← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

قال النبي ﷺ : من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁. [رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وهو حديث صحيح بطرقه] (١). وجه الاستدلال: أن عثمان ﵁ قد انتفع من وقفه كسائر المسلمين وهو بمعنى الوقف على النفس؛ لأن الواقف إذا لم يمنع من الانتفاع من وقفه على وجه التشريك لم يمنع على وجه الاستقلال. جاء في الحاوي: «لما استوى هو وغيره في الوقف العام، جاز أن يستوي هو وغيره في الوقف الخاص» (٢). ونوقش هذا: يجوز أن يدخل الواقف في الوقف العام، خاصة إذا كانت منافعه على أصل الإباحة كمرافق المساجد، ومياه الآبار ما لا يدخل في الوقف الخاص، والدليل عليه أن الرسول كان يصلي في المساجد، وهو وقف على المسلمين، وإن كان لا يجوز أن يختص بالصدقة (٣). الدليل الرابع: (ث-١٩٠) روى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنبأ أبو الحسن محمد بن محمود المروزي، ثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ، ثنا محمد بن المثنى، حدثني الأنصاري ـ يعني محمد بن عبد الله الأنصاري

стр. 7702

ـ حدثني أبي ـ يعني عبد الله بن المثنى أخا ثمامة ـ عن ثمامة، عن أنس أنه وقف داراً بالمدينة، فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره (١). [في إسناده عبد الله بن المثنى أخو ثمامة، والد محمد بن عبد الله الأنصاري، صدوق كثير الخطأ، إلا أن مثل هذا النقل لا يحتاج إلى قوة حفظ لقرابته من أنس، وتكرار نزول أنس بن مالك في الدار التي وقفها، والله أعلم، وبقية رجال الإسناد ثقات]. وجه الاستدلال: وجه الاستدلال بهذا الأثر كسابقه، والله أعلم، وهو في صحة انتفاع الواقف من وقفه، وهو في معنى الوقف على النفس. الدليل الخامس: (ح-٩٨٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها. قال: إنها بدنة. قال: اركبها ويلك في الثالثة أو في الثانية (٢). ورواه الشيخان من مسند أنس ﵁ (٣). وجه الاستدلال: أنه إذا جاز له الانتفاع بما أهداه بعد خروجه عن ملكه بغير شرط فجوازه مع الوقف بالشرط أولى.

стр. 7703

ونوقش هذا: بأن ركوب الهدي مقيد بحال الاضطرار؛ (ح-٩٨٥) لما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا (١). فإن مفهوم هذا الحديث أنه يركب إذا اضطر لذلك، ويتركه إذا ارتفعت الضرورة، وإذا كان الإجماع على أنه لا يجوز له تأجيرها (٢)، كان الانتفاع منها كذلك ليس له أن ينتفع منها إلا في حال الضرورة. ويجاب بجوابين: الأول: أن أبا الزبير قد اختلف عليه في قوله: (إذا ألجئت إليها) (ح-٩٨٦) فقد رواه مسلم من طريق معقل، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا ﵁ عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرًا (٣).

стр. 7704

ولم يقيد ذلك بالضرورة، وقوله ﷺ : (حتى تجد ظهرًا) قيد باعتبار الحاجة، وهي دون الضرورة، وإذا أذن الرسول ﷺ في ركوب الهدي عند الحاجة ولو لم يشترط، مع أن الهدي لا يراد به إلا القربة جاز ذلك مع الوقف بالشرط من باب أولى اعتبارًا للشرط، ولأن الوقف أخف من الهدي فإنه يأتي للقربة ولغيرها فدل هذا على جواز انتفاع الواقف من وقفه، والله أعلم. الثاني: أن ما رواه الشيخان من حديث أنس وحديث أبي هريرة أرجح مما انفرد به مسلم خاصة إذا كان ما انفرد به مسلم جاء من طريق أبي الزبير، فإن كان هناك ترجيح فحديث أبي هريرة وأنس في الصحيحين أقوى طرقًا من رواية أبي الزبير عن جابر؛ ولم يذكر فيهما أي قيد للركوب، ولأن أبا الزبير ليس بالمتقن، فحديثه من قبيل الحسن، هذا إذا لم يختلف عليه، كيف وقد اختلف عليه في لفظه، والعلماء مختلفون في حكم ركوب الهدي على ستة أقوال ليس هذا موضع بحثها .. الدليل السادس: (ح-٩٨٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ثابت وغيره، عن أنس ﵁، عن النبي أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها (١).

стр. 7705

وجه الاستدلال: قال ابن حجر: أنه ﷺ «أخرجها من ملكه بالعتق، وردها إليه بالشرط» (١). الدليل السابع: أن المقصود من الوقف القربة، وهي حاصلة بالوقف على النفس. القول الثاني: لا يصح الوقف على النفس، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهي المذهب (٢). جاء في حاشية الصاوي: «حاصله أن الوقف على النفس باطل .... تقدم

стр. 7706

الوقف على النفس، أو تأخر، أو توسط، كأن قال: وقفت على نفسي، ثم عقبي، أو وقفت على زيد، ثم على نفسي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي ثم على عمرو» (١). وقال العراقي في طرح التثريب: «والمشهور عندهم منع وقف الإنسان على نفسه، وهو المنصوص للشافعي» (٢). قال في الإنصاف: «ولا يصح على نفسه في إحدى الروايتين، وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب» (٣). وجاء في كتاب الوقوف للخلال: «أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل، قال: قيل لأبي عبد الله الرجل يوقف على نفسه؟ قال: ما سمعت بهذا. وأخبرني جعفر بن محمد، أن يعقوب بن بختان حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن الرجل يوقف على نفسه؟ قال: ما سمعت فيه بشيء» (٤). ° دليل من قال: لا يصح الوقف على النفس: الدليل الأول: (ح-٩٨٨) ما رواه النسائي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر للنبي ﷺ إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا

