← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

المبحث الخامس في مآل مصرف الوقف المنقطع [م-١٥٤٨] في المبحث السابق ناقشنا مذاهب العلماء في الوقف، إذا كان متصل الابتداء منقطع الانتهاء، فعلى القول بصحته، كيف يصرف الوقف إذا انقطع: اختلف العلماء في هذا على أقوال: القول الأول: مذهب أبي يوسف من الحنفية: روي عن أبي يوسف روايتان: أحدهما: أنه يصرف إلى الفقراء (١). وجه هذا القول: أن المقصود هو التقرب إلى الله، وصرفه إلى الفقراء فيه تحقيق لمقصد الواقف، وقد ثبت الوقف عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، ولم يثبت عنهم اشتراط التصريح بهذا الشرط، ولأن قصد الواقف أن يكون آخره للفقراء وإن لم يصرح بذكرهم، فكانت تسمية هذا الشرط ثابتًا دلالة، والثابت دلالةً كالثابت نصًا. الروية الثانية عن أبي يوسف: أنه يرجع إلى واقفه إن كان حياً، أو إلى وارثه إن كان ميتًا.

стр. 7737

جاء في البزازية نقلاً من حاشية ابن عابدين «عن أبي يوسف في التأبيد روايتان: الأولى: أنه غير شرط، حتى أنه لو قال: وقفت على أولادي، ولم يزد، جاز الوقف، وإذا انقرضوا عاد إلى ملكه لو كان حيًا، وإلا فإلى ملك الوارث» (١). القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى جواز الوقف مؤقتًا ومؤبداً، وعليه فإنه يختلف مصرف الوقف المنقطع عندهم بحسب نوع الوقف: فإن كان الوقف مؤبدًا رجع وقفًا بعد انقطاعه إلى أقرب فقراء عصبة الواقف نسبًا من الذكور، وكذلك الأنثى التي لو قدر أنها رجل لكانت عصبة كالعمة، والأخت، وبنات الأخ، ولا يدخل فيهم الواقف، ولو كان فقيرًا، ويستوي فيهم الذكر والأنثى، ولو كان الواقف شرط في أصل وقفه للذكر مثل حظ الانثيين؛ لأن مرجع الوقف إليهم ليس بإنشاء الواقف، وإنما هو بحكم الشرع. فإن لم يكن للمحبس يوم المرجع عصبة، فإنه يرجع للفقراء والمساكين. ولا فرق بين أن يكون الانقطاع في حياة الواقف أو بعد موته. وإن كان مؤقتًا رجع بعد انقطاعه إلى مالكه إن كان حيًا، أو إلى ورثته بعد موته (٢).

стр. 7738

القول الثالث: عند الشافعية: معلوم مما تقدم في المسألة السابقة أن الوقف إذا كان متصل الابتداء منقطع الانتهاء فللشافعية فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أن الوقف باطل؛ لأن القصد بالوقف الدوام، وهذا منقطع. الثاني: إن كان الموقوف عقارًا فباطل، وإن كان حيوانًا صح؛ لأن مصيره إلى الانقطاع، وربما انقطع قبل الموقوف عليه. الثالث: وهو أظهرها الصحة، قال النووي: أظهرها عند الأكثرين الصحة (١). وقال في مغني المحتاج: «فالأظهر صحة الوقف ... فإذا انقرض المذكور فالأظهر أنه يبقى وقفًا؛ لأن وضع الوقف على الدوام كالعتق» (٢). فعلى القول بالصحة، يصرف بعد انقراض الموقوف عليه إلى أقرب الناس إلى الواقف، وهل يختص به فقراؤهم، أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء، قولان في مذهب الشافعية. جاء في المهذب: «وإن وقف وقفاً متصل الابتداء منقطع الانتهاء، بأن وقف على رجل بعينه ولم يزد عليه .... ففيه قولان: أحدهما: أن الوقف باطل؛ لأن القصد بالوقف أن يتصل الثواب على الدوام، وهذا لا يوجد في هذا الوقف؛ لأنه قد يموت الرجل ...

стр. 7739

والثاني: أنه يصح، ويصرف بعد انقراض الموقوف عليه إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأن مقتضى الوقف الثواب على التأبيد فحمل فيما سماه على ما شرطه، وفيما سكت عنه على مقتضاه، ويصير كأنه وقف مؤبد، ويقدم المسمى على غيره فإذا انقرض المسمى صرف إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأنه من أعظم جهات الثواب ..... والدليل عليه قول النبي ﷺ : ... (صدقتك على المساكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) (١). وهل يختص به فقراؤهم، أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء؟ فيه قولان: أحدهما: يختص به الفقراء؛ لأن مصرف الصدقات إلى الفقراء. والثاني: يشترك فيه الفقراء والأغنياء؛ لأن في الوقف الغني والفقير سواء» (٢). القول الرابع: مذهب الحنابلة: هناك روايات كثيرة عند الحنابلة في مصرف الوقف المنقطع، منها: الرواية الأول: أنه يصرف إلى أقارب الواقف وقفاً عليهم. قال في الإنصاف: «وهو المذهب، قال في الكافي: هذا ظاهر المذهب» (٣). وإنما كان وقفاً على من رجع إليه؛ لأن الوقف يقتضي التأبيد. وهل يرجع إلى ورثة الواقف؛ لأنه يصرف إليهم ماله عند موته.

стр. 7740

أو يرجع إلى أقرب عصبة الواقف؛ لأنهم مصرف ولاء معتقه، وعليهم عقله، فخصوا بهذا، روايتان عن الإمام أحمد. وهل يختص به فقراؤهم؟ على وجهين: أحدهما: عدم الاختصاص، وهو المذهب، قال في الكافي: «ظاهر كلام أحمد والخرقي أنه يرجع إلى الأغنياء والفقراء من أقاربه؛ لأن الوقف يستوي فيه الغني والفقير» (١). الوجه الثاني: يختص به فقراؤهم، اختاره القاضي في كتاب الروايتين. فإن لم يكن للواقف أقارب رجع على الفقراء والمساكين على الصحيح (٢). ° والدليل على صرفه إلى أقارب الواقف: (ح-٩٩٠) رواه أحمد من طريق ابن عون، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب بنت صليع، عن سلمان بن عامر الضبي، قال: قال رسول الله ﷺ إن الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي القرابة اثنتان: صلة وصدقة (٣). الرواية الثانية: أنه يصرف إلى أقارب الموقوف عليه. جاء في الفروع: «ويصرف بعدها إلى ورثته نسبًا بقدر إرثهم ... ونقل حرب، أنه قبل ورثته لورثة الموقوف عليه» (٤).

