًا ما بلغ، فإذا سمى الناظر الأجرة بأقل من أجر المثل؛ كانت التسمية فاسدة؛ لأن الناظر
стр. 7620
ليس له ولاية الحط والإسقاط كما في إجارة الولي والوصي منزل الصغير بأقل من أجرة المثل، وإذا كانت التسمية فاسدة صارت كأن لم توجد أصلًا، وإذا لم توجد حكمًا أصبحت الإجارة الواجبة هي أجر المثل. ولا يضمن القيم نقص الأجرة
وذكر الخصاف أن الإجارة لا تجوز، وأن للقاضي إبطالها، فإن كان الناظر مأمونًا وفعل ذلك عن طريق السهو والغفلة أقره القاضي بيده، وأمره بإجارتها بالأصلح، وإن كان القيم عالمًا اعتبر ذلك خيانة، وأخرجها القاضي من ولايته؛ لأنه غير مأمون عليه (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلى أن ناظر الوقف إذا أجر الوقف بأقل من أجرة المثل، فإن كان ذلك عن محاباة للمستأجر خير المستحق بين الإجازة وبين فسخ عقد الكراء إن لم يفت.
فإن فات رجع المستحق على الناظر إن كان مليئًا، ولا رجوع للناظر على الساكن، وإن كان معدمًا رجع على الساكن بالكراء؛ لأنه مباشر، ثم لا رجوع للساكن على الناظر، هذا ما لم يعلم المستأجر بأن الأجرة غير أجرة المثل، فإن كان عالمًا فإن كلًا منهما ضامن، فيبدأ به.
وإن كان ذلك من غير محاباة، فإنه يفسخ الكراء إن زاد عليه أحد، فإن طلب من زيد عليه أن يبقى بيده ويدفع الزيادة لم يكن له ذلك، إلا أن يزيد على من زاد حيث لم تبلغ زيادة من زاد أجرة المثل، فإن بلغتها لم يلتفت لزيادة من زاد.
стр. 7621
وهذا في غير المعتدة، فإنها إذا كانت بمحل وقف وقعت إجارته بدون أجرة المثل، ثم زاد عليها شخص، وطلبت البقاء بالزيادة فإنها تجاب إلى ذلك. هذا ملخص مذهب المالكية (١).
جاء في حاشية الصاوي: «إذا حابى الناظر في الكراء: خير المستحقون في الإجازة والرد إن لم يفت الكراء.
فإن فات كان للمستحقين الرجوع على الناظر بالمحاباة إن كان مليًا، ولا رجوع له على المكتري، فإن كان الناظر معدمًا رجع المستحقون على المكتري، ولا رجوع له على الناظر.
وأما إن أكرى الناظر بغير محاباة، فإن كان بأجر المثل فلا يفسخ كراؤه ولو بزيادة زادها شخص على المشتري. وأما إن أكرى بأقل من أجرة المثل فإنه يفسخ كراؤه ولو بزيادة زادها عليه شخص آخر أجرة المثل وإلا فلا يفسخ» (٢).
القول الثالث: مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية إلى أن الناظر إذا أجره بأقل من إجرة المثل، وكان المستحق
стр. 7622
غيره لم تصح الإجارة؛ لأنه لا يملك أن يتبرع من مال غيره، وتصرفه لغيره مقيد بالأصلح، وإن كان المستحق هو الناظر صحت، وانفسخت بموته؛ لانتقال الحق إلى غيره، وهو لا يملك ذلك (١).
جاء في حاشية الجمل: «لو أجره الناظر بدون أجرة المثل فهي فاسدة» (٢).
وقال إمام الحرمين: «إذا كان الوقف على جهة من جهات الخير، وإجارته مفوضة إلى متول، فلا شك أنه لا يصح منه التبرع؛ فإنه ناظر محتاط في تحصيل ما هو الأغبط، وطلب ما هو الأحوط» (٣).
وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «لو كان الناظر هو المستحق للوقف آجر بدون أجرة المثل فإنه يجوز له ذلك فإذا مات في أثناء المدة انفسخت» (٤).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة إلى أن عقد الإجارة عقد صحيح، ويضمن الناظر النقص.
