← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

إجارة الأعيان (١)، فيأتي البحث عندهم، هل تختلف إجارة الوقف عن إجارة الملك؛ لأن الأول له مشارك بخلاف الثاني؟ هذا ما سوف نتوجه له بالبحث إن شاء الله تعالى في هذا المبحث، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه، وفي المسألة أربعة أقوال: القول الأول: يجوز أن يدفع الأجرة كاملة لأهل البطن الأول، وإن علم موتهم قبل مضي مدتها، فلو مات القابض قبل مضي المدة لم يضمن المستأجر ولا الناظر، اختاره بعض الشافعية، وهو المعتمد في المذهب (٢). جاء في حواشي الشرواني: «قال النهاية ولو آجر الناظر الوقف سنين، وقبض الأجرة، جاز له دفع جميعها لأهل البطن الأول، وإن علم موتهم قبل مضي مدتها، فلو مات القابض قبل مضي المدة لم يضمن المستأجر ولا الناظر، كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى تبعًا لابن الرفعة» (٣). وجاء في حاشية قليوبي: «لو آجر الناظر في وقف الترتيب العين الموقوفة مدة طويلة، وقبض أجرتها، فله تسليم جميعها للبطن الأول، وإن علم موتهم قبل مضيها، وإذا ماتوا لم تنفسخ الإجارة، ويرجع من بعدهم على تركتهم، ولا

стр. 7632

ضمان على الناظر ولا على المستأجر، كما أفتى به ابن الرفعة واعتمده شيخنا الزيادي والرملي كوالده، خالفهم الخطيب في المدة الطويلة» (١). حجه هذا القول: أن العقد قد أعطاه حق الملك والتصرف في الأجرة، ويملك الإبراء منها، وتجب عليه زكاتها، وكونها غير مستقرة لا يمنع من صحة التصرف، كما أن الزوجة تملك الصداق وتتصرف في جميعه قبل الدخول، وإن كان لا يستقر لها إلا بالدخول، وكذلك في الموصى له بالمنفعة مدة حياته إذا أجر الدار وقبض أجرتها، كان له التصرف فيها، مع أنه قد يموت في أثنائها، فينقطع استحقاقه. وإذا مات رجع المستحق التالي في تركة القابض إن ترك تركة. جاء في حاشية البجيرمي على الخطيب: «ولو قبض الناظر أجرة معجلة، وصرفها على أرباب الوقف، ثم انتقل الوقف عنهم إلى غيرهم، بأن كان وقف ترتيب، رجع مستحقو البطن الثاني على الأول، لا على الناظر، ولا على المستأجر؛ وهذا هو المعتمد كما أفتى به ابن الرفعة اهـ. وقوله: (رجع مستحقو البطن الثاني على الأول) فإن خرج الأول عن الاستحقاق، وهو حي طولب بما أخذه من مدة خروجه عن الاستحقاق، فإن كان قد مات، أخذ من تركته، فإن لم تكن له تركة كان كمن مات وعليه دين، لا يلزم به أحد» (٢). القول الثاني: لا يجوز له دفع جميعها، وإنما يعطى بقدر ما مضى من الزمن، وهذا مذهب

стр. 7633

المالكية، واختاره القفال من الشافعية (١). قال الخرشي: «الحبس إذا كان على قوم معينين وأولادهم، فإن الناظر عليه لا يقسم من غلته إلا ما مضى زمنها ووجبت» (٢). وجاء في أسنى المطالب: «لو أجر الناظر الوقف سنين، وأخذ الأجرة، لم يجز له دفع جميعها للبطن الأول، وإنما يعطى بقدر ما مضى من الزمان. فإن دفع أكثر منه، فمات الآخذ ضمن الناظر تلك الزيادة للبطن الثاني، قاله القفال في فتاويه، وقياسه أنه لو أجر الموقوف عليه لا يتصرف في جميع الأجرة لتوقع ظهور كونه لغيره بموته قاله الزركشي» (٣). حجة هذا القول: أن المستحق في إجارة الوقف قد يموت في أثناء مدة الإجارة فلا يستحق كامل الأجرة، حيث ينتقل الاستحقاق إلى غيره، لهذا نقول: لا يسلم جميع الأجرة لتوقع ظهور كونها لغيره. القول الثالث: التفصيل بين طول المدة وبين وقصرها، اختاره السبكي من الشافعية، ورجحه الخطيب. قال السبكي: وينبغي التفصيل بين طول المدة وقصرها، فإن طالت بحيث

стр. 7634

يبعد احتمال بقاء الموجود من أهل الوقف منع من التصرف، وإن قصرت فيجوز له دفع الأجرة كاملة تبعًا لما قاله ابن الرفعة (١). وقال الخطيب في مغني المحتاج: «وهو كما قال السبكي، محمول على ما إذا طالت المدة، أما إذا قصرت فيتصرف في الجميع؛ لأنه ملكه في الحال» (٢). القول الرابع: مذهب الحنابلة: إذا مات المؤجر، وكان المؤجر هو الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، فهل تنفسخ الإجارة، فيه وجهان في مذهب الحنابلة: أحدهما: أن الإجارة لا تنفسخ بموت المؤجر، قال في الإنصاف: وهو المذهب ... وقال القاضي في المجرد: هذا قياس المذهب. ° وجه القول بعدم الفسخ: أن المؤجر حين أجر كان يملك حق التأجير، فكان تصرفه صحيحًا فلم يتطرق له الفسخ. الوجه الثاني: تنفسخ، وجزم به القاضي في خلافه (٣). وقال ابن تيمية: «وتنفسخ إجارة البطن الأول إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في أصح الوجهين» (٤).