стр. 7741

وبناء على هذه الرواية فإن ورثة الموقوف عليه أولى بالاستحقاق من ورثة الواقف، فلو وجدوا جميعًا قدم ورثة الموقوف عليه. وقد أشار الكبيسي في أحكام الوقف إلى إعراض الحنابلة عن هذه الرواية، فقال: «أكثر أصحاب كتب الحنابلة لم يشيروا إلى هذه الرواية، فلم يشر لها صاحب المغني، ولا الشرح الكبير للمقنع، ولا كشاف القناع، ولا المنتهى ... ولا ابن رجب في كتاب القواعد الكبرى، وإهمال ذكر هذه الرواية من كتب الخلافيات الحنبلية التي توسعت في ذكر الآراء المختلفة من داخل المذهب وخارجه يدل على أنها قد أصبحت مهجورة إلى حد أنها لم تعد من آراء السادة الحنابلة على ما يظهر» (١). بعض الكتب التي أشار إليها الكبيسي لا تعرض إلا رواية وحدة، مثل كتاب كشاف القناع، والمنتهى، وبعض كتب الروايات قد أشاروا إليها، من ذلك كتاب الإنصاف (٢)، والخلال في كتابه الوقوف، قال الخلال: «أخبرني حرب، قال: سألت أحمد، قلت: رجل تصدق بصدقة على رجل، فقال: هذا ما تصدق به فلان، على فلان سهم كذا، من أرض كذا، لا يباع، ولا يوهب، ولم يقل أكثر من هذا، ثم مات المصدق عليه؟ قال: هو لورثته. قلت: فإن لم يكن له ورثة؟ قال: يرجع إلى ورثة هذا الذي تصدق. قال أحمد: وأحب إلي أن من أوقف وقفًا آخره للمساكين» (٣).

стр. 7742

الرواية الثالثة: أنه يصرف إلى المساكين (١). قال ابن قدامة: «اختاره القاضي، والشريف أبو جعفر؛ لأنه مصرف الصدقات وحقوق الله تعالى من الكفارات ونحوها، فإذا وجدت صدقة غير معينة المصرف، انصرفت إليهم، كما لو نذر صدقة مطلقة» (٢). القول الرابع: أنه يجعل في بيت مال المسلمين. ° وجه هذا القول: أن هذا المال لا مستحق له، فأشبه مال من لا وراث له (٣). ° الراجح: ليس في المسألة نص يقطع النزاع، وكل وجه من هذه الوجوه له حظ من النظر، وإن كنت أميل إلى أن ينظر في مقصد الواقف، فإن كان الباعث على الوقف البر والأجر كان القول بأن الوقف يصرف إلى المساكين؛ لأنهم مصرف الصدقات هو الأقوى، ولا مانع من صرفه مع ذلك إلى المصالح العامة؛ لأن المصرف إليها يعتبر من البر، ووجوه الخير. وإن كان الوقف بالنظر إلى الباعث عليه من الأمور المباحة، كما لو كان الوقف على رجل غني، فإن القول بأن الوقف يرجع إلى أقارب الواقف ليس ببعيد؛ لأن عين الموقوف عليه هو المقصود في الوقف، وقد انقطع، فرجع إلى أقاربه، ومصرف ماله، والله أعلم

стр. 7743

الشرط الرابع أن يكون الموقوف عليه أهلًا للتملك [م-١٥٤٩] يشترط في الواقف أن يكون أهلًا للتمليك أي ممن يصح تبرعه، وهذا مما لا خلاف فيه. وأما الموقوف عليه فيشترط فيه أن يكون أهلًا للتملك، فلا يصح وقف المصحف على كافر؛ لأنه ليس أهلًا لتملك المصحف. وقد نص أكثر المالكية على أن أهلية التملك في الموقوف عليه قد تكون حقيقة كما في الوقف على الفقراء والمساكين، وقد تكون حكمًا كما في الوقف على مسجد ورباط، وسبيل؛ لأن الوقف على المساجد ونحوها يعتبر وقفًا على عامة المسلمين إلا أنه تعين في نفع خاص لهم. جاء في الشرح الكبير: «ذكر الثالث: وهو الموقوف عليه بقوله: (على أهل التملك) حقيقة كزيد والفقراء، أو حكمًا كمسجد، ورباط، وسبيل» (١). وجاء في شرح الخرشي: قوله: «(على أهل للتملك) يشير بهذا إلى أن الموقوف عليه يشترط فيه أن يكون أهلا للتملك حكمًا كالمسجد، أو حسًا كالآدمي، ولذا قال ابن عرفة: المحبس عليه ما جاز صرف منفعة الحبس له أو فيه اهـ. فقوله على أهل للتملك هو الموقوف عليه وهو الموصوف بالتملك، والواقف يتصف بالتمليك ... وكلام المؤلف يشمل الموجود والمعدوم، كالأعقاب، ويشمل العاقل وغيره، والمسلم والكافر» (٢).

стр. 7744

وعلق على هذا الحطاب في مواهب الجليل، فقال: «قوله: (على أهل للتملك) هذا الضابط ليس بشامل لخروج نحو المسجد والقنطرة منه، والصواب ما قاله ابن عرفة: المحبس عليه: ما جاز صرف المنفعة له أو فيه» (١). وأما الحنابلة والشافعية فلهم تفصيل: إن كان الوقف على معين فيشترط فيه إمكان تمليكه، وإن كان على جهة لم يشترط كما لو وقف على مسجد، ورباط، ونحوهما. جاء في منهاج الطالبين: «فإن وقف على معين واحد أو جمع اشترط إمكان تمليكه» (٢) قال في إعانة الطالبين: «خرج به ما إذا وقف على جهة، فيصح الوقف بدون هذا الشرط، أعني إمكان تمليكه» (٣). وجاء في أسنى المطالب: «الركن الثالث الموقوف عليه وهو قسمان: معين، وغيره، فالأول المعين) من شخص أو جماعة (ويشترط صحة تملكه) بأن يكون موجودًا حال الوقف أهلًا لتملك الموقوف من الواقف؛ لأن الوقف تمليك العين والمنفعة - إن قلنا بانتقال الملك إليه - وتمليك المنفعة إن لم نقل به، واعتبروا إمكان تمليك الموقوف لا منفعته ليدخل في عدم الصحة: وقف الرقيق المسلم، والمصحف على الكافر» (٤).