стр. 7707

قط أعجب إلي منها، قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي ﷺ : احبس أصلها، وسبل ثمرتها (١). [صحيح، وهو في الصحيحين] (٢). وجه الاستدلال: أن تسبيل الثمرة يعني تمليكها للغير، فإذا بقي ملكه عليها لم يصح أنه سبل ثمرتها. الدليل الثاني: أن الوقف عقد يقتضي زوال الملك، فصار كالبيع والهبة، فإذا كانت لا تصح

стр. 7708

مبايعة الإنسان لنفسه، ولا الهبة لها لم يصح الوقف عليها (١). ولأنه إذا كان مقتضى عقد الوقف إخراجه من ملكه فوقفه على نفسه يمنع زوال ملكه، فلم يستحدث به ملكًا. ونوقش هذا: لا نسلم بأن الوقف على النفس تمليك من النفس إلى النفس، بل هو إخراج الملك إلى الله تعالى على وجه القربة، فإذا شرط البعض أو الكل لنفسه فقد جعل مصرف ما أخرجه لله لنفسه، لا أنه يجعل ملك نفسه لنفسه، فاستحقاقه له وقفاً يختلف عن استحقاقه إياه ملكًا. وفيه فائدة أخرى: وهي الامتناع من التصرف فيه، فلا يبيعه، ولا يهبه، ولا يورثه، وأنه إذا مات صرف مصرف الوقف المنقطع، ولم يكن ميراثًا للورثة. الدليل الثالث: أن الوقف على النفس وقف على جهة يتوهم انقطاعها، والوقف لابد فيه من التأبيد فلم يصح. ويناقش: بأنه لا دليل على أنه يشترط في صحة الوقف أن يكون على جهة لا يتوهم انقطاعها، وعلى التسليم بصحة الشرط فإنه إذا وقف على نفسه، ثم على المساكين من بعده لم يتوهم انقطاع الوقف في هذه الحالة، وسوف نناقش في مبحث مستقل حكم اشتراط أن يكون الوقف على جهة لا يتوهم انقطاعها.

стр. 7709

الدليل الرابع: أن الوقف على نفسه حاصله منع نفسه من التصرف في رقبة الملك فلم يصح ذلك كما لو أفرده بأن قال: لا أبيع هذا، ولا أهبه، ولا أورثه. ويناقش: هناك فرق بين أن يكون المانع من التصرف فيه لإخرجه من ملكه وقفًا لله، وإن كان مصرف الوقف على نفسه، فهو لا يملك رقبته، وإن استحق المنفعة، والبيع والإرث يتعلقان بالرقبة، وهي ليست مملوكة، وبين أن يمنع نفسه من التصرف في رقبة يملكها ولم يوقفها، فهذا نوع من التحجير، والملك ينتقل بالإرث جبرًا من غير اختيار. ° الراجح: القول بصحة الوقف على النفس، وهو من باب العمل بشرط الواقف، والأصل في شروط الواقف الصحة، وهو له الحرية الكاملة في مقدار الوقف، وفيما يوجبه في عقد وقفه من شروط لا تنافي الشرع، وفي تحديد الموقوف عليهم، ومنه تعيين نفسه مصرفًا لوقفه. إلا أنه يشترط ألا يكون فعل ذلك حيلة لإسقاط حق الغرماء، كما لو كان مدينًا فأوقف بيته على نفسه لئلا يباع في دينه فإنه لا يصح الوقف؛ لأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الإنسان إذا كان عليه دين يستغرق ماله فإنه لا يصح وقفه؛ لأن ماله قد تعلق به حق الغرماء؛ لأن وفاء الدين واجب، والوقف سنة، ولا يترك الواجب من أجل تحقيق سنة، والله أعلم. * * *

стр. 7710

مبحث إذا وقف على نفسه ثم على المساكين [م-١٥٤٢] اختلف العلماء القائلون بمنع الوقف على النفس في حكم الوقف إذا قال الرجل: هذا وقف على نفسي، ثم على أولادي أو على المساكين، هل يبطل الوقف مطلقًا، أو ينتقل الوقف إلى المساكين والأولاد؟ القول الأول: يصح ويصرف الوقف إلى من بعده، وهذا أحد القولين في مذهب الشافعية، وعليه أكثر الحنابلة (١). ووافقهم المالكية بشرط أن يحوزه الموقوف عليه قبل حصول مانع للواقف من فلس أو جنون، أو موت؛ لأن المالكية يشترطون لنفاذ الوقف أن يحوزه الموقوف عليه. فإن استمر الوقف تحت يد الواقف حتى حصل المانع من موت أو فلس أو جنون بطل الوقف (٢). وحقيقة الحيازة عند المالكية: رفع يد الواقف عن الوقف وتمكين الموقوف عليه من التصرف في الذات الموقوفة بما يجوز للموقوف عليه، أو التخلية بين

