عطية أولاده) .... سواء أكانت تلك العطية هبة، أم هدية، أم صدقة، أم وقفًا، أم تبرعًا آخر، فإن لم يعدل لغير عذر كره عند أكثر العلماء وقال جمع يحرم» (١).
وقال الخطيب في مغني المحتاج: «محل الكراهة عند الاستواء في الحاجة أو عدمها، وإلا فلا كراهة، وعلى ذلك يحمل تفضيل الصحابة» (٢).
وقال ابن قدامة في المغني: «والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده، على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال القاضي: المستحب التسوية بين الذكر والأنثى ... فإن خالف، فسوى بين الذكر والأنثى، أو فضلها عليه، أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض، أو خص بعضهم بالوقف دون بعض، فقال أحمد، في رواية محمد بن الحكم: إن كان على طريق الأثرة، فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال، وبه حاجة. يعني فلا بأس به ..... وعلى قياس قول أحمد، لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه، تحريضًا لهم على طلب العلم، أو ذا الدين دون الفساق، أو المريض، أو من له فضل من أجل فضيلته، فلا بأس» (٣).
قلت: هذا تخصيص بالوصف، وهو أخف من تفضيل العين.
وجاء في حاشية الجمل: «ومما تعم به البلوى، أن يقف ما له على ذكور أولاده وأولاد أولاده حال صحته، قاصدًا بذلك حرمان إناثهم، والأوجه الصحة، وإن نقل عن بعضهم القول ببطلانه» (٤).
стр. 7807
وفي تحفة المحتاج: «يقع لكثيرين أنهم يقفون أموالهم في صحتهم على ذكور أولادهم قاصدين بذلك حرمان إناثهم، وقد تكرر من غير واحد الإفتاء ببطلان الوقف حينئذ، وفيه نظر ظاهر، بل الوجه الصحة.
أما أولا: فلا نسلم أن قصد الحرمان معصية، كيف، وقد اتفق أئمتنا كأكثر العلماء على أن تخصيص بعض الأولاد بماله كله أو بعضه هبة أو وقفًا أو غيرهما لا حرمة فيه، ولو لغير عذر، وهذا صريح في أن قصد الحرمان لا يحرم؛ لأنه لازم للتخصيص من غير عذر وقد صرحوا بحله كما علمت.
وأما ثانيا: فبتسليم حرمته، هي معصية خارجة عن ذات الوقف، كشراء عنب بقصد عصره خمرًا فكيف يقتضي إبطاله» (١).
القول الثاني:
يحرم تخصيص البنين دون البنات، ويجب رده إن وقع.
روي ذلك عن عائشة ﵂، وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، واختاره بعض الشافعية، وصوب رده إن وقع بناء على اشتراط القربة لصحة الوقف. وبه قال أهل الظاهر. وعليه أكثر المالكية إلا أن المالكية اختلفوا في رده إن وقع على قولين:
الأول: يجب رده مطلقًا.
والثاني: يجب رده إن كان في يد الواقف، ولم يحز عنه، فإن حيز عنه، أو مات مضى على شرطه، وهذا قول ابن القاسم (٢).
стр. 7808
جاء في شرح الخرشي: «وكذلك يبطل الوقف إذا وقف على بنيه الذكور دون الإناث ... ولو وقفه على الجميع، وشرط أن من تزوجت من البنات لا حق لها في الوقف، وتخرج منه، فإنه يكون باطلًا أيضًا» (١).
وجاء في الكافي في فقه أهل المدينة: «وقد روي عن مالك قال: ومن حبس على ذكور ولده، وأخرج النساء بطل الحبس، وعاد ميراثًا، رواها ابن وهب وغيره.
وقال ابن وهب: أخبرني يزيد بن عياض عن أبي بكر بن حزم أن عمر بن عبد العزيز مات حين مات وإنه ليريد أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء .... » (٢).
ورأى ابن القاسم إذا فات ذلك أن يمضي على ما حبس، وإن كان حيًا ولم يحز عنه الحبس فليرده ويدخل فيه البنات، وإن حيز عنه أو مات مضى على شرطه، ولم يفسخه القاضي (٣).
قال ابن رشد الجد: «ظاهر قول مالك هذا أن الحبس لا يجوز ويبطل على كل حال، خلافُ مذهب ابن القاسم في أنه يمضي إذا فات ولا ينقض» (٤).
(ث-١٩١) روى البخاري في التاريخ الكبير، قال: قال يحيى ابن آدم،
стр. 7809
حدثني ابن المبارك حدثني سليمان بن الحجاج الطائفي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة،
عن عائشة: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده إن هذا إلا كما قال الله تعالى ﴿خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (١). [الأنعام: ١٣٩].
وقال ابن حجر الهيتمي، وقد سئل عمن وقف على ذكور أولاده دون إناثهم قاصدًا بذلك حرمانهن فهل يصح الوقف؟
«فأجاب بقوله: إن شرطنا لصحة الوقف القربة، وهو ما نقله الإمام عن المعظم لم يصح، وبه أفتى جمع، كعمر الفتى، وتلميذه الكمال الرداد، وغيرهما.
وإن اشترطنا لصحته انتفاء المعصية صح، إن قلنا إن قصد حرمان الوارث بالتصرف في الصحة غير محرم ......
والحاصل أنه حيث وقع ذلك في صحته صح، أخذًا من قول الشيخين الذي دل عليه كلام الأكثرين أن المغلب في الوقف التمليك، لا القربة، ومن المعلوم أن تمليك أولاده الذكور دون الإناث أو عكسه صحيح، لكنه مكروه، وما ذكر عن الإمام إنما هو بالنسبة للجهة فلا تعارض، وحينئذ فلا حجة لأولئك المفتين فيه، قال بعضهم: وأنا أقول للقاضي أن يقلد ما ذكر عن الإمام ويحكم ببطلان الوقف؛ لأنه الذي عليه الجمهور اهـ» (٢).
