← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

مذهب الحنابلة (١)، وقول في مذهب المالكية (٢). دليل المالكية بأن الحكم للأكثر: مشى المالكية ﵏ على القاعدة الفقهية التي تقول: (الأقل تبع للأكثر، وللأكثر حكم الكل) في مسائل كثيرة مختلفة، ومنها هذه المسألة. قال الشاطبي: «للقليل مع الكثير حكم التبعية، ثبت ذلك في كثير من مسائل الشريعة، وإن لم يكن بينهما تلازم في الوجود، ولكن العادة جارية بأن القليل إذا انضم إلى الكثير في حكم الملغى قصدًا، فكان كالملغى حكمًا» (٣). قال العلامة مسلم بن علي الدمشقي: «الأصول مبنية على أن الأقل تبع للأكثر» (٤). وقال السرخسي: «إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع» (٥). وقال ابن مفلح الصغير في المبدع: «الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام» (٦). دليل الشافعية أنه إذا أبر واحدة فقد أبر الجميع من نفس النوع: الدليل الأول: (ح-٨٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن

стр. 807

الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :من باع عبدًا فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلا فيها ثمرة قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع (١). [انفرد عبد الرزاق بلفظ (فيها ثمرة قد أبرت) والمحفوظ من باع نخلًا قد أبرت] (٢). وجه الاستدلال: قوله (وفيها ثمرة قد أبرت) فلم يشترط تأبير جميع الثمار. الدليل الثاني: ولأننا إذا جعلنا المؤبر للبائع، وجعلنا غيره للمشتري، أدى ذلك إلى الاشتراك في البستان، وهذه الشراكة قد تلحق ضررًا بالبائع، والضرر في الشرع مدفوع. ويجاب: بأن الشراكة ليست ضررًا، ولو كانت كذلك ما جازت في البيع مطلقًا، فإذا دخل المشتري على بينة من أمره، وأن العقد سوف يقتضي الشراكة جاز لرضاه بذلك، وإذا أجاز الشرع الشراكة إذا أبرت جميع الثمار، فالأصل للمشتري، والثمار للبائع بمقتضى الحديث النبوي، وهذا فيه نوع من الشركة، جازت الشراكة في بعض النخل دون بعض، بحيث تكون ثمار النخل التي لم تؤبر للمشتري، وثمار النخل التي أبرت للبائع.

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 809

الدليل الثالث: ولأن إفراد كل نخلة بحكم فيه عسر، وضرر، والضرر مدفوع. الدليل الرابع: ولأن الباطن سائر إلى الظهور، فكما يتبع باطن الصبرة ظاهرها في الرؤية، يتبع ما لم يخرج من الثمار ما خرج منها، خاصة أن الثمرة ثمرة عام واحد.

стр. 810

الدليل الخامس: القياس على النخلة الواحدة، فإن العادة جارية بتأبير بعض ثمار النخلة على بعض، ولم تجر العادة بتأبيرها جميعها، فإذا كان يتبع غير المؤبر المؤبر في النخلة الواحدة، فليتبع غير المؤبر من الثمار الثمر المؤبر في البستان الواحد. الدليل السادس: القياس على جواز بيع ثمر البستان الذي بدا صلاح بعضه، فكما يتبع الثمر الذي لم يبد صلاحه يتبع الثمر الذي بدا صلاحه، فكذلك يتبع ثمرُ النخل غير المؤبر ثمرَ النخل المؤبر. دليل الحنابلة على أن النخلة المؤبرة للبائع وغيرها للمشتري: (ح-٨٣) استدل الحنابلة بما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم. عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ... الحديث (١). وجه الاستدلال: التأبير صفة للنخل المبيعة، وحقيقة ذلك أن يكون في الجميع، أما غير المؤبر فلا يشمله الحكم. الراجح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها نجد أن مذهب الحنابلة أحوط لمن أراد أن يسلك مسلك الاحتياط، لكن القول بأنه إذا باع نخلًا بعضه مؤبر وبعضه لم يؤبر، وكان الغالب عليه التأبير أن الحكم للأكثر قول له قوة، ويتفق مع قواعد

стр. 811

الشرع، ولا تجد مذهبًا من مذاهب الفقهاء إلا وتجده قد استدل بهذه القاعدة في جزئية ما من الأحكام الشرعية، وعدم طردها يرجع إلى أن شأن القواعد أغلبي التطبيق. * * *

стр. 812

الفرع الثالث في تأبير بعض الثمرة في الشجرة الواحدة [م - ١٦٠] اختلف العلماء فيما لو أبرت بعض الثمرة، وبعضها لم تؤبر، أو لم تظهر، في شجرة واحدة، فلمن تكون؟ فقيل: ما ظهر من الثمار فهو للبائع، وما لم يظهر فهو للمشتري. وهذا قول في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: الكل للبائع، وعليه جمهور الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). قال العراقي في طرح التثريب: «اختلف أصحابنا الشافعية في مسألة، وهي: ما لو باع نخلة، وبقيت الثمرة له؛ لكونها ظاهرة، ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة، أو من أخرى حيث يقتضي الحال اشتراكهما في الحكم: فقال ابن أبي هريرة: هو للمشتري وقال الجمهور: هو للبائع. ولكل من القولين متعلق من الحديث، فالجمهور يقولون جعل الشرع ثمرةَ المؤبرةِ للبائع، وهذا من ثمرةِ المؤبرة. وابن أبي هريرة يقول: إنما جعل له ما وجد وظهر، فأما ما لم يوجد فقد حدث على ملك المشتري، وهو أقيس، والأول أسعد بالحديث وأقرب إليه والله أعلم» (٥). * * *