стр. 7711

الشيء الموقوف وبين الناس في نحو المسجد والطاحون، وهذا إذا كان الموقوف عليه أجنبيا أو ولدًا كبيرًا، ولو سفيهًا بناء على المشهور من اعتبار حيازته. جاء في حاشية الصاوي: «حاصله أن الوقف على النفس باطل .... تقدم الوقف على النفس أو تأخر أو توسط، كأن قال: وقفت على نفسي، ثم عقبي، أو وقفت على زيد، ثم على نفسي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي ثم على عمرو، فالأول يقال له منقطع الأول، والثاني منقطع الآخر. والثالث منقطع الوسط .... والحاصل: أن الظاهر من مذهبنا أنه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه، ويصح فيما يصح عليه ولا يضر الانقطاع» (١). وجاء في الشرح الكبير: «ولو وقفه على نفسه، ثم على عقبه لرجع بعد موته حبسًا على عقبه إن حازوا قبل المانع». (٢) وقال في الحاوي: إذا قال: «وقفته على نفسي، ثم على الفقراء والمساكين، لا يجوز أن يكون وقفًا لنفسه، وهل يبطل أن يكون وقفا للفقراء والمساكين؟ فعلى قولين: .... القول الثاني: جائز؛ لأنهم صاروا فيه أصلًا عند بطلان الأصل» (٣). فيكون حكمه عند الشافعية حكم الوقف إذا كان منقطع الابتداء، متصل الانتهاء.

стр. 7712

وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا يصح الوقف عند الأكثر على نفسه، نقل حنبل وأبو طالب: ما سمعت بهذا، ولا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله .... وينصرف الوقف إلى من بعده في الحال، فمن وقف على نفسه، ثم أولاده أو الفقراء، صرف في الحال إلى أولاده أو الفقراء؛ لأن وجود من لا يصح الوقف عليه كعدمه» (١). قال شيخنا ابن عثيمين: «والحقيقة أن قولهم: إنه يصرف إلى من بعده وقفًا يؤيد القول بأن الوقف على النفس صحيح؛ لأننا إذا قلنا: إنه لا يصح، وجب ألا يصح، ولا يصرف إلى من بعده؛ إذ كيف يصرف إلى من بعده، وهو لم يكن وقفًا صحيحًا». (٢) القول الثاني: أن الوقف يبطل مطلقًا، فلا يصح الوقف على نفسه، ولا يصح على الفقراء، ولا يتنقل إلى من بعده؛ لأن الوقف إذا لم يصح وجب ألا يصح، ولا يصرف إلى من بعده، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، واختاره بعض الحنابلة (٣). قال في الحاوي: إذا قال: «وقفته على نفسي ثم على الفقراء والمساكين، لا

стр. 7713

يجوز أن يكون وقفًا لنفسه، وهل يبطل أن يكون وقفا للفقراء والمساكين؟ فعلى قولين: .... أحدهما: أنه باطل؛ لأنه فرع لأصل باطل ..... » (١). ° الراجح: هذا المسألة تفريع على القول المرجوح، وهو أن الوقف على النفس لا يصح، وإذا كنا قد رجحنا صحة الوقف على النفس لم نكن بحاجة إلى هذا التفريع، والله أعلم. * * *

стр. 7714

الشرط الثالث أن يكون الموقوف عليه جهة غير منقطعة المبحث الأول في الوقف المتصل ابتداء المنقطع انتهاء مثاله: إذا وقف الرجل على أولاده فقط، ولم يزد على ذلك، فهذا وقف، وإن كان معلوم الابتداء إلى أنه ينتهي بالانقطاع؛ لأن أولاده ينقرضون. ومثله لو وقف على أولاده ثم على عبد زيد، فإن هذا وقف منقطع الانتهاء. ويرجع اشتراط عدم انقطاع الجهة الموقوفة عليها في الانتهاء إلى حكم اشتراط التأبيد في الوقف، فمن اشترط أن يكون الوقف مؤبدًا اشترط أن تكون الجهة الموقوفة عليها غير منقطعة في الانتهاء، ومن لم يشترط التأبيد، وجوز أن يكون الوقف مؤقتًا لم ير أن هذا شرط في الوقف. إذا علم ذلك نأتي إلى حكم المسألة على وجه التفصيل، فأقول: [م-١٥٤٣] لا خلاف بين العلماء القائلين بمشروعية الوقف أن الوقف إذا كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع فإنه صحيح. قال ابن قدامة: «الوقف الذي لا اختلاف في صحته ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع، مثل أن يجعل على المساكين، أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم. وإن كان غير معلوم الانتهاء» (١).

стр. 7715

[م-١٥٤٤] وأما إذا كان الوقف على جهة يجوز انقطاعها بحكم العادة، كما لو وقف على أولاده، أو على فلان من الناس، ولم يجعله بعد ذلك على الفقراء والمساكين فإن ذلك يؤول إلى الانقطاع، فهل يصح الوقف؟ اختلف العلماء في ذلك من حيث الجملة: القول الأول: لا يصح الوقف إذا كان على جهة تحتمل الانقطاع، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وأحد القولين في مذهب الشافعية (١).

стр. 7716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7717

قال الشيرازي: «ولا يجوز إلا على سبيل لا ينقطع، وذلك من وجهين: أحدهما: أن يقف على من لا ينقرض، كالفقراء، والمجاهدين، وطلبة العلم، وما أشبهها. والثاني: أن يقف على من ينقرض، ثم من بعده على من لا ينقرض، مثل أن يقف على رجل بعينه، ثم على الفقراء، أو على رجل بعينه، ثم على عقبه، ثم على الفقراء» (١). وجاء في مغني المحتاج: «يشترط في الوقف أربعة شروط: الأول التأبيد كالوقف على من لم ينقرض قبل قيام الساعة، كالفقراء، أو على من ينقرض، ثم على من لا ينقرض كزيد، ثم الفقراء، فلا يصح تأقيت الوقف» (٢).