стр. 7810
دليل من قال: يحرم تفضيل الذكور على الإناث:
(ح-٩٩٣) ما رواه البخاري من طريق عامر، قال:
سمعت النعمان بن بشير ﵁، وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟، قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع فرد عطيته (١).
وفي رواية لهما: (لا تشهدني على جور).
وفي رواية لهما أيضًا: (أكل ولدك نحلت مثله؟، قال: لا، قال: فارجعه) (٢).
وفي رواية لمسلم: (قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا) (٣).
وفي رواية لمسلم (أشهد على هذا غيري)، ثم قال: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا) (٤).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟) فيه دليل على وجوب العدل في العطاء بين الأولاد، وأن القسمة تكون بالتسوية بينهم، لا فرق بين ذكرهم
стр. 7811
وإناثهم، وأن ذلك واجب؛ لقوله ﷺ : لا تشهدني على جور، وأن العدل بينهم سبب في برهم، وأن خلافه سبب في العقوق وقطع الرحم، وما كان سببًا في الحرام حرم، وأن الأب إذا فاضل بين أولاده أمر برده كما أمر رسول الله ﷺ النعمان بذلك، وهذا دليل على بطلان الوقف وأنه من وقف الجنف والإثم، والله أعلم.
ونوقش هذا:
بأن الحديث ورد في الهبة وليس الوقف كالهبة فالوقف من عقود الصدقات والقرب بخلاف الهبة فهي من عقود التبرع والتمليك، والوقف ينفذ بمجرد اللفظ بخلاف الهبة فإنها لا تلزم إلا بالقبض، والصدقة لا رجوع فيها للأب ولا لغير الأب بحال من الأحوال إذا مضت؛ لأن الصدقة إنما يراد بها وجه الله، وما أريد به ذلك لم يجز الرجوع فيه بخلاف الهبة، فإن الوالد له أن يرجع في هبته لولده (١).
الدليل الثاني:
(ح-٩٩٤) ما رواه الطبراني من طريق عبد الله بن صالح وسعيد بن منصور، قالا: ثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة.
عن ابن عباس، عن النبي، قال: سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 7812
° دليل من قال: لا يحرم التفضيل بل يكره:
(ح-٩٩٥) ما رواه مسلم من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي،
عن النعمان بن بشير، قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اشهد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: أكل بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟ قال: لا، قال: فأشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذا (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (أشهد على هذا غيري). قال النووي: «احتج الشافعي وموافقوه بقوله ﷺ : فأشهد على هذا غيري، قالوا ولو كان حراما أو باطلًا لما قال هذا الكلام.
فإن قيل: قاله تهديدًا. قلنا: الأصل في كلام الشارع غير هذا، ويحتمل عند إطلاقه صيغة افعل على الوجوب، أو الندب، فإن تعذر ذلك فعلى الإباحة.
وأما قوله ﷺ : (لا أشهد على جور) فليس فيه أنه حرام؛ لأن الجور هو الميل عن الاستواء والاعتدال، وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور، سواء كان حرامًا أو مكروهًا وقد وضح بما قدمناه أن قوله ﷺ : (أشهد على هذا غيري) يدل على أنه ليس بحرام، فيجب تأويل الجور على أنه مكروه كراهة تنزيه» (٢).
ولأن قوله ﷺ : (فارجعه) يدل على أن العطية قد لزمت، وخرجت عن يده،
стр. 7813
ولو لم تكن صحيحة لم يكن له أن يرتجع؛ لأنها ما مضت ولا صحت فيرتجع، فأمره بذلك لأن المستحب والمسنون التسوية (١).
وقد يقال: إن الأمر بإرجاعه قد يقصد به رد عينه إلى حيازته، وإن كان ملكه ما زال باقيًا عليه.
° دليل من قال: لا يكره التفضيل إذا كان لمعنى:
الدليل الأول:
(ث- ١٩٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير بن العوام وقف داراً له على المردودة من بناته (٢).
[صحيح] (٣)
الدليل الثاني:
(ث-١٩٣) روى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنًى بعدي منك. ولا أعز علي فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقًا. فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث (٤).
стр. 7814
وجه الاستدلال:
قال ابن بطال: «ولما أجمعوا على أنه مالك لماله، وأن له أن يعطيه من شاء من الناس، كذلك يجوز أن يعطيه من شاء من ولده، والدليل على جواز ذلك أن أبا بكر الصديق نحل ابنته عائشة دون سائر ولده، ونحل عمر ابنه عاصمًا دون سائر ولده، ونحل عبد الرحمن بن عوف ابنته أم كلثوم ولم ينحل غيرها، وأبو بكر وعمر إمامان ... ولم يكن فى الصحابة من أنكر ذلك» (١).
قلت: فدل ذلك على أن الأمر بالتسوية إما أن يكون على سبيل الندب، وإما أن التفضيل إذا كان لمعنى لم يكن داخلًا بالأمر بالتسوية في عطاء الأولاد.
° دليل من قال: القسمة بحسب الميراث:
التفريق بين الذكر والأنثى ثابت في آيات الموارث، والله أحكم وأعدل، ولأن الرجل يجب عليه التزامات كثيرة من نفقة الزوجات والأولاد بخلاف المرأة، فكان بمثابة التفضيل لمعنى.
ولأن إعطاء الأنثى نصف نصيب الذكر هو حظها من ذلك المال لو بقي في يد الواقف حتى مات. والله أعلم.
