← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

المبحث الثالث في الوقف بلفظ البنين [م-١٥٨٢] إذا قال الرجل: هذه صدقة موقوفة على بني، فهل يدخل البنات؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: يدخل البنات مع البنين. وهذا مذهب الحنفية وأحد القولين في مذهب المالكية (١). جاء في المقدمات: «وأما لفظ البنين في قوله: حبست على بني، أو على بني وبني بني، أو على بني وبنيهم؛ فالحكم في ذلك كالحكم في لفظ الولد والعقب على القول بأن لفظ جمع المذكر يدخل فيه المؤنث. وعلى القول بأنهن لا يدخلن فيه ينفرد الذكران من بنيه وبني بنيه بالحبس دون الإناث» (٢). وجهه: أن البنات إذا جمعن مع البنين ذكروا تغليبًا، كما يجمع الأبوان، والمقصود الأب والأم. القول الثاني: يختص بالذكور فقط، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وأحد القولين في

стр. 7877

مذهب المالكية (١). «والذي عليه جماعة أصحابنا أن ولد البنت لا يدخلون في البنين» (٢). جاء في الحاوي: «ولو قال: وقفت هذه الدار على بني لم يشركهم بناته، ولا الخناثى» (٣). وقال ابن قدامة: «وإن وقف على بنيه لم يدخل فيه بنت ولا خنثى» (٤). وعند الحنفية والحنابلة، وأصح الوجهين عند الشافعية أنه لو وقف على بني فلان، وكانوا قبيلة كبني تميم أن النساء يدخلن دون أولادهن من غيرهم (٥). جاء في الفتاوى الهندية: «فإن كان بنو فلان قبيلة لا يحصون يكون ذلك على الذكور والإناث جميعا في الروايات كلها كذا في فتاوى قاضي خان» (٦). وجاء في روضة الطالبين: «وقف على بني تميم، وصححنا مثل هذا الوقف، ففي دخول نسائهم وجهان: أحدهما: المنع، كالوقف على بني زيد.

стр. 7878

وأصحهما: الدخول لأنه يعبر به عن القبيلة» (١). وجاء في الإنصاف: «(وإن وقف على بنيه، أو بني فلان. فهو للذكور خاصة إلا أن يكونوا قبيلة. فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم). إذا لم يكونوا قبيلة، وقال ذلك: اختص به الذكور بلا نزاع. وإن كانوا قبيلة فجزم المصنف بعدم دخول أولاد النساء من غيرهم، وهو أحد الوجهين، وجزم به في المغني، والشرح، والوجيز. وقيل: بدخولهم، قدمه في الرعايتين، والحاوي الصغير، والفائق» (٢). * * *

стр. 7879

فرع في استحقاق أولاد الأولاد مع وجود الأولاد [م-١٥٨٣] إذا قال: هذا وقف على ولدي وأولادهم، هل يستحق أولاد الأولاد شيئًا مع وجود آبائهم؟ اختلف العلماء في ذلك: القول الأول: مذهب الحنفية . يفرق الحنفية بين صيغتين: الصيغة الأولى: أن يذكر الولد بلفظ المفرد، فيقول: هذا وقف على ولدي، وولد ولدي. فإن اقتصر على طبقتين (ولدي وولد ولدي) فهذا الوقف يقتصر عليهما، ولا ينتقل إلى البطن الثالث، ويشتركون بينهم بالسوية، ولا يقدم الصلبي على ولد الابن. وإن قال: (هذا وقف على لدي، وولد ولدي، وولد ولد ولدي بحيث يذكر البطن الثالث، فإن هذه الصيغة تعم جميع نسله، فتصرف الغلة إلى أولاده ما تناسلوا، ولا يصرف للفقراء ما بقي واحد من أولاده وإن سفل، ويشترك جميع البطون في الغلة لعدم ما يدل على الترتيب. «وعلله الخصاف بأنه لما سمى ثلاثة أبطن صاروا بمنزلة الفخذ، وتكون الغلة لهم ما تناسلوا قال: ألا ترى أنه لو قال على ولد زيد، وزيد قد مات، وبيننا وبينه ثلاثة أبطن أو أكثر، أن هؤلاء بمنزلة الفخذ» (١).

стр. 7880

الصيغة الثانية: أن يذكر الأولاد بلفظ الجمع، بأن يقول: هذا وقف على أولادي، وأولاد أولادي، فإن هذه الصيغة تعم جميع نسله، ولا يصرف إلى الفقراء ما دام واحد منهم باقيًا، وإن سفل؛ لأن اسم الأولاد يتناول الكل بخلاف اسم الولد فإنه يشترط فيه ذكر ثلاثة بطون حتى تكون الصيغة تعم جميع النسل، فتقسم بينهم بالسوية على عدد رؤوسهم (١). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وإذا وقف على ولده، وولد ولده، يدخل فيه ولد صلبه، وولد ولده الموجودين يوم الوقف وبعده، ويشترك البطنان في الغلة، ولا يدخل من كان أسفل من هذين البطنين؛ لأنه خصهما بالذكر ..... ولو قال: على ولدي، وولد ولدي، وأولادهم، تدخل البطون كلها وإن سفلوا، الأقرب والأبعد فيه سواء؛ لأنه ذكر أولادهم على العموم. ولو قال: على أولادي يدخل فيه البطون كلها لعموم اسم الأولاد، ولكن يقدم البطن الأول فإذا انقرض فالثاني، ثم من بعدهم، يشترك جميع البطون فيه على السواء، قريبهم وبعيدهم؛ لأن المراد صلة أولاده وبرهم، والإنسان يقصد صلة ولده لصلبه؛ لأن خدمته إياه أكثر، وهم إليه أقرب، فكان عليه استحقاقه أرجح، ثم النافلة (٢) قد يخدمون الجد، فكان قصد صلتهم أكثر، ومن عدا هذين قل ما يدرك الرجل خدمتهم، فيكون قصده برهم وصلتهم؛