стр. 7745

وقوله (موجودًا حال الوقف) هذا فيمن وقف عليه أصالة، أما من دخل تبعًا فيصح الوقف عليه، ولو لم يكن موجودًا حال الوقف. جاء في البيان للعمراني: «فإن قيل: أليس لو وقف على أولاده وعقبهم .. جاز، وإن كان العقب لم يخلق؟ قلنا: إنما جاز ذلك على سبيل التبع للموقوف عليه الموجود» (١). وجاء في زاد المستقنع: «ويشترط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معين يملك» (٢). ومع اتفاق أكثرهم على هذا الشرط إلا أنهم قد اختلفوا، هل يشترط وجود أهلية التمليك وقت الوقف؟ أو يصح الوقف ولو كانت الأهلية ستوجد، كالوقف أصالة على من سيولد، والوقف على مكان هيئ لبناء مسجد أو مدرسة، والوقف على الجنين، والوقف على الحيوان، والوقف على الذمي، ونحو ذلك من المسائل التي تدخل في أهلية التملك، مما سوف نكشف عنه إن شاء الله تعالى في المباحث التالية، أسأل الله العون والتوفيق. * * *

стр. 7746

المبحث الأول الوقف على الحمل إذا صحت الوصية للحمل صح الوقف عليه. [م-١٥٥٠] اختلف العلماء في الوقف على الحمل على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، واختيار ابن عقيل من الحنابلة (١). على خلاف بينهم في لزومه قبل ولادته، فالمالكية يقولون: صحيح، وغير لازم (٢)، بخلاف الحنفية فإنهم يرون لزومه. وإذا كان الحنفية يصححون الوقف على من لم يوجد فالحمل من باب أولى، جاء في حاشية ابن عابدين نقلًا من الخانية: «ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على من يحدث لي من الولد، وليس له ولد يصح، فإذا أدركت الغلة تقسم على الفقراء، وإن حدث له ولد بعد القسمة تصرف الغلة التي توجد بعد ذلك إلى هذا الولد؛ لأن قوله صدقة موقوفة وقف على الفقراء، وذكر الولد الحادث للاستثناء، كأنه قال: إلا إن حدث لي ولد فغلتها له ما بقي» (٣).

стр. 7747

° وجه القول بصحة الوقف على الحمل: الوجه الأول: قياس الوقف على الوصية، فإذا صحت الوصية للحمل، صح الوقف عليه. ونوقش هذا: بأن الوصية تتعلق بالمستقبل، والوقف تسليط في الحال. الوجه الثاني: أن الوقف من أعمال البر، وليس من باب المعاوضات، فيتسامح فيه. القول الثاني: لا يصح مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية (١). جاء في مغني المحتاج: «فلا يصح الوقف على جنين؛ لعدم صحة تملكه، وسواء أكان مقصودًا أم تابعًا، حتى لو كان له أولاد وله جنين عند الوقف لم يدخل. نعم إن انفصل دخل معهم، إلا أن يكون الواقف قد سمى الموجودين أو ذكر عددهم فلا يدخل كما قاله الأذرعي» (٢). القول الثالث: يصح تبعًا ولا يصح أصالة، وهذا مذهب الحنابلة (٣).

стр. 7748

جاء في الإنصاف: «لا يصح الوقف على الحمل، هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب .... وإيراد المصنف في منع الوقف على الحمل: يختص بما إذا كان الحمل أصلًا في الوقف، أما إذا كان تبعًا بأن وقف على أولاده، أو أولاد فلان، وفيهم حمل، أو انتقل إلى بطن، وفيهم حمل: فيصح بلا نزاع. لكن لا يشاركهم قبل ولادته. على الصحيح من المذهب. نص عليه» (١). ° وجه القول بعدم الصحة: بأن الوقف تمليك في الحال، فاشترط بأن يوجد الموقوف عليه خارجًا متأهلًا للملك. ويناقش: القول بأن الوقف تمليك مسألة خلافية، فهناك من يرى أن الوقف يبقى على ملك الواقف، ومنهم من قال: يخرج الوقف إلى ملك الله ، ومنهم من قال: ينتقل إلى ملك الموقوف عليه، فهي قضية غير مسلمة. ° الراجح: أرى أن القول بصحة الوقف على الحمل هو الأقوى لقوة دليله، فالوقف على الحمل هو وقف ناجز، ويوقف نصيبه إلى حين وجوده كالميراث، فإذا وجد استحقه، وإذا لم يوجد بطل الوقف إلا أن يذكر له مصرفًا بعد الحمل فيصرف إليه. قال شيخنا ابن عثيمين عليه رحمة الله: «ولو ذهب ذاهب إلى صحة الوقف

стр. 7749

على الحمل أصالة لم يكن بعيدًا، ونقول: إن خرج هذا الحمل حيًا حياة مستقرة استحق الوقف، وإلا بطل الوقف ما لم يذكر له مآلًا. مثال ذلك: رجل قال: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، فما المانع من الصحة؟ فيقال: إذا وضعت طفلًا حيًا حياة مستقرة صار الوقف له، وإلا بأن وضعت ميتًا بطل الوقف إلا أن يذكر له مآلًا، مثل أن يقول: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، ثم المساكين، فإنه ينتقل إلى المساكين إذا خرج الحمل ميتًا، فلو قال أحد بهذا لكان قولًا وجيهًا» (١). وما دام قد ثبت القول به عن المالكية والحنفية فإنه يصح أن يكون هذا القول هو اختيار شيخنا؛ لأنه علق القول به إن كان قال به أحد، والله أعلم.

