← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

الفصل السابع في الحكر المبحث الأول في تعريف الحكر تعريف الحِكْر في الاصطلاح (١): عرفه خير الدين الرملي الحنفي بقوله: «عقد إجارة يقصد به استبقاء الأرض مقررة للبناء والغرس، أو لأحدهما» (٢). زاد بعضهم: ما دام يدفع أجر المثل (٣).

стр. 7667

شرح التعريف: قوله: (عقد إجارة) المراد: عقد إجارة بمفهوم خاص، لأن عقد الإجارة يشترط فيه تحديد مدة الإجارة بمدة معلومة، أما هذه الإجارة فهي مطلقة المدة من غير تحديد مدة معينة، ولا يملك المؤجر استخراج المستأجر ما دام يدفع المستأجر أجرة المثل لصالح الموقوف عليهم. ولهذا قال: (يقصد به استبقاء الأرض) أي أن تبقى الأرض مؤجرة للبناء والغرس أو لأحدهما. وقوله: (ما دام يدفع أجرة المثل) عبر بكلمة (ما دام) إشارة إلى وجوب التعاقد بأجرة المثل عند ابتداء العقد، وأن يستصحب هذا الشرط مستقبلًا عند زيادة أجرة الأرض أو نقصه حفاظًا على حقوق الوقف إذا كانت الأرض وقفًا. وقد أفتى الخصاف الحنفي المتوفى سنة (٢٦١ هـ) بجواز وقف الحانوت الذي يبنيه المستأجر على الأرض السلطانية، وهي عكس مسألتنا، بأن يوجد حوانيت موقوفة على أرض غير موقوفة، بخلاف الحكر: فهو أرض موقوفة عليها بناء أو غراس غير موقوف، ولا فرق بين أن يكون الوقف للبناء والغرس دون الأرض، أو الوقف للأرض دون البناء والغرس. وإذا جاز مثل ذلك في العصر المتقدم على الأراضي السلطانية، وهي من الملك العام، فالوقف قياس عليه. جاء في أوقاف الخصاف المتوفى سنة (٢٦١ هـ)، وفيه: «فما تقول في حوانيت السوق، لو أن رجلًا وقف حوانيت من حوانيت السوق؟

стр. 7668

قال: إن كانت الأرض بإجارة في أيدي القوم الذين بنوها، لا يخرجهم السلطان عنها، فالوقف جائز فيها من قبل أنا رأيناها في أيدي أصحاب البناء يتوارثونها، وتقسم بينهم، ولا يتعرض لهم السلطان فيها، ولا يزعجهم عنها، وإنما له عليهم غلة يأخذها منهم، قد تداولتها أيدي الخلف عن السلف، ومضى عليها الدهور، وهي في أيديهم يتبايعونها، ويؤجرونها، وتجوز فيها وصاياهم، ويهدمون بناءها، ويغيرونه، ويبنون غيره، فكذلك الوقف فيها جائز» (١). هذا الكلام وإن كان في الأراضي السلطانية، فهي تجري كذلك في الأراضي الوقفية قياسًا عليها. وقد قال ابن عابدين: «الأرض المقررة للاحتكار أعم من أن تكون ملكاً أو وقفاً» (٢). فإذا انتقل العقار من يد إلى يد انتقل الحكر معه يدفع لحظ مستحقي الوقف. * * *

стр. 7669

المبحث الثاني في التوصيف الفقهي لعقد الحكر [م-١٥٣٧] اختلف العلماء في توصيف العقد الفقهي على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه عقد إجارة، وهذا هو الذي عليه الحنفية، منهم الرملي وابن عابدين، وغيرهم. وقريب من هذا مذهب المالكية، فقد ذهب المالكية إلى أن المستحكر يملك المنفعة، والمحكر يملك الأرض. «قال الأجهوري: وملك الخلو من قبيل ملك المنفعة، لا من قبيل ملك الانتفاع، وحينئذ فلمالك الخلو بيعه، وإجارته، وهبته، وإعارته، ويورث عنه، ويتحاصص فيه غرماؤه، حكاه (بن) عن جملة من أهل المذهب، وهو اسم لما يملكه دافع الدراهم من المنفعة التي وقعت في مقابلة الدراهم، ولذا يقال أجرة الوقف كذا وأجرة الخلو كذا» (١). وجاء في الشرح الكبير في تعريف الخلو: «بأن تكون أرض براحًا موقوفة على جهة، أو دار متخربة موقوفة على جهة، وليس في الوقف ريع يعمر به، فيدفع إنسان دراهم لجهة الوقف ويأخذ تلك الأرض، أو الدار على جهة الاستئجار، ويجعل عليها أجرة يدفعها كل سنة تسمى حكرًا ويبينها، فالمنفعة الحاصلة ببنائه تسمى خلوًا، فإذا كانت تلك الدار تؤاجر كل سنة بعشرة بعد

стр. 7670

البناء، وكانت الأجرة المجعولة كل سنة دينارًا واحدًا، كانت التسعة أجرة الخلو، والدينار أجرة الوقف» (١). ° وجه القول بذلك: أن العين في عقد الحكر ملك للمحكر، والمستحكر يملك حق المنفعة بأجرة المثل. ونوقش هذا: أن عقد الحكر يخالف عقد الإجارة من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن عقد الإجارة لا يجوز إلا على مدة معلومة الابتداء والانتهاء، والحكر لا يشترط فيه تحديد المدة. الوجه الثاني: أن عقد الحكر قابل لزيادة الأجرة كلما زادت أجرة الأرض بينما عقد الإجارة تبقى فيه الأجرة بحسب ما اتفق عليه عند إبرام العقد. الوجه الثالث: أن المستحكر يتصرف فيه تصرف الملاك، فيبني، ويهدم، ويبيع، ويهب، ويورث، وبعض هذه التصرفات ليست للمستأجر. القول الثاني: أن عقد الحكر عقد بيع مقسط الثمن، وهذا رأي فضيلة الشيخ عبد الله البسام.