° الراجح:
تفضيل الذكور على البنات لا يجوز، وتفضيل بعض الورثة على بعض إن كان التفضيل معلقًا بالوصف، كأن يقول: هذا الوقف على الفقير من أولادي، أو على طالب العلم منهم، أو على الغارم، أو على الزمن، أو على صاحب
стр. 7815
العيال، أو نحو ذلك من الأوصاف المعتبرة في الصدقات فلا بأس، ولا أرى أن في ذلك محاباة، وإن كان الوقف على أعيانهم وجب العدل بينهم، فإن أوقفه بشرط التفضيل فإن الوقف يمضي، ويلغو الشرط، كسائر الشروط الفاسدة في الوقف، والله أعلم.
* * *
стр. 7816
الفصل الثاني
في الرجل يقف بشرط الخيار
الوقف عقد يرد عليه الفسخ إذا قام سببه، فصح شرط الخيار فيه.
[م-١٥٦٢] اختلف العلماء في الرجل يقف بشرط الخيار:
القول الأول:
يصح الوقف والشرط، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، واختاره ابن عبد السلام من المالكية (١).
جاء في الهداية: «لو شرط الخيار لنفسه في الوقف ثلاثة جاز الوقف والشرط عند أبي يوسف» (٢).
وقال ابن عابدين: «ومحل الخلاف في غير وقف المسجد، حتى لو اتخذ مسجدًا على أنه بالخيار جاز، والشرط باطل» (٣).
القول الثاني:
يبطل الوقف والشرط، وهذا قول محمد بن الحسن وهلال من الحنفية، ومذهب الشافعية، والحنابلة (٤).
стр. 7817
جاء في الفتاوى الهندية: «لو وقف على أنه بالخيار لم يصح عند محمد رحمه الله تعالى، معلومًا كان الوقت أو مجهولًا، واختاره هلال» (١).
وقال النووي: «لو وقف بشرط الخيار، أو قال: بشرط أني أبيعه، أو أرجع فيه متى شئت فباطل ... » (٢).
القول الثالث:
يصح الوقف، ويبطل الشرط، وهو مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٣).
جاء في الذخيرة: «لو شرط في الوقف الخيار في الرجوع بطل شرطه، ولزم الوقف» (٤).
وفي حاشية الدسوقي: «واعلم أنه يلزم، ولو قال الواقف: ولي الخيار» (٥).
وقال ابن شاس: «ولا يحتاج الوقف إلى شرط اللزوم، بل لا يقع إلا لازمًا، فلو قال: على أني بالخيار في الرجوع عنه، وإبطال شرطه، لزم الوقف، وبطل الشرط» (٦).
стр. 7818
قال في المحرر: «ولا يصح الوقف المشروط فيه الخيار، ويتخرج أن يصح ويلغو الشرط» (١).
وقال في الإنصاف: «لو شرط الخيار في الوقف فسد. نص عليه. وهو المذهب. وخرج فساد الشرط وحده من البيع» (٢).
° وجه القول بأن الوقف والشرط باطل:
اشتراط الخيار في عقد الوقف ينافي مقتضى العقد، فالأصل في الوقف اللزوم، والخيار يمنعه، فلم يصح كما لو اشترط أن له بيعه متى شاء.
ولأنه إزالة ملك لله تعالى على وجه القربة فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالعتق (٣).
° وجه القول بأن الوقف والشرط صحيح:
أن الوقف تمليك للمنافع، فجاز شرط الخيار فيه كالإجارة (٤).
ولأن الوقف عقد يرد عليه الفسخ إذا قام سببه، فصح شرط الخيار فيه.
وإذا جاز أن يستثني الواقف الغلة لنفسه ما دام حيًا، فكذلك يجوز أن يشترط الخيار لنفسه لتقليب النظر.
° وجه القول بأن الوقف صحيح والشرط باطل:
الشرط الفاسد لا ينبغي أن يفسد الوقف، ولأن الوقف إزالة ملك لا إلى
стр. 7819
مالك، فيكون بمنزلة العتق، واشتراط الخيار في العتق باطل، والعتق صحيح، فكذلك الوقف، وقياسًا على اشتراط الخيار في وقف المسجد، فإن الوقف يصح، ويبطل الشرط.
جاء في الفتاوى الهندية: «واتفقوا على أنه لو اتخذ مسجدًا على أنه بالخيار جاز المسجد والشرط باطل» (١).
وأخشى أن تكون حكاية الاتفاق هذه يقصد بها اتفاق أصحاب أبي حنيفة، ولا يقصد بها الاتفاق بين أهل العلم؛ لأني لم أقف على هذا التفريق بين المسجد وغيره في شرط الخيار في كتب المذاهب الأخرى التي رجعت إليها، والله أعلم.
° الراجح:
لا أرى مانعًا من صحة اشتراط الخيار في عقد الوقف، ولا مفسدة شرعية في اشتراطه.
* * *
стр. 7820
المبحث الأول
في اشتراط الإدخال والإخراج والزيادة والنقص
الإدخال والإخراج والزيادة والنقص إذا رتب على الوصف جاز.
[م-١٥٦٣] اختلف الفقهاء في الواقف يشترط له أو للناظر أن يدخل من يشاء، ويخرج من يشاء، ويزيد من يشاء، وينقص من يشاء في استحقاق الوقف.
القول الأول:
يصح مطلقًا إذا شرط ذلك وقت العقد، فإذا اشترطه، كان له أن يجعل من ليس مستحقًا في الوقف مستحقًا فيه، وأن يخرج من الوقف من كان مستحقًا فيه، عملًا بالشرط، وأن يزيد في حق من يراه، وينقص كذلك، فإذا أدخل أحدًا، أو أخرج أحدًا أو زاد، أو نقص فليس له أن يغيره بعد ذلك؛ لأن شرطه وقع على فعل يراه، فإذا رآه وأمضاه فقد تحقق شرطه وانتهى إلا أن يشترط أن له ذلك متى ما أراد مرة بعد أخرى ما دام حيًا، وهذا مذهب الحنفية، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (١).