стр. 813

الفرع الرابع في اشتراط بعض الثمرة [م - ١٦١] سبق لنا أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الثمرة إذا أبرت فهي للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، وهذا ظاهر في اشتراط جميع الثمرة، أما لو اشترط جزءًا منها، ثلثها، أو نصفها، أو أقل أو أكثر، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يصح اشتراط البعض إذا كان معلومًا، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول أشهب من المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 814

ا لقول الثاني: لا يصح اشتراط بعض الثمرة، ولو كان معلومًا، وهو مذهب المالكية (١). دليل الجمهور على جواز اشتراط البعض: (ح-٨٤) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم. عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ... الحديث (٢). وجه الاستدلال: قوله (إلا أن يشترط المبتاع) ولم يقل: إلا أن يشترطها المبتاع، فكأنه قال: إلا أن يشترط المبتاع شيئًا من ذلك، فدل إطلاق الاشتراط على جواز أن يكون الاشتراط لشيء معلوم منها. قال ابن عبد البر: «حديث ابن عمر هذا في قصة النخل .... (يشترط) بلا هاء لا يقولون (يشترطها) ..... ومعلوم أن الهاء لو وردت في هذا الحديث لكانت ضميرًا في يشترطها عائدًا على ثمرة النخل ... فكأنه قال إلا أن يشترط المبتاع شيئًا من ذلك، وفي سقوط الهاء من ذلك دليل على صحة ما ذهب إليه أشهب في قوله: جائز لمن ابتاع نخلًا قد أبرت أن يشترط من الثمرة نصفها، أو جزءًا منها ... » (٣).

стр. 815

الدليل الثاني: أن ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه، وما لم يدخل الربا في جميعه فأحرى أن لا يدخل في بعضه (١). الدليل الثالث: استثناء بعض المبيع من الكل ليس بيعًا، وإنما هو استبقاء لملكه، فإذا كان الاستثناء من المبيع لا يؤدي إلى أن يكون المستثنى منه مجهولًا جاز، لعدم جهالة المبيع. دليل المالكية على المنع من اشتراط بعض الثمرة: الدليل الأول: قالوا: لا يجوز اشتراط بعض الثمرة، كما لا يجوز اشتراط بعض الصبرة، أو بعض الزرع، أو حلية السيف، أو أحد عبدين يبيعهما ويستثنى مال أحدهما (٢). ويجاب: بأن اشتراط بعض الصبرة وما ذكر معه اشتراط مقدار مجهول، وأما اشتراط نصف الثمرة، أو ثلثها، أو نصفها، أو شيء معلوم منها، فإنه اشتراط جزء معلوم، فالجهالة منتفية فلا يوجد ما يمنع. الدليل الثاني: قوله في الحديث (فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) الاستدلال بقوله (فثمرتها) يشمل جميع الثمرة، إلا أن يشترط المبتاع عائد إلى جميع الثمرة.

стр. 816

ويجاب: بأن الحديث اشتمل على حكمين: الأول: أن الثمرة جميعها للبائع، ولو لم يشترط. وهذا نص في العموم من قوله (فثمرتها للبائع). الثاني: أن الحديث أعطى المشتري حق الاشتراط، وأطلق، بقوله (إلا أن يشترط المبتاع) ولم يقل إلا أن يشترطها، وعلى التسليم بأن الحديث نص في اشتراط جميع الثمرة، فإذا جاز اشتراط جميعها، جاز اشتراط بعضها إذا كان معلومًا، كل ما هنالك أن المشتري أبقى بعض ملكه على الثمرة في الاشتراط، ولم تشملها الصفقة، وهذا لا محذور منه. الدليل الثالث: قال في الفواكه الدواني: «ظاهر قول المصنف: إلا أن يشترطها المبتاع، أنه لا يجوز اشتراط بعضها، وهو كذلك؛ لأنه إنما جاز بيعها قبل بدو صلاحها في تلك الحال بطريق التبعية لأصلها، واشتراط بعضها يقتضي قصد بيعها لذاتها، وعدم التبعية» (١). الراجح: القول الراجح قول الجمهور، وقول المالكية ﵏ فيه ظاهرية واضحة، وإن كان الظاهر من استدلالهم منع اشتراط بعض الثمرة إذا لم يبين مقدار المستثنى، وهذا حتى الجمهور يمنعونه والله أعلم. * * *

стр. 817

الفرع الخامس إذا كانت الثمرة للبائع فهل له أن يبقيها إلى الجذاذ [م - ١٦٢] إذا كانت الثمرة للبائع إما بموجب الشرط، أو بمقتضى العقد، كما جاء في حديث ابن عمر المتفق عليه: (من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع)، فهل له أن يبقيها إلى الجذاذ، أو يجب عليه قطع الثمرة. اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: للمشتري أن يطالبه بقلعها عن النخل في الحال، ولا يلزمه أن يصبر إلى الجذاذ، فإن اشترط البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجذاذ، فالبيع فاسد، وهذا مذهب الحنفية (١). القول الثاني: له تركها إلى أوان جذاذها، ولا يحق للمشتري أن يطالبه بقلعها إلا أن يشترط عليه قلعها، وهذا مذهب الجمهور (٢).