стр. 7671

° وجه القول بذلك: الوجه الأول: أن المستحكر يتصرف فيه تصرف الملاك من بناء، وهدم، وبيع، وهبة، وإرث. الوجه الثاني: أن الحكر لو كان عقد إجارة لكان له مدة محددة. ونوقش هذا: بأن عقد البيع ينقطع فيه ملك البائع عن المبيع بخلاف عقد الحكر. القول الثالث: تشبيه عقد الحكر بملك المنفعة في عقد الخراج، وهذا ما ذهب إليه الشيخ الدكتور صالح الحويس (١). فإن أرض الخراج هي أرض موقوفة، ومع ذلك فضراب الخراج عليها مستمر في رقبتها لمن هي في يده. وقد ذكر ابن تيمية خلاف العلماء في توصيف عقد الخراج: هل هو عقد إجارة، أو هو عقد بيع، أو هو عقد قائم بنفسه. فقال ابن تيمية: «قد قيل: إنه بيع بالثمن المقسط الدائم كما يقوله بعض الكوفيين.

стр. 7672

وقد قيل: إنه إجارة بالأجرة المقسطة المؤبدة المدة كما يقوله أصحابنا، والمالكية، والشافعية. وكلا القائلين خرج في قوله عن قياس البيوع، والإجارات. والتحقيق: أنها معاملة قائمة بنفسها ذات شبه من البيع، ومن الإجارة، تشبه في خروجها عنهما المصالحة على منافع مكانه للاستطراق، أو إلقاء الزبالة، أو وضع الجذع ونحو ذلك بعوض ناجز، فإنه لم يملك العين مطلقًا، ولم يستأجرها، وإنما ملك هذه المنفعة مؤبدة» (١). ° الراجح: الذي أميل إليه أن هذا العقد يشبه عقد الخراج، والله أعلم. * * *

стр. 7673

المبحث الثالث في حكم تحكير الأراضي الوقفية الفرع الأول في التحكير للمصلحة [م-١٥٣٨] إذا استأجر أرضًا وقفًا ليبني فيها، أو يغرس، ثم انتهت مدة الإجارة، وأراد المستأجر أن يبقي فيها البناء والغراس، فهل له ذلك؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: للمستأجر أن يستبقيها بأجرة المثل إذا لم يكن في ذلك ضرر، ولا يحق للموقف عليه أن يطالبه بقلعه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١). واشترط الحنفية أربعة شروط لاستبقاء البناء والغرس: الأول: أن يكون ذلك بأجرة المثل. الثاني: أن يكون استبقاء البناء والغراس لا يضر بالوقف. الثالث: أن يكون البناء والغراس قائمًا بعد انتهاء مدة الإجارة المعينة. الرابع: أن يكون ما أحدثه من بناء وغراس مدة الإجارة بإذن الناظر.

стр. 7674

جاء في البحر الرائق: نقلًا عن القنية والخصاف: «استأجر أرضًا وقفًا ليبني فيها أو يغرس، ثم مضت مدة الإجارة، للمستأجر أن يستبقيها بأجرة المثل، إذا لم يكن في ذلك ضرر، ولو أبى الموقوف عليه إلا القلع، فليس له ذلك» (١). وجاء في حاشية ابن عابدين: «ليس للمؤجر أن يخرجه، ولا أن يأمر برفعه، إذ ليس في استبقائه ضرر على الوقف مع الرفق به بدفع الضرر عنه، كما أوضحناه في الوقف، وعن هذا قال: في جامع الفصولين وغيره: بنى المستأجر أو غرس في أرض الوقف صار له فيها حق القرار، وهي المسمى بالكردار له الاستبقاء بأجر المثل. اهـ. وفي الخيرية: وقد صرح علماؤنا بأن لصاحب الكردار حق القرار، وهو أن يحدث المزارع والمستأجر في الأرض بناء أو غرسا أو كبسا بالتراب بإذن الواقف أو الناظر فتبقى في يده اهـ» (٢). وجاء في قانون العدل والإنصاف: «لا يكلف المحتكر برفع بنائه، ولا بقلع غراسه ما دام يدفع أجرة المثل المقررة على ساحة الأرض المحتكرة» (٣). وقال عليش المالكي: «ما بنى أو غرس في أرض الوقف على الوجه المذكور يكون من باب الخلو، يقطع فيه الإرث، ووفاء الديون؛ لأنه يملك لفاعله، ويجوز بيعه، لكن من استولى عليه يكون عليه لجهة الوقف أجرة للذي يؤول إليه وقف الأرض يسمى عندنا بمصر حكرًا لئلا يذهب الوقف باطلًا، فتحصل أن

стр. 7675

الخلو من بناء وغرس يملك، ويورث، وتوفى منه الديون، وأنه لا بد للوقف من حكر، أي أجرة تصرف للمستحقين بعد، هذا هو الذي أفتى به علماؤنا، ووقع العمل به عندنا» (١). القول الثاني: الحكم في الغرس والبناء في أرض الوقف إذا انتهت مدة الإجارة حكم البناء والغراس في أرض مستأجرة انقضت مدته. فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المستأجر إذا أراد قلع البناء والغراس فله ذلك؛ لأنه ملكه، وقد رضي بنقصانه. ون أراد استبقاءه، كان الناظر مخيرًا بين تملك البناء والغرس بقيمته مستحق القلع حين التملك، أو تركه بأجرة المثل، أو قلعه وضمان أرش النقص ولا يختار القلع إلا أن يكون أصلح للوقف من التبقية بالأجرة. والأرش: وهو قدر التفاوت ما بين قيمته قائمًا، ومقلوعًا (٢). ° الراجح: لعل ما ذهب إليه الحنفية والمالكية أقوى مما ذهب إليه الشافعية والحنابلة حيث كانت الأجرة مقدرة بالمثل، فالموقوف عليه لن يتضرر، والمستأجر كذلك، والله أعلم. * * *

стр. 7676

الفرع الثاني في التحكير للضرورة [م-١٥٣٩] في المسألة السابقة تكلمنا عن تحكير الأرض الوقفية للمصلحة، وقد ذهب إلى جواز ذلك الحنفية والمالكية بالشروط السابقة. فمن أجاز التحكير للمصلحة كالحنفية والمالكية فهم يقول بالجواز للضرورة من باب أولى. جاء في قانون العدل والإنصاف: «إذا خربت دار الوقف، وتعطل الانتفاع بها بالكلية، ولم يكن للوقف ريع تعمر به، ولم يوجد أحد يرغب في استئجارها مدة مستقبلة بأجرة معجلة تصرف في تعميرها، ولم يمكن استبدالها، جاز تحكيرها بأجر المثل. وكذلك الأرض الموقوفة إذا ضعفت عن الغلة، وتعطل انتفاع الموقوف عليهم بالكلية، ولم يوجد من يرغب في استئجارها لإصلاحها، أو من يأخذه مزارعة جاز تحكيرها» (١). فهذا النص دل على جواز التحكير إذا تخربت دار الوقف أو الأرض الوقفية، وتعطل الانتفاع بها بالكلية فإنها تدفع إلى شخص ليبني فيها، أو يغرس، ويقدر أجرة لذلك يدفع كل سنة، أو كل شهر لجهة الوقف، إلا أن ذلك مشروط بشروط منها: الشرط الأول: أن تكون العين الموقوفة خربة.