стр. 7881

لنسبتهم إليه، لا لخدمتهم له، وهم في النسبة إليه سواء فاستووا في غلة الاستحقاق» (١). القول الثاني: مذهب المالكية: في مذهب المالكية ثلاثة أقوال: الأول: وهو المنصوص عن مالك، بأنه يفضل الأعلى، فإن كان فضل أعطي للأسفل (٢). قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «وسواء على قولهما قال: حُبُسٌ على ولدي ولم يزد، فدخل معهم الأبناء بالمعنى، أو قال: على ولدي وولد ولدي فدخلوا معهم بالنص» (٣). وجاء في التهذيب في مختصر المدونة: «وإن قال: على ولدي وولد ولدي، دخلوا أيضاً ويبدأ بالولد، فإن كان فضل كان لهم وكان المغيرة وغيره يساوي بينهم» (٤). وفي النوادر والزيادات: «قال ابن القاسم: قال مالك فيمن حبس على ولده، أو قال: على ولدي، وولد ولدي، فذلك سواء، ويبدأ بالآباء، فيؤثرون، فإن فضل فضل كان لولد الولد.

стр. 7882

قال عبد الملك: كان مالك يؤثر الأعليين، ويوسع على الآخرين، وكان المغيرة يسوي بينهم، وهو أحب إلي» (١). الثاني: التسوية بينهم، اختاره المغيرة كما تقدم، قال ابن رشد في أجوبته: وبه العمل. ورجحه اللخمي، وقال: إنه أحسن. وقال ابن عبد السلام: إنه أقرب (٢). الثالث: قال أشهب: إذا دخل أولاد الأولاد بالمعنى قدم الآباء عليهم، كما لو قال: هذا وقف على ولدي، فإنه يشمل الأولاد نصًا، ويشمل أولاد الأبناء معنى. وإن دخلوا بالنص كما لو قال: هذا وقف على ولدي وولد ولدي لم يكن الآباء أولى، بل كانوا بمنزلتهم (٣). القول الثالث: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الواقف إذا قال: هذا وقف على أولادي وأولادهم فإن ذلك يقتضي الاشتراك والتسوية بينهم بلا ترتيب (٤). جاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «قوله وقفت على أولادي

стр. 7883

وأولادهم فإن ذلك يقتضي التسوية في أصل الإعطاء والمقدار بين الكل، وهو جميع أفراد الأولاد وأولادهم، ذكورهم وإناثهم؛ لأن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، كما هو الصحيح عند الأصوليين، ونقل عن إجماع النحاة» (١). وجاء في مطالب أولي النهى: «(و) إن أتى الواقف (بالواو) بأن قال: على أولادي، وأولادهم .... كان الواو (للاشتراك)؛ لأنها لمطلق الجمع، فيشتركون فيه بلا تفضيل (فيستحق الأولاد مع آبائهم) لما تقدم من أنها لا تقتضي الترتيب بلا قرينة» (٢). قال إمام الحرمين: «(فالواو) جامعة، وكلمة (ثم) مرتبة، فإذا قال: (وقفت على فلان وفلان)، اقتضى ذلك اشتراكهما، ولو قال: على فلان، ثم فلان اقتضى ترتيبًا» (٣). ° الراجح: الذي أميل إليه هو ما ذهب إليه أئمة الشافعية والحنابلة، وأن الواو تعني التشريك، ولا يلزم من التشريك التسوية بل يعطى تبعًا للمصلحة (٤)، والله أعلم. * * *

стр. 7884

المبحث الرابع في قول الواقف: على أولادي ثم أولادهم [م-١٥٨٤] إذا قال الواقف هذا وقف على أولادي ثم أولادهم، فإنه من المعلوم أن (ثم) للترتيب، فيقدم الأولاد على أبناء الأولاد في الاستحقاق، والبحث، هل هذا اللفظ يقتضي ترتيب جملة، بحيث تحجب الطبقة العليا الطبقة السفلى فلا يستحق أحد من ولد الولد شيئًا مع وجود أعمامهم، أو ترتيب أفراد، فلا يحجب كل أصل إلا فرعه فقط، فينتقل نصيب من مات من الأولاد إلى أولاده، ويشارك أعمامه؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: أنه ترتيب جملة، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، واختاره ابن الحاج من المالكية (١). جاء في روضة الطالبين: «ولو قال: على أولادي، ثم على أولاد أولادي، ثم على أولاد أولاد أولادي ما تناسلوا، أو بطنًا بعد بطن، فهو للترتيب، ولا

стр. 7885

يصرف إلى البطن الثاني شيء ما بقي من الأول واحد، ولا إلى الثالث ما بقي من الثاني أحد، كذا أطلقه الجمهور» (١). وقال ابن قدامة: «وإن رتب فقال: وقفت هذا على ولدي، وولد ولدي، ما تناسلوا وتعاقبوا، الأعلى فالأعلى، أو الأقرب فالأقرب .... أوعلى أولادي، ثم على أولاد أولادي .... فكل هذا على الترتيب، فيكون على ما شرط، ولا يستحق البطن الثاني شيئًا حتى ينقرض البطن كله. ولو بقي واحد من البطن الأول، كان الجميع له؛ لأن الوقف ثبت بقوله، فيتبع فيه مقتضى كلامه» (٢). وفي الإقناع في فقه الإمام أحمد: «أو على أولادي، ثم على أولاد أولادي ... فترتيب جملة على مثلها، لا يستحق البطن الثاني شيئا قبل انقراض الأول» (٣). القول الثاني: أنه ترتيب أفراد، وهذا مذهب المالكية (٤)، واختيار ابن تيمية (٥). قال الدردير المالكي: «قول الواقف تحجب الطبقة العليا منهم أبدًا الطبقة السفلى معناها: أن كل أصل يحجب فرعه فقط دون فرع غيره، وكذا في ترتيب

стр. 7886

الواقف الطبقات كعلى أولادي، ثم أولاد أولادي إلا أن يجري عرف بخلافه فيعمل به؛ لأن ألفاظ الواقف مبناها على العرف ذكره الأجهوري» (١). قال شيخنا ابن عثيمين في المنتقى من فرائد الفوائد: «إذا قال: على أولادي ثم أولادهم، استحق أولاد الأبناء مرتباً بعد آبائهم ترتيب بطن على بطن، فلا يستحق أحد من البطن الثاني مع وجود واحد من البطن الأول؛ هذا هو المشهور من المذاهب. واختار الشيخ تقي الدين، أنه ترتيب فرد على فرد؛ فيستحق كل ابن نصيب أبيه بعد موته» (٢). القول الثالث: ذهب الحنفية إلى التفصيل: فإن قال: هذا وقف على ولدي فلان، وفلان، وفلان سماهم، ثم لأولادهم فإن من مات منهم انتقل نصيبه إلى ولده. وإن لم يسمهم، بأن قال: هذا وقف على أولادي، ثم أولادهم، فإن من مات لم ينتقل نصيبه إلى ولده؛ لأن الوقف كان على الكل في الطبقة الأولى، فلا تستحق الطبقة الثانية وفي الطبقة الأولى أحد (٣).