стр. 818

القول الثالث: لا يجوز لمشتري الأصول أن يلزم البائع قلع الثمرة حتى يبدو صلاحها. وهذا اختيار ابن حزم (١). دليل الحنفية على وجوب القطع: الدليل الأول: أن البيع يوجب تسليم المبيع عقبه بلا فصل؛ لأنه عقد معاوضة: تمليك بتمليك، وتسليم بتسليم، فالقول بتأخير التسليم يخالف مقتضى العقد. الدليل الثاني: أنه مبيع مشغول بملك البائع فلزم نقله وتفريغه كما لو باع دارًا فيها طعام أو قماش له. دليل قول الجمهور: الدليل الأول: حين جعل الشارع الثمر المؤبر للبائع، كان من لازم ذلك الإذن ببقائه إلى أوان جذاذه؛ لأنه من المعلوم أن الشارع لا يأمر إلا بما فيه فائدة، فلو أخذه البائع بعد التأبير لم يستفد منه، لأنه لا يمكن أن ينتفع به في هذا الوقت، وحرم المشتري من الاستفادة منه مستقبلًا، وهذا لا يمكن أن يأمر به الشارع، فلما جعل الشارع للبائع الثمرة بعد التأبير، فهم من ذلك أن الشارع جعل له حق إبقائه على الشجر إلى حين يصبح الانتفاع منها ممكنًا، لأن الأمر بالشيء أمر بلازمه.

стр. 819

الدليل الثاني: أن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة كما لو باع دارًا فيها طعام لم يجب نقله إلا على حسب العادة في ذلك وهو أن ينقله نهارًا شيئًا بعد شيء ولا يلزمه النقل ليلًا. فكذلك هاهنا إفراغ النخل من الثمرة إنما هو في أوان تفريغها وهو أوان جذاذها. دليل ابن حزم على أن له إبقاءه إلى أوان صلاحها: لعل ابن حزم أخذه من أن الشارع أذن له ببيع الثمرة إذا بدا صلاحها، فإذا كان يحق له أن يتصرف فيها بالبيع ونحوه لم يكن له أن يبقيها على رؤوس النخل، ومفهومه إذا كان ممنوعًا من بيعها قبل ذلك كان له أن يبقيها حتى لا تفسد عليه إلى الوقت الذي يأذن له الشارع ببيعها، والتصرف فيها. (ح-٨٥) فقد روى الشيخان من طريق حميد. حدثنا أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو، قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار أو يصفار (١). الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول الراجح هو أن له بقاء الثمرة على الشجرة إلى أوان جزازها، والله أعلم. * * *

стр. 820

الفرع السادس في فحال النخل [م - ١٦٣] ذكر الشافعية والحنابلة وحدهم - فيما اطلعت عليه - مسألة بيع الفحال المطلع، وجعلوا طلع الفحال كطلع الإناث. وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). وسبق لنا تحرير حكم طلع الإناث في مذهب الشافعية، وأن ما تشقق طلعه فهو للبائع، وما لم يتشقق فهو للمشتري، وإذا بيع مجموعة منها، بعضها قد تشقق، وبعضها لم يتشقق، فكلها للبائع. وأما مذهب الحنابلة فسبق لنا أن ما تشقق طلعه فهو للبائع، وما لم يتشقق فهو

стр. 821

للمشتري، وإذا بيع مجموعة منها، بعضها قد تشقق، وبعضها لم يتشقق، فما تشقق فهو للبائع، وما لم يتشقق فهو للمشتري. وأدلتهم في هذه المسألة كأدلتهم في طلع الإناث، وقد سبق ذكرها، فأغنى عن إعادتها هنا. وقيل: الفحال للبائع مطلقًا، تشقق أو لم يتشقق، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). قال ابن قدامة: «يحتمل أن يكون طلع الفحال للبائع قبل ظهوره ; لأنه يؤخذ للأكل قبل ظهوره فهو كثمرة لا تخلق إلا ظاهرة كالتين ويكون ظهور طلعه كظهور ثمرة غيره. ولنا أنها ثمرة نخل إذا تركت ظهرت فهي كالإناث أو يدخل في عموم الخبر. وما ذكر للوجه الآخر لا يصح ; فإن أكله ليس هو المقصود منه وإنما يراد للتلقيح به وهو يكون بعد ظهوره فأشبه طلع الإناث» (٣). الراجح: النص إنما ورد في النخل المؤبر، وهو في الإناث خاصة، وأما الذكور فلم

