جاء في شرح الخرشي: «من وقف وقفًا على غيره، وشرط أن النظر له، فإن الوقف يكون باطلًا؛ لأن فيه تحجيرًا: أي وحصل مانع للواقف، وإلا صح الوقف» (١).
وجاء في منح الجليل: «وبطل إن وقف على غيره فقط وشرط (أن النظر) على وقفه (له) أي الواقف فهو باطل إذا لم يكن الموقوف عليه محجورًا له، وإلا فلا يبطل؛ لأنه الذي يحوز لمحجوره، ويتصرف له كما في المدونة وغيرها.
ابن شاس في المختصر الكبير: لا يجوز للرجل أن يحبس، ويكون هو ولي الحبس.
محمد: فيمن حبس غلة داره في صحته على المساكين، وتولى عليها حتى مات، وهي بيده، أنها ميراث، وكذلك لو شرط في حبسه أنه يليه، قاله ابن القاسم وأشهب» (٢).
المثال الثالث:
إذا اشترط أن يصرف الحبس على نفسه، فهذا باطل بالاتفاق عند المالكية، وسبق بحث هذه المسألة والخلاف فيها.
قال ابن عرفة: «الحبس على نفس المحبس وحده باطل اتفاقًا» (٣). أي في المذهب.
стр. 7772
المثال الرابع:
ذكر الونشريسي في المعيار المعرب في الوقف على أهل البدع من أهل الطرق أنه باطل، وأنه باق على ملك صاحبه، ويورث عنه (١).
° أمثلة للشرط الباطل المبطل عند الشافعية:
من أمثلة الشروط الباطلة المبطلة عند الشافعية كل شرط مناف للعقد:
قال الماوردي: «فلو وقفها على أنه إن احتاج إليها باعها، أو رجع فيها، أو أخذ غلتها فهو وقف باطل ... لأن الشروط المنافية للعقود مبطلة لها إذا اقترنت بها ... وحكى ابن سريج في هذا الوقف وجهًا آخر أن الشرط باطل، والوقف جائز، وليس له بيعه أبدًا» (٢).
وقال النووي: «لو وقف بشرط الخيار، أو قال: بشرط أني أبيعه، أو أرجع فيه متى شئت فباطل ... ولو وقف على ولده أو غيره بشرط أن يرجع إليه إذا مات، فهو باطل على المذهب، وعن البويطي أنه على قولين أخذًا من مسألة العمرى» (٣).
° أمثلة للشرط الباطل المبطل عند الحنابلة:
الضابط عند الحنابلة للشرط الباطل المبطل هو في كل شرط ينافي مقتضى الوقف، ويذكرون له أمثلة كثيرة، من ذلك:
стр. 7773
لو شرط أن يخرج من شاء من الموقوف عليهم ويدخل من شاء من غير الموقوف عليهم لم يصح الوقف.
وكذلك لو شرط الواقف ألا ينتفع الموقوف عليه من الوقف.
جاء في الإنصاف: «وإن شرط له أن يخرج من شاء من أهل الوقف، ويدخل من شاء من غيرهم لم يصح؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده، كما لو شرط ألا ينتفع به» (١).
ومن ذلك لو اشترط الخيار في الوقف، أو التوقيت، أو الرجوع فيه، أو بيعه متى شاء، أو تغيير جهة الوقف
جاء في كشاف القناع: «وإن شرط الواقف في الوقف شرطًا فاسدًا، كخيار فيه، بأن قال: وقفته بشرط الخيار أبدًا، أو مدة معينة لم يصح، أو بشرط تحويله أي: الوقف عن الموقوف عليه إلى غيره، بأن قال: وقفت داري على كذا، على أن أحولها عن هذه الجهة، أو عن الوقفية، بأن أرجع فيها متى شئت، لم يصح الوقف.
وكشرطه تغيير شرطه، وكشرط بيعه متى شاء وشرطه هبته، وشرطه متى شاء أبطله، ونحوه لم يصح الوقف؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف» (٢).
هذه أمثلة في كل مذهب للشروط الباطلة المبطلة، ولم أقصد من ذكرها تحرير القول فيها، وبيان الراجح منها، لأني سوف أعرض لهذه الأمثلة أو لكثير منها في مسائل مستقلة، وإنما الغرض من ذكرها بيان تقسيم الشروط عند المدارس الفقهية، والله الموفق والمستعان وحده.
* * *
стр. 7774
المبحث الثالث
في الشروط الباطلة غير المبطلة
الشرط إما أن يقتضيه العقد أو لا: فإن اقتضاه فهو صحيح.
وإن لم يقتضيه العقد، فإما أن يكون من مصلحته أو لا:
فإن كان من مصلحته فهو صحيح، وإن لم يكن من مصلحة العقد، فإما أن يتعلق به غرض أو لا:
فإن لم يتعلق به غرض صح العقد وبطل الشرط، وإن تعلق به غرض صح العقد والشرط ما لم يخالف الشرع أو ينافي موجب العقد.
هناك شروط في الوقف تعتبر باطلة، ولكنها لا تفسد الوقف.
° أمثلة ذلك عند الحنفية:
إذا شرط الواقف شروطًا تخالف الشرع، أو تضر بالوقف، أو بالموقوف عليه، أو شرط شروطًا لا فائدة فيها، ولا غرض له صحيح في اشتراطها، صح الوقف وبطلت:
جاء في قانون العدل والإنصاف: «للقاضي مخالفة شرط الواقف إن كان مخالفًا للشرع، فإن شرط الولاية لنفسه على وقفه، أو شرطها لغيره، واشترط أن لا ينزعه من يده قاض ولا سلطان، فللقاضي مخالفة شرطه، ونزع الوقف من يده، أو من يد الناظر المشروط له إن كان غير مأمون عليه، أو غير أهل للقيام بأموره، وكذلك إذا نص
стр. 7775
في وقفيته على أن لا يشارك أحد الناظر الذي نصبه في الكلام على وقفه، ورأى القاضي أن يضم إليه مشارك فأجاز له ذلك، وإن خالف شرط الواقف» (١).
ومنها ما ذكره صاحب المحيط البرهاني: أنه «لو شرط الواقف أن ليس له إخراج القيم، فهذا الشرط باطل؛ لأنه مخالف لحكم الشرع؛ لأن القوامة وكالة، والوكالة ليست بلازمة» (٢).