стр. 7635

وقال ابن رجب في قواعده: وهو المذهب الصحيح (١). ° وجه القول بالفسخ: أن البطن الثاني لا يتلقى حقه من الأول بل من الواقف، فلا ينفذ تصرف الأول في حق من بعده. فعلى الوجه الأول، من أصل المسألة: يستحق البطن الثاني حصته من الأجرة من تركة المؤجر إن كان قبضها، وإن لم يمكن قبضها فعلى المستأجر. وعلى الوجه الثاني: يرجع المستأجر على ورثة المؤجر القابض. وقال الشيخ تقي الدين ﵀: إن كان قبضها المؤجر رجع بذلك في تركته، فإن لم يكن تركة فأفتى بعض أصحابنا بأنه إذا كان الموقوف عليه هو الناظر، فمات، فللبطن الثاني فسخ الإجارة، والرجوع بالأجرة على من هو في يده. انتهى. وقال أيضا: والذي يتوجه أولًا: أنه لا يجوز سلف الأجرة للموقوف عليه؛ لأنه لا يستحق المنفعة المستقبلة، ولا الأجرة عليها، فالتسليف لهم قبض ما لا يستحقونه، بخلاف المالك. وعلى هذا: فللبطن الثاني أن يطالبوا بالأجرة المستأجر؛ لأنه لم يكن له التسليف، ولهم أن يطالبوا الناظر. انتهى (٢). وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «والذي يتوجه أنه لا يجوز للموقوف عليهم أن يستسلفوا الأجرة؛ لأنهم لم يملكوا المنفعة المستقبلة، ولا الأجرة

стр. 7636

عليها، فالتسلف لهم قبض مالا يستحقونه بخلاف المالك، وعلى هذا فللبطن الثاني أن يطالب بالأجرة المستأجر الذي سلف المستحقين؛ لأنه لم يكن له التسليف، ولهم أن يطالبوا الناظر إن كان هو المسلف» (١). وقال ابن رجب: «إذا أجر البطن الأول، ثم انقرض، والإجارة قائمة، وفي المسألة وجهان: أحدهما: وهو ما قال القاضي في المجرد: أنه قياس المذهب، أنه لا تنفسخ؛ لأن الثاني لا حق له في العين إلا بعده، فهو كالوارث. والثاني: وهو المذهب الصحيح، وبه جزم القاضي في خلافه، وقال: إنه ظاهر كلام أحمد .... واختاره ابن عقيل وغيره: أنه ينفسخ. لأن الطبقة الثانية تستحق العين بجميع منافعها تلقيًا عن الواقف بانقراض الطبقة الأولى، فلا حق للأولى فيه بعد انقراضهم، بخلاف الورثة فإنهم لا يتلقون عن موروثهم إلا ما خلفه في ملكه من الأموال، ولم يخلف هذه المنافع، وحق المالك لم ينقطع عن ميراثه بالكلية، بل آثاره باقية ولذلك تقضى ديونه، وتنفذ وصاياه من التركة، وهي ملكه على قول إلى أن تقضى ديونه، فكيف يعترض عليه في تصرفاته بنفسه؟. وأيضا فهو كان يملك التصرف في ماله على التأييد بوقف عقاره، والوصية به، وبما يحمل شجره أبدًا، والموقوف عليه بخلافه في ذلك كله (٢). هذا ملخص أقوال أهل العلم، والله أعلم.

стр. 7637

° الراجح: الذي أميل إليه أن تأجير الوقف لا ينبغي أن تكون مدته سنوات كثيرة، وإنما بحسب العرف السنة والسنتين إلا لضرورة، كأن يتعطل الوقف، ولا يرغب أحد في استئجاره إلا لسنوات، وقد سبق بحث هذه المسألة ولله الحمد، وإذا أجره الواقف أكثر من سنة لم يكن له دفع الأجرة بكاملها إلى الموقوف عليه، وإنما يدفع له الشيء بعد الشيء، ولا يزيد على دفع إجارة نصف العام لتوقع ظهور كونها لغيره بموته، والله أعلم. * * *

стр. 7638

المبحث التاسع في انتهاء إجارة الوقف البطن الثاني يستحق العين الموقوفة من جهة الواقف، وليس تلقيًا عن الميت. تصرف الموقوف عليه في الوقف في حياته لا تسري أحكامه عليه بعد موته. [م-١٥٣٠] بحثنا فيما سبق من يتولى إجارة الوقف، فإذا تولى إجارة الوقف ناظر الوقف، فإما أن يكون هو الموقوف عليه، أو يكون الناظر أجنبيًا. فإن كان الناظر أجنبيًا فقد اتفق الفقهاء على أن إجارة الموقوف لا تنفسخ بموته؛ لأنه بمنزلة الوكيل عن الموقوف عليهم، والعقود لا تنفسخ بموت الوكيل (١). قال العدوي المالكي: «الناظر غير المستحق إذا أجر الدار الموقوفة أو الأرض الموقوفة مدة ثم مات فلا تنفسخ الإجارة» (٢). وإن كان الناظر هو الموقوف عليه، فمات فقد اختلف العلماء هل تنفسخ الإجارة بموته؟

стр. 7639

القول الأول: تنفسخ بموت الناظر إذا كان هو الموقوف عليه، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، قال ابن تيمية: وهو أصح الوجهين (١). وجزم به القاضي في خلافه (٢). وقال ابن رجب في قواعده: وهو المذهب الصحيح (٣). ولم يفرق الحنفية بين الوقف وغيره، فالإجارة عندهم تنفسخ بموت العاقدين أو أحدهما إذا عقدها لنفسه. وجاء في الأشباه والنظائر لابن نجيم: «الناظر إذا أجر، ثم مات، فإن الإجارة لا تنفسخ، إلا إذا كان هو الموقوف عليه، وكان جميع الريع له، فإنها تنفسخ بموته، كما حرره ابن وهبان معزيا إلى عدة كتب، ولكن إطلاق المتون يخالفه» (٤).