стр. 822

يرد فيها نص، فإن كان هناك عرف أجري العرف بحسبه، وإن لم يكن هناك عرف فالقول بالقياس فيه قوة، والله أعلم. * * *

стр. 823

الفرع السابع في سقي الشجر إذا كانت الأصول لرجل والثمار لآخر [م - ١٦٤] بحث هذه المسألة لا يتأتى وفق مذهب الحنفية، لأنهم يرون وجوب القطع في الحال، وإنما تبحث هذه المسألة وفق مذهب الجمهور القائلين بأن الثمار باقية إلى أوان جذاذها. فإن كان السقي ينفع الثمار والأشجار، ولم يتضرر أحدهما منه، فلكل واحد منهما السقي، وليس للآخر منعه، وهذا بالاتفاق؛ لأن السقي حينئذ إصلاح للمال من غير إضرار بأحد (١). وإن أضر السقي الشجرة والثمرة معًا منعا منه؛ لأن في ذلك إفسادًا لمالهما، وإفساد المال ممتنع (٢). (ح-٨٦) لما رواه الشيخان من طريق كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ﷺ فكتب إليه. أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله كره لكم ثلاثًا قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال (٣). وفي رواية للبخاري: كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهاتِ، وعقوق الأمهات، ووأد البنات (٤).

стр. 824

وإن احتاج الثمار إلى السقي، وكان فيه ضرر على الأصل، أو احتاج الأصل إلى السقي، وكان فيه ضرر على الثمار، فاختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب المالكية إلى المنع من السقي؛ لأن شرط جواز السقي ما لم يضر أحدهما بالآخر، فإن ضر السقي بالآخر منع منه (١). دليل المالكية: (ح-٨٧) ما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه. [المعروف من حديث أبي سعيد أنه مرسل، وهو حسن بشواهده] (٢). القول الثاني: ذهب الشافعية إلى فسخ العقد إذا تنازعا، وكان أحدهما يتضرر من السقي (٣).

стр. 825

وجه قول الشافعية: لا يمكن أن يمكن أحدهما من إلحاق الضرر بالآخر، وليس أحدهما أولى بالمراعاة من الآخر، فيفسخ العقد لذلك. القول الثالث: لكل واحد سقي ماله إذا كان له فيه مصلحة، وإن تضرر الآخر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، واختاره بعض الشافعية (٢). وجه قول الحنابلة: أن كل واحد من المتعاقدين إذا طلب السقي لحاجته أجبر الآخر عليه ; لأنه دخل في العقد على ذلك فالبائع من حقه تبقية الثمرة على الأصول والسقي من تبقيتها والمشتري من حقه حفظ الأصول والسقي سبب لها، فلزم كل واحد منهما ما أوجبه العقد للآخر وإن أضر به. وقد يجاب عنه: بأنه إنما رضي بذلك على وجه لا يتضرر به، فإذا أضر به لم يلزمه.

стр. 826

القول الرابع: يراعى جانب المشتري (يعني مشتري الأصول) على جانب البائع صاحب الثمرة، وهو وجه آخر عند الشافعية. وجهه: أن البائع ألزم نفسه سلامة الأشجار (١). القول الخامس: عكس هذا القول، وأن البائع أولى بالمراعاة؛ لأنه استحق إبقاء الثمار (٢). الراجح من الخلاف: الخلاف في المسألة ليس فيه نص في موضع النزاع، ولكن الترجيح سيكون وفق القواعد الفقهية: فمن المعلوم أن المشتري والبائع لم يدخلا في العقد إلا وقد التزم أحدهما بحفظ مال الآخر، وإن تضرر ماله، لأن الضرر هنا في مسألتنا هذه عارض، والأصل أن السقي ينفع الثمرة كما ينفع الأصل، ولكن لو عرض هذا الضرر، وكان في السقي إضرار بأحدهما، فإنه من المعلوم عصمة مال كل واحد منهما، وأنه لا يجوز لكي أحفظ مالي أن ألحق الضرر بمال غيري، وهو وإن كان صاحب الشجر قد التزم إبقاء الثمرة، أو كان صاحب الثمرة قد التزم تسليم الشجرة سليمة فإن هذا الالتزام لا يعني أن يلحق الضرر بماله، فإذا حدث هذا العارض، كان هذا نوعًا من العيب الذي بموجبه يثبت الخيار للمتضرر، فإن رضي المتضرر وإلا كان له حق الفسخ، وهذا ما ذهب إليه الشافعية، والله أعلم. * * *

стр. 827

مسألة فيمن يتولى السقي [م - ١٦٥] من يتولى السقي، هل يتولاه المشتري، صاحب الأصل، أو يتولاه البائع صاحب الثمار؟ هذه المسألة كما سبق لا تتنزل على مذهب الحنفية القائلين بوجوب قطع الثمرة، وإنما يأتي بحثها وفق مذهب الجمهور القائلين بأن له إبقاء الثمرة إلى أوان الجذاذ، وقد اختلف الفقهاء فيمن يجب عليه القيام بالسقي. القول الأول: السقي على البائع؛ لأن البائع لن يسلم الأصل حتى يجد البائع ثمرته، وهذا مذهب المالكية (١). القول الثاني: لكل منهما حق السقي لماله، وأيهما طلب السقي أجبر الآخر على تمكينه، ومؤنته عليه؛ لأنه لحاجته. وهذا مذهب الشافعية (٢)، وهو المذهب عند