قال الخصاف: «أرأيت الرجل يقف الأرض على قوم ... ويشترط في الوقف أن له أن يزيد من رأى زيادته من أهل هذا الوقف، وله أن ينقص من رأى
стр. 7821
نقصانه منهم، وأن يدخل فيهم من يرى إدخاله، وأن يخرج منهم من رأى إخراجه؟
قال: الوقف جائز على ما اشترطه .... إذا فعل ذلك مرة فليس له أن يغير ذلك؛ لأن الرأي إنما هو على فعل يراه، فإذا رآه، وأمضاه، فليس له بعد ذلك أن يغيره.
قلت: فإن أراد أن يكون له ذلك أبدًا ما كان حيًا يزيد، وينقص، ويدخل ويخرج مرة بعد مرة؟ قال: يشترط .... » (١).
وعليه فإن هذا الحق عند الحنفية حق مطلق يستحق بالشرط، فإذا اشترطه كان له ذلك.
وقال الماوردي في الحاوي: إذا «قال: قد وقفت داري هذه على من شئت، على أن أدخل في الوقف من أشاء، وأخرج منه من أشاء ففيه وجهان:
أحدهما: جائز كما لو أدخله بصفة وأخرجه بصفة ......
وإذا قيل بجوازه صح إن كان قد سمى فيه عند عقد الوقف قومًا، ثم له يدخل من شاء ويخرج من شاء. وإذا فعل ذلك مرة واحدة، فهل له الزيادة عليها أم لا؟
على وجهين:
أحدهما: ليس له؛ لأنه قد فعل ما شاء، وله شرطه وقد استقر.
والوجه الثاني: له أن يفعل ذلك مرارًا ما عاش وبقي؛ لعموم الشرط ... » (٢).
стр. 7822
القول الثاني:
لا يصح اشتراط الإدخال والإخراج في غير أهل الوقف، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١).
جاء في مغني المحتاج: «ولو وقف بشرط الخيار ... أو شرط أن يدخل من شاء، ويخرج من شاء بطل على الصحيح» (٢).
وقال ابن قدامة: «وإن شرط في الوقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف، ويدخل من شاء من غيرهم لم يصح» (٣).
وأما إذا كان الإدخال والإخراج في أهل الوقف فهذا يصح، وهو على طريقتين:
الأول: أن يرتب الإدخال والإخراج على صفة معينة.
ومعنى ذلك: أن يجعل الاستحقاق والحرمان مرتبًا على وصف مشترط، فمن اتصف بصفة من صفات الاستحقاق استحق ما شرط له، فإن زالت تلك الصفة زال استحقاقه، فإن عادت الصفة عاد استحقاقه، كأن يقول: وقفت هذا على أولادي الأرامل، أو أولادي الفقراء، فلا تدخل المتزوجة، ولا يدخل الغني، فلو عادت أرملة، أو عاد فقيرًا عاد الاستحقاق. وهذا صحيح عند الشافعية والحنابلة.
стр. 7823
قال في الإنصاف: «ومعنى الإخراج بصفة والإدخال بصفة: جعل الاستحقاق والحرمان مرتبًا على وصف مشترط:
فترتب الاستحقاق: كالوقف على قوم بشرط كونهم فقراء، أو صلحاء.
وترتب الحرمان: أن يقول: ومن فسق منهم، أو استغنى فلا شيء له» (١).
قال الإمام أحمد كما في كتاب الوقوف للخلال:
«أخبرني محمد بن علي، حدثنا الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لولا أن في حديث الزبير للمردودة من بناتي، ومن تزوج فلا حق لها، ما كنت أرى أن يكون في الوقف أنه يدخل واحد، ويخرج آخر، ولا يكون إلا شيئًا معلومًا، ولا يحول» (٢).
وهذه قد نص المالكية على جواز هذه الصورة كما لو وقف على أولاده على أن من تزوج منهن فلا حق لها إلا أن يردها طلاق، أو موت زوج فهي على حقها من الحبس، فهذا فيه إدخال وإخراج بالوصف (٣).
الطريقة الثانية:
أن يدخل فيها من يشاء من أهل الوقف باختياره، ويخرج من يشاء منهم باختياره، فهذا فيها خلاف:
فقيل: لا يصح، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٤).
стр. 7824
وقيل: يصح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية.
واختار ابن تيمية من الحنابلة بأن الاختيار اختيار مصلحة، فيدخل من تقتضي المصلحة إدخاله، ويخرج من تقتضي المصلحة إخراجه.
جاء في المغني: «وإن شرط في الوقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف، ويدخل من شاء من غيرهم لم يصح؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده، كما لو شرط ألا ينتفع.
وإن شرط للناظر أن يعطي من شاء من أهل الوقف، ويحرم من شاء جاز؛ لأن ذلك ليس بإخراج للموقوف عليه من الوقف، وإنما علق استحقاق الوقف بصفة، فكأنه جعل له حقًا في الوقف إذا اتصف بإرادة الوالي لعطيته، ولم يجعل له حقًا إذا انتفت تلك الصفة» (١).
والحقيقة أن إرادة الناظر ليست صفة في الموقوف عليه، بل هي جهة منفكة.
وقال في الحاوي: «الضرب الثاني: أن يخرج من أخرج منها باختياره ويدخل من أدخل فيها باختياره، كأنه قال: قد وقفت داري هذه على من شئت، على أن أدخل في الوقف من أشاء، وأخرج منه من أشاء ففيه وجهان:
أحدهما: جائز كما لو أدخله بصفة وأخرجه بصفة.