стр. 7718

° دليل من قال: يشترط أن يكون على جهة لا تنقطع: الدليل الأول: أن الوقف إذا كان منقطعًا صار وقفًا على مجهول فلم يصح، كما لو وقف على مجهول الابتداء. الدليل الثاني: (ح-٩٨٩) ما رواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (١). فالوقف إذا لم يرد به التأبيد لم يكن صدقة جارية. قال في المبدع: «القصد بالوقف: الصدقة الدائمة، لقوله ﵇: أو صدقة جارية» (٢). قال إمام الحرمين: «الوقف هو الصدقة الجارية، فإذا لم يُثبت له مصرف متأبَّد، كان مائلاً عن موضوعه. هذا هو القول الصحيح وبه المنتهى» (٣). وذلك أن مقتضى الوقف أن يكون مؤبدًا (لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث)، والمنقطع ليس كذلك. وقد سبق بحث اشتراط التأبيد، وأن الراجح عدم اشتراطه، فيصح الوقف

стр. 7719

مؤقتًا ومؤبدًا، والانقطاع لا ينافي التأبيد؛ لأن تأبيد كل شيء بحسبه، والله أعلم. القول الثاني: يصح الوقف المنقطع، وهذا مذهب المالكية بناء على أصلهم في جواز الوقف المؤقت، والأظهر في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). وجاء في شرح الخرشي: «ولا يشترط في صحة الوقف التأبيد أي: التخليد بل يصح ويلزم مدة كسنة، ثم يكون بعدها ملكًا» (٢). قال ابن قدامة في المغني: «وإن كان ـ يعني الوقف ـ غير معلوم الانتهاء، مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره للمساكين، لا لجهة غير منقطعة، فإن الوقف يصح، وبه قال مالك، وأبو يوسف، والشافعي في أحد قوليه» (٣). وجاء في كشاف القناع: «فإن اقتصر الواقف على ذكر جهة تنقطع كأولاده؛ لأنه بحكم العادة يمكن انقراضهم صح الوقف؛ لأنه معلوم المصرف» (٤).

стр. 7720

° وجه القول بصحة الوقف المنقطع: الدليل الأول: الوقف صدقة من الصدقات، وفارق الصدقة باختصاص الوقف بالصدقة بالمنفعة دون الأصل، وهذا الفارق لا يوجب اشتراط التأبيد، فالصدقة تجوز أن تكون مؤبدة ومؤقتة، ولا يوجد دليل من كتاب أو سنة، أو إجماع يوجب أن تكون الصدقة مؤبدة، ولأنه إذا جاز للإنسان أن يتقرب بكل ماله وببعضه، جاز له أن يتقرب به في كل الزمان وفي بعضه. الدليل الثاني: قياس جواز انقطاع الوقف على جواز اشتراط الواقف توقيت انتفاع الموقوف عليه بالعين الموقوفة، فإذا جاز للواقف أن يقيد بالشرط مدة انتفاع الموقوف عليه بالغلة جاز بالضرورة تقييد الوقف بمدة. الدليل الثالث: كل دليل ذكرته في مسألة (جواز الوقف على النفس) يصلح دليلًا على صحة الوقف على جهة منقطعة؛ فإذا صح الوقف على النفس في أصح أقوال أهل العلم جاز الوقف على جهة منقطعة، والله أعلم. الدليل الرابع: أن الوقف على جهة منقطعة كما لو وقف على أولاده يعتبر تصرفًا معلوم المصرف، فصح الوقف عليهم. الدليل الخامس: إذا صح وقف المنقول في أصح أقوال أهل العلم، وهو عرضة للهلاك، صح

стр. 7721

الوقف على جهة عرضة للهلاك أيضًا، فإذا كنا لا نشترط دوام الوقف لم نشترط دوام الموقوف عليهم، والله أعلم. القول الثالث: أن الوقف إذا كان في عقار لم يصح إنشاؤه منقطع الآخر، وإن كان الوقف في حيوان لم يمتنع ألا يتأبد مصرفه، حكاه بعض الشافعية. ° وجه هذا القول: جاء في نهاية المطلب: «إن الحيوان المحبَّس إلى الهلاك مصيره، فإذا وقف مالكُ الحيوان الحيوانَ على شخص معين، كان ارتقاب بقاء الموقوف مع وفاة الموقوف عليه متعارضاً في التقدير بارتقاب موت الموقوف، مع بقاء الموقوف عليه» (١). ° الراجح: الوقف صدقة من الصدقات، يجوز أن يكون دائمًا، وأن يكون منقطعًا مؤقتًا، والمدار على شرط الواقف، والأصل في شروط الواقف الصحة والجواز، والله أعلم. * * *

стр. 7722

المبحث الثاني في الوقف المنقطع ابتداء وانتهاء [م-١٤٤٥] اختلف العلماء في صحة وقف الرجل على مسجد لم يبن، أو على مدرسة هيئ مكانها، ولم تبن بعد، أو على ولد لم يولد، ويصح هذا مثالًا للوقف إذا كان منقطع الابتداء والانتهاء. القول الأول: يصح مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (١). وقيل: يصح بشرط أن يجعل آخره للفقراء، حتى لا يكون منقطع الانتهاء، أو يقول صدقة موقوفة على من يحدث لي من الولد؛ لأن لفظ الصدقة يجعل آخره للفقراء، وهذا مذهب الحنفية (٢). وقيل: يصح الوقف على الحمل، وعلى من سيولد تبعًا، كقول المؤلف: وقفت كذا على أولادي، ثم أولادهم، وهذا مذهب الحنابلة (٣).