قال في كشاف القناع: «وإن أجر الناظر العين الموقوفة بأنقص من أجرة المثل صح عقد الإجارة، وضمن الناظر النقص عن أجرة المثل إن كان المستحق غيره، وكان أكثر مما يتغابن به في العادة، كالوكيل إذا باع بدون ثمن المثل، أو
стр. 7623
أجر بدون أجرة المثل، وفيه وجه بعدم الصحة قال الحارثي: وهو الأصح لانتفاء الإذن فيه» (١).
° وجه القول بالصحة والضمان:
أما الصحة فلأن عقد الإجارة من العقود اللازمة، وتعدي الناظر لا يرجع إلى المستأجر بالنقض.
وأما وجوب الضمان فلأن هذا التصرف غير مأذون فيه، وقياساً على الوكيل إذا باع أو أجر بأقل من ثمن المثل.
° الراجح:
أن الناظر إذا آجره بدون أجر المثل، وكان ذلك عن محاباة ومواطأة فإن الناظر يضمن النقص، وتبطل ولايته على الوقف.
وأما إذا بذل الناظر جهده، واستفرغ وسعه، ثم ظهر غبن لم يقصر فيه فهو معذور يشبه خطأ الإمام، أو الحاكم؛ ولأن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة، أو حصول المفسدة ولا لزوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر، ولا يحمل هذا الخطأ المستحق، بل نقول: العقد مفسوخ حتى يتم جبر النقص فيه من قبل المستأجر برضاه، ولا تبطل ولاية الناظر؛ لأنه لم يتعمد، وهذا أعدل الأقوال.
* * *
стр. 7624
المبحث السابع
في زيادة إجارة الوقف بعد تمام العقد
أجر المثل إنما يعتبر وقت العقد لا غير.
[م-١٥٢٨] إذا أجر الناظر الوقف بإجارة المثل، ثم ارتفعت الإجارات عن أجرة المثل أثناء مدة العقد، أو ظهر طالب بالزيادة على أجرة المثل، فهل يفسخ العقد، أو يصبح لازمًا؟
اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول: مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية في الأصح إلى أن العقد يفسخ، ويعقد ثانية بالزيادة، وما لم يفسخ فإن على المستأجر الأجر المسمى دون اعتبار للزيادة (١).
стр. 7625
وفي قول للشافعية أن الإجارة تنفسخ إذا كان للزيادة وقع، وكان الطالب ثقة، بل إن من الشافعية من أوجبها على المتولي؛ وذلك لتبين وقوعه على خلاف الغبطة (١).
جاء في البحر الرائق: «وإن كانت الإجارة الأولى بأجرة المثل، ثم ازداد أجر مثله، كان للمتولي أن يفسخ الإجارة، وما لم يفسخ كان على المستأجر الأجر المسمى» (٢).
وفي تنقيح الفتاى الحامدية: «ذا زادت أجرة المثل في أثناء المدة، فالمفتى به أن للمتولي فسخها، وإن مشى في الإسعاف والخانية على خلافه فقد صححوا هذا القول بلفظ الفتوى كما ذكرنا، وبلفظ الأصح، ولفظ المختار فكان هو المعتمد» (٣).
° وجه القول بانفساخ العقد:
الوجه الأول:
أن استمرار العقد يقع على خلاف الغبطة. فإن قيل: إن الزيادة قد طرأت بعد لزم العقد.
فالجواب:
أن الإجارة ترد على المنافع، وهي تحدث شيئًا فشيئًا، فكأنه آجره منه هذه الساعة بنقصان فاحش، والوقف يجب له النظر (٤).
стр. 7626
ويناقش:
بأن الإجارة لو نقصت نقصًا فاحشًا أثناء مدة الإجارة، وطلب المستأجر نقص الأجرة أو فسخ العقد بأنه لا يجاب إلى طلبه، ولا يملك متولي الوقف إقالته، فكذلك إذا زادت الإجارة بعد لزوم العقد، هذا هو مقتضى العدل، والله أعلم (١).
القول الثاني:
أن الإجارة إذا وقعت بأجرة المثل وقت العقد لم تفسخ، ولو زادت الأجرة بعد ذلك.
وهو قول مرجوح في مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية والحنابلة، والأصح في مذهب الشافعية (٢).