стр. 7640

وقال الدردير المالكي: «وفسخت الإجارة بموت مستحق وقف آجر ذلك الوقف في حياته مدة، ومات قبل تقضيها، وانتقل الاستحقاق لمن في طبقته، أو لمن يليه، ولو ولده، ولو بقي منها يسير على الأصح، ولو كان المستحق المؤجر ناظرًا، بخلاف ناظر غير مستحق، فلا تنفسخ بموته» (١). وجاء في الفتاوى الكبرى: «وتنفسخ إجارة البطن الأول إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في أصح الوجهين» (٢). وقال ابن رجب: «إذا أجر البطن الأول، ثم انقرض، والإجارة قائمة، وفي المسألة وجهان: .... الثاني: وهو المذهب الصحيح، وبه جزم القاضي في خلافه، وقال: إنه ظاهر كلام أحمد .... واختاره ابن عقيل وغيره: أنه ينفسخ» (٣). وجه القول بالفسخ: أن حق المستحق قد انقطع بموته، وانتقل إلى من بعده، ولأن الطبقة الثانية تستحق العين بجميع منافعها تلقيًا عن الواقف بانقراض الطبقة الأولى، وليس تلقيًا عن الميت حتى يقال: إن تصرفه في حياته تسري أحكامه حتى بعد موته، فلا حق للأولى فيه بعد انقراضهم، بخلاف الورثة فإنهم يتلقون المال عن مورثهم، وحق الميت لم ينقطع عن ميراثه بالكلية، بل آثاره باقية، ولذلك تقضى ديونه، وتنفذ وصاياه من التركة، وهي ملكه على قول إلى أن تقضى ديونه.

стр. 7641

القول الثاني: مذهب الشافعية: الأصل عند الشافعية أن الإجارة لا تنفسخ بموت الناظر، ولو كان هو الموقوف عليه، إذا كان النظر له مطلقًا لم يقيد بمدة الاستحقاق؛ لأن ولايته عامة توجد في حياته وبعد موته، ووجودها بعد موته حكمًا؛ بمعنى: أنه لا ينقض عقده بعد موته، فكأن ولايته ثابتة بعده، ولأن عقد الإجارة عقد لازم لا ينفسخ بالموت. وإنما تنفسخ الإجارة بموت الناظر إذا كان هو الموقوف عليه بصورتين عند الشافعية: الصورة الأولى: أن يكون الناظر هو المستحق للوقف، وآجر بدون أجرة المثل، فإنه يجوز له ذلك مدة حياته، فإذا مات في أثناء المدة انفسخت. وانفساخها هنا ليس سببه هو الموت، بل لكونه أجر الوقف دون أجرة المثل، فهذا وإن كان يملكه في نصيبه، فهو لا يملكه في نصيب غيره، وقد انتقل الاستحقاق بموته، ومقتضاه: أنه لو أجر بأجرة المثل لا تنفسخ بموته. جاء في حاشية الرملي على أسنى المطالب: «ولا تنفسخ إجارة الناظر بموته، إلا إذا كان هو المستحق وأجرها بدون أجرة المثل» (١). الصورة الثانية: تنفسخ الإجارة بموت الناظر إذا قيد النظر له بمدة الاستحقاق، فهذا إذا مات

стр. 7642

انقطع نظره حكمًا، فانفسخت الإجارة؛ لأن النظر بعد موته جعل لغيره، ولا ولاية له عليه، ولا نيابة؛ إذ المستحق الثاني لا يتلقى من الأول، بل من الواقف. جاء في حاشية الشبراملسي: «لو مات الناظر المؤجر، فإن كان من أهل الوقف، وشرط له النظر مدة استحقاقه، انفسخت الإجارة بموته» (١). وإنما انفسخت الإجارة هنا؛ لا لكونه من باب موت العاقد، بل لأن النظر كان مقيدًا باستحقاق المؤجر، فإذا مات انقطع النظر؛ لأن شرط الواقف لم يثبت له الحق إلا مدة استحقاقه، فلو لم يقيد النظر باستحقاق المؤجر لما انفسخت الإجارة بالموت. هذا ملخص مذهب الشافعية في الأصح عندهم (٢). جاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «ولا تنفسخ بموت ناظر الوقف من حاكم، أو منصوبه، أو من شرط له النظر على جميع البطون. ويستثنى من ذلك: ما لو كان الناظر هو المستحق للوقف، آجر بدون أجرة المثل، فإنه يجوز له ذلك، فإذا مات في أثناء المدة انفسخت كما قال ابن الرفعة. ولو أجر البطن الأول من الموقوف عليهم العين الموقوفة مدة، ومات البطن المؤجر قبل تمامها، وشرط الواقف لكل بطن منهم النظر في حصته مدة

стр. 7643

استحقاقه فقط .... انفسخت في الوقف؛ لأن الوقف انتقل استحقاقه بموت المؤجر لغيره، ولا ولاية عليه، ولا نيابة» (١). القول الثالث: أن الإجارة لا تنفسخ في موت المؤجر، ولو كان المؤجر مستحقًا، اختاره ابن شاس من المالكية (٢)، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة. قال في الإنصاف: وهو المذهب ... وقال القاضي في المجرد: هذا قياس المذهب (٣). ° وجه القول بعدم الفسخ: أن المؤجر حين أجر كان يملك حق التأجير، فكان تصرفه صحيحًا فلم يتطرق له الفسخ. ° الراجح من الخلاف: الذي أميل إليه إلى أن المؤجر إن كان يؤجر لغيره، كما لو كان الناظر أجنبيًا عن الموقوف عليهم، فلا تنفسخ الإجارة بموته، كما أن الوكيل إذا مات لا تنفسخ الإجارة التي عقدها لموكله. أما إذا كان الناظر هو الموقوف عليه فإن موته لا يعني فسخ الإجارة، لأن فسخ العقد يتضرر منه المستأجر، ولا دخل له في ذلك، وإنما ينتقل الاستحقاق

стр. 7644

بموت المستحق، ويرجع المستحق الجديد على تركة المؤجر إن كان قد استلم كامل الأجرة، وإن لم يستملها رجع إلى المستأجر، ما لم يكن المؤجر قد أجر الوقف مدة طويلة، فإن الأجرة تنفسخ؛ لأن الموقوف عليه لا يحق له إجارة الوقف مدة طويلة؛ لأنه ربما انتقل الحق إلى غيره، فيتعرض حق غيره للضياع، والله أعلم. * * *

