← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] ولنا منها ثلاثة أدلة: أحدها: أن النبي ﷺ أعطى من سهم ذوي القربى بني أجداده، وهم: بنو هاشم، وبني أعمامه وهم: بنو المطلب. والثاني: «أن النبي ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني المطلب سهم ذوي القربى أتاه عثمان بن عفان وهو: من ولد عبد شمس بن عبد مناف، وجبير بن مطعم، وهو: من ولد نوفل بن عبد مناف، وقالا: أما بنو هاشم فلا ينكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله فيهم، فما بال بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وقرابتنا وقرابتهم واحدة؟! (١)، فقال ﷺ : إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه، إنهم ما فارقونا في جاهلية ولا إسلام (٢). فأقرهما النبي ﷺ على دعواهما القرابة، ولكنه أخبر أن ذلك السهم لا يستحق بالقرابة منفردة، وإنما يستحق بالقرابة والنصرة.

стр. 7912

والثالث: أن النبي ﷺ كان يعطي من ذلك السهم من كان يرثه، ومن لا يرثه، فإنه أعطى منه العمات. (ث-١٩٥) وروي عن الزبير: أنه قال: كنت أضرب في الغنائم بأربعة أسهم: سهم لي، وسهمين لفرسي، وسهم لأمي، وأمه كانت: صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ (١).

стр. 7913

وروي: أنه «لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع النبي ﷺ عشيرته وقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا عباس، يا فاطمة بنت محمد، إني لا أغني عنكم من الله شيئًا، فعندها قال أبو لهب: ألهذا جمعتنا!؟ تبًا لك، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]» (١). ونوقش هذا: أما قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين فالأقربين هنا صفة للعشيرة، والعشيرة قد تكون أوسع من القرابة، ولهذا شمل الإنذار بني عبد مناف وغيرهم.

стр. 7914

وأما إعطاؤه بني المطلب فلم يكن ذلك لقرابتهم؛ إذ لو كان أعطاهم لقرابتهم لما فرق بينهم وبين غيرهم ممن سواهم في القرب، وقد علل الرسول ﷺ ذلك بأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، فكان إلحاقهم بقرابته لنصرتهم. وأما قول الطحاوي في شرح معاني الآثار: «فلما كان رسول الله ﷺ قد أعطى الزبير بن العوام لقرابته منه من سهم ذوي القربى، والزبير ليس من بني هاشم ولا بني المطلب، وقد جعله فيما أعطاه من ذلك كبني هاشم وبني المطلب، دل ذلك أن ذوي القربى لرسول الله ﷺ هم بنو هاشم وبنو المطلب ومن سواهم من ذوي قرابته. فإن قال قائل: إن الزبير وإن لم يكن من بني هاشم، فإن أمه منهم، وهي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم فبهذا أعطاه رسول الله ﷺ ما أعطاه، فقام عنده بموضعه منه بأمه مقام غيره من بني هاشم. قيل له: لو كان ما وصفت كما ذكرت إذًا لأعطى من سواه من غير بني هاشم ممن أمه من بني هاشم، وقد كان بحضرته من غير بني هاشم ممن أمهاتهم هاشميات ممن هو أمس برسول الله ﷺ بنسب أمه رحمًا من الزبير، منهم: أمامة ابنة أبي العاص بن الربيع، وقد حرمها رسول الله ﷺ فلم يعطها شيئًا من سهم ذوي القربى، إذ حرم بني أمية وهي من بني أمية ولم يعطها رسول الله ﷺ بأمها الهاشمية، وهي زينب ابنة رسول الله ﷺ ورضي عنها، وحرم أيضا جعدة بن هبيرة المخزومي فلم يعطه شيئًا، وأمه أم هانئ ابنة أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، فلم يعطه بأمه شيئًا إذ كانت من بني هاشم، فدل ذلك أن المعنى الذي أعطى به رسول الله ﷺ الزبير بن العوام ما أعطاه من سهم ذوي القربى ليس لقرابته لأمه ولكنه لمعنى غير ذلك فثبت بما ذكرنا أن ذوي القربى لرسول الله ﷺ -

стр. 7915

هم بنو هاشم وبنو المطلب ومن سواهم ممن هو له قرابة من غير بني هاشم ومن غير بني المطلب، وقد أمر الله رسوله في غير هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فلم يقصد رسول الله ﷺ بالنذارة بني هاشم وبني المطلب خاصة بل قد أنذر من قومه ممن هو أبعد منه رحما من بني أمية ومن بني نوفل» (١). فيقال: بأن الذي أخبرنا أن السهم الرابع كان لأمه هو الزبير نفسه، وهو أعلم من غيره، فلو كان السهم للزبير لقال: أعطاني الرسول سهمين لي، وسهمين لفرسي، ولم يحتج الأمر إلى ذكر أمه، هذا على فرض ثبوت الحديث، وما دام أن الأصح في الحديث أنه مرسل لم يكن به حجة، والله أعلم. القول الرابع: مذهب الحنابلة: إذا وقف الرجل على قرابته، فهو للذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه: وهم إخوته وأخواته، وأولاد جده: وهم أبوه، وأعمامه وعماته، وأولاد جد أبيه وهم جده وأعمام وعمات أبيه فقط، ولا يدخل فيهم من يخالف دينه إلا بقرينة (٢). لأن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى المشار إليه في قوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر:٨]

стр. 7916

فلم يعط من هو أبعد كبني عبد شمس وبني نوفل شيئًا، ولا يقال هما كبني المطلب، فإنه ﵇ علل الفرق بينهم وبين من سواهم ممن ساواهم في القرب بأنهم لم يفارقوا في جاهلية ولا إسلام، ولم يعط قرابته من ولد أمه وهم بنو زهرة شيئًا. ° الراجح: أقرب الأقوال إلى الصواب ما ذهب إليه الحنابلة، والذي يظهر أن المرجع فيها إلى الحقيقة الشرعية، وليس اللغوية؛ حيث جعله الرسول ﵇ قرابته هم بنو هاشم، والله أعلم. * * *

стр. 7917

الباب السادس في أحكام الولاية على الوقف الفصل الأول في حق الواقف في ولاية الوقف المبحث الأول حق الواقف في تعيين الناظر [م-١٥٨٩] لا خلاف بين العلماء أن الواقف إذا اشترط النظر لشخص بعينه اتبع شرطه (١). والأصل في هذا وقف عمر ﵁ حيث جعل النظر لابنته حفصة أم المؤمنين ﵂، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها (٢).

