← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

جاء في المغني: «ومتى كان النظر للموقوف عليه، إما بجعل الواقف ذلك له، أو لكونه أحق بذلك عند عدم ناظر سواه، وكان واحدًا مكلفًا رشيدًا، فهو أحق بذلك، رجلًا كان أو امرأة، عدلًا كان أو فاسقًا؛ لأنه ينظر لنفسه، فكان له ذلك في هذه الأحوال، كالطلق ويحتمل أن يضم إلى الفاسق أمين؛ حفظا لأصل الوقف عن البيع أو التضييع. وإن كان الوقف لجماعة رشيدين، فالنظر للجميع، لكل إنسان في نصيبه ..... وإن كان النظر لغير الموقوف عليه، أو لبعض الموقوف عليه، بتولية الواقف، أو الحاكم لم يجز أن يكون إلا أمينًا، فإن لم يكن أمينًا، وكانت توليته من الحاكم، لم تصح. وأزيلت يده. وإن ولاه الواقف وهو فاسق، أو ولاه وهو عدل وصار فاسقًا، ضم إليه أمين ينحفظ به الوقف، ولم تزل يده؛ ولأنه أمكن الجمع بين الحقين. ويحتمل أن لا تصح توليته، وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته؛ لأنها ولاية على حق غيره، فنافاها الفسق، كما لو ولاه الحاكم، وكما لو لم يمكن حفظ الوقف منه مع بقاء ولايته على حق غيره، فإنه متى لم يمكن حفظه منه أزيلت ولايته، فإن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية الفاسق عليه» (١). ° الراجح: أن من ولاه القاضي فيشترط فيه العدالة، وما ولاه الواقف، أو كان النظر

стр. 7947

للموقوف عليه على القول بأن النظر للموقوف عليه إذا كان معينًا، ولم يعين الواقف ناظرًا فإنه يصح تولية الفاسق، ويضم إليه أمين من أجل حفظ الوقف عن الضياع، والله أعلم. الشرط الثالث: في اشتراط الكفاية . والمراد بها: قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر فيه. وذكر في الإنصاف: الكفاية في التصرف، والخبرة به، والقوة عليه. فصارت الكفاية: هي القوة والقدرة والخبرة فيما هو ناظر فيه، يقابله: العاجز وسيء النظر. وإذا عرفت الكفاية فقد وقع خلاف بين الفقهاء على اعتبارها في الناظر على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور إلى اعتبار توفر الكفاية، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال في مواهب الجليل: «أن الناظر على الحبس إذا كان سيئ النظر غير مأمون، فإن القاضي يعزله إلا أن يكون المحبس عليه مالكًا أمر نفسه ويرضى به ويستمر» (١). وجاء في مغني المحتاج: «وشرطه أيضًا الكفاية، وفسرها في الذخائر بقوة الشخص، وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه» (٢).

стр. 7948

وجاء في الإنصاف: «يشترط في الناظر الإسلام، والتكليف، والكفاية في التصرف، والخبرة به، والقوة عليه. ويضم إلى الضعيف قوي أمين» (١). وجاء في مطالب أولي النهى: «وشرط فيه أيضًا كفاية لتصرف، وخبرة - أي: علم به، أي: التصرف، وقوة عليه؛ لأن مراعاة حفظ الوقف مطلوبة شرعًا، وإذا لم يكن المتصرف متصفًا بهذه الصفات لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف .... ويضم لناظر ضعيف تعين كونه ناظرًا، بشرط واقف، أو كون الموقوف عليه قويًا أمينًا ليحصل المقصود» (٢). القول الثاني: ذهب الحنفية إلى اعتبار الكفاية شرط أولوية، وليست شرطًا للصحة. جاء في البحر الرائق نقلًا من الإسعاف: «لا يولى إلا أمين قادر بنفسه، أو بنائبه؛ لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود، وكذا تولية العاجز؛ لأن المقصود لا يحصل به .... والظاهر أنها شرائط الأولوية لا شرائط الصحة» (٣). ° الراجح: أن من ولاه القاضي فيشترط فيه الكفاية، وما ولاه الواقف، أو كان النظر للموقوف عليه على القول بأن النظر للموقوف عليه إذا كان معينًا، ولم يعين