وجاء في قانون العدل والإنصاف: «إذا شرط ـ يعني الواقف ـ الاستواء بين أرباب الشعائر والعمارة، وضاق ريع الوقف، فلا يراعى شرطه، وتقدم العمارة على سائر الجهات الضرورية لانتظام مصالح المسجد، أو المدرسة» (٣).
وهذا منصوص عليه في البحر الرائق، قال: «ولو شرط الواقف استواء العمارة بالمستحقين لم يعتبر شرطه» (٤).
وقال ابن نجيم: «شرط الواقف يجب اتباعه لقولهم: شرط الواقف كنص الشارع أي في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة، كما بيناه في شرح
стр. 7776
الكنز إلا في مسائل:
الأولى: شرط أن القاضي لا يعزل الناظر فله عزل غير الأهل.
الثانية: شرط أن لا يؤجر وقفه أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجاره سنة أو كان في الزيادة نفع للفقراء، فللقاضي المخالفة دون الناظر.
الثالثة: لو شرط أن يقرأ على قبره فالتعيين باطل.
الرابعة: شرط أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا كل يوم لم يراع شرطه، فللقيم التصدق على سائل غير ذلك المسجد أو خارج المسجد، أو على من لا يسأل.
الخامسة: لو شرط للمستحقين خبزًا أو لحمًا معينا كل يوم، فللقيم أن يدفع القيمة من النقد، وفي موضع آخر لهم طلب العين وأخذ القيمة،
السادسة: تجوز الزيادة من القاضي على معلوم الإمام إذا كان لا يكفيه، وكان عالمًا تقيًا.
السابعة: شرط الواقف عدم الاستبدال، فللقاضي الاستبدال إذا كان أصلح» (١).
° أمثلة للشروط الباطلة غير المبطلة عند المالكية:
المثال الأول:
أخذ الرهن على أعيان الوقف.
стр. 7777
جاء في مواهب الجليل: «إذا وقف كتابًا على عامة المسلمين، وشرط ألا يعار إلا برهن فهل يصح هذا الرهن أم لا؟
فأجاب: لا يصح هذا الرهن؛ لأنها غير مضمونة في يد موقوف عليه، ولا يقال لها عارية أيضًا، بل الآخذ لها إن كان من أهل الوقف مستحقًا للانتفاع فيده عليها يد أمانة، فشرط أخذ الرهن عليها فاسد، ويكون في يد الخازن للكتب أمانة؛ لأن فاسد العقود في الضمان كصحيحها والرهن أمانة» (١).
المثال الثاني:
اشتراط العمارة على الموقوف عليه.
جاء في تهذيب المدونة: «ومن حبس دارًا على رجل، وعلى ولده، وولد ولده، واشترط على الذي حبس عليه إصلاح ما رثَّ منها من ماله، لم يجز، وهو كراء مجهول، لكن يمضي ذلك، ولا مرمة عليه، وترم من غلتها، وقد فاتت في سبيل الله، ولا يشبه البيوع» (٢).
المثال الثالث:
اشتراط تقديم المستحق على عمارة الوقف.
جاء في التاج والإكليل: «لو شرط الواقف ما يجوز أن يبدأ من غلتها بمنافع أهله، ويترك إصلاح ما يتخرم منه، بطل شرطه» (٣).
стр. 7778
° أمثلة للشروط الباطلة غير المبطلة عند الشافعية:
ذكر بعض الشافعية أمثلة يفسد فيها الشرط وحده دون الوقف، وإن كان جمهورهم في هذه الأمثلة على فساد الوقف لفساد الشرط، لهذا سوف أنسب هذه الأقوال إلى أصحابها من الشافعية:
المثال الأول:
إذا اشترط أنه متى احتاج باع الوقف.
قال الماوردي: «لو وقفها على أنه إن احتاج إليها باعها، أو رجع فيها، أو أخذ غلتها فهو وقف باطل ...... وحكى ابن سريج في هذا الوقف وجهًا آخر أن الشرط باطل، والوقف جائز، وليس له بيعه أبدًا» (١).
المثال الثاني:
في وقف الإنسان على نفسه.
قال النووي: «وفي وقف الإنسان على نفسه وجهان، أصحهما بطلانه، وهو المنصوص ... وحكى ابن سريج ... أنه يصح الوقف، ويلغو شرطه» (٢).
المثالث الثالث:
إذا اشترط في وقف العقار عدم التأجير.
ذكر إمام الحرمين أنه لو وقف دارًا على معينين، وشرط أن يسكنوها، ولا يؤجرها، فقد اختار بعض الشافعية أنه لا حجر عليهم بناء على أن الوقف سبيله
стр. 7779
سبيل التمليك، فالمنع من الاستغلال حجر على الملك، فكان فاسدًا، واختار أكثرهم أن شرطه متبع (١).
المثال الرابع:
إذا شرط في وقف المسجد اختصاصه بطائفة معينة كالشافعية اختص بهم، والثاني: لا يختص بهم. قال الإمام: ويلغو الشرط (٢).
المثال الخامس:
جاء في حاشية الرملي: «لو وقف داره على مسجد كذا ولأمه سكناها مدة حياتها فهل يصح ويلغو الشرط أو يبطل الوقف يحتمل وجهين أصحهما أولهما» (٣).
المثال السادس:
جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «ولو وقف على أولاده إلا من يسلم منهم، فقال شيخنا الرملي: لم يصح الوقف. وقال السبكي يصح ويلغو الشرط» (٤).
° أمثلة للشروط الباطلة غير المبطلة عند الحنابلة:
اختار ابن تيمية من الحنابلة لزوم العمل بالشرط المستحب خاصة (٥)، وعليه فالشروط المباحة لا يلزم العمل بها.
стр. 7780
وجاء في الفروع: «الشروط إنما يلزم الوفاء بها إذا لم يفض ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشرعي، ولا تجوز المحافظة على بعضها مع فوات المقصود بها، قال: ومن شرط في القربات أن يقدم فيها الصنف المفضول فقد شرط خلاف شرط الله، كشرطه في الإمامة تقديم غير الأعلم، فكيف إذا شرط أن يختص بالصنف المفضول؟» (١).
المثال الأول:
جاء في كشاف القناع: «(ولو شرط البيع عند خرابه) أي: الوقف، (وصرف الثمن في مثله، أو شرطه للمتولي بعده)، وهو من ينظر في الوقف (فسد الشرط فقط)، وصح الوقف مع إلغاء الشرط كما في الشروط الفاسدة في البيع» (٢).