стр. 7645

الفصل الخامس في عمارة الوقف [م-١٥٣١] تتم عمارة الوقف بالقيام بأمرين: الأول: الإنفاق على الوقف بما يمنع عنه تعرضه للتلف والخراب، والقيام بكل ما يلزم له مما فيه بقاء عينه؛ ليحصل دوام الانتفاع، وهذه النفقة لا يشترط لها أن يكون الوقف فيه خلل بل يراد منها المحافظة على الوقف بقطع المفسد عنه قبل وقوعه، وإن كان صالحًا للانتفاع. الثاني: الإنفاق على ترميم الوقف وتجديده، وإعادة بناء ما خرب منه، واستبدال التالف حتى يكون صالحًا للانتفاع، وهذا رفع للمفسد بعد وقوعه. والغرض من إعمار الوقف هو بقاء عين الوقف لدوام منفعته، وهذا المقصود لا يحصل إلا بإصلاح الوقف، وعمارته. قال الخرشي: «يبدأ بمرمة الوقف وإصلاحه؛ لأن في ذلك البقاء لعينه والدوام لمنفعته» (١). وجاء في المحيط البرهاني: «إن كان في أرض الوقف نخلة، فخاف القيم هلاكها، كان له أن يشتري من غلتها فصلًا فيغرسه؛ لأن النخل بنسله على امتداد الزمان، فتهلك، فينقطع ثمرها، فكان إبقاؤها بالغرس مكانها حتى يبقى خلفاً عن سلف، وهو نظير الدار الموقوفة كرمِّ (٢) ما استرم منه بإدخال خشبة ولبن

стр. 7646

ونحوها حتى لا يخرب، فإن كانت قطعة من هذه الأرض سبخة لا تنبت شيئًا، فيحتاج الي كشح وجهها، وإصلاحها حتى تنبت، كان للقيم أن يبدأ من غلة جملة الأرض بمؤنة إصلاح تلك القطعة؛ لأنها إذا صلحت كبرت الغلة فكان أنفع للفقراء» (١). وجاء في منهج الطالبين: «وشرط الناظر: عدالة، وكفاية. ووظيفته: عمارة وإجارة وحفظ أصل ... » (٢). فجعل من وظيفة الناظر: العمارة وحفظ الأصل، فالأولى رفع للمفسد، والثانية دفع له قبل وقوعه. وأما مقدار الإصلاح: فهو بقاء العين على الهيئة التي كان عليها وقت الوقف، أما عمارة الوقف زيادة على ما في زمن الواقف فلا تجوز إلا برضا المستحقين (٣). * * *

стр. 7647

المبحث الأول في تقديم العمارة على غيرها قصد الواقف دوام الوقف، ولا يدوم إلا بعمارته. تقدم عمارة الوقف على شرط الواقف. [م-١٥٣٢] اختلف العلماء في وجوب تقديم العمارة على غيرها على قولين: القول الأول: تقدم عمارة الوقف وحفظه وصيانته على الموقوف عليهم، سواء شرط الواقف ذلك كما هو الغالب، أو لم يشترط ذلك؛ لأن شرط العمارة إن لم تكن مشروطة نصًا فهي مشروطة اقتضاء؛ لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبدًا، ولا يبقى دائمًا إلا بالعمارة. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). وفرق الحنفية بين أن يشترط تقديم العمارة في كل سنة وبين أن يسكت عن ذلك، فإنه مع السكوت تقدم العمارة عند الحاجة إليها، ولا يدخر لها عند عدم الحاجة إليها، ومع الاشتراط تقدم عند الحاجة، ويدخر لها عند عدمها ثم يوزع الباقي على الموقوف عليهم.

стр. 7648

جاء في بدائع الصنائع: «الواجب أن يبدأ بصرف الفرع (الغلة) إلى مصالح الوقف من عمارته، وإصلاح ماوهي من بنائه وسائر مؤناته التي لا بد منها، سواء شرط ذلك الواقف أو لم يشرط؛ لأن الوقف صدقة جارية في سبيل الله تعالى، ولا تجري إلا بهذا الطريق» (١). بل ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الواقف لو اشترط تقديم الإنفاق على الموقوف عليه على عمارة الوقف بطل شرطه. جاء في قانون العدل والإنصاف: «إذا شرط ـ يعني الواقف ـ الاستواء بين أرباب الشعائر والعمارة، وضاق ريع الوقف، فلا يراعى شرطه، وتقدم العمارة على سائر الجهات الضرورية لانتظام مصالح المسجد، أو المدرسة» (٢). وجاء في التاج والإكليل: «لو شرط الواقف ما يجوز أن يبدأ من غلتها بمنافع أهله، ويترك إصلاح ما يتخرم منه، بطل شرطه» (٣). وقال القرافي: «والبداية بالإصلاح من الريع حفظًا لأصل الوقف، بل لو شرط خلاف ذلك بطل؛ لأنه خلاف سنة الوقف» (٤). وجاء في نهاية المحتاج: «وعمارة الوقف مقدمة على الموقوف عليه» (٥). وقال في الفروع: «يقدم عمارة الوقف على أرباب الوظائف» (٦).

стр. 7649

القول الثاني: يجمع بين العمارة وبين الموقوف عليهم حسب الإمكان، وهذا رأي ابن تيمية ﵀ (١). قال في الفتاوى الكبرى: «ويجب عمارة الوقف بحسب البطون، والجمع بين عمارة الوقف وأرباب الوظائف حسب الإمكان أولى، بل قد يجب» (٢). القول الثالث: عمارة الوقف إذا كان عقارًا لا تجب بلا شرط كالملك الطلق، فإن شرط شيئًا عمل بالشرط على حسب ما شرط؛ لوجوب اتباع شرطه، سواء شرط البداءة بالعمارة أو تأخيرها، فيعمل بما شرط، لكن إن اشترط تقديم الجهة على العمارة عمل به، قال الحارثي: ما لم يؤد إلى تعطيل الوقف، فإن أدى إلى تعطيل الوقف قدمت العمارة حفظًا لأصل الوقف (٣). وإن شرط العمارة، وأطلق، فلم يذكر البداءة بها، ولا تأخرها قدمت العمارة على أرباب الوظائف. قال في التنقيح: ما لم يفض إلى تعطيل مصالحه. وإن كان الوقف نحو مسجد ومدارس قدمت العمارة على أرباب الوظائف