стр. 7918

ولأن مصرف الوقف لا يتجاوز فيه شرط الواقف فكذلك الناظر فيه. قال ابن قدامة في المغني: «وينظر في الوقف من شرطه الواقف؛ لأن عمر ﵁ جعل وقفه إلى حفصة تليه ما عاشت، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها؛ ولأن مصرف الواقف يتبع فيه شرطه، فكذلك الناظر فيه» (١). وجاء في أسنى المطالب: «النظر في الوقف لمن شرطه الواقف له من نفسه أو غيره ... لأنه المتقرب بصدقته، فيتبع شرطه فيه كما يتبع في مصارفه» (٢). * * *

стр. 7919

المبحث الثاني في ثبوت الولاية للواقف إذا لم يشترطها [م-١٥٩٠] إذا علم ذلك، وأن الواقف يملك أن يعطي النظر لمن شاء، فهل يثبت له حق النظر على وقفه إذا لم يشترطه لنفسه؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء على أقوال: القول الأول: ولاية الوقف للواقف سواء اشترطها، أو لم يشترطها، ثم لوصيه إن وجد، وإلا فللحاكم. وهذا قول أبي يوسف، وهو ظاهر المذهب (١). ولا يرى محمد بن الحسن أن الولاية للواقف بدون شرط، واختلف المشايخ في تأويل القول عنه إذا اشترط الواقف الولاية. فقيل: لا يصح؛ وعللوا ذلك بأن محمدًا يشترط التسليم إلى القيم لصحة الوقف، وإذا سلمه لم يبق له ولاية فيه. وقال آخرون: يصح، واشتراط التسليم لا ينافي النظر، لأن النظر سابق على التسليم، فيسلمه إليه، ثم يأخذه منه (٢).

стр. 7920

وصحح الشافعية في قول مرجوح أن النظر للواقف بناء على القول بأن الملك في عين الوقف للواقف، فيثبت له النظر بمقتضى الملك، ولو لم يشترطه. جاء في العناية شرح الهداية: «له الولاية شرط أو سكت» (١). وجاء في الدر المختار: «جعل الواقف الولاية لنفسه جاز بالإجماع، وكذا لو لم يشترط لأحد فالولاية له عند الثاني، وهو ظاهر المذهب» (٢). وقال ابن نجيم: «الولاية للواقف ثابتة مدة حياته وإن لم يشترطها» (٣). وفي الفتاوى الهندية: «رجل وقف وقفًا، ولم يذكر الولاية لأحد، قيل: الولاية للواقف، وهذا على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى؛ لأن عنده التسليم ليس بشرط. أما عند محمد رحمه الله تعالى فلا يصح هذا الوقف، ويفتى به كذا في السراجية» (٤). وجاء في المهذب: «وإن وقف ولم يشرط الناظر ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه إلى الواقف؛ لأنه كان النظر إليه، فإذا لم يشرطه بقي على نظره» (٥). ° وجه هذا القول: قال الحنفية: يستحيل أن لا تكون للواقف ولاية على وقفه، وغيره إنما يستفيد الولاية منه، ولأنه أقرب الناس إلى هذا الوقف فيكون أولى بولايته (٦).

стр. 7921

القول الثاني: أن النظر للموقوف عليه، إلا أن يكون الموقوف عليه عددًا غير محصور، فيكون النظر للقاضي. وهذا مذهب المالكية والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية. ومقتضى هذا القول أن الولاية لا تثبت للواقف بدون شرط. قال الدرديرالمالكي: «فإن لم يجعل ناظرًا، فإن كان المستحق معينًا رشيدًا فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان غير رشيد فوليه، وإن كان المستحق غير معين كالفقراء، فالحاكم يولي عليه من شاء» (١). وقال الخرشي المالكي: «فإن لم يجعل الواقف لوقفه ناظرا فإن جعل الوقف على معين مالك لأمر نفسه فهو الذي يحوزه ويتولاه، وإلا فالنظر فيه للحاكم يقدم له من يرتضيه» (٢). وجاء في المبدع: «فإن لم يشترط ناظرًا، أو شرطه لإنسان فمات فالنظر للموقوف عليه على المذهب؛ لأنه ملكه وغلته له، فكان نظره إليه كملكه المطلق، فإن كان واحدًا استقل به مطلقًا، وقيل: يضم إلى الفاسق أمين؛ حفظًا لأصل الوقف عن التضييع، وإن كان مولى عليه قام وليه مقامه، وإن كانوا جماعة فهو بينهم على قدر حصصهم، ويستثنى منه ما إذا كان الوقف على مسجد، أو من لا يمكن حصرهم، فإنه للحاكم؛ لأنه ليس له مالك معين» (٣).

стр. 7922

وقال المرداوي الحنبلي: «فإن لم يشترط ناظرًا، فالنظر للموقوف عليه. هذا المذهب بلا ريب بشرطه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وقيل: للحاكم ..... تنبيه: محل الخلاف: إذا كان الموقوف عليه معينًا، أو جمعًا محصورًا. فأما إن كان الموقوف عليهم غير محصورين كالفقراء، والمساكين، أو على مسجد، أو مدرسة، أو قنطرة، أو رباط، ونحو ذلك: فالنظر فيه للحاكم، قولًا واحدًا» (١). ° وجه كون النظر للموقوف عليه: أن الملك لما كان للموقوف عليه كان النظر له، وكان مقدمًا على الواقف؛ لأن الموقوف قد خرج من ملكه. ويناقش: بأن الموقوف عليه لا يملك الأصل، وإنما يملك المنفعة فقط بتمليك الواقف. القول الثالث: أن النظر للقاضي إلا أن يشترطه الناظر لنفسه أو لغيره، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (٢). وهذا يعني أنه لا حق للواقف في النظر بدون شرط.