المثال الثاني:
جاء في الفروع: «وقيل: لا يتعين طائفة وقف عليها مسجدًا، أو مقبرة كالصلاة فيه» (٣).
المثال الثالث:
قال في المبدع: «إن وقف ذمي على ذمي شيئًا، وشرط أنه يستحقه ما دام ذميا، فأسلم فله أخذه أيضا؛ لأن الواقف عينه له، ويلغو شرطه» (٤).
стр. 7781
هذه أمثلة في كل مذهب للشروط الباطلة غير المبطلة ولم أقصد الاستيعاب، ولا تحرير الصواب منها، وبيان الراجح؛ لأني سوف أعرض لكثير من هذه الأمثلة بالدراسة في مسائل مستقلة، وإنما العرض من ذكرها بيان تقسيم الشروط الجعلية عند المدارس الفقهية، والله الموفق.
* * *
стр. 7782
المبحث الرابع
معنى قول الفقهاء شرط الواقف كنص الشارع
شرط الواقف كنص الشارع في وجوب العمل وفي المفهوم والدلالة ما لم يخالف الشرع، أو ينافي موجب العقد.
الشرط الذي لا يفيد ولا غرض منه صحيح لا يكون معتبراً.
[م-١٥٥٥] أطلق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم القول: بأن شرط الواقف كنص الشارع عند الكلام على شروط الواقف، وقام جدل فقهي في معنى هذا القول وفي مدلوله، ويرجع الاختلاف في تفسير هذه العبارة الاختلاف في اشتراط القربة في شروط الوقف، وقد سبق بحث ذلك، وفي حكم اتباع شرط الواقف إذا كان مباحًا غير مخالف للشرع، وهل يجوز تغيير شرط الواقف المباح، ونحو ذلك:
وقد اختلف الفقهاء في معنى هذه العبارة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
شرط الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة، وفي وجوب اتباعه والعمل به. وهذا مذهب الحنفية.
قال ابن نجيم: «شرط الواقف يجب اتباعه لقولهم: شرط الواقف كنص الشارع: أي في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة» (١).
стр. 7783
وقال ابن عابدين في حاشيته: «قولهم شرط الواقف كنص الشارع: أي في المفهوم والدلالة، ووجوب العمل به» (١).
«قال العلامة قاسم: قلت: وإذا كان المعنى ما ذكر فما كان من عبارة الواقف من قبيل المفسر لا يحتمل تخصيصًا ولا تأويلًا يعمل به، وما كان من قبيل الظاهر كذلك، وما احتمل وفيه قرينة حمل عليها، وما كان مشتركًا لا يعمل به؛ لأنه لا عموم له عندنا، ولم يقع فيه نظر المجتهد ليترجح أحد مدلوليه، وكذلك ما كان من قبيل المجمل إذا مات الواقف، وإن كان حيًا يرجع إلى بيانه هذا معنى ما أفاداه» (٢).
القول الثاني:
شرط الواقف كنص الشارع في وجوب اتباعه والعمل به ما لم يخالف الشرع، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
قال الخرشي: «الواقف إذا شرط في كتاب وقفه شروطًا فإنه يجب اتباعها حسب الإمكان، إن كانت تلك الشروط جائزة؛ لأن ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع، فإن شرط شروطا غير جائزة فإنه لا يتبع» (٣).
وقال الرملي: «شرط الواقف العمارة على الساكن معمول به؛ لأنه كنص الشارع» (٤).
стр. 7784
وجاء في منحة الخالق نقلًا عن الرملي: «يصح أن يكون التشبيه في وجوب العمل أيضًا من جهة أن الصرف في الوقف على اتباع شرطه؛ لأنه إنما أوصى بملكه، فهذه الشروط لابد من مراعاتها» (١).
وقال البهوتي في كشاف القناع بعد أن ذكر رأي ابن تيمية، قال: «فالصحيح أنه في وجوب العمل» (٢).
وقال ابن مفلح في المبدع: «ولأن الوقف متلقى من جهته فاتبع شرطه ونصه كنص الشارع» (٣).
وجاء في مطالب أولي النهى: «(ويرجع): - بالبناء للمفعول - عند التنازع في شيء من أمر الوقف (وجوبًا لشرط واقف) .... لأن الوقف متلقى من جهته؛ فاتبع شرطه، ونصه كنص الشارع، (ولو) كان الشرط (مباحًا)» (٤).
القول الثالث:
أن شرط الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة، لا في وجوب العمل، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم، وبه أفتى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي البلاد السعودية في عصره.
جاء في الفروع: «قال شيخنا: ـ يعني ابن تيمية ـ قول الفقهاء نصوصه كنصوص الشارع، يعني في الفهم والدلالة، لا في وجوب العمل، مع أن
стр. 7785
التحقيق أن لفظه، ولفظ الموصي، والحالف، والناذر، وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وافقت لغة العرب أو لغة الشارع، أو لا» (١).
قال ابن القيم: «ثم من العجب العجاب قول من يقول: إن شروط الواقف كنصوص الشارع، ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول، ونعتذر مما جاء به قائله، ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدًا، وإن أحسن الظن بقائل هذا القول حمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة، وتخصيص عامها بخاصها، وحمل مطلقها على مقيدها، واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها، وأما أن تكون كنصوصه في وجوب الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منها فلا يظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم، فإذا كان حكم الحاكم ليس كنص الشارع، بل يرد ما خالف حكم الله ورسوله من ذلك، فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال ... » (٢).
وقال ابن تيمية: اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وفاسد، كالشروط في سائر العقود. ومن قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع، فمراده: أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف؛ لا في وجوب العمل بها: أي أن مراد الواقف يستفاد من ألفاظه المشروطة؛ كما يستفاد مراد الشارع من ألفاظه؛ فكما يعرف العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والتشريك والترتيب في الشرع من ألفاظ الشارع، فكذلك تعرف في
стр. 7786
الوقف من ألفاظ الواقف، مع أن التحقيق في هذا: أن لفظ الواقف، ولفظ الحالف، والشافع، والموصي، وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها؛ سواء وافقت العربية العرباء؛ أو العربية المولدة؛ أو العربية الملحونة؛ أو كانت غير عربية، وسواء وافقت لغة الشارع؛ أو لم توافقها؛ فإن المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها؛ فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع لأن معرفة لغته، وعرفه، وعادته تدل على معرفة مراده، وكذلك في خطاب كل أمة وكل قوم؛ فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والإجارة، أو الوقف، أو الوصية، أو النذر أو غير ذلك بكلام رجع إلى معرفة مرادهم، وإلى ما يدل على مرادهم من عادتهم في الخطاب؛ وما يقترن بذلك من الأسباب. وأما أن تجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها؛ فهذا كفر باتفاق المسلمين؛ إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر - بعد رسول الله ﷺ والشروط إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة، وإن خالفت كتاب الله كانت باطلة. كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه خطب على منبره وقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل. وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق؛ وشرط الله أوثق) .....