стр. 7677

الشرط الثاني: ألا يكون هناك غلة للوقف تفي بعمارته. الشرط الثالث: ألا يوجد من يستأجر الأرض بأجرة معجلة تصرف على تعميره. الشرط الرابع: ألا يمكن استبدالها، فإن أمكن فإن الاستبدال أولى من التحكير، لكونه أصلح لجهة الوقف (١). الشرط الخامس: أن يكون التحكير بأجرة المثل وقت العقد. الشرط السادس: أن يكون التحكير بإذن القاضي (٢). وجاء في الشرح الصغير: «الخلو الذي وقعت الفتوى بجواز بيعه، وهبته، وإرثه، إنما هو في وقف خرب، لم يجد الناظر أو المستحق ما يعمره به من ريع الوقف، ولا أمكنه إجارته بما يعمره به، فيأذن لمن يعمره ببناء أو غرس، على أن ما عمره به يكون ملكًا للمعمر، وتفض الغلة بالنظر عليه وعلى الوقف؛ فما ناب الوقف يكون للمستحق وما ناب العمارة يكون لربها، فهذا ليس فيه إبطال الوقف ولا إخراجه عن غرض الواقف» (٣). * * *

стр. 7678

الباب الرابع في شروط الموقوف عليه الشرط الأول في اشتراط أن يكون الموقوف عليه جهة بر الوقف لا يصح إلا على معين أو على بر. الأصل في الوقف أنه صدقة من الصدقات. [م-١٥٤٠] الأصل في الوقف أنه صدقة، وليس هبة محضة، والأصل في الصدقات أن تكون على بر وإحسان، ومع ذلك فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، وسبب الخلاف التردد في توصيف الوقف، هل هو قربة، أو هو مجرد تمليك؟ فمن جعل الوقف قربة منع الوقف على الأغنياء، أو على اليهود والنصارى، أو على الفسقة. ومن جعله تمليكًا كالبيع، والهبة، والميراث لم يشترط القربة. وقبل تحرير الخلاف آتي على مسائل منه، هي محل وفاق وعلى أخرى هي محل خلاف ليتبين محل النزاع. المسألة الأولى: الوقف على المعصية، كالوقف على الكنائس والبيع، أو على من تنصر أو تهود، أو على الحربيين، وقطاع الطرق، أو على الزنادقة والملحدين بحيث

стр. 7679

يكون سبب الاستحقاق في هذا الوقف كونه حربيًا، أو كونه من قطاع الطرق، أو كونه زنديقًا، أو كونه ملحدًا، فلا يستحق الوقف إلا من اتصف بهذه المعاصي، فهذا لا يمكن أن يجوزه عاقل، فضلًا عن شريعة رب العالمين؛ ولأنه من الإعانة على هذه الآثام، وإغراء للدخول بها، وتنزه عنه شريعة أحكم الحاكمين. المسألة الثانية: أن الوقف إذا كان على جهة قربة، كالفقراء، والمساكين، وطلبة العلم، والمدارس، والمساجد أن ذلك صحيح بالاتفاق، وهو الأصل في الوقف. المسألة الثالثة: إذا كان الوقف على شخص معين، فهذا لا يشترط فيه ظهور القربة، فيجوز الوقف على زيد، ولو كان فاسقًا، أو ذميًا، أو غنيًا. قال إمام الحرمين: «إذا كان الوقف على معينين فهذا ليس مبنيًا على القربة» (١). واختلفوا في مسألتين: أحدهما: إذا كان الوقف على جهة فهل يشترط فيه القربة، أو يكفي انتفاء المعصية، كالوقف على الأغنياء. الثانية: اختلفوا في الوقف على جهة اليهود والنصارى والفساق، بعد الاتفاق على تحريم الوقف على كنائسهم وبيعهم:

стр. 7680

فهناك من أبطل الوقف عليهم؛ لكونه إعانة على المعصية، وهناك من أجازها لجواز الصدقة عليهم، كما سيأتي تحريره .. إذا علم ذلك نأتي على أقوال المذاهب في اشتراط القربة في عقد الوقف. القول الأول: أن الوقف على الجهة يشترط فيه ظهور القربة، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (١). بخلاف الوقف على معين، فيصح الوقف ولو لم يكن قربة، إلا أن الحنفية اشترطوا إذا كان الوقف على أغنياء معينين فإنه يجب أن يجعل آخره يؤول إلى الفقراء، حتى لا ينقطع الوقف، كما سبق بحثه. جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ولا يجوز الوقف على الأغنياء وحدهم لأنه ليس بقربة، ولا يستجلب الثواب، وصار كالصدقة، ولو وقف على الأغنياء وهم يحصون ثم من بعدهم على الفقراء جاز، ويكون كما شرط؛ لأنه قربة في الجملة بأن انقرض الأغنياء» (٢). فهذا النص من الحنفية قضى بأمرين: الأول: منع الوقف على الأغنياء وحدهم، وهذا ظاهر؛ لأنه لا قربة فيه. الثاني: جواز الوقف على الأغنياء بشرطين:

стр. 7681

أحدهما: أن يكونوا محصورين بحيث يمكن احصاؤهم، وهذا هو التعيين، فالوقف على المعين لا يشترط فيه القربة، ولأن الأغنياء إذا لم يكونوا معينين تعذر انتقال الموقوف عليه إلى الفقراء، فإذا قال: وقفت على الأغنياء بلا تعيين، ثم على الفقراء لم ينتقل الوقف إلى الفقراء؛ لأن الأغنياء لا سبيل إلى انقراضهم، فصار حكمه كما لو وقف على الأغنياء وحدهم. الثاني: أن يكون آخره يراد به القربة حتى يتحقق التأبيد، ولا يكون الوقف على جهة تنقطع. جاء في حاشية ابن عابدين: «لو وقف على الأغنياء وحدهم لم يجز؛ لأنه ليس بقربة، أما لو جعل آخره للفقراء فإنه يكون قربة في الجملة ..... ولكنه إذا جعل أوله على معينين صار كأنه استثني ذلك من الدفع إلى الفقراء كما صرحوا به» (١). وقال ابن الهمام في فتح القدير: «ومتى ذكر مصرفًا يستوي فيه الأغنياء والفقراء، فإن كانوا يحصون فذلك صحيح لهم باعتبار أعيانهم، وإن كانوا لا يحصون، فهو باطل إلا إن كان في لفظه ما يدل على الحاجة استعمالًا بين الناس، لا باعتبار حقيقة اللفظ، كاليتامى فالوقف عليهم صحيح ويصرف للفقراء منهم دون أغنيائهم» (٢). فقوله: (فذلك صحيح لهم باعتبار أعيانهم) إشارة إلى أن المعين لا يشترط فيه القربة.

стр. 7682

قال ابن مفلح في المبدع: «أن يكون على بر ومعروف إذا كان الوقف على جهة عامة» (١). وقال ابن قدامة: «الوقف لا يصح إلا على من يعرف كولده، وأقاربه، ورجل معين أو على بر كبناء المساجد، والقناطر، وكتب الفقه والعلم والقرآن، والمقابر، والسقايات، وسبيل الله» (٢). فجعل ابن قدامة الوقف قسمين: على معين من ولد وقريب، وهذا لم يشترط فيه البر. أو على كجهة المساجد ونحوها، وهذا اشترط فيه البر. فصحح الوقف على غني معين أو قريب، فلا يكون الغنى مانعًا من صحة الوقف، ومنع الوقف على الأغنياء كجهة، بحيث يكون سبب الاستحقاق هو الغنى. وقال الغزالي: «وإن كان على الأغنياء، فليس فيه ثواب ولا عقاب، ففيه وجهان: منهم من شرط القربة، ومنهم من اكتفى بانتفاء المعصية» (٣). القول الثاني: اتفق المالكية والشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة على أن الوقف لا يشترط فيه أن يكون قربة، وإنما يشترط فيه انتفاء المعصية، وإن اختلفوا في بعض المسائل هل الوقف عليها معصية، أو لا؟ (٤).

стр. 7683

قال ابن شاس في عقد الجواهر: «وإذا كان الوقف على جهة عامة، فإن كانت فيه قربة، كالوقف على الفقراء، والعلماء، والمساكين، فهو صحيح، وإن كان معصية كالوقف على عمارة البِيَع ونفقة قطاع الطريق فباطل، وإن لم يشتمل على معصية ولا ظهرت فيه قربة، فهو صحيح أيضًا» (١). وقال في الإنصاف نقلًا من التلخيص: «وقيل: المشترط ألا يكون على جهة معصية، سواء كان قربة وثوابًا، أو لم يكن. انتهى، فعلى هذا يصح الوقف على الأغنياء» (٢). اختلفوا في الوقف على الفساق، وعلى اليهود والنصارى: القول الأول: لا يصح؛ لأن فيه إعانة على الإثم. وهذا مذهب ا لمالكية، واستحسنه بعض متأخري الشافعية. قال الباجي: «لو حبس مسلم على كنيسة فالأظهر عندي رده؛ لأنه معصية كما لو صرفها إلى أهل الفسق» (٣). فلم يفرق الباجي بين الوقف على الكنيسة، والوقف على أهل الفسق، وإذا كان الوقف على أهل الفسق محرمًا كان الوقف على اليهود والنصارى من باب أولى.

стр. 7684

وذكر الونشريسي في المعيار المعرب أنه لا يجوز الحبس على الفقراء المضلين من أهل البدع، وأهل الطرق؛ لأن في التحبيس عليهم عونًا لهم على ما يرتكبونه مما هو خارج عن الطريق الشرعي (١). وقال الدسوقي في حاشيته: «الوقف على شربة الدخان باطل، وإن قلنا بجواز شربه» (٢). وقال النووي في الروضة: «لكن الأحسن توسط لبعض المتأخرين، وهو صحته على الأغنياء، وبطلانه على أهل الذمة وسائر الفسقة، لتضمنه الإعانة على المعصية» (٣). وذكر الخطيب في مغني المحتاج ثلاثة أقوال في اشتراط القربة، قال: «الثالث: يصح على الأغنياء، ويبطل على أهل الذمة والفسقة ... واستحسنه في أصل الروضة» (٤). وفي فتاوى البلقيني لا يصح الوقف على الفقراء بشرط العزوبة لمخالفته طلب التزويج المنصوص عليه في الكتاب والسنة وإجماع الأمة (٥). القول الثاني: يصح الوقف على جهة اليهود والنصارى، ويحرم على الكنائس والبيع،

стр. 7685

وكتابة التوراة والإنجيل، وهذا مذهب جماهير أهل العلم، وعليه أكثر الحنابلة، وصحح المالكية الوقف على فقرائهم، وبه قال الحلواني من الحنابلة. بل صحح الشافعية في الأصح، وعليه أكثرهم: الوقف على الفساق. وصحح الحنفية الوقف على الولد، على أن من أسلم لا يستحق شيئًا. جاء في فتح القدير: «ولو وقف على ولده ونسله، ثم للفقراء على أن من أسلم من ولده فهو خارج من الصدقة لزم شرطه .... نص على ذلك الخصاف، ولا نعلم أحدًا من أهل المذهب تعقبه غير متأخر يسمى الطرسوسي، شنع بأنه جعل الكفر سبب الاستحقاق، والإسلام سببًا للحرمان، وهذا للبعد من الفقه، فإن شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع، والواقف مالك، له أن يجعل ماله حيث شاء ما لم يكن معصية .... وإن كان الوضع في كلهم قربة، ولا شك أن التصدق على أهل الذمة قربة، حتى جاز أن تدفع إليهم صدقة الفطر والكفارات عندنا ... والإسلام ليس سببًا في الحرمان، بل الحرمان لعدم تحقق سبب تملكه هذا المال، والسبب: هو إعطاء الواقف المالك» (١). وذهب أكثر الحنابلة إلى صحة الوقف على أهل الذمة، وصححه الحلواني على فقرائهم: جاء في المغني: «ويصح الوقف على أهل الذمة؛ لأنهم يملكون ملكًا محترمًا، ويجوز أن يتصدق عليهم، فجاز الوقف عليهم، كالمسلمين» (٢).