стр. 7627
جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «وفي الخانية والإسعاف .... ليس للمتولي أن ينقض الإجارة بنقصان الأجر؛ لأن أجر المثل إنما يعتبر وقت العقد لا غير، فإن كان المسمى حالة العقد أجر المثل فلا يضر التغير بعد ذلك. اهـ. وفي حاوي الحصيري لا ينقض؛ لأن العقد صح وزيادة الرغبة في الأجرة بمنزلة زيادة السعر في القيمة ثم ذلك غير مفسد فكذا هذا» (١).
° وجه القول بعدم الفسخ:
الوجه الأول:
أن الإجارة إذا عقدت عقدًا صحيحًا بأن كان لا غبن فيها وقت العقد لزمت، فلا يصح فسخها إلا بالتراضي؛ لأنها عقد لازم من الطرفين، وهكذا سائر العقود اللازمة كالبيع، فلو ارتفع سعر السلعة بعد بيعها لم يكن هذا موجبًا لفسخها.
الوجه الثاني:
القياس على ما إذا باع الولي مال الطفل، ثم ارتفعت القيم بالأسواق، أو ظهر طالب بالزيادة، فإن هذا لا يوجب الفسخ فكذلك الإجارة.
الوجه الثالث:
القياس على ما إذا نقصت الأجرة نقصًا فاحشًا، فطلب المستأجر فسخها، فإنه لا يجاب إلى طلبه، فكذلك إذا زادت.
стр. 7628
القول الثالث:
إن كانت الإجارة سنة فما دونها لم يفسخ العقد بالزيادة، وإن كانت أكثر فسخت الإجارة للزيادة، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
قال النووي: «الثالث: إن كانت الإجارة سنة فما دونها لم يتأثر العقد، وإن كانت أكثر فالزيادة مردودة، وبه قطع أبو الفرج الزاز في الأمالي» (٢).
° وجه القول بذلك:
هذا القول مبني على أحد أقوال الشافعية في تحديد مدة الإجارة، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية، فكان من يرى أن مدة الإجارة لا تزاد على سنة، فإذا حصلت الزيادة في المدة لم يتأثر العقد، لأنه في حدود المدة المأذون في عقد إجارتها، بخلاف ما إذا كان الزيادة بعد السنة، فإن العقد يتأثر بها بناء على أنه لا يحق له أن يؤجر أكثر من سنة، والله أعلم.
° القول الراجح:
أرى أن القول بأن الإجارة إذا عقدت بأجرة المثل لم تفسخ إلا بالتراضي، وإنما ينظر الى أجرة المثل التى تنتهى إليها الرغبات حالة العقد مع قطع النظر عما عساه يتجدد؛ لأن القول بالفسخ يؤدي الى سد باب إجارة الأوقاف والزهد فيها؛ ولأن الأسعار لا تبقى على حالة واحدة، والله أعلم.
стр. 7629
المبحث الثامن
في دفع أجرة الوقف للمستحق
[م-١٥٢٩] سبق لنا في وقف الإجارة خلاف العلماء متى يستحق المؤجر الأجرة؟ هل يستحقها بالعقد، أو يستحقها بتسليم العين وقبل انقضاء المدة، أو بعد استيفاء المنفعة؟
وهذه المسألة مبنية عليها، مع أن المستحق في إجارة الوقف قد يموت في أثناء مدة الإجارة، فلا يستحق كامل الإجارة حيث ينتقل الاستحقاق إلى غيره.
فإذا أجر الناظر الوقف سنوات، وقلنا: إن الأجرة تستحق بمجرد العقد، فهل يدفعها للمستحق، أو لا يدفعها إلا بمضي المدة خوفًا من أن يدركه الموت في أثناء مدة الإجارة، وإذا دفعها الناظر، ومات المستحق، فهل يضمن الناظر حق المستحق التالي، أو لا يضمن؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
فمن قال: بأن الأجرة لا تملك بالعقد، بل بمضي المدة، فمن الواضح أنه لا يستحق الموقوف عليه الأجرة بمجرد العقد، وبالتالي لا تدفع الأجرة له حتى تستوفى المنفعة، وهذا مذهب الحنفية وابن حزم من الظاهرية (١).