стр. 7923

° وجه كون النظر للقاضي: الوجه الأول: أن الناظر الخاص لا يثبت إلا بالشرط سواء شرطه له أو لغيره، فإذا لم يشترط الواقف ناظرًا خاصًا انتقل النظر إلى من له النظر العام، وهو القاضي. الوجه الثاني: أن الملك لله تعالى، وليس للواقف ولا للموقوف عليه، فكان النظر للقاضي وحده. جاء في أسنى المطالب: «النظر في الوقف لمن شرطه الواقف .... وإن لم يشرطه لأحد فللحاكم، لا للواقف ولا للموقوف عليه؛ لأنه الناظر العام؛ ولأن الملك في الوقف لله تعالى» (١). وجاء في مغني المحتاج: «إن شرط الواقف النظر لنفسه أو غيره اتبع، وإلا فالنظر للقاضي على المذهب» (٢). القول الرابع: أن النظر مرتب على الخلاف في ملك الوقف، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣). فإن قيل: إن الملك للواقف كان النظر له، أو للموقوف عليه كان النظر له،

стр. 7924

وإن قيل: لله تعالى كان النظر للقاضي، وهذه الثلاثة كلها أوجه في مذهب الشافعية (١). جاء في إعانة الطالبين: «ومقابل المذهب يقول: إن النظر مرتب على أقوال الملك، أي فإن قيل: إن الملك في الموقوف للواقف، كان النظر له، أو للموقوف عليه كان النظر له، وإن قيل: لله تعالى، كان النظر للقاضي» (٢). جاء في المهذب: «وإن وقف ولم يشرط الناظر ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه إلى الواقف؛ لأنه كان النظر إليه، فإذا لم يشرطه بقي على نظره. والثاني: أنه للموقوف عليه؛ لأن الغلة له فكان النظر إليه. والثالث: إلى الحاكم؛ لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه، وحق من ينتقل إليه» (٣). وجاء في الإنصاف: «فإن لم يشترط ناظرًا. فالنظر للموقوف عليه. هذا المذهب بلا ريب بشرطه. وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به كثير منهم. وقيل: للحاكم. قطع به ابن أبي موسى. واختاره الحارثي، وقال: فمن الأصحاب من بنى هذا الوجه على القول بانفكاك الموقوف عن ملك الآدمي. وليس هو عندي كذلك ولا بد؛ إذ يجوز أن يكون لحق من يأتي بعد. انتهى. وأطلقهما في الكافي. وقال المصنف، ومن تبعه: ويحتمل أن يكون ذلك مبنيًا على أن الملك فيه:

стр. 7925

هل ينتقل إلى الموقوف عليه، أو إلى الله؟ فإن قلنا: هو للموقوف عليه، فالنظر فيه له. وإن قلنا: هو الله تعالى، فالنظر للحاكم. انتهى. قلت ـ القائل صاحب الإنصاف ـ قد تقدم أن الخلاف هنا مبني على الخلاف هناك. وعليه الأصحاب. قال الحارثي هنا: إذا قلنا: النظر للموقوف عليه. فيكون بناء على القول بملكه، كما هو المشهور عندهم. انتهى. فلعل المصنف ما اطلع على ذلك. فوافق احتماله ما قالوه، أو تكون طريقة أخرى في المسلم، وهو أقرب» (١). ° الراجح: الأصل في النظر أن يكون للواقف؛ لأنه إذا صح بالإجماع أن يشترطه الواقف لغيره كان هذا دليلًا على أنه يملكه؛ لأنه لو لم يكن يملكه ما صح أن يشترطه لمن شاء، وإذا لم يخرج منه بقي الحق قائمًا له، وهو أحرص الناس على وقفه؛ لأن أجره له، وهو أقرب من القاضي، فإن مات أو أبى انتقل إلى القاضي، والله أعلم. * * *

стр. 7926

المبحث الثالث في ثبوت الولاية للواقف بالشرط [م-١٥٩١] علمنا فيما سبق خلاف العلماء في ثبوت الولاية للواقف على وقفه بلا اشترط، فإذا اشترط الولاية له عند الوقف فهل يثبت له هذا الحق، أو لا يثبت له ذلك. في هذه المسألة أيضًا وقع خلاف بين العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح أن يشترط الواقف الولاية لنفسه مطلقًا، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). القول الثاني: لا يصح أن يشترط النظر له، وهذا مذهب المالكية وأحد ا لقولين عن محمد بن الحسن. واستثنى المالكية إذا كان الواقف قد وقف على محجوره من صغار ولده أو من في حجره، فيصح أن يكون النظر له (٢).

стр. 7927

جاء في العناية: «ذكر هلال في وقفه: وقال أقوام: إن شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له، وإن لم يشرط لم تكن له ولاية، وهذا بظاهره لا يستقيم على قول أبي يوسف؛ لأن له الولاية شرط أو سكت، ولا على قول محمد؛ لأن التسليم إلى المتولي شرط صحة الوقف، فكيف يصح أن يشترط الواقف الولاية لنفسه وهو يمنع التسليم إلى المتولي ... » (١). وجاء في فتح القدير: «مقتضى اشتراط محمد التسليم إلى القيم أن لا يثبت للواقف ولاية وإن شرطها لنفسه؛ لأنه ينافي هذا الشرط» (٢). وأجاب الحنفية بجوابين: الجواب الأول: أن اشتراط التسليم لا ينافي صحة اشتراط الولاية للواقف، وذلك أن تسليمه إلى القيم شرط صحة الوقف عند محمد، وبعد التسليم إليه لا يبقى له ولاية، إلا إذا اشترط أن تكون الولاية له فتصح. الجواب الثاني: أن معنى قول محمد: إن شرط الولاية لنفسه فهي له، أنه إذا شرط الولاية لنفسه يسقط شرط التسليم عند محمد أيضًا؛ لأن شروط الواقف تراعى، ومن ضرورته سقوط التسليم (٣).

стр. 7928

القول الثالث: يصح النظر للواقف إذا اشترطه بشرط أن يسلمه إلى المتولي، ثم يأخذه منه، وهذا قول محمد بن الحسن، وابن عبد الحكم من المالكية (١). جاء في العناية: «إذا سلمه إلى المتولي وقد شرط الولاية لنفسه حين وقفه، كان له الولاية بعدما سلمه إلى المتولي، والدليل على ذلك ما ذكره محمد في السير: إذا وقف ضيعة، وأخرجها إلى القيم، لا تكون له الولاية بعد ذلك، إلا أن يشترط الولاية لنفسه، وأما إذا لم يشترط في ابتداء الوقف فليس له ولاية بعد التسليم» (٢). وقال الزيلعي: «وذكر هلال في وقفه، فقال: قال أقوام: إن شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له، وإن لم يشترط لا تكون له ولاية، يعني بعض المشايخ قالوا ذلك. قال مشايخنا: الأشبه أن يكون هذا قول محمد، وقد بيناه، ولا يقال: كيف يكون هذا قول محمد، والتسليم شرط عنده على ما بينا؛ لأنا نقول هذا لا ينافي التسليم؛ لأنه يمكن أن يسلمه إليه ثم يأخذه منه» (٣). وجاء في الذخيرة: «فإن جعله بيد غيره، يجوز له، ويجمع غلته، ويدفعها للواقف يفرقها أجازه ابن عبد الحكم ومنعه ابن القاسم لبقاء تصرفه» (٤).