стр. 7887

جاء في فتح القدير: «ولو قال: أولادي: وهم فلان، وفلان، وفلان، وبعدهم للفقراء فمات أحد الثلاثة أعطي نصيبه للفقراء لا للباقين من إخوته، بخلاف ما لو لم يقل: فلان، وفلان، وفلان بل أولادي، ثم الفقراء، يصرف الكل للواحد إذا مات من سواه» (١). وجاء في الدر المختار: «ولو قال: على أولادي، ولكن سماهم، فمات أحدهم، صرف نصيبه للفقراء» (٢). قال ابن عابدين في حاشيته تعليقاً: «(قوله صرف نصيبه للفقراء)؛ لأنه وقف على كل واحد منهم، بخلاف ما إذا وقف على أولاده، ثم للفقراء: أي ولم يسم الأولاد، فمات بعضهم، فإنه يصرف إلى الباقي؛ لأنه وقف على الكل، لا على كل واحد أفاده في الدرر» (٣). وجاء في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «(وقف ضيعة على أولاده، ثم الفقراء فمات بعضهم صرفت الغلة إلى الباقي)؛ لأنه وقف على أولاده، ثم الفقراء، فما بقي منهم واحد، وإن سفل لا تصرف إلى الفقراء، (ولو) (وقفها على أولاده وسماهم) فقال: على فلان، وفلان، وفلان (وجعل آخره للفقراء، فمات أحدهم) (صرف نصيبه إلى الفقراء)؛ لأنه وقف على كل واحد منهم، وجعل آخره للفقراء، فإذا مات واحد منهم كان نصيبه للفقراء بخلاف المسألة الأولى فإن الوقف هناك على الكل لا كل واحد» (٤).

стр. 7888

وفي تنقيح الفتاوى الحامدية: «(سئل) في رجل وقف وقفه على نفسه، ثم من بعده على أولاده الستة: وهم حسين، وإبراهيم، ومصطفى، وإسماعيل، وفاطمة، وعائشة، ثم من بعدهم على أنسالهم، وأعقابهم، وذريتهم، وبعد الانقراض، فعلى الحرمين الشريفين مكة والمدينة المنورتين، وإن تعذر فعلى فقراء المسلمين المقيمين بدمشق، ثم مات الواقف، ثم مات إسماعيل عن أولاد، ثم ماتت عائشة عن ولد، ثم مات حسين عن بنت، والكل فقراء، فهل يصرف نصيب المتوفين إليهم جميعا؟ (الجواب): نعم حيث كانوا فقراء وإذا انقرض جميع أولاد الواقف ينتقل نصيبهم إلى أولادهم. (أقول) هذه من مسائل منقطع الوسط فيصرف نصيب من مات إلى الفقراء، ما دام منهم واحد ولا يصرف نصيبه إلى الباقي منهم. وفي الخانية: رجل وقف أرضه على أولاده وجعل آخره للفقراء فمات بعضهم؟ قال هلال: يصرف الوقف إلى الباقي، فإن ماتوا يصرف إلى الفقراء، لا إلى ولد الولد، ولو وقف على أولاده وسماهم، فقال: على فلان وفلان وفلان وجعل آخره للفقراء، فمات واحد منهم، فإنه يصرف نصيبه إلى الفقراء بخلاف المسألة الأولى؛ لأنه في الأولى وقف على أولاده، وبعد موت أحدهم بقي أولاده، وهاهنا وقف على كل واحد وجعل آخره للفقراء فإذا مات واحد منهم كان نصيبه للفقراء» (١). وهذا النص كالذي قبله، وإنما أضفته لأن فيه فائدة أن الترتيب بين أولاده والفقراء كالترتيب بين أولاده وأولاد أولاده، ثم للفقراء. والله أعلم.

стр. 7889

° الراجح: أن العمل بتفسير ألفاظ الواقف يتبع العرف، فإن كان هناك عرف وجب العمل به؛ لأن ألفاظ الناس على أعرافهم، وإن لم يك عرف فالقول بأنه ترتيب أفراد أقرب إلى العدل، وإلى مقصود الواقف، والله أعلم. * * *

стр. 7890

المبحث الخامس في الوقف على الذرية والنسل والعقب الفرع الأول في الوقف على الذرية ألفاظ العقود على عادات الناس. المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها. [م-١٥٨٥] اختلف العلماء في الرجل يقف على ذريته، من يدخل في هذا اللفظ؟ القول الأول: يدخل في ذلك أولاد البنين وأولاد البنات، وهذا مذهب الحنفية، والأصح في مذهب المالكية، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١). قال ابن عابدين: «(قوله: لو وقف الوقف على الذرية) أي لو قال: على ذرية زيد، أو قال: على نسله أبدًا ما تناسلوا، يدخل فيه: ولده، وولد ولده، وولد