стр. 7630
وقد وافقهم المالكية في إجارة العين دون إجارة الذمة (١)، ومعلوم أن الوقف من إجارة العين.
جاء في العناية: «ومن استأجر داراً فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يوم؛ لأنه استوفى منفعة مقصودة».
وجاء في الهداية: «ومن استأجر بعيراً إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة؛ لأن سير كل مرحلة مقصود ...... وكان القياس يقتضي استحقاق الأجر ساعة فساعة لتحقيق المساواة إلا أن المطالبة في كل ساعة تفضي إلى ألا يتفرغ لغيره، فيتضرر به».
وقال ابن شاس المالكي: «لا يقسم الكراء عليهم قبل كمال سكنى المكتري؛ لأنه إنما يقسم على من يحضر القسم، فمن ولد قبل القسم ثبت حقه، ومن مات قبله سقط» (٢).
وأما الذين قالوا: إن الأجرة تملك بالعقد، وتستحق بتسليم العين كالحنابلة (٣).
ووافقهم الشافعية في إجارة العين دون إجارة الذمة، ومعلوم أن الوقف من
стр. 7631
إجارة الأعيان (١)، فيأتي البحث عندهم، هل تختلف إجارة الوقف عن إجارة الملك؛ لأن الأول له مشارك بخلاف الثاني؟
هذا ما سوف نتوجه له بالبحث إن شاء الله تعالى في هذا المبحث، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه، وفي المسألة أربعة أقوال:
القول الأول:
يجوز أن يدفع الأجرة كاملة لأهل البطن الأول، وإن علم موتهم قبل مضي مدتها، فلو مات القابض قبل مضي المدة لم يضمن المستأجر ولا الناظر، اختاره بعض الشافعية، وهو المعتمد في المذهب (٢).
جاء في حواشي الشرواني: «قال النهاية ولو آجر الناظر الوقف سنين، وقبض الأجرة، جاز له دفع جميعها لأهل البطن الأول، وإن علم موتهم قبل مضي مدتها، فلو مات القابض قبل مضي المدة لم يضمن المستأجر ولا الناظر، كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى تبعًا لابن الرفعة» (٣).
وجاء في حاشية قليوبي: «لو آجر الناظر في وقف الترتيب العين الموقوفة مدة طويلة، وقبض أجرتها، فله تسليم جميعها للبطن الأول، وإن علم موتهم قبل مضيها، وإذا ماتوا لم تنفسخ الإجارة، ويرجع من بعدهم على تركتهم، ولا
стр. 7632
ضمان على الناظر ولا على المستأجر، كما أفتى به ابن الرفعة واعتمده شيخنا الزيادي والرملي كوالده، خالفهم الخطيب في المدة الطويلة» (١).
حجه هذا القول:
أن العقد قد أعطاه حق الملك والتصرف في الأجرة، ويملك الإبراء منها، وتجب عليه زكاتها، وكونها غير مستقرة لا يمنع من صحة التصرف، كما أن الزوجة تملك الصداق وتتصرف في جميعه قبل الدخول، وإن كان لا يستقر لها إلا بالدخول، وكذلك في الموصى له بالمنفعة مدة حياته إذا أجر الدار وقبض أجرتها، كان له التصرف فيها، مع أنه قد يموت في أثنائها، فينقطع استحقاقه.
وإذا مات رجع المستحق التالي في تركة القابض إن ترك تركة.
جاء في حاشية البجيرمي على الخطيب: «ولو قبض الناظر أجرة معجلة، وصرفها على أرباب الوقف، ثم انتقل الوقف عنهم إلى غيرهم، بأن كان وقف ترتيب، رجع مستحقو البطن الثاني على الأول، لا على الناظر، ولا على المستأجر؛ وهذا هو المعتمد كما أفتى به ابن الرفعة اهـ. وقوله: (رجع مستحقو البطن الثاني على الأول) فإن خرج الأول عن الاستحقاق، وهو حي طولب بما أخذه من مدة خروجه عن الاستحقاق، فإن كان قد مات، أخذ من تركته، فإن لم تكن له تركة كان كمن مات وعليه دين، لا يلزم به أحد» (٢).