стр. 7929

° الراجح: الذي أذهب إليه صحة اشتراط الواقف النظر لنفسه، والذي حمل المالكية إلى المنع هو اشتراطهم الحيازة، وسبب الخلاف في اشتراطها تردد الوقف بين الهبة والإعتاق: فالمالكية يلحقون الوقف بالهبة والصدقة، فلا يلزم إلا بالقبض بجامع أن كلاً منهما تبرع بمال، والتبرع لا يلزم إلا بالقبض، فكذا الوقف. والجمهور يلحقون الوقف بالإعتاق، فيحصل بمجرد اللفظ، وهو الراجح، وذلك أن الهبة إذا لم يقبلها صاحبها رجعت إلى الواهب بخلاف الوقف، كما أن الهبة يملك الموهوب له أصلها، وله بيعها، وهبتها، وتورث عنه بخلاف الوقف. قال الشافعي ﵀: «لم يزل عمر بن خطاب المتصدق بأمر رسول الله ﷺ يلي فيما بلغنا صدقته حتى قبضه الله ﵎، ولم يزل علي بن أبي طالب ﵁ يلي صدقته بينبع حتى لقي الله ، ولم تزل فاطمة ﵍ تلي صدقتها حتى لقيت الله ﵎، قال الشافعي: أخبرنا بذلك أهل العلم من ولد فاطمة وعلي وعمر، ومواليهم، ولقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم، أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه» (١). * * *

стр. 7930

الفصل الثاني في حق الموقوف عليه في ولاية الوقف قبل أن نذكر الخلاف في حق الموقوف عليه في ولاية الوقف نذكر منها ما هو محل وفاق بين الفقهاء: [م-١٥٩٢] فقد اتفق الفقهاء على أن الموقوف عليه إذا كان جهة لا يمكن حصرهم، أو كان على جهة بر لا تملك كالمساجد، أو كان الموقوف عليه محجورًا عليه لصغره، أو جعل الواقف الولاية لشخص أجنبي أن الموقوف عليه ليس له ولاية على الوقف. [م-١٥٩٣] كما اتفق الفقهاء القائلون بصحة اشتراط الواقف النظر لنفسه أنه إذا اشترط الواقف النظر له لم يكن للموقوف ولاية على الوقف مدة حياة الواقف؛ لأن الواقف أحق بالنظر على وقفه من غيره؛ لكونه المالك الأصلي للعين. [م-١٥٩٤] واختلف الفقهاء في حق الموقوف عليه في ولاية الوقف إذا كان معينًا محصورًا وكان أهلًا للولاية، وكان الواقف قد مات، أو لم يشترط النظر لنفسه ولا لغيره على قولين: القول الأول: أن الموقوف عليه ليس له حق في ولاية الوقف أصالة إلا بالشرط، وهذا مذهب الحنفية والمشهور من مذهب الشافعية، وأحد القولين في مذهب الحنابلة، اختاره ابن أبي موسى (١).

стр. 7931

جاء في أحكام الوقف لهلال الرأي: «قلت: أرأيت إذا جعل أرضه صدقة موقوفة في صحته، ثم مات، ولم يوص إلى أحد؟ قال: فللقاضي أن يوليها من يثق به ...... قلت: أرأيت رجلًا وقف أرضًا له على رجل، وأوصى إليه فيها، وكان الموقوف عليه الأرض ليس بمأمون؟ قال: ينزعها القاضي من يده، ويوليها غيره. قلت: ولم قلت ذلك، وإنما الغلة كلها له؟ قال: لأن الوقف مرجعه إلى المساكين، فإذا كان من هو في يده ليس بمأمون عليه لم يؤمن أن يخربه، ولا يعمره، ولا يرجع إلى المساكين بعده شيء منه، أو يبيع أصله، فيحدث فيها حدثًا لا يوصل إليه» (١). وفهم منه أنه لو كان الموقوف عليه أمينًا وأوصى الواقف له بالولاية فإنها تكون له. وقد علل الحنفية ذلك: بأن الموقوف عليه أجنبي عن الوقف، فلا حق له في الولاية بدون شرط، والنظر فيه للواقف اشترطه أو لم يشترطه. وعلل الشافعية ذلك: بأن الملك في الوقف يخرج من ملك الواقف إلى ملك الله تعالى، وإذا كان الملك فيه لله كان النظر فيه للقاضي.

стр. 7932

وعلل الحارثي الحنبلي أن النظر ليس للموقوف عليه؛ لأنه لا يتعلق به حق الموقوف عليه وحده، بل وحق من ينتقل إليه من بعده، ففوض الأمر إلى القاضي. قال ابن رجب: «الموقوف عليه هل يملك رقبة الوقوف أم لا؟ في المسألة روايتان معروفتان، أشهرهما: أنه ملك للموقوف عليه. والثانية: لا، فعلى هذه هل هو ملك للواقف أو لله تعالى فيه خلاف أيضًا. ويتنزل على هذا الاختلاف مسائل، ............ منها: نظر الواقف إذا لم يشترط له ناظر، فعلى القول بملك الموقوف عليه له النظر فيه، وعلى القول بأنه ملك لله نظره للحاكم، وظاهر كلام أحمد أن نظره للحاكم، وهو قول ابن أبي موسى. قال الحارثي: وعندي أن هذا القول لا يختص بالقول بانتفاء ملك الموقوف عليه، بل ينظر فيه الحاكم، وإن قلنا للموقوف عليه لعلاقة حق من يأتي بعد» (١). القول الثاني: أن الولاية تكون للموقوف عليه إذا لم يعين الواقف ناظرًا على الوقف، وهذا مذهب المالكية والحنابلة (٢). وقال الخرشي المالكي: «فإن لم يجعل الواقف لوقفه ناظرًا، فإن جعل الوقف على معين مالك لأمر نفسه فهو الذي يحوزه ويتولاه، وإلا فالنظر فيه للحاكم يقدم له من يرتضيه» (٣).