وإذا كانت شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وباطل: بالاتفاق؛ فإن شرط فعلا محرمًا ظهر أنه باطل؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وإن شرط مباحًا لا قربة فيه كان أيضا باطلًا؛ لأنه شرط شرطًا لا منفعة فيه لا له، ولا للموقوف عليه؛ فإنه في نفسه لا ينتفع إلا بالإعانة على البر والتقوى، وأما بذل المال في مباح في حياته فله فيه منفعة، أما بعد الموت، فالواقف
стр. 7787
والموصي لا ينتفعان بما يفعل الموصى له والموقوف عليه من المباحات في الدنيا، ولا يثابان على بذل المال في ذلك في الآخرة فيكون منفقا للمال في الباطل.
وإذا كان الشارع قد قال: (لا سبق إلا في خف؛ أو حافر، أو نصل) فلم يجوز بالجعل شيئا لا يستعان به على الجهاد، وإن كان مباحًا، وقد يكون فيه منفعة كما في المصارعة والمسابقة على الأقدام فكيف يبذل العوض المؤبد في عمل لا منفعة فيه، لا سيما والوقف محبس مؤبد، فكيف يحبس المال دائمًا مؤبدًا على عمل لا ينتفع به هو، ولا ينتفع به العامل .... (١). الخ كلامه ﵀
° الراجح:
القول بأن لفظ الواقف كنص الشارع التشبيه هنا ليس من كل الوجوه، تعالى الله أن يشبه كلامه بكلام خلقه، فشرط الواقف ليس كنص الشارع حتى في الفهم والدلالة، فكلام الناس لا يقاس عليه بخلاف حكم الشارع، وليس معصومًا، ويؤخذ منطوقه، وأما مفهومه فلا دلالة فيه، بخلاف نص الشارع، وإنما المراد أنه يجب اتباعه بأمر الشارع فيما لا يخالف الشرع، كوجوب اتباع أمر الواقف في تعيين مستحقه، وفي قدره، فإذا كانت إرادة الواقف حرة في إنشاء الوقف، كانت حرة في تعيين المصرف، وقدره، وطريقة صرفه من باب أولى، وهذه كلها أوصاف وشروط في الوقف، ولا يعني القول بأنه يجب اتباعه أنه لا تجوز مخالفته لو قام داع أقوى منه، كما جاز بيع الوقف وإن كان الأصل فيه المنع، وإذا جاز في الوقف على المعين ألا يقصد بوقفه البر، كالوقف على
стр. 7788
الذمي، وعلى زيد الغني، ونحو ذلك، وهذا في أصل الوقف، وجب اتباع شرط الواقف ولو كان مباحًا، المهم ألا يكون الشرط في معصية، وأما إبطال الشروط المباحة قياسًا على منع الجعل في غير الخف وما ذكر معه، فإن باب المسابقات الأصل فيه المنع والتحريم لكونه من باب الميسر، اغتفر ذلك في باب الجهاد تغليبًا للنفع على المنع، بخلاف الوقف فإنه دائر بين الاستحباب والإباحة، فالشروط الشرعية في الوقف واجبة الاتباع، والمحرمة واجبة الترك، والمباحة يسوغ اشتراطها لإباحتها، ولو منعت لم تكن مباحة، والأصل فيها وجوب اتباع شرطه إلا لمعارض أقوى، والله أعلم.
وحين فسر ابن تيمية رحمة الله القول بأن لفظ الواقف كنص الشارع أي في الدلالة والفهم رجع ونقضه بأن كلام الناس محمول على العرف، وهذا هو الحق، وألفاظ الشارع ألفاظ معصومة، ويستنبط منها الفقيه منطوقًا ومفهومًا، بخلاف كلام الناس فهم غير معصومين، ونتبع منطوقهم، وأما المفهوم خاصة مفهوم المخالفة فلا حجة فيه من كلامهم، ولا يقاس عليه كما يقاس على كلام الشارع حتى لو وقف على غني لا نقول: يستحقه الفقير من باب أولى، المهم الذي أميل إليه أن الشروط المباحة في الوقف ليست باطلة، بل يجب اتباعها إلا لمعارض أقوى فيجوز مخالفتها بشرطه كما سيأتي حتى لا يتلاعب النظار والحكام بالأوقاف، خاصة إذا كان الوقف على معين، والله أعلم (١).
قال سماحة الشيخ ابن إبراهيم: «نعرف أن هنا كلمة فاشية عند العلماء والمصنفين والمفاتي، وهي: نص الواقف كنص الشارع. وهذه صحيحة في
стр. 7789
نفسها، لكن ليست على إطلاقها، وكثير يطلقها ولايريد إطلاقها الحقيقي، بل في الدلالة مفهوما ومنطوقاً؛ لأن الحق له، وهو ماله، فإذا كان له وثيقة وذكر فيها الوقف وشروطه فإن دلالة تلك الوثيقة في الاطلاق والتقييد وكذا كنص الشارع.
وأما في وجوب العمل بها فليست مثل نص الشارع، فإنها إن خالفت نصًا فهي باطلة، كما في حديث بريرة، فإذا اشترط مايخالف الشرع فإنه باطل لاغ فاسد، وإذا صار على مباح فإنه غير باطل، لكن لايجب العمل به، أما إذا كان موافقًا الشرع فيتعين، وليس لأجل نص الواقف؛ بل لأجل ما استفيد من نص الشارع. وهذا معنى كلام الشيخين وغيرهما؛ ولهذا يقول الشيخ: يجوز تغيير نص الواقف فيما هو أحب إلى الله ورسوله وأكثر مصلحة دينية مما لحظه الواقف» (١).