стр. 7750

المبحث الثاني الوقف على المعدوم حين الوقف [م-١٥٥١] اختلف العلماء في صحة وقف الرجل على مسجد لم يبن وقد هيئ مكانه، أو على مدرسة لم تبن، وقد هيئ مكانها، أو على ولد لم يولد، فقد اختلف العلماء في صحته على أقوال: القول الأول: يصح مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (١). القول الثاني: يصح بشرط أن يجعل آخره للفقراء حتى لا يكون منقطع الانتهاء، أو يقول صدقة موقوفة على من يحدث لي من الولد؛ لأن لفظ الصدقة يجعل آخره للفقراء، وهذا مذهب الحنفية (٢).

стр. 7751

القول الثالث: لا يصح مطلقًا وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١). وعلى القول بالصحة، فقد اختلفوا في مصرف الوقف إلى حين وجود الموقوف عليه: فذهب الحنفية إلى أن الغلة تصرف للفقراء إلى أن يولد الولد، أو ينبى المسجد. وأما المالكية فلهم ثلاثة أقوال في المسألة: أحدها: أن الوقف صحيح غير لازم، فللواقف بيعه قبل وجود الموقوف عليه، ولو لم يحصل يأس من وجود الموقوف عليه، فإن وجد الموقوف عليه فقد تم الوقف، ويبقى لزومه متوقفًا على الحيازة. وهذا نص الإمام مالك. الثاني: الوقف صحيح لازم بمجرد عقده. وهذا اختيار ابن القاسم. الثالث: يحكم بحبسه، ويخرج إلى يد ثقة ليصح حوزه، وتوقف ثمرته، فإن وجد الموقوف عليه كان الحبس والغلة له، وإن لم يوجد كان لأقرب الناس للواقف، وهذا اختيار ابن الماجشون. وسبق بحث هذه المسألة وبيان الراجح تحت عنوان: إذا كان الوقف منقطع الابتداء والانتهاء، والله أعلم. * * *

стр. 7752

المبحث الثالث الوقف على الحيوان ما صحت الصدقة عليه صح الوقف عليه. [م-١٥٥٢] سبق أن بحثت اشتراط أهلية التملك في الموقوف عليه، فإذا قلنا: إن ذلك شرط، فهل يصح الوقف على الحيوان باعتبار أن الحيوان لا يصح أن يملك؟ ويدخل في الحيوان الوقف على العبد على القول بأن العبد لا يملك بالتمليك، وقد تركت بحث العبد؛ لأنه لا وجود له في عصرنا. قال المتولي من الشافعية: «الخلاف فيما إذا كانت البهيمة مملوكة. فلو وقف على الوحوش، أو علف الطيور المباحة، فلا يصح بلا خلاف» (١). وقد اختلف العلماء في الوقف على الحيوان على قولين: القول الأول: يصح، وهذا مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، قال ابن الصباغ: وهو ظاهر المذهب، واختاره الحارثي من الحنابلة (٢). قال الخرشي: «قوله على أهل للتملك هو الموقوف عليه، وهو الموصوف بالتملك، والواقف يتصف بالتمليك .... وكلام المؤلف يشمل الموجود

стр. 7753

والمعدوم كالأعقاب، ويشمل العاقل وغيره، والمسلم والكافر» (١). فقوله: (يشمل العاقل وغيره) يدخل فيه الحيوان. جاء في البيان للعمراني: «إن وقف على بهيمة رجل .. ففيه وجهان: .... الثاني: يصح. قال ابن الصباغ: وهو ظاهر المذهب؛ لأن ذلك وقف على مالكها، قال: إلا أنه ينفق منه عليها، فإذا نفقت- أي: ماتت- كان لصاحبها» (٢). ° وجه من قال: يصح الوقف على الحيوان: الوجه الأول: أن الحيوان وإن لم يملك الموقوف عليه، فإنه يصح أن تصرف منفعة الحبس فيه. قال ابن عرفة في تعريف الموقوف عليه: «كل ما جاز صرف منفعة الحبس له أو فيه». فقوله: (له) إشارة لمن يصح تمليك المنفعة له، وقوله: (فيه) إشارة لمن لا يصح تمليك المنفعة له، ولكن تصرف فيه، كالحيوان، والمسجد، ونحوهما، والله أعلم. الوجه الثاني: أن الوقف على الحيوان وقف على مالكها؛ لأن نفقتها واجبة عليه.

стр. 7754

الوجه الثالث: القياس على صحة الوقف على القنطرة والسقاية، قاله الحارثي من الحنابلة (١). القول الثاني: لا يصح الوقف على الحيوان المملوك، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢). قال الشافعية: وهذا في غير الموقوفة، أما الموقوفة فيصح الوقف على علفها (٣). ويختلف الوقف على الحيوان عن الوقف على العبد؛ لأن الحيوان ليس أهلًا للتملك بحال، بخلاف العبد فإنه يملك بتمليك سيده وغيره على قول. جاء في المهذب: «وإن وقف على دابة رجل، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن مؤنتها على صاحبها. والثاني: يجوز؛ لأنه كالوقف على مالكها» (٤).

стр. 7755

وجاء في روضة الطالبين: «وقف على بهيمة وأطلق، هل هو كالوقف على العبد حتى يكون وقفا على مالكها؟ وجهان. أصحهما: لا؛ لأنها ليست أهلًا بحال. ولهذا لا تجوز الهبة لها، والوصية. والثاني: نعم. واختار القاضي أبو الطيب أنه يصح وينفق عليها منه ما بقيت، وعلى هذا، فالقبول لا يكون إلا من المالك. وحكى المتولي في قوله: وقفت على علف بهيمة فلان، أو بهائم القرية، وجهين كصورة الإطلاق» (١). وجاء في الإنصاف: «قوله (والبهيمة) يعني: لا يصح الوقف عليها. وهو المذهب. وعليه الأصحاب» (٢). ° وجه القول بعدم الصحة: أن الوقف تمليك للمنفعة، والحيوان لا يملك. ° الراجح: صحة الوقف على الحيوان (ح-٩٩١) لما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قيل لرسول الله ﷺ : وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر (٣). وذكر شيخنا بأن الحيوان إن كان معينًا فهو الذي قيل فيه لا يجوز؛ لأنه لا يملك، أما لو قال: على خيول الجهاد فهذه جهة، وليست بمعين، فيصح؛ لأنها عامة (٤).