والثاني: هو أصح؛ أنه لا يجوز، ويكون الوقف باطلًا؛ لأنه لا يكون على موصوف ولا معين» (٢).
стр. 7825
وقيل: إذا اشترط الواقف الإدخال والإخراج والزيادة والنقص في أهل الوقف، كان ذلك راجعًا للمصلحة، وليس لهوى الواقف والناظر، وهو اختيار ابن تيمية، قال في مختصر الفتاوى: «وإذا جعل الواقف للناظر أن يخرج من شاء، ويدخل من شاء، ويزيد وينقص، فذلك راجع إلى المصلحة الشرعية، لا إلى شرط الواقف وشهوته، وهواه، بل يفعل من الأمور المخير فيها ما كان أرضى لله ورسوله، وهذا في كل من تصرف لغيره بالولاية كالإمام والحاكم، والواقف، وناظر الوقف» (١).
وهذا القول من ابن تيمية ﵀ جاء متسقًا مع أصله في عدم اعتبار الشروط الجعلية إلا ما كان منها على وجه القربة، أما من قال بصحة الشروط المباحة واعتبارها فينبغي أن يقول بجواز هذا الشرط، ولو كان الشرط تبعًا لشهوته وهواه، فالمال ماله، وقد أخرجه بشرطه، فكان الأولى اعتباره، وهو الصحيح.
* * *
стр. 7826
المبحث الثاني
في اشتراط أن يكون وقفه على مذهب معين
مهما شرط الواقف ما يجوز له اتبع (١).
[م-١٥٦٤] لو خصص الواقف وقفه على الحنابلة، أو على الشافعية، فهل يختص به؟
اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول:
إذا خصصه لأهل مذهب معين اختص بهم، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢).
جاء في البحر الرائق: «لو عين الواقف مذهبًا من المذاهب، وشرط أنه إن انتقل عنه خرج، اعتبر شرطه» (٣).
وفي التاج والإكليل: «مهما شرط الواقف ما يجوز له اتبع، كتخصيص مدرسة، أو رباط، أو أصحاب مذهب بعينه» (٤).
стр. 7827
وفي الإنصاف: «لو خصص المدرسة بأهل مذهب أو بلد أو قبيلة: تخصصت. وكذلك الرباط والخانقاه والمقبرة. وهذا المذهب. جزم به في التلخيص، وغيره وصححه الحارثي وغيره.
قال الحارثي: وذكر بعض شيوخنا في كتابه احتمالا بعدم الاختصاص» (١).
ونص الحنابلة والشافعية على أنه إن خصص الإمامة بشخص معين أو بمذهب تخصصت به، وكذا الخطابة، قال بعض الحنابلة: ما لم يكن المشروط له الإمامة في شيء من أحكام الصلاة مخالفًا لصريح السنة أو ظاهرها، سواء كانت المخالفة لعدم الاطلاع، أو لتأويل.
القول الثاني:
إذا خصص الوقف بمذهب معين لم يختص بهم. اختاره ابن تيمية، وقال الحارثي من الحنابلة: «ذكر بعض شيوخنا في كتابه احتمالًا بعدم الاختصاص» (٢).
قال ابن تيمية: «ولا يجوز لواقف شرط النظر لذي مذهب معين دائمًا» (٣).
واختار ابن تيمية لزوم العمل بشرط مستحب خاصة (٤)، وتخصيصه بمذهب معين ليس مستحبًا إن لم يكن مكروهًا.
وهذا الشرط يرجع إلى مسألة سابقة: هل الوقف قربة، أو تمليك؟
стр. 7828
فعلى الأول، وأن الوقف قربة، فإن التزام المذهبية مخالف للمشروع، والأئمة قد نهوا عن تقليدهم؛ ولأن هذا الوقف فيه إغراء لالتزام المذهبية، وعدم الانعتاق من ربقة التقليد، والمشروع اتباع الدليل فيصح الوقف، ويلغو الشرط.
وعلى القول بأنه تمليك: يصح اختصاص الوقف بأهل مذهب معين.
وقد رجحت: أن الوقف إن كان على معين فهو تمليك، ولا تشترط فيه القربة.
وإن كان على جهة، فالقربة شرط، والمقصود بالقربة ما هو أعم من الطاعة، وإذا كان كذلك فلا أرى جواز اختصاص الوقف بمذهب معين، وأن هذا من الشروط التي تجوز مخالفتها، والله أعلم.
* * *
стр. 7829
المبحث الثالث
في تخصيص المسجد لأهل مذهب معين
[م-١٥٦٥] إذا وقف المسجد على أنه لا يصلي فيه إلا أهل مذهب معين، كالشافعية، والحنابلة، فهل يختص بهم؟ فيه خلاف على قولين:
القول الأول:
يختص بهم، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، واختاره صاحب التلخيص من الحنابلة (١).
جاء في تحفة المحتاج: «والأصح أنه إذا شرط في وقف المسجد اختصاصه بطائفة كالشافعية .... اختص بهم، فلا يصلي ولا يعتكف فيه غيرهم، رعاية لغرضه، وإن كره هذا الشرط» (٢).
القول الثاني:
لا يختص، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية في مقابل الأصح، ورجحه إمام الحرمين.
جاء في روضة الطالبين: «ولو شرط في الوقف اختصاص المسجد بأصحاب الحديث، أو الرأي، أو طائفة معلومين، فوجهان:
أحدهما: لا يتبع شرطه، فعلى هذا قال المتولي: يفسد الوقف لفساد الشرط.
стр. 7830
والثاني: يتبع ويختص بهم رعاية للشرط ... قلت ـ القائل النووي ـ الأصح اتباع شرطه، وصححه الرافعي في المحرر» (١).