стр. 7686

وقال ابن مفلح في الفروع: «يصح على أهل الذمة كالمسلمين، وصححه الحلواني على فقرائهم» (١). وقال في المبدع: «ويصح الوقف على أهل الذمة، جزم به الأكثر ... وصحح الحلواني على فقرائهم ... ومقتضى كلام صاحب التلخيص والمحرر أنه لا يصح الوقف عليهم؛ لأن الجهة معصية بخلاف أقاربه» (٢). وصحح الحنفية والمالكية جواز الحبس على فقراء اليهود والنصارى، وهو أخص من مذهب الشافعية والحنابلة. قال ابن الهمام: «وإن خص في وقفه مساكين أهل الذمة جاز، ويفرق على اليهود والنصارى والمجوس منهم». قال المواق في نوازل ابن الحاج المالكي: «من حبس على مساكين اليهود والنصارى جاز، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ إلى قوله ﴿وَأَسِيرًا﴾ ولا يكون الأسير إلا مشركًا» [الإنسان: ٨]، وإن حبس على كنائسهم رد وفسخ» (٣). فمنع المالكية الوقف على فسقة المسلمين كما سبق، وصححوا الوقف على مساكين اليهود والنصارى؛ لأن وصف الفسق لا يستحق به الوقف؛ لأنه معصية بخلاف وصف المسكنة، فإنه مصرف للصدقة، وهي ليست معصية، فصار الوقف على جهة اليهود والنصارى، إن روعي في الوقف لفظ الفسق بطل، وإن روعي فيه وصف المسكنة صح، بخلاف الشافعية حيث صححوا الوقف على جهة الفسقة، وعلى اليهود والنصارى.

стр. 7687

وقال الماوردي الشافعي في الحاوي: «فأما الوقف على اليهود والنصارى فجائز، سواء كان الواقف مسلمًا أو غير مسلم؛ لأن الصدقة عليهم جائزة ..... فأما الوقف على الكنائس والبيع فباطل، سواء كان الواقف مسلمًا أو ذميًا؛ لأنها موضوعة للاجتماع على معصية» (١). وجاء في مغني المحتاج: «(أو) وقف على (جهة لا تظهر فيها القربة كالأغنياء) وأهل الذمة والفسقة (صح في الأصح) نظرًا إلى أن الوقف تمليك. والثاني: لا، نظرًا إلى ظهور قصد القربة. والثالث: يصح على الأغنياء، ويبطل على أهل الذمة والفسقة، وتمثيل المصنف بالأغنياء قد يرشد إليه، واستحسنه في أصل الروضة بعد قوله: الأشبه بكلام الأكثرين ترجيح كونه تمليكًا، فيصح الوقف على هؤلاء: يعني على الأغنياء، وأهل الذمة والفساق، وهذا هو المعتمد، ولذلك أدخلته في كلام المصنف، وممن صرح بصحة الوقف على اليهود والنصارى الماوردي في الحاوي، والصيمري في شرح الكفاية، وهو المذكور في الشامل والبحر والتتمة؛ لأن الصدقة عليهم جائزة» (٢). وجاء في الغرر البهية: «(وحيث عمت) أي: الجهة الموقوف عليها اشترط لصحة الوقوف عليها (عدم العصيان) وإن لم يظهر فيها قربة كالأغنياء، وأهل الذمة، وسائر الفسقة، بناء على الأشبه من أن المرعي في الوقف على الجهة: التمليك كما في المعين، والوصية، لا جهة القربة، قال الشيخان: وهذا هو الأشبه بكلام الأكثرين ...

стр. 7688

وخرج بقيد (عدم العصيان) الوقف على بيع التعبد، وكنائسه، وكتابة التوراة والإنجيل، ومن يقطع الطريق، أو يتهود، أو يتنصر، وآلات المعاصي كالسلاح لقطع الطريق فلا يصح؛ لأنه إعانة على معصية، أما ما وقفوه قبل المبعث على كنائسهم القديمة فيقر حيث تقر الكنائس» (١). وجاء في منهاج الطالبين: «وإن وقف على جهة معصية كعمارة الكنائس فباطل، أو جهة قربة كالفقراء والعلماء والمساجد والمدارس صح، أو جهة لا تظهر فيها القرية كالأغنياء صح في الأصح» (٢). إذا وقفنا على الأقوال نأتي على ذكر الأدلة: ° دليل من قال: لا يشترط في الوقف القربة: الدليل الأول: (ح-٩٧٧) ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول ... الحديث (٣).

стр. 7689

وجه الاستدلال: جعل عمر ﵁ من مصرف الوقف الضيف، وهو جهة، ولم يقيده بالحاجة، فصح الوقف على جهة الأغنياء. قال ابن حجر: «وفيه جواز الوقف على الأغنياء؛ لأن ذوي القربى والضيف لم يقيد بالحاجة» (١). الدليل الثاني: أن الوقف من باب العطايا والهبات، لا من باب الصدقات، فحقيقة الوقف تمليك منفعة الوقف للموقوف عليه، ومعلوم أن الهبات والتمليكات لا تشترط فيها القربة. وأجيب بجوابين: الجواب الأول: لا نسلم أن الوقف من باب الهبات، وإنما هو من باب الصدقات بنص السنة. (ح-٩٧٨) لما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (٢). الجواب الثاني: أن هناك فرقًا في الأحكام بين الهبة والوقف مما يدل على اختلافهما، فالهبة تباع، وتورث بخلاف الوقف.