стр. 7891

البنين وولد البنات في ذلك سواء خصاف. (قوله من غير ترتيب إلخ) أي إن لم يرتب بين البطون تقسم الغلة يوم تجيء على عددهم من الرجال والنساء والصبيان من ولده لصلبه والأسفل درجة بالسوية بلا تفضيل، ثم كلما مات أحد منهم سقط سهمه، وتنقض القسمة وتقسم بين من يكون موجودًا يوم تأتي الغلة، أما لو رتب، بأن قال: يقدم البطن الأعلى على الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم بطنًا بعد بطن اعتبر شرطه، وتمامه في الخصاف» (١). وقال في الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: «وإن وقف على نسله، أو عقبه، أو ذريته دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات، قربوا أو بعدوا؛ لأن الجميع من نسله وذريته» (٢). وقال ابن جزي المالكي: «وأما لفظ الذرية والنسل فيدخل فيهما أولاد البنات على الأصح» (٣). وصححه ابن رشد كما في المقدمات وغيره (٤). وجاء في التاج والإكليل: قال «ابن رشد: صحيح في أن ولد بنت الرجل من ذريته، وكذا نقول في نسله وعقبه» (٥) وحكى ابن العطار المالكي الاتفاق على دخول أولاد البنات في لفظ (الذرية)

стр. 7892

إلا أن ابن رشد حكى الخلاف فيه عن شيوخ المالكية، وهو ينقض حكاية الاتفاق (١). وقال الماوردي الشافعي: «لو قال: وقفت هذه الدار على نسلي، أو قال: على عقبي، أو على ذريتي، دخل فيهم أولاد البنين وأولاد البنات وإن بعدوا؛ لأنهم من نسله وعقبه وذريته» (٢). وقال العمراني في البيان: «ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية [الأنعام: ٨٤] فنسب الجميع إلى إبراهيم ﷺ على البعد منه، ونسب عيسى إليه، وهو من أولاد البنات» (٣). القول الثاني: لا يدخل أولاد البنات، وهو قول في مذهب المالكية، وعليه أكثر الحنابلة (٤). جاء في مقدمات ابن رشد: «اختلف الشيوخ في الذرية والنسل: فقيل: إنهما بمنزلة الولد والعقب، لا يدخل ولد البنات فيهما على مذهب مالك. وقيل: إنهم يدخلون فيهما.

стр. 7893

وفرق ابن العطار ﵀ بين الذرية والنسل، فقال: إن النسل بمنزلة الولد والعقب لا يدخل فيه ولد البنات - إلا أن يقول المحبس نسلي، ونسل نسلي على ما ذهب إليه في لفظ التعقيب؛ وقد بينا أن ذلك لا يصح على مذهب مالك، وأن الذرية يدخل فيها ولد البنات» (١). وقال في الفروع: «ولو وقف على ولد ولده، أو نسله، أو ذريته، أو عقبه، ولا قرينة لم يشمل ولد بناته، اختاره الأكثر كمن ينتسب إلي» (٢). وقال شيخنا ابن عثيمين: وإذا قال: على ذريته، وذرية فعيلة بمعنى مفعولة: أي من ذرأهم الله منه، والذين ذرأهم الله منه: هم أولاد الصلب، فإذا قال: هذا وقف على ذريتي: دخل الأولاد من بنين وبنات، ودخل بعد ذلك أولاد البنين دون أولاد البنات؛ لأنهم ليسوا من ذريته (٣). ° الراجح: بعد استعراض الخلاف أجد أن أكثر أهل اللغة على دخول أولاد البنات في الذرية: جاء في اللسان: «الذرية: اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى» (٤). والله أعلم. وجاء في شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم: «ذُرِّيّةُالرجل: أولاده،

стр. 7894

وأولاد أولاده من الذكور والإِناث قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]» (١). وقال ابن الأثير: «الذرية اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى» (٢). وجاء في الصحاح: «ذرية الرجل: ولده. والجمع الذَرارِيُّ والذُرِّيَّاتُ» (٣). وجاء في تاج العروس: «الذرية مثلثة ... لنسل الثقلين من الجن والإنس، وقد تطلق على الآباء والأصول أيضًا، قال الله تعالى ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]» (٤). * * *

стр. 7895

الفرع الثاني في الوقف على النسل ألفاظ الواقف على العرف. [م-١٥٨٦] إذا قال الواقف: هذا وقف على نسلي، دخل أولاده لصلبه بلا خلاف، وكذا أولاد أبنائه، وهل يدخل أولاد بناته؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: يدخل أولاد البنات، وهذا مذهب الحنيفة، والشافعية، ورجحه ابن رشد من المالكية، ورواية عن أحمد (١). قال ابن عابدين: «(قوله: لو وقف الوقف على الذرية ..... أو قال: على نسله أبدًا ما تناسلوا، يدخل فيه: ولده، وولد ولده، وولد البنين وولد البنات في ذلك سواء خصاف. (قوله من غير ترتيب إلخ) أي إن لم يرتب بين البطون تقسم الغلة يوم تجيء على عددهم من الرجال والنساء» (٢).

стр. 7896

وجاء في الفتاوى الهندية: «ولو وقف على نسله أو ذريته دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات قربوا أو بعدوا .... رجل قال: أرضي صدقة موقوفة على ولدي، ونسلي، فالوقف صحيح، يدخل فيه الذكور والإناث من ولده، وولد ولده، ومن قربت ولادته، ومن بعدت، يستوي فيه ولد البنين والبنات، أحرارًا كانوا أو مملوكين، وحصة المملوك تكون لمولاه» (١). وقال في الحاوي: «لو قال: وقفت هذه الدار على نسلي، أو قال: على عقبي، أو على ذريتي، دخل فيهم أولاد البنين وأولاد البنات وإن بعدوا؛ لأنهم من نسله وعقبه وذريته» (٢). وجاء في التاج والإكليل: قال «ابن رشد: صحيح في أن ولد بنت الرجل من ذريته، وكذا نقول في نسله وعقبه» (٣). وقال ابن جزي المالكي: «وأما لفظ الذرية والنسل فيدخل فيهما أولاد البنات على الأصح» (٤). القول الثاني: لا يدخل أولاد البنات، وهو المشهور من مذهب المالكية، والحنابلة (٥).