وقال إمام الحرمين: «ولو قال: لا يدخل المسجد إلا عصبة خصصهم، فهذا الشرط باطل؛ فإن مبنى الحكم في المساجد التعميم.
ولو شرط ألا يقام في المسجد إلاّ شعارُ مذهبٍ خصَّصه بالذكر، فالمذهب والقياس أن ذلك التخصيص باطل؛ لما حققناه من أن أمور المساجد لا تقبل التخصيص.
وذهب طائفة من الأصحاب إلى وجوب اتباع شرط الواقف في تعيين ذلك الشعار، وهذا قاله من قاله على جهة المصلحة؛ فإن التنافس بين أهل المذاهب ليس بالخفي» (٢).
وفصل بعض الشافعية بأن المسجد إن كان موقوفًا على أشخاص بعينهم كزيد وعمرو اختص بهم، فإن أذنوا للصلاة لغيرهم فيه صح ذلك.
وإن كان المسجد موقوفًا على طائفة معينة كالشافعية، أو الحنفية، أو الصوفية، لم يجز لغير هذه الطائفة الصلاة فيه، ولو أذن الموقوف عليهم (٣).
وهذا القول قد لا يكون قولًا مستقلًا، وإنما هو تفصيل على القول الراجح في مذهب الشافعية، والله أعلم.
وإذا كنا قد صححنا أن اشتراط تخصيص الوقف بمذهب معين تجوز مخالفته، فالصلاة في المسجد من باب أولى، والله أعلم.
* * *
стр. 7831
الفصل الثالث
في اشتراط أن يكون الواقف مالكًا للموقوف
المبحث الأول
في صحة وقف الفضولي
وقف الفضولي كبيعه ينعقد موقوفًا.
الفضولي في الاصطلاح: هو من لم يكن ولياً، ولا أصيلاً، ولا وكيلاً في العقد (١).
[م-١٥٦٦] اشترط الفقهاء أن يكون الموقوف مملوكًا للواقف؛ وذلك أن الوقف تصرف يلحق رقبة العين الموقوفة، فلا بد أن يكون الواقف مالكًا لها، أو مأذونًا له بالتصرف في الرقبة بالوكالة عن صاحب العين الموقوفة.
[م-١٥٦٧] واختلفوا في وقف الفضولي:
стр. 7832
القول الأول:
وقف الفضولي كبيعه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك، وهذا مذهب الحنفية، وبعض المالكية، والقديم من قول الشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية وابن القيم (١).
القول الثاني:
لا ينعقد وقف الفضولي كما لا ينعقد بيعه، وهو القول الجديد للشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
القول الثالث:
ينعقد بيعه، ولا ينعقد وقفه، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٣).
° وجه التفريق بين البيع والوقف:
أن الوقف يخرج من مالكه بلا عوض فلم يصح وقف الفضولي بخلاف البيع.
° الراجح:
صحة وقف الفضولي ويكون موقوفًا على إجازة المالك؛ لأنه لما جاز أن
стр. 7833
تكون الوصية بما زاد على الثلث موقوفة على إجازة الوارث، وكذا اللقطة إذا تصدق بها الواجد كانت موقوفة على إجازة المالك جاز كذلك أن يكون وقف الفضولي موقوفًا على إجازة المالك.
(ح-٩٩٦) وأما ما رواه الإمام أحمد من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة،
عن عائشة قالت: جاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبي زوجني ابن أخيه يرفع بي خسيسته، فجعل الأمر إليها. قالت: فإني قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء (١).
فلما خيرها، والخيار لا يثبت في اللازم، دل على كونه موقوفًا على إجازتها.
ونوقش:
بأن هذا الحديث وإن كان رجاله رجال الصحيح إلا أنه منقطع، قال الدارقطني عن عبد الله بن بريدة: لم يسمع من عائشة (٢).
وقد بسطت الخلاف في الحكم التكليفي والوضعي لبيع الفضولي، وذكرت أدلة كل قول في عقد البيع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا (١).
* * *
стр. 7836
المبحث الثاني
في اشتراط أن يكون مملوكًا وقت الوقف
[م-١٥٦٨] تكلمنا في المبحث السابق عن اشتراط أن يكون الموقوف مملوكًا للواقف، فهل يشترط أن يكون مملوكًا له حين الوقف، أو يجوز أن يوقف الواقف الشيء قبل تملكه، على تقدير أنه إذا ملكه فهو وقف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
يشترط لصحة الوقف أن يكون مملوكًا له حين الوقف، وهذا مذهب الجمهور (١).
جاء في البحر الرائق: «ولو قال: إذا ملكت هذه الأرض فهي صدقة موقوفة، لا يجوز؛ لأنه تعليق، والوقف لا يحتمل التعليق» (٢).
واستثنى الحنفية العين المملوكة أو الموهوبة بعقد فاسد إذا قبضها فإن وقفه ينفذ في الحالتين؛ لأن عندهم أن المبيع والموهوب بعقد فاسد يملك بالقبض.
стр. 7837
القول الثاني:
لا يشترط لصحة الوقف أن يكون مملوكًا وقت الوقف، فلو علق وقفه على ملكه له، كأن قال: إن ملكت دار فلان فهي وقف، ثم ملكه فيلزمه ما التزمه، ولا يحتاج لإنشاء وقف لذلك، وهذا مذهب المالكية (١).
جاء في الشرح الكبير في تعريف الوقف: «وقفُ مملوكٍ، ولو بالتعليق، كإن ملكت دار فلان فهي وقف» (٢).
وعلق الدسوقي في حاشيته على قوله (إن ملكت دار فلان فهي وقف) قال الدسوقي: «من ذلك ما كتبه شيخنا: أن الشيخ زين الجيزي أفتى، بأن من التزم أن ما يبنيه في المحل الفلاني فهو وقف، ثم بنى فيه فيلزمه ما التزمه، ولا يحتاج لإنشاء وقف» (٣).