стр. 7650

مطلقًا، سواء شرط البداءة بالعمارة أو بالجهة الموقوفة عليها، أو لم يشرط شيئًا. هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١). ° الراجح: حفظ الوقف وصيانته وعمارته، ما كان منها ضروريًا لبقاء العين فإنه يقدم على غيره، وهذا لمصلحة الواقف والموقوف عليه، وأما العمارة التحسينية فلا تقدم على الموقوف عليهم إلا بإذنهم، والله أعلم. * * *

стр. 7651

المبحث الثاني في الجهة التي تتحمل عمارة الوقف والنفقة عليه [م-١٥٣٣] اختلف العلماء في الجهة التي ينفق منها على الموقوف وعمارته: القول الأول: مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن الوقف إما أن يكون على معين أو على جهة كالفقراء: فإن كان الوقف على معين، وكان غنيًا فالعمارة من ماله؛ لأن الغلة له، والخراج بالضمان. وإن كان الوقف على الفقراء فالعمارة من غلة الوقف. وإن كان الوقف دارًا على السكنى فالعمارة على من له السكنى، فإن امتنع عن ذلك، أو كان فقيرًا آجرها الحاكم وعمرها بأجرتها، وإذا عمرها ردها إلى من له السكنى. هذا ملخص مذهب الحنفية (١). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «فإن كان الوقف على غني عمَّره من ماله، ليكون الغنم بالغرم؛ لأنه معين يمكن مطالبته، وإن كان على فقراء فلا تقدر عليهم، وغلة الوقف أقرب أموالهم، فيجب فيها، وإن وقف داره على سكنى ولده، فالعمارة على من له السكنى؛ لأن الخراج بالضمان» (٢).

стр. 7652

وجاء في الدر المختار: «ولو كان الموقوف دارًا فعمارته على من له السكنى، ولو متعددًا من ماله، لا من الغلة؛ إذ الغرم بالغنم» (١). القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى أن إصلاح الوقف وحفظه على أقسام: الأول: ما له غلة من دور وحوانيت وفنادق فإن إصلاحها من غلتها. الثاني: دور السكنى يخير من حبست عليه بين إصلاحها، أو إكرائها بما تصلح منه، ثم ترجع إلى الموقوف عليه، ولا يصح اشتراط العمارة من مال الموقوف عليه؛ لأنه كراء مجهول. الثالث: البساتين، إن حبست على من لا تسلم إليه فإنها تساقى أو يستاجر عليها من غلتها. وإن كانت على معينين، وهم يستغلونها، كانت النفقة عليهم. الرابع: الحيوان، إن كان موقوفًا على غزو فنفقته من بيت المال إن وجد، وإن لم يوجد بيت المال بيع وعوض به سلاح، وإن كان الحيوان موقوفًا على معين فإن نفقته على الموقوف عليه (٢). هذا ملخص مذهب المالكية. القول الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة: ذهب الشافعية إلى أن عمارة الوقف والنفقة على الحيوان الموقوف إما أن تشترط، أو لا تشترط.

стр. 7653

فإن اشترطت وجبت من حيث شرطت، سواء شرطها الواقف من ماله، أو من مال الوقف. وإن لم تشترط فمن غلة الوقف ومنافع الحيوان، ككسب العبد، وغلة العقار. فإن تعطلت منافع الوقف وغلته، فالنفقة على الحيوان، ومؤن التجهيز من بيت المال صيانة لروح الحيوان وحرمته كما لو أعتق من لا كسب له، وأما عمارة العقار فلا تجب على أحد حينئذ كالملك الطلق، فإنه لا يجب على مالكه عمارته. جاء في أسنى المطالب: «نفقة الموقوف، ومؤن تجهيزه، وعمارته من حيث شرطت: أي شرطها الواقف من ماله، أو من مال الوقف، وإلا فمن منافعه: أي الموقوف ككسب العبد وغلة العقار، فإذا تعطلت منافعه فالنفقةومؤن التجهيز لا العمارة من بيت المال، كمن أعتق من لا كسب له. أما العمارة فلا تجب على أحد حينئذ كالملك المطلق بخلاف الحيوان لصيانة روحه وحرمته» (١). ومذهب الحنابلة قريب من هذا: جاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «يرجع إلى شرطه أيضا في الناظر فيه، والإنفاق عليه وسائر أحواله، فإن عين الإنفاق عليه من غلته أو غيرها عمل به، وإن لم يعينه، وكان ذا روح فمن غلته. فإن لم يكن له غلة فعلى الموقوف عليه المعين. فإن تعذر بيع وصرف في عين أخرى تكون وقفًا لمحل الضرورة. فإن عدم الغلة لكونه ليس من شأنه أن يؤجر، كالعبد يخدمه، والفرس يغزو عليه أو يركبه، أوجر بقدر نفقته، وكذا لو احتاج خان مسبل، أو دار موقوفة لسكنى الحاج أو الغزاة إلى مرمة، أوجر منه بقدر ذلك.