стр. 7723

جاء في حاشية ابن عابدين: «ولا يشترط أيضا وجود الموقوف عليه حين الوقف، حتى لو وقف مسجدًا هيأ مكانه قبل أن يبنيه فالصحيح الجواز» (١). وجاء في المحيط البرهاني: «(ولو) قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على من يحدث لي من الولد، وليس له ولد، فإنه يجوز، ..... لأن قوله صدقة موقوفة تكون وقفاً على الفقراء، وذكر الولد لاستثناء الغلة من الفقراء، فصار كأنه قال: أرضي موقوفة على الفقراء، إلا أنه إن حدث لي ولد فغلتها له ما بقي،» (٢). وقال ابن عابدين: «هذا الوقف يسمى منقطع الأول» (٣). وقال فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا: «اشتراط كون الموقوف عليه دائم الوجود ليس من مقتضاه اشتراط وجوده حين الوقف، فإن الموقوف عليه لا يجب أن يكون موجودًا عند الوقف، بل يكفي أن يكون سيوجد، ولكن يجب أن يكون مما يدوم وجوده بعد أن يوجد. ـ (قلت: هذا شرط ألا يكون منقطع الانتهاء) ـ ثم قال: فلو وقف الواقف على مسجد سينشأ بعد أن هيئ مكانه صح الوقف (رد المحتار) وكذا إذا وقف على من سيحدث له من الأولاد، ومن بعدهم على جهة بر دائمة عينها، صح كذلك» (٤). وصحح ابن عقيل من الحنابلة صحة الوقف على الحمل ابتداء، واختاره الحارثي (٥).

стр. 7724

وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا يصح الوقف على ما في بطن هذه المرأة؛ لأنه تمليك، وهو لا يملك، وكذا الوقف على المعدوم كعلى من سيولد لي، أو على من سيولد لفلان، فلا يصح أصالة، بل يصح الوقف على الحمل وعلى من سيولد تبعًا، كقول المؤلف: وقفت كذا على أولادي، ثم أولادهم» (١). القول الثاني: لا يصح مطلقًا وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢). قال الشيرازي: «إذا وقف وقفًا منقطع الابتداء والانتهاء، كالوقف على عبده، أو على ولده، ولا ولد له، فالوقف باطل؛ لأن العبد لا يملك، والولد الذى لم يخلق لا يملك فلا يفيد الوقف عليهما شيئًا» (٣). وجاء في كفاية الأخيار: «حقيقة الوقف نقل ملك المنافع إلى الموقوف عليه، وتمليك المعدوم باطل، وكذا تمليك من لا يملك، مثال الأول: ما إذا وقف على من سيولد، ثم على الفقراء، أو وقف على ولده ثم على الفقراء ولا ولد له، وفي معنى ذلك ما إذا وقف على مسجد سيبنى، ثم على الفقراء» (٤). وعلى القول بالصحة، فقد اختلفوا في مصرف الوقف إلى حين وجود

стр. 7725

الموقوف عليه: فذهب الحنفية إلى أن الغلة تصرف للفقراء إلى أن يولد الولد، أو ينبى المسجد. وأما المالكية فلهم ثلاثة أقوال في المسألة: أحدها: أن الوقف صحيح غير لازم، فللواقف بيعه قبل وجود الموقوف عليه، ولو لم يحصل يأس من وجود الموقوف عليه، فإن وجد الموقوف عليه فقد تم الوقف، ويبقى لزومه متوقفًا على الحيازة. وهذا نص الإمام مالك. الثاني: الوقف صحيح لازم بمجرد عقده، ولا يكون ملكًا للواقف إلا إن حصل يأس من وجود الموقوف عليه. وهذا اختيار ابن القاسم. الثالث: يحكم بحبسه، ويخرج إلى يد ثقة ليصح حوزه، وتوقف ثمرته، فإن وجد الموقوف عليه كان الحبس والغلة له، وإن لم يوجد كان لأقرب الناس للواقف، وهذا اختيار ابن الماجشون. ° الراجح: الوقف من باب التبرعات، وهو أوسع من باب المعاوضات، فلا أرى مانعًا من صحة الوقف على من سيولد له من الولد؛ لأنه إذا جاز الوقف على من سيولد على وجه التبع بالاتفاق، كما لو قال: هذا وقف على فلان الموجود، ثم على من سيولد له، جاز دخولهم أصالة، ولا مانع من حبس الغلة أو قيمتها إلى أن يوجد، فإذا تحقق من أنه لن يوجد فإنه يصرف مصرف الوقف المنقطع، أو نقول: بطل الوقف ما لم يذكر له مآلًا، والله أعلم، وأما اشتراط الحيازة فهو قول ضعيف؛ لأن الوقف ليس كالهبة حتى يتوقف على القبض، فالهبة تمليك لآدمي، والوقف إخراج المال لله تعالى، فهو حبسه عن التمليك.

стр. 7726

قال شيخنا ابن عثيمين عليه رحمة الله: «ولو ذهب ذاهب إلى صحة الوقف على الحمل أصالة لم يكن بعيدًا، ونقول: إن خرج هذا الحمل حيًا حياة مستقرة استحق الوقف، وإلا بطل الوقف ما لم يذكر له مآلًا. مثال ذلك: رجل قال: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، فما المانع من الصحة؟ فيقال: إذا وضعت طفلًا حيًا حياة مستقرة صار الوقف له، وإلا بأن وضعت ميتًا بطل الوقف إلا أن يذكر له مآلًا، مثل أن يقول: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، ثم المساكين، فإنه ينتقل إلى المساكين إذا خرج الحمل ميتًا، فلو قال أحد بهذا لكان قولًا وجيهًا» (١). وما دام قد ثبت القول به عن المالكية والحنفية فإنه يصح أن يكون هذا القول هو اختيار شيخنا؛ لأنه علق القول به إن كان قال به أحد، والله أعلم. * * *