القول الثاني:
لا يجوز له دفع جميعها، وإنما يعطى بقدر ما مضى من الزمن، وهذا مذهب
стр. 7633
المالكية، واختاره القفال من الشافعية (١).
قال الخرشي: «الحبس إذا كان على قوم معينين وأولادهم، فإن الناظر عليه لا يقسم من غلته إلا ما مضى زمنها ووجبت» (٢).
وجاء في أسنى المطالب: «لو أجر الناظر الوقف سنين، وأخذ الأجرة، لم يجز له دفع جميعها للبطن الأول، وإنما يعطى بقدر ما مضى من الزمان.
فإن دفع أكثر منه، فمات الآخذ ضمن الناظر تلك الزيادة للبطن الثاني، قاله القفال في فتاويه، وقياسه أنه لو أجر الموقوف عليه لا يتصرف في جميع الأجرة لتوقع ظهور كونه لغيره بموته قاله الزركشي» (٣).
حجة هذا القول:
أن المستحق في إجارة الوقف قد يموت في أثناء مدة الإجارة فلا يستحق كامل الأجرة، حيث ينتقل الاستحقاق إلى غيره، لهذا نقول: لا يسلم جميع الأجرة لتوقع ظهور كونها لغيره.
القول الثالث:
التفصيل بين طول المدة وبين وقصرها، اختاره السبكي من الشافعية، ورجحه الخطيب.
قال السبكي: وينبغي التفصيل بين طول المدة وقصرها، فإن طالت بحيث
стр. 7634
يبعد احتمال بقاء الموجود من أهل الوقف منع من التصرف، وإن قصرت فيجوز له دفع الأجرة كاملة تبعًا لما قاله ابن الرفعة (١).
وقال الخطيب في مغني المحتاج: «وهو كما قال السبكي، محمول على ما إذا طالت المدة، أما إذا قصرت فيتصرف في الجميع؛ لأنه ملكه في الحال» (٢).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
إذا مات المؤجر، وكان المؤجر هو الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، فهل تنفسخ الإجارة، فيه وجهان في مذهب الحنابلة:
أحدهما: أن الإجارة لا تنفسخ بموت المؤجر، قال في الإنصاف: وهو المذهب ... وقال القاضي في المجرد: هذا قياس المذهب.
° وجه القول بعدم الفسخ:
أن المؤجر حين أجر كان يملك حق التأجير، فكان تصرفه صحيحًا فلم يتطرق له الفسخ.
الوجه الثاني: تنفسخ، وجزم به القاضي في خلافه (٣).
وقال ابن تيمية: «وتنفسخ إجارة البطن الأول إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في أصح الوجهين» (٤).
стр. 7635
وقال ابن رجب في قواعده: وهو المذهب الصحيح (١).
° وجه القول بالفسخ:
أن البطن الثاني لا يتلقى حقه من الأول بل من الواقف، فلا ينفذ تصرف الأول في حق من بعده.
فعلى الوجه الأول، من أصل المسألة: يستحق البطن الثاني حصته من الأجرة من تركة المؤجر إن كان قبضها، وإن لم يمكن قبضها فعلى المستأجر.
وعلى الوجه الثاني: يرجع المستأجر على ورثة المؤجر القابض.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: إن كان قبضها المؤجر رجع بذلك في تركته، فإن لم يكن تركة فأفتى بعض أصحابنا بأنه إذا كان الموقوف عليه هو الناظر، فمات، فللبطن الثاني فسخ الإجارة، والرجوع بالأجرة على من هو في يده. انتهى.
وقال أيضا: والذي يتوجه أولًا: أنه لا يجوز سلف الأجرة للموقوف عليه؛ لأنه لا يستحق المنفعة المستقبلة، ولا الأجرة عليها، فالتسليف لهم قبض ما لا يستحقونه، بخلاف المالك. وعلى هذا: فللبطن الثاني أن يطالبوا بالأجرة المستأجر؛ لأنه لم يكن له التسليف، ولهم أن يطالبوا الناظر. انتهى (٢).
وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «والذي يتوجه أنه لا يجوز للموقوف عليهم أن يستسلفوا الأجرة؛ لأنهم لم يملكوا المنفعة المستقبلة، ولا الأجرة