стр. 828

الحنابلة (١). فلا يجب على البائع سقي الأشجار؛ لأنها خرجت من ملكه. ولا يجب على المشتري أن يسقي ثمار البائع؛ لأن البائع لم يملك الثمار من جهته، وإنما أبقى ملكه عليها، فمن احتاج منهما إلى السقي أجبر الآخر على تمكينه. [م-١٦٦] فإن كان ترك السقي ضارًا بالمشتري لامتصاص الثمار رطوبة الأشجار فقيل: للمشتري أن يجبر البائع على أحد أمرين: إما أن يسقي، وإما أن يقطع الثمار. وهذا مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: ليس له أن يجبره على السقي وإن أضر به ترك السقي، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤). الراجح: نستطيع أن نجمع بين قول المالكية، وقول الشافعية والحنابلة، بأن نقول: إن امتنع البائع من تسليم الأشجار إلى المشتري إلى أوان الجذاذ فإن السقي عليه؛ لأنه يجب عليه أن يسلم الشجر سليمًا إلى المشتري، وإن سلم البائع الأصول

стр. 829

إلى المشتري، فهنا نقول بقول الشافعية والحنابلة: من احتاج منهما السقي أجبر الآخر على تمكينه منه، ولا يمكن إجبار البائع على السقي وقد سلم المبيع إلى صاحبه، ولا يمكن أن يجبر المشتري على السقي من أجل الثمار، والثمار لم يملكها البائع من جهته، وإنما نقول: من احتاج منهما السقي فله ذلك ما لم يضر بالآخر، والله أعلم. * * *

стр. 830

الفرع الثامن في دخول الأرض تبعًا إذا باع النخل [م - ١٦٧] ذكرنا فيما سبق حكم دخول الشجر تبعًا فيما إذا باع الأرض، وأطلق، هل يدخل الشجر في بيع الأرض أو لا يدخل إلا بالشرط؟ وهذه المسألة عكس تلك المسألة، فلو أنه باع النخل، هل تدخل أرض الشجرة تبعًا، أو لا تدخل إلا بالشرط؟ تحرير محل الخلاف: إذا اشتراها بشرط القلع، أو اشتراها بشرط الترك، فله ذلك بحسب شرطه بالاتفاق (١)، وإنما الخلاف فيما إذا اشترى الشجرة، ولم يذكر شيئًا، فهل تدخل أرض الشجرة تبعًا، وهو ما يسمى (بالمغرس) أو لا تدخل؟ فإن قلنا: تدخل فإن الشجرة لو تلفت، أو قلعها المالك فله أن يزرع بدلها، وله أن يبيع مكانها، وإن قلنا: لا تدخل لم يحق له زرع بدلها. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقيل بدخول الأرض تبعًا للشجر. وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، وهو المختار في المذهب (٢)،

стр. 831

ومذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة، قال في الإنصاف: ظاهر كلام الإمام أحمد الدخول، حيث قال فيمن أقر بشجرة لرجل: هي له بأصلها (٣). وجه كون الأرض داخلة تبعًا للشجر: أن الشجر والنخل لا يسمى كذلك إلا وهو ثابت في الأرض، فكان دخوله في الأرض من ضرورة ما سماه في العقد، ولهذا يذكر مواضعها من الأرض حتى لا يكون في ذلك نزاع بينهما. ولأن الأرض بعد القلع خشب لا شجر، فلا بد أن تدخل أرض الشجرة فيه، ولهذا دخلت في الإقرار بالإجماع، فلو أقر لرجل بشجرة في أرضه، كانت أرض الشجرة للمقر له. ويناقش: بأنه يمكن له أن يأخذ الشجر والنخل إلى أرضه، وذلك بقلعها من جذورها، وزرعها في المكان الذي يريد، لا أن يملك الأصل بملك الفرع، وإنما دخلت في الإقرار بالشجرة ; لأن الإقرار إخبار عن كائن، فلا بد من كون سابق على الإقرار، وهو قيامها في الأرض التي هي قرارها، وذلك دليل كون الأرض للمقر له بسبب سابق، فكان الإقرار بكون الشجرة له إقرارا بكون الأرض له أيضًا ومثل هذه الدلالة لم توجد في البيع، فلا يدخل والله أعلم.