стр. 7690

الوجه الثاني: أن الوقف إذا عرى عن المعصية، ولو لم يكن قربة فإنه صحيح، غاية ما فيه أنه صرف ماله في أمر مباح، وهذا لا يقتضي التحريم. وأجيب: هذا الكلام يصح لو كان الوقف على معين، كما لو وقف على زيد، وكان فاسقًا، أو غنيًا، أو ذميًا، فإن الاستحقاق لم يكن بسبب الفسق، أو الغنى، أو الكفر، أما الوقف على جهة فهو مختلف، فاستحقاق الوقف فيه يقوم على الوصف، وهذه الأوصاف لا يجوز أن تكون سببًا في استحقاق الصدقة. قال ابن القيم: «أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيًا، أو ذا قرابة، فلا يكون الغنى مانعًا، ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى، فيستحق ما دام غنيًا، فإذا افتقر، واضطر إلى ما يقيم أوده حرم عليه تناول الوقف، فهذا لا يقوله إلا من حرم التوفيق وصحبه الخذلان» (١). وفرق الماوردي بين الوقف على رجل مرتد، وبين الوقف على من ارتد، فقال: «والفرق بين أن يقفها على مرتد فيجوز، وبين أن يقفها على من ارتد فلا يجوز من وجهين: أحدهما: أن الوقف على من ارتد، وقف على الردة، والردة معصية، والوقف على رجل هو مرتد ليس بوقف على الردة، فلم يكن وقفًا على معصية. والفرق الثاني: في الوقف على من ارتد إغراء بالدخول في الردة، وليس في

стр. 7691

الوقف على مرتد إغراء بالدخول في الردة؛ لأن غيره لو ارتد لم يكن له في الوقف حق» (١). الدليل الثالث: إذا كان يعمل بشرط الواقف إذا كان مباحًا، ولا يشترط فيه القربة فكذلك القول في أصل الوقف، فاشتراط القربة في أصل الوقف دون شرط الواقف نوع من التناقض. جاء في الإنصاف: «ظاهر كلام المصنف وغيره: أن الشرط المباح الذي لا يظهر قصد القربة منه يجب اعتباره في كلام الواقف. قال الحارثي: وهو ظاهر كلام الأصحاب، والمعروف في المذهب» (٢). ويجاب من ثلاثة وجوه: أحدها: أن التفريق بين أصل الوقف وبين شرط الواقف تفريق غير صحيح؛ فإذا كانت القربة شرطًا في أصل الوقف كان هذا مراعى في الشروط؛ لأن الشرط يعتبر صفة في الوقف. الثاني: أن الحنابلة لم يتفقوا على هذا التفريق. قال ابن القيم: «والوقف إنما يصح على القرب والطاعات، ولا فرق في ذلك بين مصرفه، وجهته، وشرطه؛ فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف، فإذا اشترط أن يكون المصرف قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا» (٣).

стр. 7692

وجاء في الإنصاف: «وقال شيخنا يعني به الشيخ تقي الدين ﵀ ... اشتراط القربة في الأصل يلزم الشروط المباحة. انتهى. وقال في الفروع: واختار شيخنا يعني به الشيخ تقي الدين لزوم العمل بشرط مستحب خاصة ... قال الحارثي: ومن متأخري الأصحاب من قال: لا يصح اشتراطه يعني المباح في ظاهر المذهب. وعلله. قال: وهذا له قوة، على القول باعتبار القربة في أصل الجهة، كما هو ظاهر المذهب» (١). الثالث: أن الشرط أخف من الأصل، فإذا صرف أصل الوقف على قربة، ثم اشترط الواقف بعض الشروط المباحة التي تقتضي تخصيصًا أو تقييدًا احتمل ذلك، والغالب أن له غرضًا فيها، ولم يخرج الوقف بذلك عن كونه قربة، بخلاف القول في أصل الوقف إذا صرف إلى غير قربة، قال في كشاف القناع: «لا يلزم من انتفاء جعل المباح جهة للوقف انتفاء جعله شرطًا فيه؛ لأن جعله أصلًا في الجهة مخل بالمقصود، وهو القربة، وجعله شرطًا لا يخل به، فإن الشرط إنما يفيد تخصيص البعض بالعطية، وذلك لا يرفع أصل القربة، وأيضًا فإنه من قبيل التوابع، والشيء قد يثبت له حال تبعيته ما لا يثبت له حال أصالته» (٢). والله أعلم. ° دليل من قال: يشترط في الوقف القربة: الدليل الأول: الأصل في الوقف أنه صدقة من الصدقات، والأصل في الصدقة البر والقربة.

стр. 7693

(ح-٩٧٩) لما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (١). الدليل الثاني: أن الوقف على الأغنياء، أو على الفسقة، أو على اليهود والنصارى يعني أن يكون الفسق والكفر والغناء شرطًا لاستحقاق الوقف، فيكون حل تناوله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله، أو ارتكاب المعاصي المقتضية للفسق، فمن آمن بالله ورسوله، أوالتزم الطاعات لم يحل له أن يتناول شيئًا من ذلك، وهذا من أضعف الأقوال. بخلاف الوقف على المعين، ولو كان كافرًا أو فاسقًا فهذا لا يمنع الوقف عليه؛ ففرق بين كون وصف الذمة أو الفسق مانعًا من صحة الوقف، وبين كونه مقتضيًا. ° دليل من قال: يصح الوقف على الفسقة، وعلى أهل الذمة دون كنائسهم: لا يرى أكثر الشافعية أن الوقف على اليهود والنصارى والفساق أنه وقف على معصية؛ لأن الصدقة جائزة عليهم، ولأن الوقف تمليك، وهم أهل للتملك، بخلاف الوقف على الكنائس والبيع، وكتابة التوراة والإنجيل؛ فإن الصدقة عليها لا تجوز، لأنها موضوعة للاجتماع على معصية، ولأنها لا تملك. ونوقش هذا: غلظ ابن تيمية وابن القيم في ثبوت هذا القول، قال ابن القيم في أعلام