стр. 7727

المبحث الثالث في الوقف المنقطع ابتداء والمتصل انتهاء [م-١٥٤٦] مثاله: لو قال: هذا وقف على بناتي، وله بنون فقط، أو العكس، بأن قال: هذا وقف على بني، وله بنات فقط، ثم على المساكين، فهذا وقف منقطع الأول، متصل الآخر. ومثله الوقف على النفس، ثم على المساكين عند من يمنع الوقف على النفس، فإنه يصدق عليه عنده أنه منقطع الابتداء متصل الانتهاء. وقد اختلف العلماء في حكم هذا الوقف على قولين: القول الأول: يصح الوقف، وينتقل إلى من بعده، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). ° وجه القول بالصحة: أن الواقف إذا جمع في وقفه بين من يجوز الوقف عليه، وبين من لا يجوز

стр. 7728

الوقف عليه صح فيمن يجوز، وبطل فيمن لا يجوز بناء على القول بتفريق الصفقة. ولا يقال: إن هذه الصفقة جمعت حلالًا وحرامًا فتفسد تقديمًا للحظر على الإباحة؛ فإن هذا مخصوص بعقود المعاوضات؛ لأنها مبنية على التشديد بخلاف عقود التبرعات، فهي مبنية على التسامح والعفو. على القول بالصحة فقد اختلفوا فيما بينهم، هل ينتقل إلى الثاني في الحال، أم لا؟ فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه ينتقل إلى من بعده في الحال زاد الحنفية: إن وجد ما ذكر بعد ذلك عاد إليه، فلو وقف على بناته، وله بنون فقط، صرف إلى الفقراء، ثم إذا وجد البنات عاد الوقف إليهن. جاء في الدر المختار: «ولو قال: على بني وله بنات فقط، أو قال: على بناتي وله بنون، فالغلة للمساكين، ويكون وقفًا منقطعًا، فإن حدث ما ذكر عاد إليه» (١). قال ابن عابدين تعليقاً: «قوله: (ويكون وقفًا منقطعًا) أي منقطع الأول» (٢). واشترط المالكية للانتقال أن يحوزه الموقوف عليه قبل حصول مانع للواقف من فلس أو جنون، أو موت؛ لأن المالكية يشترطون لنفاذ الوقف أن يحوزه الموقوف عليه.

стр. 7729

فإن استمر الوقف تحت يد الواقف حتى حصل المانع من موت أو فلس أو جنون بطل الوقف (١). وحقيقة الحيازة عند المالكية: رفع يد الواقف عن الوقف وتمكين الموقوف عليه من التصرف في الذات الموقوفة بما يجوز للموقوف عليه، أو التخلية بين الشيء الموقوف وبين الناس في نحو المسجد والطاحون، وهذا إذا كان الموقوف عليه أجنبيا، أو ولدًا كبيرًا، ولو سفيهًا بناء على المشهور من اعتبار حيازته. جاء في حاشية الصاوي: «حاصله أن الوقف على النفس باطل .... تقدم الوقف على النفس أو تأخر أو توسط، كأن قال: وقفت على نفسي، ثم عقبي، أو وقفت على زيد، ثم على نفسي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي ثم على عمرو، فالأول يقال له منقطع الأول، والثاني منقطع الآخر. والثالث منقطع الوسط .... والحاصل: أن الظاهر من مذهبنا أنه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه، ويصح فيما يصح عليه ولا يضر الانقطاع» (٢). وجاء في الشرح الكبير: «ولو وقفه على نفسه، ثم على عقبه لرجع بعد موته حبسًا على عقبه إن حازوا قبل المانع». (٣) وأما الشافعية على القول بصحة وقف منقطع الابتداء فلهم تفصيل في الانتقال بينه الشيرازي في المهذب، بقوله: «وإن وقف وقفاً منقطع الابتداء متصل

стр. 7730

الانتهاء بأن وقف على عبد ثم على الفقراء، أو على رجل غير معين ثم على الفقراء ففيه طريقان: من أصحابنا من قال: يبطل قولاً واحداً؛ لأن الأول باطل، والثاني فرع لأصل باطل فكان باطلاً. ومنهم من قال فيه قولان: أحدهما أنه باطل لما ذكرناه، والثاني: أنه يصح؛ لأنه لما بطل الأول صار كأن لم يكن، وصار الثاني أصلاً. فإذا قلنا: إنه يصح، فإن كان الأول لا يمكن اعتبار انقراضه كرجل غير معين صرف إلى من بعده، وهم الفقراء؛ لأنه لا يمكن اعتبار انقراضه فسقط حكمه. وإن كان يمكن اعتبار انقراضه كالعبد ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: ينقل في الحال إلى من بعده؛ لأن الذي وقف عليه في الابتداء لم يصح الوقف عليه فصار كالمعدوم. والثاني، وهو المنصوص: أنه للواقف، ثم لوارثه إلى أن ينقرض الموقوف عليه، ثم يجعل لمن بعده؛ لأنه لم يوجد شرط الانتقال إلى الفقراء، فبقي على ملكه. والثالث: أنه يكون لأقرباء الواقف إلى أن ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل للفقراء؛ لأنه لا يمكن تركه على الواقف؛ لأنه أزال الملك فيه، ولا يمكن أن يجعل للفقراء؛ لأنه لم يوجد شرط الانتقال إليهم، فكان أقرباء الواقف أحق. وهل يختص به فقراؤهم، أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء؟ على ما ذكرناه من القولين» (١).