стр. 7756

والذي يظهر لي أن الوقف على الحيوان جائز مطلقًا، سواء كان الوقف على جهة كخيول الجهاد، أو كان معينًا، لأن ما صحت الصدقة عليه صح الوقف عليه، والإنفاق على الحيوان نوع من الصدقة، والله أعلم * * *

стр. 7757

الباب الخامس في أحكام الواقف الفصل الأول في شروط الواقف الجعلية المبحث الأول في اشتراط القربة في شروط الواقف اشتراط القربة في شرط الواقف كاشتراطه في أصل الوقف. اشتراط القربة في الأصل يلزم الشروط المباحة (١). وقيل: لا يلزم من انتفاء جعل المباح جهة للوقف انتفاء جعله شرطًا فيه (٢). الوقف صدقة اختيارية، يحدد الواقف مصرفه، ومقداره، وشروط استحقاقه. [م-١٥٥٣] الشروط نوعان: شروط شرعية متلقاة من الشارع فهذا يجب الالتزام بها، ولا يجوز مخالفتها، مثل كون الوقف لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث.

стр. 7758

وشروط جعلية: وهي التي ينشؤها العاقد. وهذه الشروط منها ما هو صحيح يجب اعتباره، ومنها ما هو باطل مبطل للوقف، ومنها ما هو باطل وحده دون الوقف، وهذا التقسيم مجمع عليه في الجملة كما سيأتي بيانه. والأصل في صحة الشروط في الوقف: (ح-٩٩٢) ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول .... الحديث (١). فاشترط عمر مصرف الوقف، واشترط الأكل لمن وليها والإطعام ... الخ. ولما كان الوقف صدقة اختيارية، كان للواقف أن يحدد مصرف الوقف، ومقداره، وشروط الاستحقاق، والسؤال: هل يشترط في شروط الوقف القربة، أو يكفي ألا يكون فيها معصية؟ وللجواب على ذلك نقول: أما الشروط التي تخالف الشرع فهي باطلة بالاتفاق.

стр. 7759

قال ابن تيمية: «أما اشتراط عمل محرم ـ يعني في الوقف ـ فلا يصح باتفاق المسلمين» (١). والشروط المعتبرة من الطاعات والقرب فهي نافذة بالاتفاق. وأما اشتراط القربة في شروط الواقف فهذا محل خلاف بين الفقهاء، كما اختلفوا في أصل الوقف، هل يشترط فيه القربة، أو لا يشترط؟ القول الأول: لا تعتبر القربة في شروط الواقف، بل يكفي أنها لا تخالف الشرع، ولا تنافي الوقف وهذا مذهب المالكية والشافعية. لأنهم إذا كانوا لا يشترطون القربة في أصل الوقف، كما سبق في مسألة سابقة، لم يشترطوا القربة في شرطه، بل صرح المالكية أنه يجب اتباع شرطه، ولو كان مكروهًا متفقًا على كراهته، وأما المختلف فيه فلا يجوز الإقدام عليه، فإذا وقع مضى. جاء في الشرح الكبير «واتبع وجوبًا شرطه أي الواقف إن جاز شرعًا، ومراده بالجواز ما قابل المنع، فيشمل المكروه، ولو متفقًا على كراهته، فإن لم يجز لم يتبع» (٢). وجاء في الشرح الصغير: «(فإن لم يجز لم يتبع): أي إن كان ممنوعا باتفاق.

стр. 7760

وأما المختلف فيه كاشتراط إخراج البنات من وقفه إذا تزوجن فهذا لا يجوز الإقدام عليه، فإذا وقع مضى» (١). وقال الخرشي: «الواقف إذا شرط في كتاب وقفه شروطًا فإنه يجب اتباعها حسب الإمكان إن كانت تلك الشروط جائزة؛ لأن ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع، فإن شرط شروطًا غير جائزة فإنه لا يتبع ... فمثال ما هو جائز كتخصيصه مذهبًا بعينه أو مدرسةً بعينها، أو ناظرًا بعينه، فلا يجوز العدول عنه إلى غيره» (٢). وقال النووي: «شروط الواقف مرعية ما لم يكن فيها ما ينافي الوقف» (٣). وقال ابن حجر الهيتمي: «تصح شروط الواقف ويعمل بها ما لم تخالف الشرع» (٤). ووافقهم الحنفية والحنابلة في المشهور، وإن كانوا يشترطون القربة في أصل الوقف إذا كان على جهة، كما سبق بحثه في مسألة سابقة. فقد نص الحنفية في إجارة الوقف أن الواقف إذا اشترط مدة معينة في إجارة الوقف فهو على ما شرط، طالت أو قصرت؛ لأن شروط الواقف تراعى كالنصوص (٥).

стр. 7761

وجاء في الاختيار لتعليل المختار: لا تجوز إجارة الوقف أكثر من المدة التي شرطها الواقف ; لأنه يجب اعتبار شرط الواقف؛ لأنه ملكه أخرجه بشرط معلوم، ولا يخرج إلا بشرطه» (١). وقال ابن عابدين: «شروط الواقف كنصوص الشارع في الإعمال». وهذا فيه مبالغة بوجوب التقيد بشرط الواقف. وجاء في الإنصاف: «ظاهر كلام المصنف وغيره: أن الشرط المباح الذي لا يظهر قصد القربة منه يجب اعتباره في كلام الواقف. قال الحارثي: وهو ظاهر كلام الأصحاب، والمعروف في المذهب» (٢). ° وجه القول بأن القربة ليست شرطًا في شروط الوقف: الوقف من عقود التبرع، فإذا تبرع الواقف بماله واشترط لذلك شروطًا مباحة لم يخرج ماله إلا بشرطه، كما أن الهبات والتبرعات والوصايا يجب أن يعمل فيها بشرط صاحبها، فكذلك الوقف. ولعموم قوله ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٣).