стр. 7933

وجاء في المبدع: «فإن لم يشترط ناظرًا، أو شرطه لإنسان فمات، فالنظر للموقوف عليه على المذهب؛ لأنه ملكه، وغلته له، فكان نظره إليه، كملكه المطلق، فإن كان واحدًا استقل به مطلقا، وقيل: يضم إلى الفاسق أمين؛ حفظا لأصل الوقف عن التضييع، وإن كان مولى عليه قام وليه مقامه، وإن كانوا جماعة فهو بينهم على قدر حصصهم، ويستثنى منه ما إذا كان الوقف على مسجد، أو من لا يمكن حصرهم، فإنه للحاكم؛ لأنه ليس له مالك معين» (١). ° وجه القول بذلك: أن النظر إذا لم يعين ناظرًا، فإنه للموقوف عليه إذا كان محصورًا؛ لأنه ملكه وغلته له، فكان نظره إليه كالمطلق، وإذا كان الموقوف عليهم عدداً، صار لكلٍّ نظرٌ بقدر نصيبه؛ لأن كل واحد منهم مستحق، ومعني بقدر نصيبه، أنه لو أمكن أن يجزأ الوقف ـ وهم ستة مثلاً ـ إلى ستة أجزاء، وكل واحد ينظر على سدس فلا بأس، فإن كانوا غير محصورين كان النظر للقاضي. ° الراجح: الذي أميل إليه أن الموقوف عليه لا يستحق النظر أصالة، فإذا لم يجعل الواقف النظر إليه لم يكن له حق في ولاية الوقف، بل يكون النظر للقاضي، والمقصود به لجنة يشرف عليها القضاء، لأن الأمر لا يتعلق في ملك الموقوف عليه للغلة، فالعين الموقوفة تحتاج إلى الإنفاق عليها من أجل المحافظة على الوقف، ومن أجل صيانته وعمارته، وهذا الحق مقدم على حق الموقوف عليه، فإذا جعل النظر للموقوف عليه ربما قدم حظ نفسه في استغلال الوقف على

стр. 7934

حساب الواقف في بقاء العين، وحرمان المستحقين من بعده، فإذا كان الحق ليس للموقوف عليه وحده؛ لأن من بعده يشاركه في هذا الحق، لم يستحق النظر إليه أصالة، فإذا كان لا بد من جعل النظر للموقوف عليه فلا بد من ضبط ذلك بإشراف إدارة الأوقاف عليه، بأن تفرض جعل مال مقدر يرصد للوقف في حال حاجته إلى عمارة، وللتأكد من أنهم يقومون بواجباتهم في المحافظة على العين، والله أعلم. * * *

стр. 7935

الفصل الثالث الشروط التي يجب توفرها في ناظر الوقف اشترط الفقهاء في ناظر الوقف شروطًا منها ما هو محل اتفاق، ومنها ما هو محل خلاف، والبحث في هذا الفرع في الشروط التي هي محل اتفاق بينهم: الشرط الأول: [م-١٥٩٥] في اشتراط التكليف بأن يكون الناظر بالغًا عاقلًا، وهذا الشرط معتبر في الجملة على خلاف بين المذاهب في تفصيل هذا الشرط، وإليك بيان هذه المذاهب في اعتبار هذا الشرط. القول الأول: مذهب الحنفية في اشتراط التكليف: يشترط الحنفية لصحة التولية سواء أكانت من قبل الواقف أو من قبل القاضي أن يكون المولى عاقلًا، جاء في الفتاوى الهندية: «ويشترط في الصحة بلوغه وعقله» (١). فإن كان مجنونًا عند التولية لم تصح توليته، وإن كان عاقلًا ثم جن كانت التولية عند صدورها صحيحة، وينعزل إن كان الجنون مطبقًا، ولا يعزل إن كان الجنون متقطعًا، وفي حال العزل بالجنون تعود الولاية بالإفاقة إن كان مولى من قبل الواقف؛ لتنفيذ شرط الواقف ما أمكن التنفيذ، وقد أمكن تنفيذ شرطه

стр. 7936

بالإفاقة فوجب تنفيذه، ولأن الولاية زالت بعارض فإذا زال عاد إلى ما كان عليه، ولا تعود إن كان مولى من قبل القاضي (١). جاء في حاشية ابن عابدين: «ينعزل بالجنون المطبق سنة لا أقل، ولو برئ عاد إليه النظر، قال في النهر: والظاهر أن هذا في المشروط له النظر أما المنصوب من القاضي فلا» (٢). هذا مذهب الحنفية في ولاية المجنون، وأما كلامهم في ولاية الصبي: فالقياس أن تولية الصبي لا تصح مطلقًا؛ لأن النظر على الوقف من باب الولاية، والصغير يولى عليه لقصوره، وفي الاستحسان أنها باطلة ما دام صغيرًا، فإذا كبر تكون الولاية له؛ لأنه إذا جازت تولية من لم يوجد، كأن يقول في وقفه: الولاية للأرشد فالأرشد ممن يوجد من ذريته، جاز تولية الصغير بالأولى، ولا تظهر ثمرتها إلا إذا رشد، ويولي القاضي من شاء حتى يكبر. وصحح بعض الحنفية ولاية الصغير بشرطين أن يكون أهلًا للحفظ، وأن يأذن له القاضي (٣). جاء في البحر الرائق: «ولو أوصى إلى صبي تبطل في القياس مطلقًا، وفي