стр. 7694

الموقعين: «يقع الغلط من كثير من المنتسبين إليهم ـ يعني الأئمة ـ في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا. ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف وقفًا على أهل الذمة، هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقييد الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة، فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين، وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة الصليب، وقولهم إن المسيح ابن الله شرط لاستحقاق الوقف، حتى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دين الإسلام لم يحل له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون حل تناوله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله، والكفر بدين الإسلام، ففرق بين كون وصف الذمة مانعًا من صحة الوقف، وبين كونه مقتضيا؛ فغلظ طبع هذا الفتى، وكثف فهمه، وغلظ حجابه عن ذلك ولم يميز. ونظير هذا أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيا أو ذا قرابة فلا يكون الغنى مانعا، ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى، فيستحق ما دام غنيا، فإذا افتقر واضطر إلى ما يقيم أوده حرم عليه تناول الوقف، فهذا لا يقوله إلا من حرم التوفيق وصحبه الخذلان، ولو رأى رسول الله ﷺ أحدًا من الأئمة يفعل ذلك لاشتد إنكاره وغضبه عليه، ولما أقره ألبتة، وكذلك لو رأى رجلًا من أمته قد وقف على من يكون من الرجال عزبًا غير متأهل، فإذا

стр. 7695

تأهل حرم عليه تناول الوقف لاشتد غضبه ونكيره عليه، بل دينه يخالف هذا، فإنه كان إذا جاءه مال أعطى العزب حظا، وأعطى الآهل حظين، وأخبر أن ثلاثة على الله عونهم، فذكر منهم الناكح يريد العفاف، وملتزم هذا الشرط حق عليه عدم إعانة الناكح ... فهذا شرط من أبطل الشروط، وقد صرح أصحاب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى بأن الإمام إذا شرط على القاضي أن لا يقضي إلا بمذهب معين بطل الشرط ولم يجز له التزامه» (١). ونوقش هذا: قال في فتح القدير: «ولو وقف على ولده ونسله، ثم للفقراء على أن من أسلم من ولده فهو خارج من الصدقة لزم شرطه .... فإن شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع، والواقف مالك، له أن يجعل ماله حيث شاء ما لم يكن معصية .... والإسلام ليس سببًا في الحرمان، بل الحرمان لعدم تحقق سبب تملكه هذا المال، والسبب: هو إعطاء الواقف المالك» (٢). وأتفق مع كلام ابن القيم ﵀ في ضعف مذهب الشافعية، ولا أتفق معه في عدم ثبوت هذا القول، فإن مذهب الشافعية صريح في صحة الوقف على الفسقة، وأهل الذمة، بل أكثر الحنابلة على صحة الوقف على جهة اليهود والنصارى، والرجل قد نسب القول إلى الأصحاب، ولم ينسبه للإمام، وقد ذكر النووي أن هذا هو المعتمد في المذهب، وعليه أكثر الشافعية، ونقله عنه جماعة من محققي المذهب، ولم ينكروه، والله أعلم.

стр. 7696

° الراجح: إن كان الوقف على معين لم تشترط القربة فيه مطلقًا، مسلمًا كان أو ذميًا، وإن كان الوقف على جهة فإن الضابط فيه: أن كل من صح أن يتصدق عليه صح أن يوقف عليه، لأن الوقف صدقة من الصدقات، بشرط أن يكون وصف الاستحقاق مباحًا، وليس محرمًا حتى لا يكون تشجيعًا على الإثم، والله أعلم. * * *

стр. 7697

الشرط الثاني في اشتراط أن يكون الموقوف عليه غير الواقف الوقف على النفس كالصدقة عليها. الواقف ينتفع من الوقف العام إذا كانت منافعه على أصل الإباحة كمرافق المساجد، ومياه الآبار. إذا جاز للمهدي أن ينتفع بالهدي من غير شرط جاز للواقف أن ينتفع من وقفه بالشرط. الوقف على النفس من باب العمل بشرط الواقف. [م-١٥٤١] إذا وقف الرجل المنفعة على نفسه فقد عاد الوقف عليه، فهل يصح أن يعود الوقف على الواقف؟ وللجواب على ذلك نقول: لم يختلف عامة العلماء في الرجل يقف وقفًا عامًا على المسلمين، أن له أن ينتفع معهم، كأن يقف مسجدًا فيصلي فيه، أو بئرًا للمسلمين فيشرب منه، أو مقبرة عامة، فيدفن فيها (١)، والأصل في هذا: (ح-٩٨٠) ما رواه البخاري تعليقاً، قال أبو عبد الله البخاري: وقال عثمان: قال النبي ﷺ : من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁. [رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وهو حديث صحيح بطرقه] (٢).

стр. 7698

أما إذا قال الرجل: جعلت هذا الوقف على نفسي، ثم على الفقراء، أو قال: جعلت هذا الوقف على الفقراء وأشترط غلتها مدة حياتي، أو قال: هو وقف على نفسي فقط ولم يجعل آخره على الفقراء، فقد اختلف العلماء في صحة هذا الوقف: القول الأول: يصح الوقف على النفس، وهو قول أبي يوسف، وابن أبي ليلى من الحنفية، وهو المعتمد عندهم، واختاره أبو عبد الله الزبيري وابن سريج من الشافعية، والإمام إسحاق بن راهوية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رجحها ابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة، وصحح ابن شعبان من المالكية الوقف على نفسه إذا أشرك معه غيره (١). وقال صاحب الإنصاف: «وهذه الرواية عليها العمل في زماننا وقبله عند حكامنا من أزمنة متطاولة، وهو الصواب ... » (٢). وقال في التنقيح: وعليه العمل، وهو أظهر. وجاء في الفتاوى الهندية: «رجل قال: أرضي صدقة موقوفة على نفسي يجوز هذا الوقف على المختار كذا في خزانة المفتين.