فوصف الشيخ ابن إبراهيم بأن الشرط المباح ليس باطلًا، وهذا دليل على أنه لا يشترط في شرط الوقف القربة، وقوله: إلا أنه لا يجب العمل به أي لوجود ما يدعو إلى مخالفته لمعارض أقوى.
وسوف أعقد مبحثًا إن شاء الله تعالى في الكلام على حكم تغيير شرط الواقف، أسأل الله العون والتوفيق.
* * *
стр. 7790
المبحث الخامس
في تغيير شرط الواقف
[م-١٥٥٦] إذا شرط الواقف شروطًا مباحة في وقفه، فرغب الناظر في تغيير هذه الشروط فهل يجوز العمل على تغييرها، أو يجب اتباع شرطه؟
هذه المسألة لها علاقة بمبحثين سابقين:
أحدهما: اشتراط القربة في شرط الواقف.
الثاني: معنى قول الفقهاء: لفظ الواقف كنص الشارع. وقد تكلمنا على المسألتين، وقد أحببت أن أفرد هذه المسألة لأهميتها، وإن كان المبحثان السابقان قد أتيا على مقصود البحث، والله أعلم.
وهذا التغيير يأخذ ثلاثة أقسام:
الأول: تغييره من فاضل إلى مفضول.
الثاني: تغييره إلى مثله مما هو مساو له.
الثالث: تغييره من مفضول إلى فاضل.
وسوف نعرض لحكم كل واحدة من هذه الأنواع إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 7791
الفرع الأول
تغيير الشرط من فاضل إلى مفضول
تصرف الناظر مقيد بالمصلحة.
[م-١٥٥٧] لا يجوز تغيير الوقف أو شرطه من فاضل إلى مفضول؛ فإن في هذا تعديًا على الواقف، وعلى الموقوف عليه، وإذا كان هذا من الناظر اعتبر قادحًا في أمانته، وموجبًا لعزله؛ وهذا متفق عليه؛ لأن الناظر مقيد تصرفه بالمصلحة.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقال في الوصية: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]، والتبديل كما يشمل الإنكار يشمل التغيير بالنقص.
والنقص قد يكون نقصًا من العين وقد يكون نقصًا بالصفة، كما لو غيرها من فاضل إلى مفضول.
فدلت الآية على وجوب العمل بوصية الموصي على حسب ما أوصى إلا أن يكون إثمًا، وإذا كان هذا حكم الوصية فالوقف مقيس عليها، والفرق بينهما أن الوقف في الحياة، وفي المال كله، والوصية بعد الوفاة، وفي بعض المال، وهذا ليس فارقًا جوهريًا.
* * *
стр. 7792
الفرع الثاني
تغيير الشرط بمثله مساو له
إذا تبرع الواقف بماله على وجه مشروط كان له شرطه ووجب اتباعه.
مخالفة شرط الواقف لا يصح إلا لمصلحة ظاهرة.
كل متصرف بولاية فإن تصرفه مقيد بالمصلحة الشرعية
[م-١٥٥٨] الأصل في شرط الواقف أنه واجب الاتباع؛ لأن الواقف تبرع بالمال على وجه مشروط، فكان له شرطه، ووجب اتباعه، وإنما الخلاف الوارد في تغيير ذلك إذا كان في ذلك مصلحة للوقف أو للموقوف عليه، فإذا لم يكن في ذلك مصلحة بقي الحكم على أصله، وهو وجوب اتباع شرط الواقف، ولأن في تغيير شرط الواقف بلا مصلحة عبثًا لا طائل تحته، مع ما فيه من مخالفة صاحب الوقف بلا مسوغ، وتصرف الناظر في الوقف إنما هو مقيد بالمصلحة، ولا مصلحة في مخالفة شرط الواقف بلا فائدة.
وهذا مما لا خلاف فيه.
جاء في البحر الرائق: «والحاصل أن تصرف الواقف في الأوقاف مقيد بالمصلحة، لا أنه يتصرف كيف شاء، فلو فعل ما يخالف شرط الواقف فإنه لا يصح إلا لمصلحة ظاهرة» (١).
وقال ابن تيمية: «ولا يجوز أن يبدل الوقف بمثله لفوات التعيين بلا حاجة» (٢).
стр. 7793
وجاء في الإنصاف: «قال الشيخ تقي الدين ﵀: كل متصرف بولاية إذا قيل له: يفعل ما يشاء، فإنما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه، وما يراه مطلقًا فشرط باطل. لمخالفته الشرع» (١)
* * *
стр. 7794
الفرع الثالث
تغيير الشرط إلى أفضل منه
اشتراط الواقف ما لا يفيد هل يجب الوفاء به؟
[م-١٥٥٩] اختلف الفقهاء في تغيير شرط الواقف إلى الأفضل.
القول الأول:
لا يجوز تغيير شرطه إلا أن يتعذر العمل بشرطه، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
حتى ذهب المالكية إلى وجوب التزامه ولو كان متفقًا على كراهته، وكذلك إذا كان محرمًا مختلفًا في تحريمه، وقد فات ومضى.
قال ابن الحاجب: «مهما شرط الواقف ما يجوز له اتبع» (١).
وقال ابن شاس: «ومهما شرط الواقف في تخصيص الوقف، أو إجارته، أو مصارفه اتبع شرطه» (٢).
وجاء في الفواكه الدواني: «شرط الواقف واجب الاتباع وإن كان بمكروه» (٣).
وقال في حاشية الدسوقي: «وأما المختلف في حرمته كشرطه إن وجد ثمن
стр. 7795
رغبة بيع واشتري غيره، وكاشتراط إخراج البنات من وقفه إذا تزوجن فهذا لا يجوز الإقدام عليه، وإذا وقع مضى» (١).
وقال خليل في مختصره: «واتبع شرطه إن جاز» (٢)، قال في الشرح الكبير تعليقًا: «ولو متفقًا على كراهته» (٣).
ونص الشافعية بأنه لا يجوز التغيير للمصلحة إلا أن يشرطه، فيجوز عملًا بالشرط.
جاء في مغني المحتاج: «ولاتغييره عن هيئته ـ يعني الوقف ـ كجعل البستان دارًا أو حمامًا إلا أن يشرط الواقف العمل بالمصلحة، فيجوز التغيير بحسبها عملًا بشرطه» (٤).