стр. 7897

قال المالكية: ما لم يجر عرف بدخول أولاد البنات؛ لأن ألفاظ الواقف على العرف. قال الدردير: «لا يتناول قوله نسلي وعقبي، ولا نسل نسلي، أو عقب عقبي الحافد (يعني: ولد البنت)؛ إذ نسل الرجل وعقبه ذريته الذكور، وهذا ما لم يجر عرف بدخوله في ذلك؛ لأن مبنى ألفاظ الواقف على العرف» (١). قال في الفروع: «ولو وقف على ولد ولده، أو نسله، أو ذريته، أو عقبه، ولا قرينة لم يشمل ولد بناته، اختاره الأكثر» (٢). ° الراجح: أن النسل والولد بمعنى واحد، فما دخل في معنى الولد دخل في معنى النسل ما لم يجر عرف فيقدم على المدلول اللغوي؛ لأن نسل الرجل: ما خرج منه، قال تعالى: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾، وهو إنما خرج منه أولاده الذكور والإناث، وأولاد أبنائه دون أولاد بناته، والله أعلم. جاء في مختار الصحاح: «النسل: الولد. و تناسلوا: أي ولد بعضهم من بعض» (٣). وجاء في اللسان: «والنسل: الولد والذرية، والجمع أنسال، وكذلك النسيلة. وقد نسل ينسل نسلًا، وأنسل، وتناسلوا: أنسل بعضهم بعضًا. وتناسل بنو فلان إذا كثر أولادهم. وتناسلوا أي ولد بعضهم من بعض» (٤).

стр. 7898

وجاء في المصباح المنير: «النسل: الولد، ونسل نسلًا من باب ضرب: كثر نسله، ويتعدى إلى مفعول، فيقال: نسلت الولد نسلًا: أي ولدته، وأنسلته بالألف لغة، ونسلت الناقة بولد كثير وتناسلوا: توالدوا» (١). ونسل الشيء نسولًا: انفصل عن غيره وسقط، يقال: نسل ريش الطائر، ونسل الثوب عن الإنسان (٢).

стр. 7899

الفرع الثالث في الوقف على العقب [م-١٥٨٧] إذا قال الواقف: هذا وقف على عقبي، دخل أولاده الذكور والإناث، وأولاد أبنائه الذكور، وهذا لا خلاف فيه. جاء في الشرح الكبير على متن المقنع: «وإن وقف على عقبه، أو ولد ولده، أو ذريته، أو نسله دخل فيه ولد البنين بغير خلاف علمناه» (١). وهل يدخل أولاد البنات؟ فيه خلاف: القول الأول: لا يدخل أولاد البنات، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٢). جاء في حاشية ابن عابدين: «وفي الإسعاف والتتارخانية: لو وقف على عقبه يكون لولده وولد ولده أبدًا ما تناسلوا من أولاد الذكور دون الإناث، إلا أن يكون أزواجهن من ولد ولده الذكور، كل من يرجع نسبه إلى الواقف بالآباء فهو من عقبه، وكل من كان أبوه من غير الذكور من ولد الواقف فليس من عقبه انتهى» (٣).

стр. 7900

قال ابن رشد: اختلف الشيوخ في الذرية والنسل، فقيل: إنهما بمنزلة الولد والعقب، لا يدخل ولد البنات فيهما على مذهب مالك» (١). وقال الدردير: «لا يتناول قوله نسلي وعقبي، ولا نسل نسلي، أو عقب عقبي الحافد (يعني: ولد البنت)؛ إذ نسل الرجل وعقبه ذريته الذكور، وهذا ما لم يجر عرف بدخوله في ذلك؛ لأن مبنى ألفاظ الواقف على العرف» (٢). وقال في الفروع: «ولو وقف على ولد ولده، أو نسله، أو ذريته، أو عقبه، ولا قرينة لم يشمل ولد بناته، اختاره الأكثر» (٣). وفي شرح منتهى الإرادات: «وإن وقف على عقبه أو وقف على نسله أو وقف على ولد ولده أو وقف على ذريته لم يدخل فيهم ولد بنات، ولا يستحقون من الوقف» (٤). القول الثاني: يدخل في الوقف على العقب أولاد البنات، وهذا مذهب الشافعية، واختاره ابن رشد من المالكية، وبه قال بعض الحنابلة (٥). جاء في المهذب: «فإن قال: على نسلي، أو عقبي، أو ذريتي دخل فيه أولاد

стр. 7901

البنين، وأولاد البنات قربوا أو بعدوا؛ لأن الجميع من نسله، وعقبه، وذريته» (١). وجاء في التاج والإكليل: قال «ابن رشد: صحيح في أن ولد بنت الرجل من ذريته، وكذا نقول في نسله وعقبه» (٢). ° الراجح: لفظ العقب إذا لم يكن فيه حقيقة عرفية ولا شرعية حكمت اللغة العربية، وبالرجوع إلى كتب اللغة، جاء في مختار الصحاح: «عقب الرجل ولده وولد ولده» (٣). فهنا العقب والولد بمعنى واحد، وسبق أن ذكرنا أن لفظ الولد لا يدخل فيه أولاد بناته. وفي اللسان: «والعقب، والعاقبة: ولد الرجل، وولد ولده الباقون بعده ...... وقول العرب: لا عقب له أي لم يبق له ولد ذكر» (٤). وجاء في المحكم والمحيط الأعظم: «العَقِب، والعَقْب والعاقبة: ولد الرجل، وولد ولده، الباقون بعده. وقول العرب: لا عقب له: أي لم يبق له ولد ذكر.