стр. 7937

الاستحسان هي باطلة ما دام صغيرًا، فإذا كبر تكون الولاية له، وحكم من لم يخلق من ولده ونسله في الولاية كحكم الصغير قياسًا واستحسانًا» (١). وجاء في حاشية ابن عابدين: «مطلب في تولية الصبي. ويشترط للصحة بلوغه وعقله ... لما في الإسعاف، لو أوصى إلى الصبي تبطل في القياس مطلقًا، وفي الاستحسان هي باطلة ما دام صغيرًا، فإذا كبر تكون الولاية له .... وفي فتاوى العلامة الشلبي: وأما الإسناد للصغير فلا يصح بحال، لا على سبيل الاستقلال بالنظر، ولا على سبيل المشاركة لغيره؛ لأن النظر على الوقف من باب الولاية، والصغير يولى عليه لقصوره، فلا يصح أن يولى على غيره اهـ .... نعم رأيت في أحكام الصغار للأستروشني عن فتاوى رشيد الدين قال القاضي: إذا فوض التولية إلى صبي يجوز إذا كان أهلا للحفظ وتكون له ولاية التصرف، كما أن القاضي يملك (إذن) الصبي وإن كان الولي لا يأذن اهـ وعليه فيمكن التوفيق بحمل ما في الإسعاف وغيره على غير الأهل للحفظ بأن كان لا يقدر على التصرف، أما القادر عليه فتكون توليته من القاضي إذنًا له في التصرف، وللقاضي أن يأذن للصغير، وإن لم يأذن له وليه» (٢). القول الثاني: مذهب المالكية والحنابلة في اشتراط التكليف . ذهب المالكية والحنابلة إلى أن الواقف إذا لم يجعل ناظرًا فإن النظر للموقوف عليه، فإن كان معينًا رشيدًا فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان صغيرًا أو مجنونًا فوليه (٣).

стр. 7938

قال الدردير: «فإن لم يجعل ناظرًا، فإن كان المستحق معينًا رشيدًا فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان غير رشيد فوليه» (١). وقال في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وإن كان النظر للموقوف عليه، إما بجعل الواقف النظر له، أو لكونه أحق به؛ لعدم ناظر، فهو أحق بذلك إذا كان مكلفًا رشيدًا رجلًا كان، أو امرأة، عدلًا أو فاسقًا؛ لأنه ينظر لنفسه ....... فإن كان الموقوف عليه صغيرًا، أو سفيهًا، أو مجنونًا قام وليه في النظر مقامه كملكه الطلق» (٢). القول الثالث: مذهب الشافعية: سبق بيان مذهب الشافعية أن حق تولية أمر الوقف الأصل أنها للواقف، سواء شرطها لنفسه، أو شرطها لغيره. وفي حال شرطها لنفسه فإنه من المعلوم أنه لا يصح أن يكون الواقف صغيرًا أو مجنونًا؛ لأن التبرع بالمال لا يصح إلا من مكلف، وهو البالغ العاقل. وأما إذا شرط النظر لغيره، فلا يصح أن يولي صغيرًا أو مجنونًا؛ لأن الغرض من التولية هي القيام بوظائف الوقف، من حفظه، وعمارته، وإجارته، ونحو ذلك، وكل هذه الوظائف لا يصح أن يقوم فيها إلا من توفرت فيه الأهلية لذلك، وهو البالغ العاقل.

стр. 7939

وإذا وقف، ولم يشترط التولية، فحق التولية في مذهب الشافعية فيه ثلاثة طرق: المشهور من مذهب الشافعية أن النظر للقاضي، وهذا بحد ذاته يلزم منه توفر التكليف في ناظر الوقف. وقيل: النظر للواقف فكذلك، يلزم منه أن يكون مكلفًا؛ لأن الواقف لا يصح وقفه وتبرعه إلا إذا كان مكلفًا: أي بالغًا عاقلًا. وقيل: النظر للموقوف عليه؛ لأن الملك له، وهذا يعني إن كان صغيرًا أو مجنونًا قام عنه وليه. هذا ملخص مذهب الشافعية (١). ° الراجح: أن نظر الصبي والمجنون إن كان ثبت له أصالة بدون تعيين قام وليه مقامه، كما لو قيل: إن النظر للموقوف عليه إذا لم يعين الواقف ناظرًا؛ لأن هذا الحق استمده من ملكيته لغلة الوقف، فكما يملك الصغير والمجنون غلة الوقف، يملك النظر، ويقوم وليه مقامه. وإن كان النظر للصبي أو للمجنون ثبت له بالتولية من قبل الواقف أو من القاضي، وليس لأنه يملك غلة الوقف فلا يصح منهما أن يوليا على الوقف صغيرًا أو مجنونًا؛ لعدم الأهلية، والله أعلم.

стр. 7940

الشرط الثاني: في اشتراط العدالة . قال ابن رشد في تعريف العدالة: «وأحسن ما رأيت في ذلك أنه المجتنب للكبائر، المتوقي من الصغائر» (١). ففهم منه أن الصغائر يكفي أن يكون حريصًا على التوقي منها؛ لأن لا يمكن لبشر السلامة منها، وإنما هي أمارة على البشرية، فلا يخرج من العدالة في الوقوع في شيء منها ما دام حريصًا على التوقي منها.

стр. 7941

وقال محمد الأمين الشنقيطي: «العدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا» (١). وأحسن ما قيل فيها ما ذكره ابن حبان في صحيحه: والعدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل؛ إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله (٢). والغرض من اشتراط العدالة متعدد، ففي الرواية الغرض منها أن يؤمن معها الكذب على رسول الله ﷺ ، وفي المعاملات أن يؤمن معها الخيانة، وأكل أموال الناس بالباطل. وتحصل العدالة إما بالاختبار، وإما بالتزكية، وإما بالاستفاضة بأنه عدل. [م-١٥٩٦] إذا علم ذلك نأتي إلى اشتراط العدالة في ناظر الوقف: القول الأول: مذهب الحنفية: اختلف الحنفية في كون العدالة شرط صحة، أو شرط أولوية على قولين: أحدهما: أن العدالة شرط لصحة التولية، جاء في البحر الرائق نقلًا من الإسعاف: «لا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه؛ لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود» (٣).