стр. 7762

قال ابن مفلح في المبدع: «ولأن الوقف متلقى من جهته فاتبع شرطه ونصه كنص الشارع» (١). وسوف نتكلم عن القول بأن شرط الواقف كنص الشارع في مسألة حكم تغيير شرط الواقف إن شاء الله تعالى. وجاء في مطالب أولي النهى: «(ويرجع): - بالبناء للمفعول - عند التنازع في شيء من أمر الوقف (وجوبًا لشرط واقف) .... لأن عمر شرط في وقفه شروطًا، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة. ولأن ابن الزبير وقف على ولده، وجعل للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة، ولا مضر بها، فإذا استغنت بزوج فلا حق لها فيه؛ ولأن الوقف متلقى من جهته؛ فاتبع شرطه، ونصه كنص الشارع، (ولو) كان الشرط (مباحًا)؛ كشرطه الدار الموقوفة أن تكون للسكنى دون الاستغلال؛ فإنه يجب اعتباره في كلام الواقف. قال الحارثي: وهو ظاهر كلام الأصحاب، والمعروف في المذهب الوجوب، وهو الصحيح، خلافا للشيخ تقي الدين» (٢). القول الثاني: يشترط في شروط الوقف أن تكون قربة كالقول في أصل الوقف إذا كان على جهة، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم.

стр. 7763

قال ابن تيمية: «والأصل أن كل ما شرط من العمل في الوقوف التي توقف على الأعمال فلابد أن تكون قربة: إما واجباً، وإما مستحباً» (١). ° دليل من قال: تشترط القربة في شروط الواقف . الدليل الأول: كل دليل استدل به على وجوب القربة في أصل الوقف فهو دليل صالح لوجوب القربة في شرط الوقف؛ لأن الباب واحد، وقد ذكرنا أدلتهم في مسألة سابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. قال ابن القيم: «والوقف إنما يصح على القرب والطاعات، ولا فرق في ذلك بين مصرفه، وجهته، وشرطه؛ فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف، فإذا اشترط أن يكون المصرف قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا» (٢). وجاء في الإنصاف: «وقال شيخنا يعني به الشيخ تقي الدين ﵀ ... اشتراط القربة في الأصل يلزم الشروط المباحة» (٣). ونوقش هذا: أن الشرط في الوقف أخف من أصله، فإذا صرف أصل الوقف على قربة، ثم اشترط الواقف بعض الشروط المباحة التي تقتضي تخصيصًا أو تقييدًا احتمل

стр. 7764

ذلك، لأن الواقف لم تطب نفسه بهذا المال إلا بهذه الشروط، فوجب مراعاتها، واحترام شرطه، والغالب أن له غرضًا فيها وإن كان مباحًا. ولم يخرج الوقف بذلك عن كونه قربة، بخلاف القول في أصل الوقف إذا صرف إلى غير قربة. قال في كشاف القناع: «لا يلزم من انتفاء جعل المباح جهة للوقف انتفاء جعله شرطًا فيه؛ لأن جعله أصلًا في الجهة مخل بالمقصود، وهو القربة، وجعله شرطًا لا يخل به، فإن الشرط إنما يفيد تخصيص البعض بالعطية، وذلك لا يرفع أصل القربة، وأيضًا فإنه من قبيل التوابع، والشيء قد يثبت له حال تبعيته ما لا يثبت له حال أصالته» (١). والله أعلم. الدليل الثاني: قال ابن القيم: شروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين، فكما أنه لا يوفي من النذور إلا بما كان طاعة لله ورسوله، فلا يلزم من شروط الواقفين إلا ما كان طاعة الله ورسوله .... ولما نذر أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس، ولا يجلس، ولا يتكلم، أمره النبي ﷺ أن يجلس في الظل ويتكلم ويتم صومه، فألزمه بالوفاء بالطاعة، ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة (٢). وهكذا أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحج ماشية مكشوفة الرأس، أمرها أن تختمر، وتركب، وتحج، وتهدي بدنة (٣)، فهكذا الواجب على أتباع الرسول

стр. 7765

صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أن يعتمدوا في شروط الواقفين» (١). وقال أيضًا: «شروط الواقفين أربعة أقسام: شروط محرمة في الشرع، وشروط مكروهة لله تعالى ورسوله ﷺ وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله ﷺ ، وشروط تتضمن فعل ما هو أحب إلى الله تعالى ورسوله، فالأقسام الثلاثة الأول لا حرمة لها، ولا اعتبار، والقسم الرابع هو الشرط المتبع الواجب الاعتبار، وبالله التوفيق» (٢). ° الراجح: الأصل هو العمل بشرط الواقف، وأنه واجب الاتباع في التقديم والتأخير، والجمع والترتيب، والتسوية والتفضيل، وإخراج من شاء، وإدخال من شاء، كما لو اشترط أن يكون الوقف على المردودة (المطلقة) من بناته كما فعل الزبير، وكما لو اشترط أن يكون البيت للسكنى لا للاستثمار، فهذا غرض مباح، وله قصد صحيح، وإذا كان الفقهاء متفقين على أن الوقف على معين لا يشترط أن يكون على بر ومعروف فالشرط فيه من باب أولى، ومع هذا فإذا قام معارض أقوى بما يعود على الواقف والوقف والموقوف عليه بالخير جازت مخالفة شرط الواقف ولو كانت واجبة الاتباع كما قلنا ذلك في بيع الوقف واستبداله للمصلحة مع أن الأصل في الوقف أنه لا يباع، فإذا اقتضت المصلحة بيعه واستبداله جاز ذلك، ويجب أن يكون تقدير ذلك ليس للناظر، وإنما الحكم

стр. 7766

للجنة شرعية بإشراف القضاء، حتى لا يفتح باب العبث بالأوقاف، وسيأتي مزيد بحث إن شاء الله تعالى في حكم تغيير شرط الواقف في مسألة مستقلة، والله أعلم. * * *

стр. 7767

المبحث الثاني في الشروط الباطلة المبطلة كل شرط يخالف الشرع، أو ينافي موجب العقد فإنه باطل. [م-١٥٥٤] ذهب عامة الفقهاء إلى أن الواقف إذا شرط شروطًا تنافي الوقف ومقتضاه فإن الشرط والوقف باطل وإن اختلفوا في بعض المسائل، هل هي منه أو لا؟ ° أمثلة ذلك عند الحنفية: المثال الأول: إذا شرط أن له بيعه متى شاء، فإن كان بشرط الاستبدال صح، وإن كان بدون شرط الاستبدال فالوقف باطل. المثال الثاني: إذا وقف وقفًا وشرط رجوعه إليه بعد مدة معينة، فالوقف باطل. المثال الثالث: إذا وقف بشرط أن يهبه، أو أن يعود إلى ورثته بعد موته فالوقف باطل (١). قال الخصاف: «وإذا وقف الرجل الوقف على قوم، ثم من بعدهم على المساكين واستثنى أن له أن يبيع ذلك فالوقف باطل، ويرجع ذلك ميراثًا إلى ورثته، وإن كان الواقف حيًا فالوقف على ملكه، يصنع به ما شاء» (٢).