стр. 7902

وقوله تعالى ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾: أراد: عقب إبراهيم ﵇، يعني لا يزال من ولده من يوحد الله تعالى. والجميع أيضا: أعقاب» (١). وفي المغرب في ترتيب المعرب: «وعقب الرجل نسله وفي الأجناس: هم أولاده الذكور، وعن بعض الفقهاء أولاد البنات عقب لقوله تعالى ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾» (٢). وقال أبو هلال العسكري في كتابه معجم الفروق اللغوية: «الفرق بين العقب والولد: أن عقب الرجل ولده الذكور والإناث، وولد بنيه من الذكور والإناث، إلا أنهم لا يسمون عقبًا إلا بعد وفاته، فهم على كل حال ولده، والفرق بين الاسمين بين» (٣). فأهل اللغة مطبقون: أن العقب والولد لا فرق بينهما، إلا أن الولد لا يسمى عقبًا إلا إذا توفى الأب بخلاف الولد، والله أعلم. * * *

стр. 7903

المبحث السادس في الوقف على القرابة [م-١٥٨٨] اختلف العلماء في الرجل يقول: هذا وقف على قرابتي من يدخل تحت هذا المسمى؟ القول الأول: مذهب الحنفية: قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: كل من ينسب إليه إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أبيه، وكل من ينسب له إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أمه، المحرم وغير المحرم، والقريب والبعيد، والجمع والفرد في ذلك سواء، ولا يدخل فيه الوالدان والولد لصلبه اتفاقًا، وكذا من علا منهم كالجد والجدة أو سفل كولد الولد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقيل: يدخلون في القرابة في ظاهر الرواية، وهو قول محمد. فإذا وقف على قرابته أو ذي قرابته أو على أقربائه أو على ذوي قرابته دخل كل هؤلاء تحت الوقف عندهما. وقال أبو حنيفة: إن حصل الوقف بلفظ الوحدان نحو قوله: على قرابتي دخل تحت الوقف من كان أقرب إلى الواقف من محارمه، وإن حصل الوقف بلفظ الجمع نحو قوله: على أقربائي أو أقاربي لا يكون لأقل من اثنين فصاعدًا؛ لأنه أقل الجمع. وتكلم الحنفية في معنى قوله أقصى أب له في الإسلام: قال بعضهم: معناه أقصى أب أسلم. وقال بعضهم: معناه أقصى أب أدرك الإسلام، أسلم أو لم يسلم.

стр. 7904

وثمرة هذا الاختلاف تظهر في العلوي إذا وقف على قرابة النبي ﷺ . فعلى قول من يشترط إدراك الإسلام فإن أول أب أدرك الإسلام أبو طالب، فيدخل تحت الوقف أولاد عقيل وأولاد جعفر وأولاد علي. وعلى قول من يشترط الإسلام فإن أول أب أسلم هو علي بن أبي طالب، فيدخل تحت الوقف أولاد علي، ولا يدخل أولاد عقيل وأولاد جعفر. وقال هلال: القرابة إلى ثلاثة آباء، فمن انتسب إلى واحد من الآباء الثلاثة يدخل في الوقف وما لا فلا (١). ° دليل الحنفية في تحديد القرابة: اعتبر أبو يوسف ومحمد أقصى أب له في الإسلام؛ لأنه لا وجه إلى صرف الوقف إلى القرابة العامة؛ لأنه يدخل تحت الوقف من كان في الجاهلية؛ لأن جميع الناس أقرباؤه؛ لأن الناس كلهم أولاد آدم ونوح ﵉، فلو دخلوا تحت الوقف لا يصيب كل واحد منهم شيئاً منتفعاً، ونحن نعلم أن قصد الواقف إنفاع الموقوف عليه، أما لو اعتبرنا أقصى أب في الإسلام يصيب كل واحد منهم شيئًا منتفعًا، فلهذا اعتبرنا ذلك. ° وجه التسوية بين الجمع والمفرد: إنما سوينا بين الجمع والفرد؛ لأن الاستحقاق باسم القرابة والقريب، وهو اسم جنس، واسم الجنس ينصرف إلى الواحد مع احتمال الجمع.

стр. 7905

وأما أبو حنيفة ﵀ إنما اعتبر الجمع فيما إذا حصل الإنفاق بلفظة الجمع، عملاً بحقيقة اللفظ، وأقل الجمع في باب الوصية والميراث اثنان؛ فإن الثنتين من البنات والأخوات ألحقتا بالثلاث، فصاعدًا في استحقاق الثلثين، وحجب الأم من الثلث إلى السدس على ما مر حتى لو أوصى لذي قرابته استحق الواحد فصاعدا كل الوصية؛ لأن ذي ليس بلفظ جمع .. وإنما اعتبر القرابة المحرمة للنكاح؛ لأن مقصود الواقف صلة القرابة، فالظاهر أنه يريد به قرابته بفرض وصلها، وإنما اعتبر الأقرب فالأقرب؛ لأن القرابة سبعة من القرب فمن كان أقرب كان أولى يصرف اللفظ إليه. ° وأما الدليل على عدم دخول الوالد والولد في القرابة: فإن الوالد والولد لا يسميان قرابتين عرفًا وحقيقة أيضًا؛ لأن الأب أصل، والولد فرعه وجزؤه، والقريب من يقرب من غيره لا من نفسه، فلا يتناوله اسم القريب. وقال الله ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، ولو كان الوالد منهم لما عطف عليهم، وإذا لم يدخل الوالد والولد، فهل يدخل فيها الجد وولد الولد؟ ذكر في الزيادات أنهما يدخلان، ولم يذكر فيه خلافًا، وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ أنهما لا يدخلان، وهكذا روي عن أبي يوسف ﵀ وهو الصحيح؛ لأن الجد بمنزلة الأب، وولد الولد بمنزلة الولد، فإذا لم يدخل فيها الوالد، والولد كذا الجد وولد الولد. وأما كونه يعتبر المحرم عند أبي حنيفة خلافًا لهما، ويعتبر الأقرب، فالأقرب عنده خلافًا لهما.