стр. 832

وقيل: لا تدخل الأرض تبعًا للشجر، وهو قول أبي يوسف من الحنفية (١)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٢)، الحنابلة (٣). وجه كون الأرض لا تدخل تبعًا للشجر: دخول الشيء تبعًا لا بد له من شرطين: إما أن يتناوله الاسم لغة، أو يقضي به عرف، واسم النخل لا يتناول الأرض لا لغة، ولا عرفًا، ولم تذكر الأرض في العقد، والنخل هو من يتبع الأرض، فالأرض أصل، والنخل تبع، وليس العكس، والأصل لا يصير مذكورًا بذكر التبع فلم تدخل. الراجح: بعد استعراض الأقوال فإن الراجح والله أعلم أن نقول: إن كان هناك عرف عمل بمقتضاه، وإن لم يكن هناك عرف فإن اسم الشجرة لا يتناول الأرض، وقد عرف من عمل الناس في وقتنا أنهم يشترون النخل الجيد لغرسه في أرض خالية، لتتحول الأرض البيضاء إلى بستان، والشجر يقبل النقل إذا قلع من عروقه على الوجه المعتاد، وليس كما يقال: بأن الشجرة إذا قلعت تحولت إلى خشب، والله أعلم. * * *

стр. 833

المبحث الرابع ما يدخل في بيع الدار الفرع الأول يدخل فيها ما يتناوله اسم الدار [م - ١٦٨] يدخل في بيع الدار بناؤها، وأرضها، وسقفها، وغرفها، وهذا بلا نزاع؛ لأن اسم الدار يتناولها (١). ويدخل في ذلك علو الدار إلى السماء (٢). وقد استدل ابن العربي على دخول العلو بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] قال ابن العربي: «في هذا دليل على أن السقف لصاحب السفل، وذلك لأن البيت عبارة عن قاعة، و جدار، وسقف، وباب، فمن له البيت فله أركانه، ولا خلاف في أن العلو له إلى السماء» (٣). وقال النووي: «قال الأصحاب: إذا قال: بعتك هذه الدار دخلت في البيع الأرض، والأبنية على تنوعها سفلها وعلوها حتى يدخل الحمام المعدود من مرافقها. وحكي عن نصه أن الحمام لا يدخل وحمله الأصحاب على

стр. 834

حمامات الحجاز وهي بيوت من خشب تنقل في الأسفار فأما الحمامات المبنية من الطين والآجر إذا كان بحيث لا يمكن نقله فإنه يدخل في العقد وحكوا أن الربيع حمله على ذلك. وفصل الغزالي في الحمام فقال: إن كان لا يستقل دون الدار اندرج وإن استقل فهو من الدار كالبناء من البستان يعني فيجري فيه الخلاف في ذلك. واختار ابن الرفعة أن الحمام الخشب الذي لا ينقل لا يدخل لقول الشافعي ﵁: وما كان مما يجب من البنيان مثل البناء بالخشب فإن هذا متميز، كالنبات، والحديد، فهو لبائعه، إلا أن يدخله المشتري في صفقة البيع. وقال: إنه لم ير أحدًا من الأصحاب تعرض له وأنه فقه ظاهر; لأن ما كان من أجزاء الأرض إذا أثبت فيها، وإذا تغيرت صفته كاللبن يجعل أجزاء أو لم يتغير كالأحجار، واللبن، يقرب أن يتبعها كما لو كان متصلًا من أصل الخلقة، بخلاف ما إذا كان من خشب وإن كان الشجر الأخضر يتبع في بيع الأرض، ولكنه ليس بجزء منها. وإنما تبعها ; لأنه صار كالجزء المتصل بها ولهذا ينمو بها بخلاف البناء ... قال النووي معلقًا: إذا كانت الحمام كلها من خشب، وهي مثبتة في الدار لا تنقل، ولا تحول كانت كالسور الخشب المسمرة التي لا تحول وفي دخولها وجهان: أصحهما: الدخول كما سيأتي وإذا كان كذلك فيكون ما قاله ابن الرفعة موافقًا لأحد الوجهين وليس مما انفرد به عن الأصحاب كما ظن ولكن مأخذ الأصحاب القائلين بذلك غير المأخذ الذي ذكره وذلك عندهم في كل متصل مثبت يمكن الانتفاع به بعد انفصاله ولا فرق في ذلك بين أن يكون من خشب، أو طين أو غيرهما ..... حتى لو فرضنا حمامًا من حجر وهي مثبتة في الدار وكان يمكن أن تنقل وهي على حالها وينتفع بها اقتضى أن يجري

стр. 835

فيها الخلاف المذكور في الأمثلة المذكورة ثم إن الشافعي ﵁ إنما ذكر النص المذكور في الأرض والمعنى الذي أبداه ابن الرفعة، وهو اعتبار أجزاء الأرض إنما يتم فيها والكلام هنا إنما هو في بيع الدار ومن المعلوم أن الدار في العرف غالبا يشتمل على أجناس من أجزاء الأرض وغيرها ولا يلزم من القول بعدم دخول ما ليس من أجزاء الأرض تحت اسم الأرض القول بعدم دخوله تحت اسم الدار والتحقيق ما قدمته من إلحاقها بالسرير ونحوه، والله أعلم» (١). * * *