стр. 7731

القول الثاني: أن الوقف إذا كان منقطع الابتداء فهو باطل مطلقًا، وهو المذهب عند الشافعية، واختاره بعض الحنابلة (١). جاء في مغني المحتاج: «ولو كان الوقف منقطع الأول كوقفته على ولدي، ولا ولد له، أو على مسجد سيبنى، أو على من سيولد لي، ثم الفقراء فالمذهب بطلانه؛ لأن الأول باطل لعدم إمكان الصرف إليه في الحال؛ فكذا ما ترتب عليه» (٢). ° وجه القول بالبطلان: أن الوقف إذا لم يصح في الأول وجب ألا يصح في الثاني لأن الثاني فرع لأصل باطل فبطل. قال في الحاوي: إذا قال: «وقفته على نفسي ثم على الفقراء والمساكين، لا يجوز أن يكون وقفًا لنفسه، وهل يبطل أن يكون وقفا للفقراء والمساكين؟ فعلى قولين: .... أحدهما: أنه باطل؛ لأنه فرع لأصل باطل ..... » (٣). ويجاب: بأنه لما لم يصح للأول أصبح وجوده كعدمه، فكأنه وقف على الثاني ابتداء.

стр. 7732

° الراجح: الراجح صحة وقف منقطع الابتداء، وأنه ينتقل مباشرة إلى من بعده، ولا وجه لقول المالكية أنه متوقف على الحيازة، ولا وجه أيضًا لقول الشافعية بأنه يتوقف على انقطاع الأول، لأنه لما لم يكن أهلاً لصرف الوقف إليه لم يكن الأمر متوقفاً على انقطاعه؛ لأنه منقطع حكمًا، والله أعلم. * * *

стр. 7733

المبحث الرابع في الوقف المنقطع الوسط [م-١٥٤٧] مثاله: أن يقف الرجل على زيد، ثم على رجل مبهم، ثم على الفقراء، فهذا الوقف متصل الابتداء والانتهاء، منقطع الوسط. وقد اختلف العلماء في صحة الوقف إذا كان منقطع الوسط على قولين: القول الأول: يصح الوقف إذا كان منقطع الوسط، فإذا انقطع الأول انتقل إلى الفقراء، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، والحنابلة (١)، إلا أن المالكية اشترطوا أن يحوز الموقوف عليه الوقف قبل حصول مانع من جنون، أو موت، أو فلس، كما بينا مذهبهم في منقطع الابتداء. ° وجه القول بالصحة: إذا صح الوقف مع ذكر من لا يجوز الوقف عليه، فإننا نلغي من لا يجوز الوقف عليه لتعذر تصحيح الوقف مع اعتباره (٢). ووافق الشافعية الجمهور في الصحة، إلا أن لهم تفصيلًا في طريقة انتقال الوقف من الأول إلى الآخر:

стр. 7734

فإن كان الأوسط مبهمًا لا يمكن معرفة أمد انقطاعه، انتقل الوقف في الحال بعد انقطاع الأول، كما لو قال: هذا وقف على أولادي، ثم على رجل، ثم على المساكين، فإذا مات الأولاد انتقل مباشرة إلى المساكين؛ لأنه لا يمكن معرفة أمد انقطاع الرجل المجهول، ولوجود المصرف في الحال والمآل. وإن كان الأوسط معينًا لا يصح الوقف عليه كما لو قال: هذا وقف على أولادي، ثم على عبد زيد، ثم على المساكين لم ينتقل الوقف بعد انقطاع الأول إلى المساكين حتى ينقرض العبد، ثم يجعل بعده للمساكين (١). لأنه لما كان الأوسط المنقطع معينًا أمكن معرفة أمد انقطاعه فلم ينتقل الوقف للفقراء حتى يوجد شرط الانتقال إليهم، وهو انقراض العبد. القول الثاني: لا يصح وقف منقطع الوسط، وهو قول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة. جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «(أو) كان الوقف (منقطع الوسط كوقفت على أولادي، ثم رجل، ثم الفقراء، فالمذهب صحته). وقيل: لا يصح بناء على عدم الصحة في منقطع الآخر» (٢). وجاء في المبدع: «للوقف أربعة أحوال: متصل الابتداء والانتهاء، ولا إشكال في صحته .....

стр. 7735

ومنقطع الابتداء متصل الانتهاء، ومتصل الابتداء والانتهاء منقطع الوسط، والمذهب صحتهما، وقيل بالبطلان.» (١). ° الراجح: القول بالصحة، وأنه ينتقل في الحال إلى الفقراء، ولا يتوقف على حيازة كما هو مذهب المالكية، وقد بينت ضعفه في مسألة مستقلة، كما لا يتوقف إلى اعتبار انقراض الوسط؛ لأنه ملغى، فلا حكم لوجوده، والله أعلم. * * *

стр. 7736

المبحث الخامس في مآل مصرف الوقف المنقطع [م-١٥٤٨] في المبحث السابق ناقشنا مذاهب العلماء في الوقف، إذا كان متصل الابتداء منقطع الانتهاء، فعلى القول بصحته، كيف يصرف الوقف إذا انقطع: اختلف العلماء في هذا على أقوال: القول الأول: مذهب أبي يوسف من الحنفية: روي عن أبي يوسف روايتان: أحدهما: أنه يصرف إلى الفقراء (١). وجه هذا القول: أن المقصود هو التقرب إلى الله، وصرفه إلى الفقراء فيه تحقيق لمقصد الواقف، وقد ثبت الوقف عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، ولم يثبت عنهم اشتراط التصريح بهذا الشرط، ولأن قصد الواقف أن يكون آخره للفقراء وإن لم يصرح بذكرهم، فكانت تسمية هذا الشرط ثابتًا دلالة، والثابت دلالةً كالثابت نصًا. الروية الثانية عن أبي يوسف: أنه يرجع إلى واقفه إن كان حياً، أو إلى وارثه إن كان ميتًا.