стр. 7906

فوجه قولهما: أن القريب اسم مشتق من معنى، وهو القرب، وقد وجد القرب، فيتناول الرحم المحرم وغيره، والقريب والبعيد، وصار كما لو أوقف لإخوته فإنه يدخل الإخوة الأشقاء، والإخوة لأب، والإخوة لأم؛ لكونه اسمًا مشتقًا من الأخوة كذا هذا. (ح-١٠٠٢) والدليل عليه ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه «لما نزل قوله ﵎ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول الله ﷺ قريشًا، فخص وعم، فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ﵎ ضرًا ولا نفعًا يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله عز شأنه ضرًا، ولا نفعًا، وكذلك قال ﷺ لبني عبد المطلب، ومعلوم أنه كان فيهم الأقرب والأبعد وذو الرحم المحرم وغير المحرم، فدل أن الاسم يتناول كل قريب إلا أنه لا يمكن العمل بعمومه لتعذر إدخال أولاد سيدنا آدم ﷺ فيه، فتعتبر النسبة إلى أقصى أب في الإسلام؛ لأنه لما ورد الإسلام صارت المعرفة بالإسلام، والشرف به، فصار الجد المسلم هو النسب، فتشرفوا به، فلا يعتبر من كان قبله. ولأبي حنيفة ﵀: أن الوقف لما كان باسم القرابة، فالقرابة المطلقة هي قرابة ذي الرحم المحرم؛ ولأن معنى الاسم يتكامل بها. وأما في غيرها من الرحم غير المحرم فناقص، فكان الاسم للرحم المحرم لا لغيره؛ لأنه لو كان حقيقة لغيره، فإما أن يعتبر الاسم مشتركًا أو عامًا، ولا سبيل إلى الاشتراك؛ لأن المعنى متجانس، ولا إلى العموم؛ لأن المعنى متفاوت، فتعين أن يكون الاسم لما قلنا حقيقة، ولغيره مجازًا، بخلاف الوقف لإخوته؛

стр. 7907

لأن مأخذ الاسم، وهو الإخوة لا يتفاوت، فكان اسمًا عامًا، فيتناول الكل، وههنا بخلافه على ما بينا. ولأن المقصود من هذا الوقف هو صلة القرابة، وهذه القرابة هي واجبة الوصل محرمة القطع لا تلك، والظاهر من حال المسلم الدين المسارعة إلى إقامة الواجب، فيحمل مطلق اللفظ عليه، بخلاف ما إذا وقف لإخوته؛ لأن قرابة الإخوة واجبة الوصل محرمة القطع على اختلاف جهاتها، فهو الفرق بين الفصلين. وقول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فإنه وإن كان قد يستقيم في زمانهما؛ لأن أقصى أب في الإسلام كان قريبًا يصل إليه بثلاثة آباء أو أربعة آباء، فكان الموقوف عليه معلومًا، فأما في زماننا، فلا يستقيم؛ لأن عهد الإسلام قد طال، فيقع الوقف لقوم مجهولين، فلا يصح إلا أن نقول أنه يصرف إلى أولاد أبيه وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، وإلى أولاد أمه، وأولاد جدته، وجدة أمه؛ لأن هذا القدر قد يكون معلومًا، فيصرف إليهم، فأما الزيادة على ذلك فلا، والله أعلم. إذا تبين هذا فعليه: إذا ترك عمين وخالين فالوقف للعمين لا للخالين في قول أبي حنيفة ﵁؛ لأنه يعتبر الأقرب، فالأقرب، والعمان أقرب إليه من الخالين، فكانا أولى بالوقف، وعندهما الوقف يكون بين العمين، والخالين أرباعًا؛ لأن القريب والبعيد سواء عندهما. ولو كان له عم واحد وخالان، فللعم النصف، وللخالين النصف الآخر؛ لأن الوقف حصل باسم الجمع، وأقل من يدخل تحت اسم الجمع في الوقف

стр. 7908

اثنان، فلا يستحق العم الواحد أكثر من نصف الوقف؛ لأن أقل من ينضم إليه مثله، وإذا استحق هو النصف بقي النصف الآخر لا مستحق له أقرب من الخالين، فكان لهما، وعندهما يقسم الوقف أثلاثا لاستواء الكل في الاستحقاق (١). ويستوي في الاستحقاق بالقرابة على قولهم جميعا: الذكر والأنثى، والمسلم والكافر، والحر والمملوك، إلا أن ما يجب للملوك يكون لسيده الذي يملكه يوم تخلق الغلة، والقبول إلى العبد دون السيد، وبعد العتق يكون له كذا في الحاوي، وفي الوقف على القريب تقسم الغلة على الرؤوس الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والفقير والغني سواء؛ لمساواة الكل في الاسم (٢) القول الثاني: مذهب المالكية: إذا قال: هذا حبس على أقاربي، فإنه يدخل أقاربه من الجهتين أي: من جهة أبيه ومن جهة أمه، فيدخل كل من يقرب لأبيه من جهة أبيه أو من جهة أمه، من الذكور والإناث ويدخل كل من يقرب لأمه من جهة أمها أو من جهة أبيها من الذكور أو من الإناث، فتدخل العمات، والخالات والأخوات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وابن الخالة حتى ولو كانوا ذميين. وهذا هو المعتمد في مذهب المالكية (٣).

стр. 7909

وقال الدسوقي: وما ذكره المصنف من دخول أقارب جهتيه مطلقًا هو الذي رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك. وقال ابن حبيب إنه قول جميع أصحاب مالك ... ورجحه الدسوقي (١). وقال في الشرح الصغير: والمعتمد دخول الجهتين (٢). وقال ابن القاسم: لا يدخل الخال ولا الخالة ولا قرابته من قبل أمه إلا إذا لم يكن له قرابة من جهة الأب، أي حين الإيقاف (٣). القول الثالث: مذهب الشافعية: جاء في البيان: «وإن قال: وقفت هذا على قراباتي، أو على أقربائي ..... صرف ذلك إلى من يعرف بقرابته من قبل الآباء والأمهات. فإن كان له جد يعرف به عند عامة الناس صرف إلى من ينسب إلى ذلك الجد دون من ينسب إلى أبي ذلك الجد، ولا إلى من ينسب إلى أخي ذلك الجد، كالشافعي إذا وقف على قرابته، فإنه يصرف إلى من ينسب إلى شافع بن السائب (بن عبيد)، ولا يصرف إلى من ينسب إلى علي وعباس ابني السائب، ولا إلى من ينسب إلى السائب بن عبيد ... ». (٤) والشافعي: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان، بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف.