стр. 7768

وجاء في أحكام الوقف لهلال بن يحيى الحنفي: «أرأيت رجلًا قال: أرضي صدقة موقوفة لله أبدًا على أن لي أن أبيعها، وأشتري بثمنها أرضًا تكون موقوفة لله أبدًا ... قال: الوقف جائز، والشرط جائز، وله أن يبيعها، ويستبدل بها ..... قلت: أرأيت إن شرط أن يبيعها، ولم يشترط أن يستبدل بها؟ قال: الوقف باطل لا يجوز» (١). وجاء في الاختيار لتعليل المختار: «وإذا وقته بشهر أو سنة بطل اتفاقًا» (٢). وجاء في كتاب أحكام الوقف لهلال: «أرأيت رجلًا جعل أرضه صدقة موقوفة على أن له إبطالها كلما بدا له. قال: الوقف باطل لا يجوز ..... وكذلك لو قال: صدقة آخذ ثمنها، وأعطيه فلانًا؟ قال: نعم الوقف باطل، لا يجوز. قلت: وكذلك لو قال: صدقة موقوفة على أن لي أن أهب أصلها كلما بدا لي؟ قال: نعم ..... قلت: وكذلك لو قال: أبطل وجوه الصدقة، وأجعلها مطلقة؟ قال: نعم، هذا كله باطل لا يجوز، وهذا كله خلاف ما كانت عليه الوقوف القديمة؛ لأن الوقوف القديمة إنما هي على أن لا رجعة فيها، وإذا قال: صدقة موقوفة على أن لي إبطالها، فهذا عندي متناقض؛ لأن معنى الوقف عند الناس: هو الذي يوقف أبدا، وإذا قال: على أن لي إبطالها فهذا متناقض» (٣).

стр. 7769

° أمثلة للشرط الباطل المبطل عند المالكية: لما كان المالكية من أوسع المذاهب في الشروط الجعلية للواقف كانت الأمثلة قليلة في المذهب، فهم لا يشترطون التأبيد في الوقف، ويصححون شرط التوقيت في الوقف، وإذا اشترط أن للموقوف عليه أن يبيعه إذا احتاج صح شرطه، كما يصححون التعليق في صيغة الوقف ... الخ (١): ومن الأمثلة التي وقفت عليها مما يصلح مثالًا على أحد الأقوال في مذهب المالكية: المثال الأول: إذا وقف على نبيه ا لذكور دون الإناث بطل الوقف. واختار ابن القاسم: أن الوقف إن كان في يد الواقف لم يخرج منه فإنه يطالب بتصحيحه، وإن حيز أو مات مضى على شرطه. جاء في شرح الخرشي: «وكذلك يبطل الوقف إذا وقف على بنيه الذكور دون الإناث ... ولو وقفه على الجميع، وشرط أن من تزوجت من البنات لا حق لها في الوقف، وتخرج منه، فإنه يكون باطلًا أيضًا» (٢). وجاء في الكافي في فقه أهل المدينة: «وقد روي عن مالك قال: ومن حبس على ذكور ولده، وأخرج النساء بطل الحبس، وعاد ميراثًا، رواها ابن وهب وغيره.

стр. 7770

وقال ابن وهب: أخبرني يزيد بن عياض عن أبي بكر بن حزم أن عمر بن عبد العزيز مات حين مات وإنه ليريد أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء. قال مالك: ومن حبس وشرط أن من تزوج من بناته فلا حق لها إلا أن يردها راد نقض ذلك حتى يرد الى الصواب. وفيه اختلاف، والقضاة عندنا يجيزونه، ونقضه أحب إلي» (١). ورأى ابن القاسم إذا فات ذلك أن يمضي على ما حبس، وإن كان حيا ولم يحز عنه الحبس فليرده ويدخل فيه البنات، وإن حيز عنه أو مات مضى على شرطه، ولم يفسخه القاضي (٢). قال ابن رشد الجد: «ظاهر قول مالك هذا أَن الحبس لا يجوز ويبطل على كل حال، خلافُ مذهب ابن القاسم في أنه يمضي إذا فات ولا ينقض» (٣). المثال الثاني: من الشروط الباطلة المبطلة عند المالكية إذا شرط النظر لنفسه، وبقي الوقف في يده حتى حصل مانع من جنون، أو موت، أو فلس فإن الوقف يبطل، فإن اطلع عليه قبل حصول المانع كان الوقف صحيحًا، وأجبر على جعل النظر لغيره إلا أن يوقف على ولده ا لصغير فإنه لا يبطل بجعل النظر لنفسه؛ لأنه هو الذي يحوزه له.

стр. 7771

جاء في شرح الخرشي: «من وقف وقفًا على غيره، وشرط أن النظر له، فإن الوقف يكون باطلًا؛ لأن فيه تحجيرًا: أي وحصل مانع للواقف، وإلا صح الوقف» (١). وجاء في منح الجليل: «وبطل إن وقف على غيره فقط وشرط (أن النظر) على وقفه (له) أي الواقف فهو باطل إذا لم يكن الموقوف عليه محجورًا له، وإلا فلا يبطل؛ لأنه الذي يحوز لمحجوره، ويتصرف له كما في المدونة وغيرها. ابن شاس في المختصر الكبير: لا يجوز للرجل أن يحبس، ويكون هو ولي الحبس. محمد: فيمن حبس غلة داره في صحته على المساكين، وتولى عليها حتى مات، وهي بيده، أنها ميراث، وكذلك لو شرط في حبسه أنه يليه، قاله ابن القاسم وأشهب» (٢). المثال الثالث: إذا اشترط أن يصرف الحبس على نفسه، فهذا باطل بالاتفاق عند المالكية، وسبق بحث هذه المسألة والخلاف فيها. قال ابن عرفة: «الحبس على نفس المحبس وحده باطل اتفاقًا» (٣). أي في المذهب.