стр. 7949

الواقف ناظرًا فإنه يصح تولية من لم تتوفر فيه الكفاية، ويضم إليه قوي ذو خبرة من أجل حفظ الوقف عن الضياع، والله أعلم. الشرط الرابع: الإسلام . اختلف العلماء في اشتراط الإسلام في ناظر الوقف على قولين: القول الأول: الإسلام ليس شرطًا في ولاية الواقف؛ لأن الكافر يملك الأهلية في ذاته بخلاف الصبي والمجنون، وهذا مذهب الحنفية. جاء في حاشية ابن عابدين: «ويشترط للصحة بلوغه وعقله، لا حريته وإسلامه لما في الإسعاف .... ولو كان عبدًا يجوز قياسًا، واستحسانه لأهلية في ذاته ... ثم الذمي في الحكم كالعبد» (١). وفي الفتاوى الهندية: «ولو كان عبدًا يجوز قياسًا واستحسانًا، والذمي في الحكم كالعبد» (٢). القول الثاني: مذهب المالكية: النص الذي ظفرت به عن المالكية ما جاء في التاج والإكليل عن المتيطي، جاء فيه: عن «المتيطي يجعله لمن يوثق به في دينه وأمانته، فإن غفل المحبس عن ذلك كان النظر فيه للقاضي يقدم له من يقتضيه» (٣).

стр. 7950

وهذا القول يدل على دخول المسلم العدل بلا شك، وهل يخرج غيره فيه تأمل. القول الثالث: مذهب الشافعية: أجاز الشافعية في باب الوصية والنكاح صحة ولاية الذمي على مثله. قال النووي: «ولا يجوز وصاية مسلم إلى ذمي، ويجوز عكسه، وتجوز وصاية الذمي إلى الذمي على الأصح بشرط العدالة في دينه» (١). فهل تقاس الولاية في الوقف على الولاية في الوصية والنكاح؟ الجواب: ذهب إلى ذلك بعض الشافعية، جاء في تحفة المحتاج: «وقياس ما يأتي في الوصية، والنكاح صحة شرط ذمي النظر لذمي عدل في دينه أي: إن كان المستحق ذميًا» (٢). وهذا خلاف ما هو معتمد في مذهب الشافعية. جاء في نهاية المحتاج: «وشرط الناظر العدالة الباطنة مطلقًا، كما رجحه الأذرعي ... فينعزل بالفسق المحقق، بخلاف غيره نحو كذب أمكن كونه معذورًا فيه كما هو ظاهر، وسواء في الناظر أكان هو الواقف أم غيره، ومتى انعزل بالفسق فالنظر للحاكم» (٣). وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «وشرط الناظر وإن كان هو الواقف ... العدالة أي الباطنة، فلا يصح لذمي، ولو من ذمي» (٤).

стр. 7951

وقال الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج: «لكن يرد باشتراط العدالة الحقيقية، والفرق بين هذا وصحة تزويج الذمي موليته واضح ... وقوله واضح: وهو أن ولي النكاح فيه وازع طبيعي يحمله على الحرص على تحصين موليته دفعًا للعار عنه بخلاف الوقف» (١). واعتبر الشبراملسي القول بالرد هو المعتمد (٢). القول الرابع: مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة إلى أنه يشترط في الناظر الإسلام إن كان الموقوف عليه مسلمًا، أو كانت الجهة كمسجد ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. فإن كان الوقف على كافر معين جاز شرط النظر فيه لكافر، كما لو وقف على أولاده الكفار، وشرط النظر لأحدهم أو غيرهم من الكفار. قال في كشاف القناع: «ويشترط في الناظر المشروط إسلام إن كان الموقوف عليه مسلمًا، أو كانت الجهة كمسجد، ونحوه .... فإن كان الوقف على كافر معين، جاز شرط النظر فيه لكافر، كما لو وقف على أولاده الكفار، وشرط النظر لأحدهم أو غيرهم من الكفار، فيصح كما في وصية الكافر لكافر على كافر أشار إليه ابن عبد الهادي، وغيره» (٣). جاء في شرح منتهى الإرادات: «وشرط في ناظر مطلقًا إسلام، إن كان