ومنع الحنابلة اشتراط تغيير الشرط في صيغة الوقف، وإذا كان لا يجوز اشتراطه قبل الوقف لم يصح تغييره بعده.
جاء في مطالب أولي النهى: «لو شرط الواقف تغيير شرطه ... لم يصح الوقف؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف» (٥).
القول الثاني:
يصح تغيير شرطه إلى الأفضل، وهذا مذهب الحنفية في الجملة، واختيار ابن تيمية وابن القيم (٦).
стр. 7796
جاء في البحر الرائق: «والحاصل أن تصرف الواقف في الأوقاف مقيد بالمصلحة، لا أنه يتصرف كيف شاء، فلو فعل ما يخالف شرط الواقف فإنه لا يصح إلا لمصلحة ظاهرة» (١).
وقال ابن نجيم: «شرط الواقف يجب اتباعه ... إلا في مسائل:
الأولى: شرط أن القاضي لا يعزل الناظر فله عزل غير الأهل.
الثانية: شرط أن لا يؤجر وقفه أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجاره سنة أو كان في الزيادة نفع للفقراء، فللقاضي المخالفة دون الناظر.
الثالثة: لو شرط أن يقرأ على قبره فالتعيين باطل.
الرابعة: شرط أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا كل يوم لم يراع شرطه، فللقيم التصدق على سائل غير ذلك المسجد أو خارج المسجد، أو على من لا يسأل.
الخامسة: لو شرط للمستحقين خبزًا أو لحمًا معينا كل يوم، فللقيم أن يدفع القيمة من النقد، وفي موضع آخر لهم طلب العين وأخذ القيمة.
السادسة: تجوز الزيادة من القاضي على معلوم الإمام إذا كان لا يكفيه، وكان عالمًا تقيًا.
السابعة: شرط الواقف عدم الاستبدال، فللقاضي الاستبدال إذا كان أصلح» (٢).
стр. 7797
وقال ابن تيمية: «ويجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند» (١).
وأدلة هذه المسألة هي أدلة حكم استبدال الوقف؛ لأن ما جاز في أصل الوقف ففي شرطه من باب أولى، وقد سبق بحث هذه المسألة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
° الراجح:
أن الوقف إن كان لمعين فلا يجوز تغييره ولا تغيير شرطه إلى ما هو أفضل؛ لتعلق حق الغير، وإن كان الوقف على جهة جاز ذلك إلا أنه لا ينفرد الناظر بذلك، بل لا بد من إشراف قضائي تكون المصلحة فيه ظاهرة، والله أعلم.
وقد قال شيخنا ابن عثيمين نحو ذلك في تغيير الوصية، والوقف مقيس عليها:
قال الشيخ: «تغيير الوصية لما هو أفضل ففيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه لا يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] ولم يستثن إلا ما وقع في إثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير؛ ومنهم من قال: بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله ، ونفع الموصى له، فكلما كان أقرب إلى الله، وأنفع للموصى له كان أولى أيضاً؛ والموصي بشر قد يخفى عليه ما هو الأفضل؛ وقد يكون الأفضل في وقت ما غير الأفضل في وقت آخر؛ ولأن النبي ﷺ أجاز تحويل النذر إلى ما هو أفضل مع وجوب الوفاء به .....
стр. 7798
والذي أرى في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها، كما لو كانت الوصية لزيد فقط؛ أو وقف وقفاً على زيد فإنه لا يجوز أن يغير؛ لتعلق حق الغير المعين به؛ أما إذا كانت لغير معين - كما لو كانت لمساجد، أو لفقراء - فلا حرج أن يصرفها لما هو أفضل» (١). اهـ كلام شيخنا عليه رحمة الله.
* * *
стр. 7799
المبحث السادس
في اشتراط العمارة على الموقوف عليه
[م-١٥٦٠] إذا أوقف رجل دارًا، واشترط عمارة الوقف على من يسكنها، فهل يصح الشرط؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يصح الوقف والشرط، وهذا مذهب الجمهور (١).
فقد صرح الحنفية أن العمارة على من له السكنى، ولو بدون شرط؛ لأن هذا يقتضيه مطلق العقد؛ ولأن الغنم بالغرم.
جاء في الدر المختار: «ولو كان الموقوف دارًا فعمارته على من له السكنى، ولو متعددًا من ماله، لا من الغلة؛ إذ الغرم بالغنم» (٢).
وجاء في المحيط البرهاني: «فإن كان الواقف حين شرط الغلة لفلان ماعاش بشرطه على فلان مرمتها، وإصلاحها ... فالوقف جائز مع هذا الشرط؛ لأن هذا الشرط يقتضيه مطلق العقد، وإنما أورد المسألة بهذا الشرط لنوع إشكال، أنه لما شرط له السكنى، وشرط عليه المرمة، كان بمنزلة الإجارة، والأجرة مجهولة، فينبغي أن يفسد.
стр. 7800
والجواب: أن مع اشتراط المرمة عليه لا يصير إجارة؛ لأن المرمة لا تصير مستحقة عليه بالشرط، فصار وجود هذا الشرط والعدم بمنزلة» (١).
وأما الشافعية والحنابلة فلا يرون أن العمارة واجبة بمقتضى العقد، وإنما تجب بالشرط حيث شرطت، سواء شرطها الواقف من ماله، أو من مال الواقف، أو من غلة الوقف.
جاء في فتاوى الرملي: «وشرط الواقف العمارة على الساكن معمول به؛ لأنه كنص الشارع» (٢).
جاء في أسنى المطالب: «نفقة الموقوف، ومؤن تجهيزه، وعمارته من حيث شرطت: أي شرطها الواقف من ماله، أو من مال الوقف، وإلا فمن منافعه: أي الموقوف ككسب العبد وغلة العقار، فإذا تعطلت منافعه فالنفقة ومؤن التجهيز لا العمارة من بيت المال، كمن أعتق من لا كسب له. أما العمارة فلا تجب على أحد حينئذ كالملك المطلق بخلاف الحيوان لصيانة روحه وحرمته» (٣).
وجاء في حاشية الجمل: «ولو شرط الواقف أن العمارة على الساكن، وشرط أن تلك الدار لا تؤجر، فالذي يظهر لي من كلامهم بعد الفحص أن الشرط الأول صحيح، كما شمله عموم قولهم يجب العمل بشرط الواقف ما لم يناف الوقف أو الشرع.