стр. 7699

ولو قال: وقفت على نفسي ثم من بعدي على فلان ثم على الفقراء جاز عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى» (١). وفي فتح القدير لابن الهام: «والفتوى على قول أبي يوسف، ونحن أيضًا نفتي بقوله ترغيبًا للناس في الوقف واختاره مشايخ بلخ، وكذا ظاهر الهداية» (٢). ° دليل من قال: يصح الوقف على النفس: الدليل الأول: (ح-٩٨١) ما رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك، وعن شمالك (٣). وجه الاستدلال: قوله (ابدأ بنفسك فتصدق عليها) فإذا صحت الصدقة على النفس، وكان مقدمًا على الصدقة على غيرها، صح الوقف على النفس؛ لأنه من باب الصدقة عليها. الدليل الثاني: (ح-٩٨٢) ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال:

стр. 7700

يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول، قال: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متمول مالاً (١). وجه الاستدلال: فيه دليل على جواز أن ينتفع الواقف من وقفه؛ لأن عمر ﵁ أباح الأكل لمن وليه، وقد يليه الواقف، وأقره النبي ﷺ على ذلك، وقد كان الوقف في يده ﵁ إلى أن مات ثم انتقل إلى أم المؤمنين حفصة ﵂. ويناقش: بأن أكل ولي الوقف ليس من قبيل الوقف على النفس، لأن استحقاقه للأكل جاء من جهة العمل، ولم يأت من جهة الوقف، ولذا يصح له أن يأكل ولو لم يشترط ذلك في الوقف، بخلاف الوقف على النفس فإنه لا يستحق على القول بصحته إلا إذا اشترط، فلا يصح هذا الحديث دليلًا على صحة الوقف على النفس. الدليل الثالث: (ح-٩٨٣) ما رواه البخاري تعليقاً، قال أبو عبد الله البخاري: وقال عثمان:

стр. 7701

قال النبي ﷺ : من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁. [رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وهو حديث صحيح بطرقه] (١). وجه الاستدلال: أن عثمان ﵁ قد انتفع من وقفه كسائر المسلمين وهو بمعنى الوقف على النفس؛ لأن الواقف إذا لم يمنع من الانتفاع من وقفه على وجه التشريك لم يمنع على وجه الاستقلال. جاء في الحاوي: «لما استوى هو وغيره في الوقف العام، جاز أن يستوي هو وغيره في الوقف الخاص» (٢). ونوقش هذا: يجوز أن يدخل الواقف في الوقف العام، خاصة إذا كانت منافعه على أصل الإباحة كمرافق المساجد، ومياه الآبار ما لا يدخل في الوقف الخاص، والدليل عليه أن الرسول كان يصلي في المساجد، وهو وقف على المسلمين، وإن كان لا يجوز أن يختص بالصدقة (٣). الدليل الرابع: (ث-١٩٠) روى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنبأ أبو الحسن محمد بن محمود المروزي، ثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ، ثنا محمد بن المثنى، حدثني الأنصاري ـ يعني محمد بن عبد الله الأنصاري

стр. 7702

ـ حدثني أبي ـ يعني عبد الله بن المثنى أخا ثمامة ـ عن ثمامة، عن أنس أنه وقف داراً بالمدينة، فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره (١). [في إسناده عبد الله بن المثنى أخو ثمامة، والد محمد بن عبد الله الأنصاري، صدوق كثير الخطأ، إلا أن مثل هذا النقل لا يحتاج إلى قوة حفظ لقرابته من أنس، وتكرار نزول أنس بن مالك في الدار التي وقفها، والله أعلم، وبقية رجال الإسناد ثقات]. وجه الاستدلال: وجه الاستدلال بهذا الأثر كسابقه، والله أعلم، وهو في صحة انتفاع الواقف من وقفه، وهو في معنى الوقف على النفس. الدليل الخامس: (ح-٩٨٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها. قال: إنها بدنة. قال: اركبها ويلك في الثالثة أو في الثانية (٢). ورواه الشيخان من مسند أنس ﵁ (٣). وجه الاستدلال: أنه إذا جاز له الانتفاع بما أهداه بعد خروجه عن ملكه بغير شرط فجوازه مع الوقف بالشرط أولى.

стр. 7703

ونوقش هذا: بأن ركوب الهدي مقيد بحال الاضطرار؛ (ح-٩٨٥) لما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا (١). فإن مفهوم هذا الحديث أنه يركب إذا اضطر لذلك، ويتركه إذا ارتفعت الضرورة، وإذا كان الإجماع على أنه لا يجوز له تأجيرها (٢)، كان الانتفاع منها كذلك ليس له أن ينتفع منها إلا في حال الضرورة. ويجاب بجوابين: الأول: أن أبا الزبير قد اختلف عليه في قوله: (إذا ألجئت إليها) (ح-٩٨٦) فقد رواه مسلم من طريق معقل، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا ﵁ عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرًا (٣).

стр. 7704

ولم يقيد ذلك بالضرورة، وقوله ﷺ : (حتى تجد ظهرًا) قيد باعتبار الحاجة، وهي دون الضرورة، وإذا أذن الرسول ﷺ في ركوب الهدي عند الحاجة ولو لم يشترط، مع أن الهدي لا يراد به إلا القربة جاز ذلك مع الوقف بالشرط من باب أولى اعتبارًا للشرط، ولأن الوقف أخف من الهدي فإنه يأتي للقربة ولغيرها فدل هذا على جواز انتفاع الواقف من وقفه، والله أعلم. الثاني: أن ما رواه الشيخان من حديث أنس وحديث أبي هريرة أرجح مما انفرد به مسلم خاصة إذا كان ما انفرد به مسلم جاء من طريق أبي الزبير، فإن كان هناك ترجيح فحديث أبي هريرة وأنس في الصحيحين أقوى طرقًا من رواية أبي الزبير عن جابر؛ ولم يذكر فيهما أي قيد للركوب، ولأن أبا الزبير ليس بالمتقن، فحديثه من قبيل الحسن، هذا إذا لم يختلف عليه، كيف وقد اختلف عليه في لفظه، والعلماء مختلفون في حكم ركوب الهدي على ستة أقوال ليس هذا موضع بحثها .. الدليل السادس: (ح-٩٨٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ثابت وغيره، عن أنس ﵁، عن النبي أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها (١).

стр. 7705

وجه الاستدلال: قال ابن حجر: أنه ﷺ «أخرجها من ملكه بالعتق، وردها إليه بالشرط» (١). الدليل السابع: أن المقصود من الوقف القربة، وهي حاصلة بالوقف على النفس. القول الثاني: لا يصح الوقف على النفس، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهي المذهب (٢). جاء في حاشية الصاوي: «حاصله أن الوقف على النفس باطل .... تقدم
следующие страницы →