стр. 7952

الوقف على مسلم أو جهة من جهات الإسلام، كالمساجد والمدارس، والربط، ونحوها لقوله تعالى ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. فإن كان الوقف على معين كافر فله النظر عليه؛ لأنه ملكه كما تقدم ينظر فيه لنفسه أو وليه» (١). ° الراجح: أن الوقف إذا كان على بر، كالوقف على المساجد وطلبة العلم اشترط فيه الإسلام، وإذا كان الوقف على معين جاز أن يتولى الكافر إذا كان الموقوف عليه مثله، والله أعلم. * * *

стр. 7953

الفصل الرابع في المهام التي يقوم بها الناظر يقوم الناظر بمهام كثيرة، وقد ينص الواقف على بعض مهامه، فلا يتعداها، وقد يكون النظر له مطلقًا، من تلك المهام: الأول: عمارة الوقف، وحفظه وصيانته . [م-١٥٩٧] ففي الإسعاف: «أول ما يفعله القيم في غلة الوقف البداءة بعمارته، وأجرة القوام، وإن لم يشترطها الواقف نصًا لشرطه إياها دلالة؛ لأن قصده منه وصول الثواب إليه دائمًا، ولا يمكن إلا بها» (١). قال ابن نجيم: «أول ما يفعله القيم في غلة الوقف البداءة بالعمارة، وأجرة القوام، وإن لم يشترطها الواقف ويتحرى في تصرفاته النظر للوقف والغبطة» (٢). قال الخرشي: «يبدأ بمرمة الوقف وإصلاحه؛ لأن في ذلك البقاء لعينه والدوام لمنفعته» (٣). وجاء في منهج الطالبين: «وشرط الناظر: عدالة، وكفاية. ووظيفته: عمارة وإجارة وحفظ أصل ... » (٤). وجاء في دليل الطالب: «ووظيفة الناظر: حفظ الوقف، وعمارته، وإيجاره

стр. 7954

وزرعه، والمخاصمة فيه، وتحصيل ريعه، والاجتهاد في تنميته، وصرف الريع في جهاته من عمارة، وإصلاح، وإعطاء المستحقين» (١). بل ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الواقف لو اشترط تقديم الإنفاق على الموقوف عليه على عمارة الوقف بطل شرطه. جاء في قانون العدل والإنصاف: «إذا شرط ـ يعني الواقف ـ الاستواء بين أرباب الشعائر والعمارة، وضاق ريع الوقف، فلا يراعى شرطه، وتقدم العمارة على سائر الجهات الضرورية لانتظام مصالح المسجد، أو المدرسة» (٢). وجاء في التاج والإكليل: «لو شرط الواقف ما يجوز أن يبدأ من غلتها بمنافع أهله، ويترك إصلاح ما يتخرم منه، بطل شرطه» (٣). وقال القرافي: «والبداية بالإصلاح من الريع حفظًا لأصل الوقف، بل لو شرط خلاف ذلك بطل؛ لأنه خلاف سنة الوقف» (٤). وفي إرشاد السالك في فقه الإمام مالك: «ويبدأ بعمارته، ورم دارسه، وإن شرط غير ذلك» (٥). وقال الدسوقي في حاشيته: «لو شرط الواقف أنه يبدأ من غلته بمنافع أهله،