وفائدة صحته مع تصريحهم بأن العمارة لا تجب على أحد، فلا يلزم بها
стр. 7801
الموقوف عليه؛ لأن له ترك ملكه بلا عمارة، فما يستحق منفعته بالأولى، فلو توقف استحقاقه على تعميره فهو مخير فيما أشرفت كلها أو بعضها على الانهدام، لا بسببه، بين أن يعمر ويسكن، وبين أن يهمل، وإن أفضى ذلك إلى خرابها.
فهذا الشرط غير مناف للوقف حتى يلغى كشرط الخيار فيه مثلًا، وإنما غايته أنه قيد استحقاقه لسكناه بأن يعمر ما انهدم منه، فإن أراد ذلك فليعمره وإلا فليعرض عنه؛ ثم رأيت بعض مشايخنا أيده» (١).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «فإن شرطها أي العمارة واقف عمل به: أى الشرط مطلقًا على حسب ما شرط لوجوب اتباع شرطه» (٢).
واختار ابن تيمية أن عمارة الوقف بحسب البطون.
جاء في الفتاوى الكبرى: «ويجب عمارة الوقف بحسب البطون، والجمع بين عمارة الوقف وأرباب الوظائف حسب الإمكان أولى، بل قد يجب» (٣).
القول الثاني:
يصح الوقف، ويبطل الشرط، وهذا مذهب المالكية.
جاء في تهذيب المدونة: «ومن حبس دارًا على رجل، وعلى ولده، وولد ولده، واشترط على الذي حبس عليه إصلاح ما رثَّ منها من ماله، لم يجز،
стр. 7802
وهو كراء مجهول، لكن يمضي ذلك، ولا مرمة عليه، وترم من غلتها، وقد فاتت في سبيل الله، ولا يشبه البيوع» (١).
° الراجح:
أن الواقف إذا شرط عمارتها على الموقوف عليه صح الشرط، فإن أراد الموقوف عليه انتفع من الوقف بشرطه، وإن أبى لم يجبر على ذلك، وليست العمارة هي عوض استحقاقه المنفعة؛ لأن هذا يقال للمستأجر، وليس لمالك المنفعة، والموقوف عليه يملك المنفعة بهذا الشرط، فإن لم يحتج إلى عمارة استحق الانتفاع بلا مقابل، وإن احتاجت إلى عمارة وترميم كان انتفاعه منها مشروطًا بهذا الشرط، والله أعلم.
* * *
стр. 7803
المبحث السابع
في اشتراط تفضيل بعض الأولاد على بعض
العدل من حقوق الأولاد في العطايا، إلا أن يكون التفضيل لمعنى.
[م-١٥٦١] إذا وقف الرجل على الذكور من أولاده دون البنات، أو فضل بعضهم على بعض، فهل يجوز هذا الفعل مطلقًا، أو يجوز إن كان لمعنى، أو يحرم، أو يكره؟
وإذا كان حرامًا، فهل يبطل الوقف، أو يمضي إذا وقع؟
وإذا قلنا: يمضي فيه، فهل يمضي فيه بشرط التفضيل، أو يلغو الشرط؟
والأصل فيه حديث النعمان بن بشير المتفق عليه، وقوله: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم (١).
وهذا نص في باب الهبات، فهل الوقف ملحق بالهبات، أو أن الوقف من باب الصدقات التي تراعى فيه الحاجات، والملك فيه ملك ناقص، وهو يختلف عن الهبة، فالوقف ليس فيه تمليك للأصل، ولا يملك الموقوف عليه التصرف في العين ببيع أو هبة، أو إرث، كما أن الأب يملك الرجوع في هبته لولده، ولا يملك الأب الرجوع عن الوقف إذا أوقعه، والوقف تشترط فيه على الصحيح القربة إذا كان على جهة بخلاف الهبة.
ولهذا كله نقول: اختلف العلماء في تفضيل الذكور في الوقف على الإناث على أقوال:
стр. 7804
القول الأول:
يكره تخصيص الوقف على الذكور دون الإناث، وهذا مذهب الجمهور.
وخص الحنفية والحنابلة وأبو الوليد الباجي من المالكية الكراهة مع الاستواء في الحاجة وعدمها، فإن كان التفضيل لزيادة فضل، أو شدة حاجة، أو كان النقص خوفًا من استعماله في معصية، أو لظهور عقوق ونحوها لم يكره (١).
وطريق العدل بينهم: التسوية بين الذكر والأنثى بلا تفضيل، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب الشافعية، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٢).
وقيل: طريق العدل بأن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (٣).
وقال ابن عبد البر: «لا أحفظ لمالك في هذه المسألة قولًا» (٤).
стр. 7805
قلت: أما أصحابه فاختلفوا في المسألة على قولين (١).
وإذا عرفت ذلك، فإليك النصوص المنسوبة لأصحاب هذا القول.
جاء في حاشية ابن عابدين: «العدل من حقوق الأولاد في العطايا، والوقف عطية، فيسوي بين الذكر والأنثى؛ لأنهم فسروا العدل في الأولاد بالتسوية في العطايا حال الحياة.
وفي الخانية: ولو وهب شيئًا لأولاده في الصحة، وأراد تفضيل البعض على البعض روي عن أبي حنيفة لا بأس به إذا كان التفضيل لزيادة فضل في الدين، وإن كانوا سواء يكره.
وروى المعلى عن أبي يوسف أنه لا بأس به إذا لم يقصد الإضرار، وإلا سوى بينهم، وعليه الفتوى وقال محمد: يعطي للذكر ضعف الأنثى» (٢).
وقال الباجي: «قال القاضي أبو الوليد: وعندي أنه إذا أعطى البعض على سبيل الإيثار أنه مكروه، وإنما يجوز ذلك ويعرى من الكراهية إذا أعطى البعض لوجه ما من جهة يختص بها أحدهم، أو غرامة تلزمه، أو خير يظهر منه، فيخص بذلك خيرهم على مثله» (٣).
وجاء في تحفة المحتاج: «(ويسن للوالد) أي: الأصل وإن علا (العدل في
стр. 7806
عطية أولاده) .... سواء أكانت تلك العطية هبة، أم هدية، أم صدقة، أم وقفًا، أم تبرعًا آخر، فإن لم يعدل لغير عذر كره عند أكثر العلماء وقال جمع يحرم» (١).