стр. 7654

وإن كان الوقف على غير معين كالمساكين ونحوهم فنفقته في بيت المال، فإن تعذر بيع كما تقدم، وإن مات العبد فمؤنة تجهيزه على ما قلنا في نفقته على ما تقدم، وإن كان ما لا روح فيه كالعقار ونحوه لم تجب عمارته على أحد إلا بشرط كالطلق» (١). وجاء في المبدع في شرح المقنع: «وينفق عليه: أي على الوقف من غلته، إن لم يعين واقف من غيره؛ لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، ولا يحصل ذلك إلا بالإنفاق عليه، فكان من ضرورته. فإن لم يكن له غلة فالنفقة على موقوف عليه معين إن كان الوقف ذا روح، فإن تعذر الإنفاق بيع وصرف الثمن في عين أخرى تكون وقفًا لمحل الضرورة. وإن كان على غير معين كالمساكين فالنفقة من بيت المال، فإن تعذر بيع. ثم إن كان الوقف عقارًا لم تجب عمارته من غير شرطه، فإن كان بشرطه عمل به. وقال الشيخ تقي الدين: تجب عمارته بحسب البطون .... ولو احتاج خان مسبل، أو دار موقوفة لسكنى حاج أو غزاة ونحوهم إلى مرمة أوجر منه بقدر ذلك» (٢). ° الراجح: الذي أميل إليه أن الموقوف إن كان له غلة فالنفقة والعمارة من غلته، وإن كان لا غلة له كانت نفقته على الموقوف عليه، فإن أبى أجر بمقدار ما يصلحه، ثم يعود بعد ذلك إلى الموقوف عليه، والله أعلم. * * *

стр. 7655

المبحث الثالث في اشتراط العمارة على الموقوف عليه [م-١٥٣٤] إذا أوقف رجل دارًا، واشترط عمارة الوقف على من يسكنها، فهل يصح الشرط؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يصح الوقف والشرط، وهذا مذهب الجمهور (١). القول الثاني: يصح الوقف، ويبطل الشرط، وهذا مذهب المالكية. وسوف تأتينا هذه المسألة بإذن الله تعالى في المبحث السادس من شروط الواقف فانظرها هناك، وإنما أشرت إليها هنا إشارة؛ لأن المسألة من أحكام الموقوف، فإذا كانت المسألة لها أكثر من متعلق فصلتها في موضع، وأشرت إليها إشارة في متعلقاتها الأخرى للتنبيه عليه، والله أعلم. * * *

стр. 7656

الفصل السادس في زكاة المال الموقوف المبحث الأول في زكاة الأعيان الموقوفة زكاة الأعيان الموقوفة لمن له ملكها. [م-١٥٣٥] الكلام في زكاة المال الموقوف ينقسم إلى قسمين: مال تجب الزكاة في عينه كالزكاة في النقود، والزكاة في السائمة من بهيمة الأنعام. ومال تجب الزكاة في ريعه دون عينه، كالزكاة في غلة الأرض، وثمار الأشجار. أما خلاف العلماء في المال الذي تجب الزكاة في عينه، فيرجع الاختلاف فيه إلى اختلاف العلماء في ملك العين الموقوفة، هل هي ملك لله تعالى فلا زكاة فيها، أو ملك للواقف، أو ملك للموقوف عليه، فتكون الزكاة على المالك، وإليك خلاف العلماء في هذه المسألة: القول الأول: لا زكاة في الأعيان الموقوفة، وهذا مذهب الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية. جاء في بدائع الصنائع: «وأما الشرائط التي ترجع إلى المال فمنها: الملك

стр. 7657

فلا تجب الزكاة في سوائم الوقف، والخيل المسبلة؛ لعدم الملك وهذا؛ لأن في الزكاة تمليكًا، والتمليك في غير الملك لا يتصور» (١). وقال النووي: «لو وقف أربعين شاة على جماعة معينين، إن قلنا: الملك في الموقوف لا ينتقل إليهم، فلا زكاة. وإن قلنا: يملكونه، فوجهان، الأصح: لا زكاة أيضا؛ لضعف ملكهم» (٢). وقال في المجموع: «قال أصحابنا: إذا كانت الماشية موقوفة على جهة عامة، كالفقراء، أو المساجد، أو الغزاة، أو اليتامى، وشبه ذلك، فلا زكاة فيها بلا خلاف؛ لأنه ليس لها مالك معين. وإن كانت موقوفة على معين، سواء كان واحدًا، أو جماعة، فإن قلنا: بالأصح إن الملك في رقبة الموقوف لله تعالى فلا زكاة بلا خلاف، كالوقف على جهة عامة. وإن قلنا بالضعيف: إن الملك في الرقبة للموقوف عليه، ففي وجوبها عليه الوجهان المذكوران ... (أصحهما) لا تجب» (٣). وقد ناقشت ملكية العين الموقوفة في مبحث سابق، وذكرت أدلة المسألة هناك، ولله الحمد.

стр. 7658

القول الثاني: ذهب المالكية إلى وجوب الزكاة على الواقف إذا بلغت نصابًا، ولو بانضمامها إلى ماله، ويقوم الناظر مقام الواقف إلا أنه لا يتأتى الضم إلى ماله؛ لأنه ليس مالكًا (١). قال الصاوي في حاشيته: «من وقف عينًا للسلف يأخذها المحتاج، ويرد مثلها يجب على الواقف زكاتها؛ لأنها على ملكه فتزكى كل عام ولو بانضمامها لماله، وإلا أن تسلف فتزكى لعام واحد بعد قبضها من المدين كزكاة الدين، ولو مكثت عنده أعوامًا ..... وكذلك وقف الأنعام لتفرقة لبنها، أو صوفها أو الحمل عليها أو لتفرقة نسلها، فإن الجميع تزكى على ملك الواقف إن كان فيها نصاب، ولو بالانضمام لماله، ولا فرق بين كون الموقوف عليهم معينين أو غيرهم، ويقوم مقام الواقف ناظر الوقف في جميع ما تقدم إلا أنه يزكيها على حدتها إن بلغت نصابًا، ولا يتأتى الضم لماله لأنه ليس مالكًا» (٢). القول الثالث: ذهب الحنابلة إلى أن الموقوف عليه إن كان غير معين، كالفقراء فلا تجب الزكاة في العين الموقوفة. وإن كان الموقوف عليه معينًا كزيد، وجب عليه إخراج الزكاة زكاة الموقوف؛ لأن الملك ينتقل فيه عندهم إلى الموقوف عليه، إلا أنه لا يخرج من عينها؛ لأن الوقف لا يجوز نقل الملك فيه.