стр. 7955

ويترك إصلاح ما تهدم منه، أو يترك الإنفاق عليه إذا كان حيوانا بطل شرطه وتجب البداءة بمرمته، والنفقة عليه من غلته لبقاء عينه» (١). وجاء في نهاية المحتاج: «وعمارة الوقف مقدمة على الموقوف عليه» (٢). وقال في الفروع: «يقدم عمارة الوقف على أرباب الوظائف» وقد بحثت هذه المسألة في الكلام على عمارة الوقف، وبينت فيها خلاف العلماء فأغنى ذلك عن إعادته هنا. الثاني: تنفيذ شروط الواقف . [م-١٥٩٨] الأصل في ناظر الوقف أنه منفذ لما شرط الواقف، لا يحق له أن يضع شروطًا من قبله، فإذا شرط الواقف في وقفه على الأولاد والذرية أن توزع غلة الوقف بالتساوي، أو شرط أن توزع على حسب الفريضة الشرعية في الإرث، للذكر مثل حظ الإنثيين، أو على أن يبدأ أولًا بفقراء قرابته، أو على أن يكون العقار للاستغلال فقط، أو أن يكون للسكنى فقط، فكل ذلك وأمثاله يجب على الناظر اتباع شرط الواقف، ولا تجوز مخالفة شرط الواقف إلا ما استثني من ذلك كما لو اشترط شروطًا تضر بمصلحة الوقف، أو بمصلحة الموقوف عليه فلا يتبع في ذلك (٣): جاء في البحر الرائق نقلًا من الإسعاف: «لو شرط الواقف أن لا يؤجر

стр. 7956

المتولي الوقف، ولا شيئًا منه، وأن لا يدفعه مزارعة، أو على أن لا يعمل على ما فيه من الأشجار، أو شرط أن لا يؤجر إلا ثلاث سنين، ثم لا يعقد عليه إلا بعد انقضاء العقد الأول، كان شرطه معتبرًا ولا تجوز مخالفته. اهـ» (١). وقال ابن مفلح: «والناظر منفذ لما شرط الواقف، ليس له أن يبتدئ شروطًا» (٢). وقال أيضًا: «وعلى الناظر بيان المصلحة فيعمل بما ظهر، ومع الاشتباه إن كان عالمًا عادلًا سوغ له اجتهاده، قال: ولا أعلم خلافًا أن من قسم شيئًا يلزمه أن يتحرى العدل، ويتبع ما هو أرضى لله ورسوله، استفاد القسمة بولاية كإمام وحاكم، أو بعقد كالناظر والوصي، ويتعين مصرفه» (٣). ولذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى أن شرط الواقف كنص الشارع. قال الخرشي: «الواقف إذا شرط في كتاب وقفه شروطًا فإنه يجب اتباعها حسب الإمكان، إن كانت تلك الشروط جائزة؛ لأن ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع، فإن شرط شروطا غير جائزة فإنه لا يتبع» (٤). وقال ابن مفلح في المبدع: «ولأن الوقف متلقى من جهته فاتبع شرطه ونصه كنص الشارع» (٥).