стр. 7737

جاء في البزازية نقلاً من حاشية ابن عابدين «عن أبي يوسف في التأبيد روايتان: الأولى: أنه غير شرط، حتى أنه لو قال: وقفت على أولادي، ولم يزد، جاز الوقف، وإذا انقرضوا عاد إلى ملكه لو كان حيًا، وإلا فإلى ملك الوارث» (١). القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى جواز الوقف مؤقتًا ومؤبداً، وعليه فإنه يختلف مصرف الوقف المنقطع عندهم بحسب نوع الوقف: فإن كان الوقف مؤبدًا رجع وقفًا بعد انقطاعه إلى أقرب فقراء عصبة الواقف نسبًا من الذكور، وكذلك الأنثى التي لو قدر أنها رجل لكانت عصبة كالعمة، والأخت، وبنات الأخ، ولا يدخل فيهم الواقف، ولو كان فقيرًا، ويستوي فيهم الذكر والأنثى، ولو كان الواقف شرط في أصل وقفه للذكر مثل حظ الانثيين؛ لأن مرجع الوقف إليهم ليس بإنشاء الواقف، وإنما هو بحكم الشرع. فإن لم يكن للمحبس يوم المرجع عصبة، فإنه يرجع للفقراء والمساكين. ولا فرق بين أن يكون الانقطاع في حياة الواقف أو بعد موته. وإن كان مؤقتًا رجع بعد انقطاعه إلى مالكه إن كان حيًا، أو إلى ورثته بعد موته (٢).

стр. 7738

القول الثالث: عند الشافعية: معلوم مما تقدم في المسألة السابقة أن الوقف إذا كان متصل الابتداء منقطع الانتهاء فللشافعية فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أن الوقف باطل؛ لأن القصد بالوقف الدوام، وهذا منقطع. الثاني: إن كان الموقوف عقارًا فباطل، وإن كان حيوانًا صح؛ لأن مصيره إلى الانقطاع، وربما انقطع قبل الموقوف عليه. الثالث: وهو أظهرها الصحة، قال النووي: أظهرها عند الأكثرين الصحة (١). وقال في مغني المحتاج: «فالأظهر صحة الوقف ... فإذا انقرض المذكور فالأظهر أنه يبقى وقفًا؛ لأن وضع الوقف على الدوام كالعتق» (٢). فعلى القول بالصحة، يصرف بعد انقراض الموقوف عليه إلى أقرب الناس إلى الواقف، وهل يختص به فقراؤهم، أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء، قولان في مذهب الشافعية. جاء في المهذب: «وإن وقف وقفاً متصل الابتداء منقطع الانتهاء، بأن وقف على رجل بعينه ولم يزد عليه .... ففيه قولان: أحدهما: أن الوقف باطل؛ لأن القصد بالوقف أن يتصل الثواب على الدوام، وهذا لا يوجد في هذا الوقف؛ لأنه قد يموت الرجل ...

стр. 7739

والثاني: أنه يصح، ويصرف بعد انقراض الموقوف عليه إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأن مقتضى الوقف الثواب على التأبيد فحمل فيما سماه على ما شرطه، وفيما سكت عنه على مقتضاه، ويصير كأنه وقف مؤبد، ويقدم المسمى على غيره فإذا انقرض المسمى صرف إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأنه من أعظم جهات الثواب ..... والدليل عليه قول النبي ﷺ : ... (صدقتك على المساكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) (١). وهل يختص به فقراؤهم، أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء؟ فيه قولان: أحدهما: يختص به الفقراء؛ لأن مصرف الصدقات إلى الفقراء. والثاني: يشترك فيه الفقراء والأغنياء؛ لأن في الوقف الغني والفقير سواء» (٢). القول الرابع: مذهب الحنابلة: هناك روايات كثيرة عند الحنابلة في مصرف الوقف المنقطع، منها: الرواية الأول: أنه يصرف إلى أقارب الواقف وقفاً عليهم. قال في الإنصاف: «وهو المذهب، قال في الكافي: هذا ظاهر المذهب» (٣). وإنما كان وقفاً على من رجع إليه؛ لأن الوقف يقتضي التأبيد. وهل يرجع إلى ورثة الواقف؛ لأنه يصرف إليهم ماله عند موته.

стр. 7740

أو يرجع إلى أقرب عصبة الواقف؛ لأنهم مصرف ولاء معتقه، وعليهم عقله، فخصوا بهذا، روايتان عن الإمام أحمد. وهل يختص به فقراؤهم؟ على وجهين: أحدهما: عدم الاختصاص، وهو المذهب، قال في الكافي: «ظاهر كلام أحمد والخرقي أنه يرجع إلى الأغنياء والفقراء من أقاربه؛ لأن الوقف يستوي فيه الغني والفقير» (١). الوجه الثاني: يختص به فقراؤهم، اختاره القاضي في كتاب الروايتين. فإن لم يكن للواقف أقارب رجع على الفقراء والمساكين على الصحيح (٢). ° والدليل على صرفه إلى أقارب الواقف: (ح-٩٩٠) رواه أحمد من طريق ابن عون، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب بنت صليع، عن سلمان بن عامر الضبي، قال: قال رسول الله ﷺ إن الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي القرابة اثنتان: صلة وصدقة (٣). الرواية الثانية: أنه يصرف إلى أقارب الموقوف عليه. جاء في الفروع: «ويصرف بعدها إلى ورثته نسبًا بقدر إرثهم ... ونقل حرب، أنه قبل ورثته لورثة الموقوف عليه» (٤).
следующие страницы →