стр. 836

الفرع الثاني يدخل في اسم الدار ما كان من توابعها متصلًا بها [م - ١٦٩] يدخل في اسم الدار أيضًا ما كان من توابع المبيع المتصلة المستقرة والتي من مصلحتها، كالأبواب، والسلالم الثابتة، والرفوف المسمرة، والأدراج المثبتة فيها، دون المنقولة (١). فخرج بقيد الاتصال ما كان منفصلًا عنها كالفرش، والأثاث المنقول، فلا يدخل فيها، إلا المفاتيح فإنها وإن كانت منفصلة فإنها داخلة على الصحيح، وسيأتي تحرير الخلاف. وقولنا: (السلالم الثابتة) فإن كانت السلالم غير ثابتة، بأن كانت غير مبنية، وتنقل من مكان إلى مكان فهي للبائع (٢). وجاء في التاج والإكليل: «لا يندرج تحت الدار المنقولات، وتندرج الثوابت كالأبواب .... وكل ما في الدار المبيعة حين البيع مما ينقل من دلو، وبكرة، وباب، وحجر، وتراب كان معدًا لإصلاح الدار، أو مما انهدم منها فهو لبائعها لا لمبتاعها إلا بشرط» (٣).

стр. 837

وجاء في مواهب الجليل: «يتبع العقار كل ما هو ثابت من مرافقه، كالأبواب، والرفوف والسلاليم المؤدية، والأخصاص، والميازيب، لا منقول إلا المفاتيح» (١). وقال في مجلة الأحكام الشرعية: «كل منفصل عن المبيع مما لا يشمله اسمه عرفًا، ولا يعد من مصلحته عادة، لا يدخل في البيع بلا تصريح، فلا يدخل الكنز، والحجر المدفونان في بيع الأرض، ولا السرر، والأقفال، والفرش، والغروس الموضوعة في الأواني التي تنقل في بيع الدور، ونحوها» (٢). قال ابن حزم: من اشترى دارًا فبناؤها كلها له، وكل ما يكون مركبًا فيها من باب، وأدراج، وغير ذلك، وهذا إجماع متيقن (٣). ونستطيع أن نخرج بضابط يجمع ما تفرق، ويقاس عليه ما لم يذكر، فنقول: كل ما لا ينقل فإنه يدخل في بيع الدار، إلا أن يجري عرف بخلافه. وكل ما كان ينقل فإنه لا يدخل، إلا أن يجري عرف بخلافه. وعلى هذا فقس.

стр. 838

الفرع الثالث في دخول المفاتيح في بيع الدار [م - ١٧٠] اختلفوا في دخول مفاتيح الدار على قولين. القول الأول: تدخل، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: لا تدخل، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٥)، والمذهب عند الحنابلة (٦). وعلل الحنابلة ذلك: أن اسم الدار لا يتناول المفاتيح، وأن المفاتيح منقولة غير متصلة بالدار، وهذا التعليل ليس بشيء، والراجح الأول؛ لأن المفاتيح وإن كانت منقولة إلا أن أقفالها تعتبر مثبتة، وقد ركبت لتبقى، ومفتاح القفل تبعًا للقفل، ألا ترى أنه لو اشترى القفل دخل المفتاح فيه من غير تسمية.

стр. 839

والخلاف في المفاتيح كالخلاف في رحى المنزل، وقد كان ذلك موجودًا في عصر متقدم، فمنهم من أتبع الرحى الفوقاني الرحى السفلي المثبت في الأرض كالمالكية والحنفية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١). ومنهم من اعتبر الرحى السفلي يدخل في بيع الدار، ولا يدخل الرحى الفوقي؛ لأنه غير متصل بالدار كالحنابلة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢). والصحيح أن بابه باب القفل والمفتاح، فكما لا يوجد قفل بلا مفتاح، لا يوجد رحى بدون جزئه العلوي، والله أعلم. قال ابن قدامة: «وأما ما كان من مصالحها لكنه منفصل عنها كالمفتاح والحجر الفوقاني من الرحى، إذا كان السفلاني منصوبًا فيحتمل وجهين: أحدهما: يدخل في البيع; لأنه لمصلحتها فأشبه المنصوب فيها. والثاني: لا يدخل; لأنه منفصل عنها فأشبه السفلاني إذا لم يكن منصوبًا» (٣).

стр. 840

نعم يتوجه قول الحنابلة لو كانت المفاتيح لأقفال غير مثبتة بالأبواب، منفصلة عنها، كما لو كان الباب يقفل عن طريق قفل منقول لم يثبت بالباب، وهو ما يمكن أن نسميه بالقفل الخارجي، فمادام أن القفل منقول فالمفتاح تبع للقفل، فلو قيل بعدم دخول القفل ومفتاحه، لكونهما منفصلين عن الباب، لكان هذا القول له وجه، ولعل كلام الحنابلة متوجه لهذا النوع، وليس للقفل المثبت في الباب بالمسامير، فإن القفل تابع للباب، والمفتاح تبع للقفل، ولكن إطلاق الحنابلة على عدم دخول المفتاح مطلقًا ظاهره أن ذلك يشمل مفتاح القفل المنقول والمثبت بدليل أنهم لا يلحقون الرحى الفوقي بالرحى السفلي مع كونهما يشكلان بمجموعهما رحى واحدة، أحدهما ثابت، والآخر منقول، بخلاف الحنفية والشافعية، فإنهم فرقوا بين القفل المنقول والمثبت. قال في مجمع الأنهر: «وكذا - أي يدخل تبعًا في بيع الدار - مفتاح غلق متصل بباب الدار بخلاف المنفصل، وهو القفل، فإنه ومفتاحه لا يدخلان» (١). وقال النووي في الروضة: «وفي مفتاح المغلاق المثبت وجهان، أصحهما يدخل» (٢)، فقوله (المغلاق المثبت) أخرج مفتاح القفل غير المثبت، فإنه لا يدخل، والله أعلم. * * *