стр. 7942

الثاني: أن العدالة شرط للأولوية وليس بشرط للصحة، وحجتهم في ذلك: أن الفسق عندهم لا يمنع صحة التولية في القضاء، فكذلك لا يمنع الفسق صحة التولية في الوقف؛ لأن القضاء أشرف منصبًا، وأعظم خطرًا، فإذا فسق القاضي استحق العزل، ولا ينعزل بالفسق حتى يعزل. جاء في البحر الرائق: «الظاهر أنها شرائط الأولوية، لا شرائط الصحة، وأن الناظر إذا فسق استحق العزل، ولا ينعزل؛ لأن القضاء أشرف من التولية، ويحتاط فيه أكثر من التولية والعدالة فيه شرط الأولوية حتى يصح تقليد الفاسق، وإذا فسق القاضي لا ينعزل على الصحيح المفتى به فكذا الناظر» (١). وقال ابن عابدين: «والظاهر: أنها شرائط الأولوية، لا شرائط الصحة، وأن الناظر إذا فسق استحق العزل، ولا ينعزل، كالقاضي إذا فسق لا ينعزل على الصحيح المفتى به» (٢). القول الثاني: مذهب المالكية: سبق لنا مذهب المالكية في تنصيب الناظر للوقف، وأن الناظر إما أن يعينه الواقف، أو يترك الواقف تعيين الناظر. فإن عينه الواقف فذاك. وإن لم يعين الواقف ناظرًا، فإما أن يكون الوقف على جهة غير محصورة كالفقراء، أو على جهة لا تملك كالمساجد ونحوها، فالقاضي هو الذي يتولى تعيين الناظر. وإن كان الوقف على معين راشد، استحق الموقوف عليه النظر.

стр. 7943

فإن كان الناظر منصوبًا من القاضي اشترطت العدالة فيه، وكذا لو كان منصوبًا من قبل الواقف، فإذا عينه الواقف لم يملك القاضي عزله إلا بجنحة، وللواقف عزله ولو بغير جنحة. وإن كان الناظر هو المستحق للوقف، كما لو كان الموقوف عليهم عددًا معينًا محصورًا يملكون أمر نفسهم، فإن النظر لهم إذا لم يعين الواقف ناظرًا، فإذا رضوا أن يتولى الوقف رجل غير عدل كان لهم ذلك، ولا يملك القاضي عزله. هذا ملخص مذهب المالكية. جاء في مواهب الجليل: «قال ابن عرفة: والنظر في الحبس لمن جعله إليه محبسه. المتيطي: يجعله لمن يثق به في دينه، فإن غفل المحبس عن ذلك كان النظر فيه للحاكم يقدم له من يرتضيه ..... قلت ـ القائل الحطاب ـ قوله: فإن غفل المحبس عن ذلك كان النظر فيه للحاكم هذا والله أعلم إذا لم يكن المحبس عليه معينا مالكًا أمر نفسه، وأما إن كان مالكًا أمر نفسه، ولم يول المحبس على حبسه أحدًا فهو الذي يحوزه ويتولاه، يدل على ذلك غالب عبارات أهل المذهب .... أن الناظر على الحبس إذا كان سيئ النظر غير مأمون فإن القاضي يعزله إلا أن يكون المحبس عليه مالكا أمر نفسه ويرضى به ويستمر» (١). وفي حاشية الدسوقي: «ذكر البدر القرافي أن القاضي لا يعزل ناظرًا إلا بجنحة، وللواقف عزله ولو لغير جنحة» (٢).

стр. 7944

القول الثالث: مذهب الشافعية: ذهب الشافعية إلى أنه يشترط في الناظر العدالة سواء كان المتولي هو الواقف، أو منصوبه، أو القاضي، حتى ولو كان الوقف على معينين رشداء. واختلفوا في العدالة الباطنة، فاختار الأذرعي من الشافعي إلى اشتراط العدالة الباطنة، ورجحه كثير من الشافعية (١). واشترط السبكي العدالة الباطنة في منصوب القاضي دون منصوب الواقف، وصوبه الخطيب في مغني المحتاج. جاء في مغني المحتاج: «وشرط الناظر العدالة، وإن كان الوقف على معينين رشداء؛ لأن النظر ولاية كما في الوصي والقيم. قال السبكي: ويعتبر في منصوب الحاكم العدالة الباطنة، وينبغي أن يكتفى في منصوب الواقف بالظاهرة كما في الأب، وإن افترقا في وفور شفقة الأب، وخالف الأذرعي فاعتبر فيه الباطنة أيضًا، والأول أوجه» (٢). ولو فسق الناظر انعزل، وصارت الولاية للحاكم؛ لأنه صار غير أهل للنظر؛ إذ العدالة شرط في الدوام كما هي شرط في الابتداء، وإذا عادت العدالة، فهل يعود حقه في الولاية، فيه تفصيل: إن كان الناظر مولى من قبل القاضي لم تعد له الولاية. وإن كان الناظر مولى من قبل الواقف، أو بمقتضى شرطه عادت له الولاية؛

стр. 7945

لأنه إذا كان من قبله لا يجوز لأحد عزله، ولا الاستبدال به، والفسق العارض مانع من التصرف، وليس بسالب لأصل الولاية، فإذا ارتفع المانع عادت له الولاية. جاء في فتوحات الوهاب: «ولو فسق الناظر، ثم عاد عدلًا عادت ولايته، إن كانت له بشرط الواقف، وإلا فلا كما أفتى به النووي» (١). وجاء في نهاية المحتاج: «ولا يعود النظر بعود الأهلية، ما لم يكن نظره بشرط الواقف، كما أفتى به المصنف؛ لقوته؛ إذ ليس لأحد عزله، ولا الاستبدال به، والعارض مانع من تصرفه، لا سالب لولايته» (٢). القول الرابع: مذهب الحنابلة . ذهب الحنابلة إلى أن النظر إن كان لغير الموقوف عليه، وكانت توليته من الحاكم أو الناظر فلا بد من شرط العدلة فيه. قال الحارثي: بغير خلاف علمته. وإن كانت توليته من الواقف، وهو فاسق، يصح، ويضم إليه أمين. وإن كان النظر للموقوف عليه إما بجعل الواقف النظر له، أو لكونه أحق بذلك عند عدم ناظر فهو أحق بذلك، رجلًا كان أو امرأة، عدلًا كان أو فاسقًا؛ لأنه ينظر لنفسه. وقيل: يضم إلى الفاسق عدل لما فيه من العمل بالشرط، وحفظ الوقف، وصوبه في الإنصاف (٣).