وقال الخطيب في مغني المحتاج: «محل الكراهة عند الاستواء في الحاجة أو عدمها، وإلا فلا كراهة، وعلى ذلك يحمل تفضيل الصحابة» (٢).
وقال ابن قدامة في المغني: «والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده، على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال القاضي: المستحب التسوية بين الذكر والأنثى ... فإن خالف، فسوى بين الذكر والأنثى، أو فضلها عليه، أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض، أو خص بعضهم بالوقف دون بعض، فقال أحمد، في رواية محمد بن الحكم: إن كان على طريق الأثرة، فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال، وبه حاجة. يعني فلا بأس به ..... وعلى قياس قول أحمد، لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه، تحريضًا لهم على طلب العلم، أو ذا الدين دون الفساق، أو المريض، أو من له فضل من أجل فضيلته، فلا بأس» (٣).
قلت: هذا تخصيص بالوصف، وهو أخف من تفضيل العين.
وجاء في حاشية الجمل: «ومما تعم به البلوى، أن يقف ما له على ذكور أولاده وأولاد أولاده حال صحته، قاصدًا بذلك حرمان إناثهم، والأوجه الصحة، وإن نقل عن بعضهم القول ببطلانه» (٤).
стр. 7807
وفي تحفة المحتاج: «يقع لكثيرين أنهم يقفون أموالهم في صحتهم على ذكور أولادهم قاصدين بذلك حرمان إناثهم، وقد تكرر من غير واحد الإفتاء ببطلان الوقف حينئذ، وفيه نظر ظاهر، بل الوجه الصحة.
أما أولا: فلا نسلم أن قصد الحرمان معصية، كيف، وقد اتفق أئمتنا كأكثر العلماء على أن تخصيص بعض الأولاد بماله كله أو بعضه هبة أو وقفًا أو غيرهما لا حرمة فيه، ولو لغير عذر، وهذا صريح في أن قصد الحرمان لا يحرم؛ لأنه لازم للتخصيص من غير عذر وقد صرحوا بحله كما علمت.
وأما ثانيا: فبتسليم حرمته، هي معصية خارجة عن ذات الوقف، كشراء عنب بقصد عصره خمرًا فكيف يقتضي إبطاله» (١).
القول الثاني:
يحرم تخصيص البنين دون البنات، ويجب رده إن وقع.
روي ذلك عن عائشة ﵂، وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، واختاره بعض الشافعية، وصوب رده إن وقع بناء على اشتراط القربة لصحة الوقف. وبه قال أهل الظاهر. وعليه أكثر المالكية إلا أن المالكية اختلفوا في رده إن وقع على قولين:
الأول: يجب رده مطلقًا.
والثاني: يجب رده إن كان في يد الواقف، ولم يحز عنه، فإن حيز عنه، أو مات مضى على شرطه، وهذا قول ابن القاسم (٢).
стр. 7808
جاء في شرح الخرشي: «وكذلك يبطل الوقف إذا وقف على بنيه الذكور دون الإناث ... ولو وقفه على الجميع، وشرط أن من تزوجت من البنات لا حق لها في الوقف، وتخرج منه، فإنه يكون باطلًا أيضًا» (١).
وجاء في الكافي في فقه أهل المدينة: «وقد روي عن مالك قال: ومن حبس على ذكور ولده، وأخرج النساء بطل الحبس، وعاد ميراثًا، رواها ابن وهب وغيره.
وقال ابن وهب: أخبرني يزيد بن عياض عن أبي بكر بن حزم أن عمر بن عبد العزيز مات حين مات وإنه ليريد أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء .... » (٢).
ورأى ابن القاسم إذا فات ذلك أن يمضي على ما حبس، وإن كان حيًا ولم يحز عنه الحبس فليرده ويدخل فيه البنات، وإن حيز عنه أو مات مضى على شرطه، ولم يفسخه القاضي (٣).
قال ابن رشد الجد: «ظاهر قول مالك هذا أن الحبس لا يجوز ويبطل على كل حال، خلافُ مذهب ابن القاسم في أنه يمضي إذا فات ولا ينقض» (٤).
(ث-١٩١) روى البخاري في التاريخ الكبير، قال: قال يحيى ابن آدم،
стр. 7809
حدثني ابن المبارك حدثني سليمان بن الحجاج الطائفي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة،
عن عائشة: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده إن هذا إلا كما قال الله تعالى ﴿خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (١). [الأنعام: ١٣٩].
وقال ابن حجر الهيتمي، وقد سئل عمن وقف على ذكور أولاده دون إناثهم قاصدًا بذلك حرمانهن فهل يصح الوقف؟
«فأجاب بقوله: إن شرطنا لصحة الوقف القربة، وهو ما نقله الإمام عن المعظم لم يصح، وبه أفتى جمع، كعمر الفتى، وتلميذه الكمال الرداد، وغيرهما.
وإن اشترطنا لصحته انتفاء المعصية صح، إن قلنا إن قصد حرمان الوارث بالتصرف في الصحة غير محرم ......
والحاصل أنه حيث وقع ذلك في صحته صح، أخذًا من قول الشيخين الذي دل عليه كلام الأكثرين أن المغلب في الوقف التمليك، لا القربة، ومن المعلوم أن تمليك أولاده الذكور دون الإناث أو عكسه صحيح، لكنه مكروه، وما ذكر عن الإمام إنما هو بالنسبة للجهة فلا تعارض، وحينئذ فلا حجة لأولئك المفتين فيه، قال بعضهم: وأنا أقول للقاضي أن يقلد ما ذكر عن الإمام ويحكم ببطلان الوقف؛ لأنه الذي عليه الجمهور اهـ» (٢).
стр. 7810
دليل من قال: يحرم تفضيل الذكور على الإناث:
(ح-٩٩٣) ما رواه البخاري من طريق عامر، قال:
سمعت النعمان بن بشير ﵁، وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟، قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع فرد عطيته (١).
وفي رواية لهما: (لا تشهدني على جور).
وفي رواية لهما أيضًا: (أكل ولدك نحلت مثله؟، قال: لا، قال: فارجعه) (٢).
وفي رواية لمسلم: (قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا) (٣).
وفي رواية لمسلم (أشهد على هذا غيري)، ثم قال: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا) (٤).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟) فيه دليل على وجوب العدل في العطاء بين الأولاد، وأن القسمة تكون بالتسوية بينهم، لا فرق بين ذكرهم