стр. 7772

المثال الرابع: ذكر الونشريسي في المعيار المعرب في الوقف على أهل البدع من أهل الطرق أنه باطل، وأنه باق على ملك صاحبه، ويورث عنه (١). ° أمثلة للشرط الباطل المبطل عند الشافعية: من أمثلة الشروط الباطلة المبطلة عند الشافعية كل شرط مناف للعقد: قال الماوردي: «فلو وقفها على أنه إن احتاج إليها باعها، أو رجع فيها، أو أخذ غلتها فهو وقف باطل ... لأن الشروط المنافية للعقود مبطلة لها إذا اقترنت بها ... وحكى ابن سريج في هذا الوقف وجهًا آخر أن الشرط باطل، والوقف جائز، وليس له بيعه أبدًا» (٢). وقال النووي: «لو وقف بشرط الخيار، أو قال: بشرط أني أبيعه، أو أرجع فيه متى شئت فباطل ... ولو وقف على ولده أو غيره بشرط أن يرجع إليه إذا مات، فهو باطل على المذهب، وعن البويطي أنه على قولين أخذًا من مسألة العمرى» (٣). ° أمثلة للشرط الباطل المبطل عند الحنابلة: الضابط عند الحنابلة للشرط الباطل المبطل هو في كل شرط ينافي مقتضى الوقف، ويذكرون له أمثلة كثيرة، من ذلك:

стр. 7773

لو شرط أن يخرج من شاء من الموقوف عليهم ويدخل من شاء من غير الموقوف عليهم لم يصح الوقف. وكذلك لو شرط الواقف ألا ينتفع الموقوف عليه من الوقف. جاء في الإنصاف: «وإن شرط له أن يخرج من شاء من أهل الوقف، ويدخل من شاء من غيرهم لم يصح؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده، كما لو شرط ألا ينتفع به» (١). ومن ذلك لو اشترط الخيار في الوقف، أو التوقيت، أو الرجوع فيه، أو بيعه متى شاء، أو تغيير جهة الوقف جاء في كشاف القناع: «وإن شرط الواقف في الوقف شرطًا فاسدًا، كخيار فيه، بأن قال: وقفته بشرط الخيار أبدًا، أو مدة معينة لم يصح، أو بشرط تحويله أي: الوقف عن الموقوف عليه إلى غيره، بأن قال: وقفت داري على كذا، على أن أحولها عن هذه الجهة، أو عن الوقفية، بأن أرجع فيها متى شئت، لم يصح الوقف. وكشرطه تغيير شرطه، وكشرط بيعه متى شاء وشرطه هبته، وشرطه متى شاء أبطله، ونحوه لم يصح الوقف؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف» (٢). هذه أمثلة في كل مذهب للشروط الباطلة المبطلة، ولم أقصد من ذكرها تحرير القول فيها، وبيان الراجح منها، لأني سوف أعرض لهذه الأمثلة أو لكثير منها في مسائل مستقلة، وإنما الغرض من ذكرها بيان تقسيم الشروط عند المدارس الفقهية، والله الموفق والمستعان وحده. * * *

стр. 7774

المبحث الثالث في الشروط الباطلة غير المبطلة الشرط إما أن يقتضيه العقد أو لا: فإن اقتضاه فهو صحيح. وإن لم يقتضيه العقد، فإما أن يكون من مصلحته أو لا: فإن كان من مصلحته فهو صحيح، وإن لم يكن من مصلحة العقد، فإما أن يتعلق به غرض أو لا: فإن لم يتعلق به غرض صح العقد وبطل الشرط، وإن تعلق به غرض صح العقد والشرط ما لم يخالف الشرع أو ينافي موجب العقد. هناك شروط في الوقف تعتبر باطلة، ولكنها لا تفسد الوقف. ° أمثلة ذلك عند الحنفية: إذا شرط الواقف شروطًا تخالف الشرع، أو تضر بالوقف، أو بالموقوف عليه، أو شرط شروطًا لا فائدة فيها، ولا غرض له صحيح في اشتراطها، صح الوقف وبطلت: جاء في قانون العدل والإنصاف: «للقاضي مخالفة شرط الواقف إن كان مخالفًا للشرع، فإن شرط الولاية لنفسه على وقفه، أو شرطها لغيره، واشترط أن لا ينزعه من يده قاض ولا سلطان، فللقاضي مخالفة شرطه، ونزع الوقف من يده، أو من يد الناظر المشروط له إن كان غير مأمون عليه، أو غير أهل للقيام بأموره، وكذلك إذا نص

стр. 7775

في وقفيته على أن لا يشارك أحد الناظر الذي نصبه في الكلام على وقفه، ورأى القاضي أن يضم إليه مشارك فأجاز له ذلك، وإن خالف شرط الواقف» (١). ومنها ما ذكره صاحب المحيط البرهاني: أنه «لو شرط الواقف أن ليس له إخراج القيم، فهذا الشرط باطل؛ لأنه مخالف لحكم الشرع؛ لأن القوامة وكالة، والوكالة ليست بلازمة» (٢). وجاء في قانون العدل والإنصاف: «إذا شرط ـ يعني الواقف ـ الاستواء بين أرباب الشعائر والعمارة، وضاق ريع الوقف، فلا يراعى شرطه، وتقدم العمارة على سائر الجهات الضرورية لانتظام مصالح المسجد، أو المدرسة» (٣). وهذا منصوص عليه في البحر الرائق، قال: «ولو شرط الواقف استواء العمارة بالمستحقين لم يعتبر شرطه» (٤). وقال ابن نجيم: «شرط الواقف يجب اتباعه لقولهم: شرط الواقف كنص الشارع أي في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة، كما بيناه في شرح
следующие страницы →