стр. 7946

جاء في المغني: «ومتى كان النظر للموقوف عليه، إما بجعل الواقف ذلك له، أو لكونه أحق بذلك عند عدم ناظر سواه، وكان واحدًا مكلفًا رشيدًا، فهو أحق بذلك، رجلًا كان أو امرأة، عدلًا كان أو فاسقًا؛ لأنه ينظر لنفسه، فكان له ذلك في هذه الأحوال، كالطلق ويحتمل أن يضم إلى الفاسق أمين؛ حفظا لأصل الوقف عن البيع أو التضييع. وإن كان الوقف لجماعة رشيدين، فالنظر للجميع، لكل إنسان في نصيبه ..... وإن كان النظر لغير الموقوف عليه، أو لبعض الموقوف عليه، بتولية الواقف، أو الحاكم لم يجز أن يكون إلا أمينًا، فإن لم يكن أمينًا، وكانت توليته من الحاكم، لم تصح. وأزيلت يده. وإن ولاه الواقف وهو فاسق، أو ولاه وهو عدل وصار فاسقًا، ضم إليه أمين ينحفظ به الوقف، ولم تزل يده؛ ولأنه أمكن الجمع بين الحقين. ويحتمل أن لا تصح توليته، وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته؛ لأنها ولاية على حق غيره، فنافاها الفسق، كما لو ولاه الحاكم، وكما لو لم يمكن حفظ الوقف منه مع بقاء ولايته على حق غيره، فإنه متى لم يمكن حفظه منه أزيلت ولايته، فإن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية الفاسق عليه» (١). ° الراجح: أن من ولاه القاضي فيشترط فيه العدالة، وما ولاه الواقف، أو كان النظر

стр. 7947

للموقوف عليه على القول بأن النظر للموقوف عليه إذا كان معينًا، ولم يعين الواقف ناظرًا فإنه يصح تولية الفاسق، ويضم إليه أمين من أجل حفظ الوقف عن الضياع، والله أعلم. الشرط الثالث: في اشتراط الكفاية . والمراد بها: قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر فيه. وذكر في الإنصاف: الكفاية في التصرف، والخبرة به، والقوة عليه. فصارت الكفاية: هي القوة والقدرة والخبرة فيما هو ناظر فيه، يقابله: العاجز وسيء النظر. وإذا عرفت الكفاية فقد وقع خلاف بين الفقهاء على اعتبارها في الناظر على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور إلى اعتبار توفر الكفاية، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال في مواهب الجليل: «أن الناظر على الحبس إذا كان سيئ النظر غير مأمون، فإن القاضي يعزله إلا أن يكون المحبس عليه مالكًا أمر نفسه ويرضى به ويستمر» (١). وجاء في مغني المحتاج: «وشرطه أيضًا الكفاية، وفسرها في الذخائر بقوة الشخص، وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه» (٢).

стр. 7948

وجاء في الإنصاف: «يشترط في الناظر الإسلام، والتكليف، والكفاية في التصرف، والخبرة به، والقوة عليه. ويضم إلى الضعيف قوي أمين» (١). وجاء في مطالب أولي النهى: «وشرط فيه أيضًا كفاية لتصرف، وخبرة - أي: علم به، أي: التصرف، وقوة عليه؛ لأن مراعاة حفظ الوقف مطلوبة شرعًا، وإذا لم يكن المتصرف متصفًا بهذه الصفات لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف .... ويضم لناظر ضعيف تعين كونه ناظرًا، بشرط واقف، أو كون الموقوف عليه قويًا أمينًا ليحصل المقصود» (٢). القول الثاني: ذهب الحنفية إلى اعتبار الكفاية شرط أولوية، وليست شرطًا للصحة. جاء في البحر الرائق نقلًا من الإسعاف: «لا يولى إلا أمين قادر بنفسه، أو بنائبه؛ لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود، وكذا تولية العاجز؛ لأن المقصود لا يحصل به .... والظاهر أنها شرائط الأولوية لا شرائط الصحة» (٣). ° الراجح: أن من ولاه القاضي فيشترط فيه الكفاية، وما ولاه الواقف، أو كان النظر للموقوف عليه على القول بأن النظر للموقوف عليه إذا كان معينًا، ولم يعين

стр. 7949

الواقف ناظرًا فإنه يصح تولية من لم تتوفر فيه الكفاية، ويضم إليه قوي ذو خبرة من أجل حفظ الوقف عن الضياع، والله أعلم. الشرط الرابع: الإسلام . اختلف العلماء في اشتراط الإسلام في ناظر الوقف على قولين: القول الأول: الإسلام ليس شرطًا في ولاية الواقف؛ لأن الكافر يملك الأهلية في ذاته بخلاف الصبي والمجنون، وهذا مذهب الحنفية. جاء في حاشية ابن عابدين: «ويشترط للصحة بلوغه وعقله، لا حريته وإسلامه لما في الإسعاف .... ولو كان عبدًا يجوز قياسًا، واستحسانه لأهلية في ذاته ... ثم الذمي في الحكم كالعبد» (١). وفي الفتاوى الهندية: «ولو كان عبدًا يجوز قياسًا واستحسانًا، والذمي في الحكم كالعبد» (٢). القول الثاني: مذهب المالكية: النص الذي ظفرت به عن المالكية ما جاء في التاج والإكليل عن المتيطي، جاء فيه: عن «المتيطي يجعله لمن يوثق به في دينه وأمانته، فإن غفل المحبس عن ذلك كان النظر فيه للقاضي يقدم له من يقتضيه» (٣).

стр. 7950

وهذا القول يدل على دخول المسلم العدل بلا شك، وهل يخرج غيره فيه تأمل. القول الثالث: مذهب الشافعية: أجاز الشافعية في باب الوصية والنكاح صحة ولاية الذمي على مثله. قال النووي: «ولا يجوز وصاية مسلم إلى ذمي، ويجوز عكسه، وتجوز وصاية الذمي إلى الذمي على الأصح بشرط العدالة في دينه» (١). فهل تقاس الولاية في الوقف على الولاية في الوصية والنكاح؟ الجواب: ذهب إلى ذلك بعض الشافعية، جاء في تحفة المحتاج: «وقياس ما يأتي في الوصية، والنكاح صحة شرط ذمي النظر لذمي عدل في دينه أي: إن كان المستحق ذميًا» (٢). وهذا خلاف ما هو معتمد في مذهب الشافعية. جاء في نهاية المحتاج: «وشرط الناظر العدالة الباطنة مطلقًا، كما رجحه الأذرعي ... فينعزل بالفسق المحقق، بخلاف غيره نحو كذب أمكن كونه معذورًا فيه كما هو ظاهر، وسواء في الناظر أكان هو الواقف أم غيره، ومتى انعزل بالفسق فالنظر للحاكم» (٣). وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «وشرط الناظر وإن كان هو الواقف ... العدالة أي الباطنة، فلا يصح لذمي، ولو من ذمي» (٤).
следующие страницы →