стр. 7659

واختار بعض الحنابلة عدم وجوب الزكاة لضعف الملك (١). جاء في الإنصاف: «أما السائمة الموقوفة: فإن كانت على معينين كالأقارب ونحوهم ففي وجوب الزكاة فيها وجهان ..... أحدهما: تجب الزكاة فيها، وهو المذهب ... والوجه الثاني: لا زكاة فيها قدمه في الشرح، قال بعض الأصحاب: الوجهان مبنيان على ملك الموقوف عليه وعدمه .... فعلى المذهب: لا يجوز أن يخرج من عينها، لمنع نقل الملك في الوقف، فيخرج من غيرها ... وإن كانت السائمة أو غيرها وقفًا على غير معين، أو على المساجد والمدارس، والربط ونحوها، لم تجب الزكاة فيها، وهذا المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة، ونص عليه، فقال في أرض موقوفة على المساكين: لا عشر فيها؛ لأنها كلها تصير إليهم» (٢). ° الراجح: الذي أميل إليه أن الزكاة تجب في مال يملك، والعين الموقوفة لا يملكها أحد، ولهذا قال الرسول ﷺ : حبس أصلها، وسبل ثمرتها، فالأصل محبوس عن الملك، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولو دخله الملك لقبل البيع والإرث، فلا زكاة في عينه مطلقًا، سواء كان الوقف على معين أو على جهة عامة، وقول الحنابلة تجب فيه الزكاة إذا كان على معين، ولا يخرجه من عين

стр. 7660

المال نوع من التناقض يؤيد ما ذهبت إليه؛ لأن الزكاة إذا لم تجب في عينه لم تجب فيه زكاة؛ لأن أصل وجوب الزكاة وجوبها في عين المال بصرف النظر عن المالك، ولهذا تجب في مال الصبي والمجنون، ولو كانا غير مكلفين. وأما ريع الوقف المصروف للفقراء فهذه مسألة أخرى سوف نبحثها إن شاء الله تعالى في الفصل التالي. * * *

стр. 7661

المبحث الثاني في وجوب الزكاة من ريع الوقف الفرع الأول إذا كان الموقوف عليه معينًا [م-١٥٣٦] بحثنا في المسألة السابقة حكم أخذ الزكاة من الأموال التي تجب الزكاة في عينها، كالزكاة في النقود، والزكاة في السائمة من بهيمة الأنعام. والبحث في هذا المبحث في حكم أخذ الزكاة من الأموال التي لا تجب الزكاة في عينها، وإنما تجب في ريعها، كالزكاة في غلة الأرض، وثمار الأشجار، فهل تجب الزكاة في ريع الأعيان الموقوفة؟ وللجواب على ذلك، نقول: أن هذا الريع إما أن يكون وقفًا على معين، أو يكون وقفًا على جهة كالفقراء والمساكين. فإن كان الوقف على معين، وحصل لهم من الريع ما يبلغ نصابًا، ففي وجوب الزكاة قولان: القول الأول: فيه الزكاة على خلاف بينهم، هل تزكى من مال الواقف، أو الموقوف عليه. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 7662

قال ابن قدامة: «وإذا حصل في يد بعض أهل الوقف خمسة أوسق، ففيه الزكاة. وإذا صار الوقف للمساكين، فلا زكاة فيه» (١). واستدل هذا القول بأدلة منها: الدليل الأول: عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وقوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بغرب، أو دالية ففيه نصف العشر. الدليل الثالث: ولأن العشر يجب في الخارج، لا في الأرض، فكان ملك الأرض وعدمه بمنزلة واحدة» (٢).

стр. 7663

الدليل الرابع: ولأن الموقوف عليهم يملكون الثمار والغلة ملكًا تامًا، ويتصرفون فيه بجميع أنواع التصرف من البيع والهبة، والإرث ونحو ذلك. قال العمراني في البيان: «إذا وقف عليه نخلًا أو كرمًا .. وجبت زكاة الثمرة على الموقوف عليه، قولًا واحدًا؛ لأنه يملك الثمرة ملكًا تامًا» (١). القول الثاني: لا زكاة فيه، وهذا القول هو قول طاووس ومكحول. وجه القول بذلك: أن الأرض ليست مملوكة لهم، فلم تجب عليهم زكاة ما خرج منها كالفقراء. قال ابن قدامة: «وجملة ذلك أن الوقف إذا كان شجرًا فأثمر، أو أرضًا فزرعت، وكان الوقف على قوم بأعيانهم، فحصل لبعضهم من الثمرة أو الحب نصاب ففيه الزكاة. وبهذا قال مالك، والشافعي. وروي عن طاوس ومكحول: لا زكاة فيه؛ لأن الأرض ليست مملوكة لهم، فلم تجب عليهم زكاة في الخارج منها كالمساكين» (٢). الراجح: وجوب الزكاة في المال الزكوي إذا كان موقوفًا على معين لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة فيه من غير فرق بين موقوف وغيره، والله أعلم. * * *

стр. 7664

الفرع الثاني في زكاة الموقوف إذا كان على جهة لا تجب الزكاة على مال لا مالك له. [م-] إذا كان الوقف على جهة عامة كالمساجد والفقراء، فاختلف العلماء في وجوب الزكاة على قولين: القول الأول: تجب الزكاة إذا بلغت نصابًا، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (١). ° وجه القول بذلك: قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فهو عام يشمل المملوك والموقوف. ولأن العشر يجب في الخارج لا في الأرض، فكان ملك الأرض وعدمه بمنزلة واحدة. القول الثاني: لا تجب الزكاة؛ وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٢).

стр. 7665

جاء في فتاوى ابن الصلاح: «مسألة الحائط الموقوف إذا أثمرت نخيله، هل يجب فيه العشر؟ قال: إن كان موقوفًا على جماعة متعينين يجب إن بلغ نصابًا، وإن كان موقوفًا على مسجد، أو رباط، أو على جماعة غير معينين لا يجب؛ لأن دفع الزكاة عن مجهول لا يصح» (١). ° وجه القول بذلك: أن الوقف على الجهة لا يتعين لواحد منهم، بدليل أن كل واحد منهم يجوز حرمانه والدفع إلى غيره، والله أعلم. ° الراجح: أن الزكاة لا تجب على مال لا مالك له، فالزكاة واجبة في عين المال بشرط أن يكون مملوكًا، والله أعلم. * * *

стр. 7666

الفصل السابع في الحكر المبحث الأول في تعريف الحكر تعريف الحِكْر في الاصطلاح (١): عرفه خير الدين الرملي الحنفي بقوله: «عقد إجارة يقصد به استبقاء الأرض مقررة للبناء والغرس، أو لأحدهما» (٢). زاد بعضهم: ما دام يدفع أجر المثل (٣).