стр. 7910

فكان أقرب جد نسب إليه هو شافع. وهل يدخل أصول الواقف وفروعه؟ فيه أوجه: أصحها عند الأكثرين: لا يدخل الأبوان، والأولاد، ويدخل الأجداد والأحفاد؛ لأن الوالد والولد لا يعرفان بالقريب في العرف، بل القريب من ينتمي بواسطة. والثاني: لا يدخل أحد من الأصول والفروع. والثالث: يدخل الجميع، وبه قطع المتولي. وقد ادعى الأستاذ أبو منصور الإجماع على أنه لا يدخل الأبوان والأولاد. وإذا أوصى لأقاربه، فإن كان أعجميا، دخل قرابة الأب والأم. وإن كان عربيًا فوجهان. أصحهما وبه قطع العراقيون، وهو ظاهر نصه في «المختصر» دخولهم من الجهتين كالعجم. والثاني: لا تدخل قرابة الأم، ورجحه الغزالي، والبغوي؛ لأن العرب لا تفتخر بها (١). ° دليل الشافعية على تحديد القرابة: قال الغزالي: دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١].

стр. 7911

وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] ولنا منها ثلاثة أدلة: أحدها: أن النبي ﷺ أعطى من سهم ذوي القربى بني أجداده، وهم: بنو هاشم، وبني أعمامه وهم: بنو المطلب. والثاني: «أن النبي ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني المطلب سهم ذوي القربى أتاه عثمان بن عفان وهو: من ولد عبد شمس بن عبد مناف، وجبير بن مطعم، وهو: من ولد نوفل بن عبد مناف، وقالا: أما بنو هاشم فلا ينكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله فيهم، فما بال بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وقرابتنا وقرابتهم واحدة؟! (١)، فقال ﷺ : إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه، إنهم ما فارقونا في جاهلية ولا إسلام (٢). فأقرهما النبي ﷺ على دعواهما القرابة، ولكنه أخبر أن ذلك السهم لا يستحق بالقرابة منفردة، وإنما يستحق بالقرابة والنصرة.

стр. 7912

والثالث: أن النبي ﷺ كان يعطي من ذلك السهم من كان يرثه، ومن لا يرثه، فإنه أعطى منه العمات. (ث-١٩٥) وروي عن الزبير: أنه قال: كنت أضرب في الغنائم بأربعة أسهم: سهم لي، وسهمين لفرسي، وسهم لأمي، وأمه كانت: صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ (١).

стр. 7913

وروي: أنه «لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع النبي ﷺ عشيرته وقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا عباس، يا فاطمة بنت محمد، إني لا أغني عنكم من الله شيئًا، فعندها قال أبو لهب: ألهذا جمعتنا!؟ تبًا لك، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]» (١). ونوقش هذا: أما قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين فالأقربين هنا صفة للعشيرة، والعشيرة قد تكون أوسع من القرابة، ولهذا شمل الإنذار بني عبد مناف وغيرهم.

стр. 7914

وأما إعطاؤه بني المطلب فلم يكن ذلك لقرابتهم؛ إذ لو كان أعطاهم لقرابتهم لما فرق بينهم وبين غيرهم ممن سواهم في القرب، وقد علل الرسول ﷺ ذلك بأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، فكان إلحاقهم بقرابته لنصرتهم. وأما قول الطحاوي في شرح معاني الآثار: «فلما كان رسول الله ﷺ قد أعطى الزبير بن العوام لقرابته منه من سهم ذوي القربى، والزبير ليس من بني هاشم ولا بني المطلب، وقد جعله فيما أعطاه من ذلك كبني هاشم وبني المطلب، دل ذلك أن ذوي القربى لرسول الله ﷺ هم بنو هاشم وبنو المطلب ومن سواهم من ذوي قرابته. فإن قال قائل: إن الزبير وإن لم يكن من بني هاشم، فإن أمه منهم، وهي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم فبهذا أعطاه رسول الله ﷺ ما أعطاه، فقام عنده بموضعه منه بأمه مقام غيره من بني هاشم. قيل له: لو كان ما وصفت كما ذكرت إذًا لأعطى من سواه من غير بني هاشم ممن أمه من بني هاشم، وقد كان بحضرته من غير بني هاشم ممن أمهاتهم هاشميات ممن هو أمس برسول الله ﷺ بنسب أمه رحمًا من الزبير، منهم: أمامة ابنة أبي العاص بن الربيع، وقد حرمها رسول الله ﷺ فلم يعطها شيئًا من سهم ذوي القربى، إذ حرم بني أمية وهي من بني أمية ولم يعطها رسول الله ﷺ بأمها الهاشمية، وهي زينب ابنة رسول الله ﷺ ورضي عنها، وحرم أيضا جعدة بن هبيرة المخزومي فلم يعطه شيئًا، وأمه أم هانئ ابنة أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، فلم يعطه بأمه شيئًا إذ كانت من بني هاشم، فدل ذلك أن المعنى الذي أعطى به رسول الله ﷺ الزبير بن العوام ما أعطاه من سهم ذوي القربى ليس لقرابته لأمه ولكنه لمعنى غير ذلك فثبت بما ذكرنا أن ذوي القربى لرسول الله ﷺ -

стр. 7915

هم بنو هاشم وبنو المطلب ومن سواهم ممن هو له قرابة من غير بني هاشم ومن غير بني المطلب، وقد أمر الله رسوله في غير هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فلم يقصد رسول الله ﷺ بالنذارة بني هاشم وبني المطلب خاصة بل قد أنذر من قومه ممن هو أبعد منه رحما من بني أمية ومن بني نوفل» (١). فيقال: بأن الذي أخبرنا أن السهم الرابع كان لأمه هو الزبير نفسه، وهو أعلم من غيره، فلو كان السهم للزبير لقال: أعطاني الرسول سهمين لي، وسهمين لفرسي، ولم يحتج الأمر إلى ذكر أمه، هذا على فرض ثبوت الحديث، وما دام أن الأصح في الحديث أنه مرسل لم يكن به حجة، والله أعلم. القول الرابع: مذهب الحنابلة: إذا وقف الرجل على قرابته، فهو للذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه: وهم إخوته وأخواته، وأولاد جده: وهم أبوه، وأعمامه وعماته، وأولاد جد أبيه وهم جده وأعمام وعمات أبيه فقط، ولا يدخل فيهم من يخالف دينه إلا بقرينة (٢). لأن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى المشار إليه في قوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر:٨]
следующие страницы →