وجاء في الفواكه الدواني: في تعريف الحبس: «إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازمًا بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرًا ... قوله: (ولو تقديرًا) إلى صحة وقف غير المملوك على تقدير ملكه، كقوله: إن ملكت هذا فهو وقف» (٤).
° الراجح:
أرى أن مذهب الجمهور أرجح، وأنه لا يجوز تقديم الوقف على الملك؛ لأن الملك إن كان شرطًا أو سببًا في نفاذ الوقف لم يجز تقديم الوقف على
стр. 7838
شرطه أو على سببه، كما لا يجوز تقديم الكفارة قبل عقد اليمين، ولا تقديم الزكاة قبل ملك النصاب، فالشروط رتبتها التقدم، وكذا الأسباب تتقدم مسبباتها، والله أعلم.
ويتفرع على الخلاف في هذه المسألة الخلاف في عدة مسائل:
[م-١٥٦٩] الأولى: أن من اشترى أرضًا، وشرط في العقد الخيار للبائع، فوقفها المشتري، ثم أمضى البائع البيع، لم ينعقد الوقف؛ لأن وقت الوقف لم يلزم البيع، لأن الملك زمن الخيار إن قلنا: إنه للبائع فقد وقف ما لا يملك، وإن قلنا: إن الملك للمشتري فهو ممنوع زمن الخيار من التصرف تصرفًا يسقط حق البائع بالخيار، بخلاف ما لو أوقفها البائع فإن وقفه صحيح، وكان هذا عدولًا منه عن إمضاء البيع.
وقد يقال: إنه ينعقد، ولكنه لا يلزم، والله أعلم
[م-١٥٧٠] المسألة الثانية: إذا أوقف الموهوب له العين الموهوبة قبل أن يقبضها فهل يصح وقفه؟ على الخلاف في اشتراط الملك وقت الوقف، فمن اشترط الملك وقت الوقف لم يصحح الوقف؛ لأن الموهوب لم يدخل في ملك الموهوب له إلا بعد أن يقبضه قبضًا صحيحًا خلافًا لمن لم يشترط الملك وقت الوقف.
[م-١٥٧١] المسألة الثالثة: الوصية لا يملكها الموصى له إلا بعد موت الموصي، فلو أوقفها الموصى له قبل موت الموصى؛ فهل يصح وقفه إذا مات الموصى، ثم دخلت ملكه، على الخلاف بين المالكية والجمهور.
стр. 7839
قال ابن الهمام: «ولو وقف الموهوب له الأرض قبل قبضها، ثم قبضها لا يصح الوقف، وكذا لو أوقفها الموصى له قبل موت الموصي، ثم مات الموصي، وكذا لو وقفها في الشراء الفاسد قبل قبضها» (١).
* * *
стр. 7840
الفصل الرابع
في ألفاظ الواقف
المبحث الأول
إذا وقف الرجل على ولده
ألفاظ الواقفين تبنى على عرفهم.
إذا قال الرجل: هذا وقف على ولدي، ثم على الفقراء.
شمل هذا اللفظ مسائل كثيرة منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف، منها:
المسألة الأولى: دخول البنات في لفظ (الولد):
[م-١٥٧٢] ذهب عامة العلماء إلى أنه إذا قال: هذا وقف على ولدي فإنه يدخل في هذا اللفظ كل أولاده من صلبه الموجودين وقت الوقف من الذكور والإناث؛ وحكي الاتفاق على هذا؛ لأن لفظ الولد يشملهم.
قال العيني: «الإجماع قام على أن اسم الولد يقع على البنين والبنات» (١).
وقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فجعل الأنثى من الأولاد.
ولأن لفظ (ولدي) نكرة مضافة فتعم كل ولده، الواحد والجمع، والذكر والأنثى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
стр. 7841
وقال ابن عابدين: «ولأن اسم الولد مأخوذ من الولادة، وهي موجودة فيهما (١).
جاء في البحر الرائق: «فإذا وقف على ولده شمل الذكر والأنثى» (٢).
وجاء في المهذب: «فإن قال: وقفت على أولادي دخل فيه الذكر والأنثى» (٣).
القول الثاني:
لا يدخل البنات بلفظ الولد، بل يكون وقفًا على الذكور منهم، وهذا قول ذكره ابن رشد في المقدمات، واحتج له بأن المحكم هو العرف، والناس يطلقون الولد في مقابل البنت، هذا هو العرف في زمن ابن رشد الجد، وما زال هذا هو العرف عندنا في عصرنا لم يختلف مع الفارق الزمني.
يقول ابن رشد: «لا اختلاف في أن الألفاظ المسموعة إنما هي عبارة عما في النفوس، فإذا عبر المحبس عما في نفسه من إرادته بلفظ غير محتمل، نص فيه على إدخال ولد بناته في حبسه، أو إخراجهم منه؛ وقفنا عنده ولم يصح لنا مخالفة نصه، وإذا عبر عما في نفسه بعبارة محتملة للوجهين جميعًا، وجب أن نحملها على ما يغلب على ظننا أن المحبس أراده من محتملات لفظه بما يعلم من قصده؛ لأن عموم ألفاظ الناس لا تحمل إلا على ما يعلم من قصدهم، واعتقادهم؛ إذ لا طريق لنا إلى العلم بما أراده المحبس إلا من قبله.