стр. 7667

شرح التعريف: قوله: (عقد إجارة) المراد: عقد إجارة بمفهوم خاص، لأن عقد الإجارة يشترط فيه تحديد مدة الإجارة بمدة معلومة، أما هذه الإجارة فهي مطلقة المدة من غير تحديد مدة معينة، ولا يملك المؤجر استخراج المستأجر ما دام يدفع المستأجر أجرة المثل لصالح الموقوف عليهم. ولهذا قال: (يقصد به استبقاء الأرض) أي أن تبقى الأرض مؤجرة للبناء والغرس أو لأحدهما. وقوله: (ما دام يدفع أجرة المثل) عبر بكلمة (ما دام) إشارة إلى وجوب التعاقد بأجرة المثل عند ابتداء العقد، وأن يستصحب هذا الشرط مستقبلًا عند زيادة أجرة الأرض أو نقصه حفاظًا على حقوق الوقف إذا كانت الأرض وقفًا. وقد أفتى الخصاف الحنفي المتوفى سنة (٢٦١ هـ) بجواز وقف الحانوت الذي يبنيه المستأجر على الأرض السلطانية، وهي عكس مسألتنا، بأن يوجد حوانيت موقوفة على أرض غير موقوفة، بخلاف الحكر: فهو أرض موقوفة عليها بناء أو غراس غير موقوف، ولا فرق بين أن يكون الوقف للبناء والغرس دون الأرض، أو الوقف للأرض دون البناء والغرس. وإذا جاز مثل ذلك في العصر المتقدم على الأراضي السلطانية، وهي من الملك العام، فالوقف قياس عليه. جاء في أوقاف الخصاف المتوفى سنة (٢٦١ هـ)، وفيه: «فما تقول في حوانيت السوق، لو أن رجلًا وقف حوانيت من حوانيت السوق؟

стр. 7668

قال: إن كانت الأرض بإجارة في أيدي القوم الذين بنوها، لا يخرجهم السلطان عنها، فالوقف جائز فيها من قبل أنا رأيناها في أيدي أصحاب البناء يتوارثونها، وتقسم بينهم، ولا يتعرض لهم السلطان فيها، ولا يزعجهم عنها، وإنما له عليهم غلة يأخذها منهم، قد تداولتها أيدي الخلف عن السلف، ومضى عليها الدهور، وهي في أيديهم يتبايعونها، ويؤجرونها، وتجوز فيها وصاياهم، ويهدمون بناءها، ويغيرونه، ويبنون غيره، فكذلك الوقف فيها جائز» (١). هذا الكلام وإن كان في الأراضي السلطانية، فهي تجري كذلك في الأراضي الوقفية قياسًا عليها. وقد قال ابن عابدين: «الأرض المقررة للاحتكار أعم من أن تكون ملكاً أو وقفاً» (٢). فإذا انتقل العقار من يد إلى يد انتقل الحكر معه يدفع لحظ مستحقي الوقف. * * *

стр. 7669

المبحث الثاني في التوصيف الفقهي لعقد الحكر [م-١٥٣٧] اختلف العلماء في توصيف العقد الفقهي على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه عقد إجارة، وهذا هو الذي عليه الحنفية، منهم الرملي وابن عابدين، وغيرهم. وقريب من هذا مذهب المالكية، فقد ذهب المالكية إلى أن المستحكر يملك المنفعة، والمحكر يملك الأرض. «قال الأجهوري: وملك الخلو من قبيل ملك المنفعة، لا من قبيل ملك الانتفاع، وحينئذ فلمالك الخلو بيعه، وإجارته، وهبته، وإعارته، ويورث عنه، ويتحاصص فيه غرماؤه، حكاه (بن) عن جملة من أهل المذهب، وهو اسم لما يملكه دافع الدراهم من المنفعة التي وقعت في مقابلة الدراهم، ولذا يقال أجرة الوقف كذا وأجرة الخلو كذا» (١). وجاء في الشرح الكبير في تعريف الخلو: «بأن تكون أرض براحًا موقوفة على جهة، أو دار متخربة موقوفة على جهة، وليس في الوقف ريع يعمر به، فيدفع إنسان دراهم لجهة الوقف ويأخذ تلك الأرض، أو الدار على جهة الاستئجار، ويجعل عليها أجرة يدفعها كل سنة تسمى حكرًا ويبينها، فالمنفعة الحاصلة ببنائه تسمى خلوًا، فإذا كانت تلك الدار تؤاجر كل سنة بعشرة بعد

стр. 7670

البناء، وكانت الأجرة المجعولة كل سنة دينارًا واحدًا، كانت التسعة أجرة الخلو، والدينار أجرة الوقف» (١). ° وجه القول بذلك: أن العين في عقد الحكر ملك للمحكر، والمستحكر يملك حق المنفعة بأجرة المثل. ونوقش هذا: أن عقد الحكر يخالف عقد الإجارة من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن عقد الإجارة لا يجوز إلا على مدة معلومة الابتداء والانتهاء، والحكر لا يشترط فيه تحديد المدة. الوجه الثاني: أن عقد الحكر قابل لزيادة الأجرة كلما زادت أجرة الأرض بينما عقد الإجارة تبقى فيه الأجرة بحسب ما اتفق عليه عند إبرام العقد. الوجه الثالث: أن المستحكر يتصرف فيه تصرف الملاك، فيبني، ويهدم، ويبيع، ويهب، ويورث، وبعض هذه التصرفات ليست للمستأجر. القول الثاني: أن عقد الحكر عقد بيع مقسط الثمن، وهذا رأي فضيلة الشيخ عبد الله البسام.
следующие страницы →