стр. 841

الفرع الرابع في دخول بستان الدار في بيع الدار [م - ١٧١] يدخل في بيع الدار بستان الدار، إن كان البستان داخل الدار، وإن كان خارج الدار لم يدخل؛ لأن الاسم لا يتناوله. قال في تبيين الحقائق: «ويدخل البستان الذي في الدار، صغيرًا كان أو كبيرًا، وإن كان خارج الدار لا يدخل» (١). قال النووي: «ولو كان وراء الدار بستان متصل بالدار لم يدخل في العقد، وإن قال: بحقوقها، لأن اسم الحقوق لا يطلق على البستان المتصل بالدار، قاله القاضي حسين» (٢). واختار بعض الحنفية أنه إن كان البستان أصغر من الدار، ومفتحها إلى الدار يدخل في بيع الدار، وإن كان البستان أكبر من الدار، لا يدخل في بيع الدار (٣). * * *

стр. 842

الفرع الخامس ما دخل في بيع الأرض دخل في بيع الدار إن كان في داخلها [م - ١٧٢] فلو كان في داخل الدار شجر دخل في بيع الدار على الصحيح، وكذلك يدخل بئر، ومعدن جامد، وحجر مخلوق منها؛ لأن اتصال هؤلاء أقوى من اتصال الرفوف المسمرة، والأبواب المثبتة؛ ولأن الدار اسم للأرض والبناء معًا، فما دخل في بيع الأرض دخل في بيع الدار ما دام داخل حدودها، متصلًا بها على وجه الثبوت والدوام، فالدار عند الإطلاق تشمل جميع ما أحاط به بنيانها، وكذا ما اتصل بها مما بني لمصلحتها. قال الزيلعي: «الأصل في جنس هذه المسائل أن الشيء إذا كان متصلًا بالمبيع اتصال قرار دخل في المبيع تبعًا، وإلا فلا» (١). وقال أيضًا: «وتدخل البئر الكائنة في الدار، وإن كان عليها بكرة تدخل، ولا يدخل الحبل، والدلو المعلقان عليها، إلا إن كان قال بمرافقها» (٢). وقال في الجوهرة النيرة: «إذا باع الدار دخل في البيع جميع ما كان فيها من بيوت، ومنازل، وعلو، وسفل، ومطبخ، وبئر، وكنيف، وجميع ما يشتمل عليها بيع الأرض لم يدخله في بيع الدار. قال النووي: «ولو كان في وسطها - يعني وسط الدار - شجر ففي دخوله الخلاف السابق في لفظ الأرض» (٣).

стр. 843

والراجح دخوله فيها، والله أعلم. وجاء في الموسوعة الكويتية: «ومن باع دارًا دخل في البيع بناؤها، وما فيها من شجر مغروس، وما كان متصلًا بها لمصلحتها ... » (١). * * *

стр. 844

الفرع السادس في دخول ظلة الدار اختلف العلماء، هل للإنسان أن يعمل ظلة لداره، وهي الساباط الذي أحد طرفيه على الدار، والطرف الآخر على دار أخرى، أو على إسطوانات في السكة، ومفتحها إلى الدار المبيعة (١)؟ وإذا عمل ظلة، فهل تدخل في بيع الدار؟ فهاتان مسألتان: الأولى: هل له أن يخرج ظلة له في الطريق. والمسألة الثانية: إذا كان له ذلك، فهل تدخل في بيع الدار. وسوف نبحث كل مسألة على انفراد، أسأل الله سبحانه العون والتوفيق. * * *

стр. 845

المسألة الأولى في إخراج الظلة في هواء الطريق [م - ١٧٣] اختلف العلماء هل لصاحب الدار الارتفاق بهواء الطريق كوضع جناح، أو ساباط، أو ليس له ذلك؟ وللجواب على ذلك نقول: إن كان ذلك مضرًا بالمارة فلا يجوز وضعه مطلقًا، أذن بذلك الإمام أو لم يأذن، وسواء كان الطريق نافذًا أو غير نافذ. (ح-٨٨) لما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (١). [المعروف من حديث أبي سعيد أنه مرسل، وهو حسن بشواهده] (٢). ولأن العامة لهم حق في الطريق العام، فيلزم منع كل تصرف يضر بالحق العام. وإن كان ذلك غير مضر، وكان الطريق نافذًا، فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز مطلقًا، سواء أذن الإمام أو لم يأذن، وهذا اختيار محمد ابن الحسن
следующие страницы →