стр. 7842
فإذا صح هذا الأصل الذي أصلناه وقدرناه، وقد علمنا أنه لا يعلم من الناس أن الولد بإطلاقه يقع على الذكر والأنثى إلا الخاص منهم العالم باللسان، وأكثرهم يعتقد أن الولد لا يقع إلا على الذكر دون الأنثى، وإن سألت منهم من له ابنة ولا ابن له: هل لك ولد؟ يقول لك: ليس لي ولد، وإنما لي ابنة، وجب أن يخصص بهذا عموم لفظ المحبس، ويحمل على أنه إنما أراد ولد ولده الذكور دون ولده الإناث، إذ الأغلب في الظن أنه لم يرد إناث ولده، إذ لا يعلم أن إناث ولده يسمون ولدا؛ كما يخصص عموم لفظ الحالف بما يعلم من مقاصد الناس في أيمانهم وعرف كلامهم.
وتحرير القياس من هذا أن يقال: إن هذا لفظ عام يقع في اللسان العربي على الذكر والأنثى من ولد المحبس، وولد ولده، فوجب أن يحمل على ما يقع عليه عند الناس في عرف كلامهم ووجه مقصدهم - وهو الذكر دون الأنثى من ولده وولد ولده، أصل ذلك قول من قال: فيمن حلف ألا يأكل لحمًا أو بيضًا، فأكل لحم الحيتان أو بيضها - أنه لا يحنث؛ لأن الحيتان ليست بلحم في عرف كلام الناس ووجه مقاصدهم - وإن كان لحمًا في اللسان العربي.
قال الله : ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، وهو قياس صحيح لا اختلاف في صحته عند جميع العلماء من أهل السنة القائلين بالقياس؛ لأن القياس - عندهم هو حمل الفرع على الأصل في نفي الحكم وإثباته بالعلة الجامعة بينهما:
فالفرع في مسألتنا هذه: قول المحبس حبست على ولدي وولد ولدي.
والحكم المطلوب هو نفي دخول ولد الأنثى من ولد المحبس وولد ولده تحت اللفظ الذي لفظ به المحبس.
стр. 7843
والأصل قول الحالف: والله لا أكلت لحمًا أو بيضًا - ولا نية له، فأكل لحم الحيتان أو بيضها.
والعلة الجامعة بينهما: أن الناس لا يوقعون اسم اللحم في عرف كلامهم ووجه مقصدهم إلا على لحم ذوات الأربع دون ما سواه من اللحوم؛ ولا اسم البيض إلا على بيض ذوات الريش، دون ما سواه من البيض؛ كما لا يوقعون الولد في عرف كلامهم ووجه مقصدهم، إلا على الذكر دون الأنثى» (١).
وهذا القول الذي ذكره ابن رشد وجيه جدًا، إلا أن الذي يشوش عليه في وقتنا أن غالب من يريد الوقف يذهب إلى طلبة العلم يستشيرهم، ويطلب منهم تحرير الوقف كتابة، فإذا كان كاتب الوقف من طلبة العلم فهو يكتب بلغة الفقهاء، ومدلولات اللغة، لا بلغة العوام، وعرف العامة، والله أعلم.
المسألة الثانية: في صحة الوقف الأهلي
[م-١٥٧٣] القول بصحة الوقف على الأولاد عند الأئمة الأربعة دليل على صحة الوقف مطلقًا من غير فرق بين وقف خيري، ووقف أهلي.
والخيري: وهو ما جعل استحقاق الريع فيه على جهة من جهات البر، كالفقراء، والمساجد، ولو كان ذلك لمدة معينة يكون بعدها وقفًا على شخص، أو أشخاص معينين كأولاده.
والأهلي أو الذري: وهو ما جعل استحقاق الريع فيه أولًا لشخص معين أو أشخاص معينين، سواء كانوا من أقاربه أم لا.
стр. 7844
° والحجة على صحة الوقف الأهلي أدلة كثيرة منها:
الدليل الأول:
لم يفرق العلماء القائلون بصحة الوقف بين الوقف الخيري وغيره، وهذا المصطلح في التقسيم هو مصطلح حادث، لم يعرف إلا في مطلع هذا القرن.
الدليل الثاني:
(ح-٩٩٧) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، قال: أنبأني نافع، عن ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي ﵇ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول قال: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثل مالًا (١).
وجه الاستدلال:
أن عمر جعل وقفه في الفقراء وفي القربى من غير فرق بين قريب وارث، وقريب غير وارث، وأقره الرسول ﵇ على ذلك.
الدليل الثالث:
أن الصحابة رضوان الله عليهم قد نقل عنهم الوقف الأهلي، من غير نكير،
стр. 7845
(ث-١٩٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن هشام بن عروة،
عن أبيه أن الزبير بن العوام وقف داراً له على المردودة من بناته (١).
[صحيح] (٢).
وقال أبو بكر الحميدي: تصدق أبو بكر بداره بمكة على ولده فهي إلى اليوم، وعمر بن الخطاب بربعه عند المروة وبالثنية على ولده فهي إلى اليوم، وتصدق علي بن أبي طالب بأرضه بينبع فهي إلى اليوم، وتصدق الزبير بن العوام بداره بمكة في الحرامية وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده فذلك إلى اليوم، وتصدق سعد بن أبي وقاص بداره بالمدينة وبداره بمصر على ولده فذلك إلى اليوم، وعثمان بن عفان ببئر رومة فهي إلى اليوم، وعمرو بن العاص بالوهط من الطائف وداره بمكة فهي على ولده فذلك إلى اليوم، وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده فذلك إلى اليوم، وما لا يحضرني كثير يجزي منه أقل من هذا (٣).
[هذا أثر مقطوع، ولعل استمرار هذه الأوقاف من عهد الصحابة إلى عهد الحميدي يغني عن الإسناد].
الدليل الرابع:
(ح-٩٩٨) ما رواه أحمد من طريق ابن عون، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب بنت صليع،
عن سلمان بن عامر الضبي، قال: قال رسول الله ﷺ إن الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي القرابة اثنتان: صلة وصدقة (٤).