стр. 7957

وجاء في مطالب أولي النهى: «(ويرجع): - بالبناء للمفعول - عند التنازع في شيء من أمر الوقف (وجوبًا لشرط واقف) .... لأن الوقف متلقى من جهته؛ فاتبع شرطه، ونصه كنص الشارع، (ولو) كان الشرط (مباحًا)» (١). وقد تكلمت في فصل مستقل على معنى قول الفقهاء: شرط الواقف كنص الشارع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. الثالث: هل للناظر أن يستدين على الوقف ؟ الاستدانة: أن يحتاج الوقف إلى تعميره، وليس في يد الناظر شيء من غلة الوقف، ومعنى الاستدانة على الوقف أن تكون جهة الوقف مطالبة بأداء هذا الدين من غلة الوقف، فما يستدان للوقف لا يكون واجبًا في رقبة الوقف، بل واجبًا في الغلة. [م-١٥٩٩] إذا علم ذلك فقد اختلف العلماء في جواز الاستدانة على الوقف إذا احتاج الوقف إلى عمارة وإصلاح، ولم يوجد من الغلة ما يكفي للقيام بذلك. القول الأول: ذهب الحنفية إلى جواز استدانة الناظر على الوقف لضرورة العمارة إذا لم يكن من الاستدانة بد بشرطين: الشرط الأول: أن يأذن له الواقف بذلك، فإن لم يأذن له الواقف أخذ إذن القاضي إذا لم يكن القاضي بعيدًا عنه، فإن كان بعيدًا جاز له أن يستدين بنفسه،

стр. 7958

فإن كان في يده شيء من الغلة، واشترى شيئًا للوقف من ماله، جاز له أن يرجع بذلك في غلته، وإن لم تكن بأمر القاضي، كالوكيل بالشراء إذا نقد الثمن من ماله، فإنه يجوز له الرجوع به على الموكل. الشرط الثاني: ألا يتيسر إجارة الوقف، والصرف من إجارتها . أما ما له منه بد فلا يستدين مطلقًا، كالاستدانة على الوقف من أجل الصرف على المستحقين، إلا أن يستدين من أجل استحقاق الإمام والخطيب، والمؤذن فيجوز ذلك؛ لأن ذلك لضرورة مصالح المسجد (١). قال ابن نجيم: «الاستدانة على الوقف لا تجوز، إلا إذا احتيج إليها لمصلحة الوقف كتعمير وشراء بذر، فتجوز بشرطين: الأول: إذن القاضي. الثاني: أن لا يتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها، كما حرره ابن وهبان وليس من الضرورة الصرف على المستحقين كما في القنية» (٢). القول الثاني: ذهب المالكية والحنابلة، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره البلقيني من الشافعية إلى أنه يجوز للناظر أن يستدين لمصلحة الوقف من غير إذن القاضي

стр. 7959

عند قيام الحاجة إلى التعمير وعدم وجود غلة للوقف يمكن الصرف من عمارتها (١). ° وجه القول بذلك: أن الناظر مؤتمن على الوقف، مطلق التصرف في كل ما فيه مصلحة للوقف. وقياسًا للناظر على ولي اليتيم، فإنه يقترض دون إذن الحاكم. جاء في حاشية الدسوقي: «وله أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إذن الحاكم، ويصدق في ذلك» (٢). وفي حاشية الصاوي: «ولو التزم حين أخذ النظر أن يصرف على الوقف من ماله إن احتاج لم يلزمه ذلك، وله الرجوع بما صرفه، وله أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إذن الحاكم، ويصدق في ذلك» (٣). وقال البهوتي: «وللناظر الاستدانة على الوقف بلا إذن حاكم، كسائر تصرفاته لمصلحة، كشرائه للوقف نسيئة أو بنقد لم يعينه؛ لأن الناظر مؤتمن، مطلق التصرف، فالإذن والائتمان ثابتان» (٤).

стр. 7960

وجاء في أسنى المطالب: «قال البلقيني: والتحقيق أنه لا يعتبر إذن الحاكم في الاقتراض، لا سيما في المسجد ونحوه، ومال إليه غيره تشبيهًا للناظر بولي اليتيم، فإنه يقترض دون إذن الحاكم». (١) القول الثالث: مذهب الشافعية: أن الناظر له الاقتراض على الوقف عند الحاجة إن شرط له الواقف، أو أذن فيه الحاكم، وللإمام أن يقرضه من بيت المال (٢). جاء في حواشي الشرواني: «وله الاقتراض في عمارته بإذن الإمام، أو نائبه، والإنفاق عليها من ماله ليرجع، وللإمام أن يقرضه من بيت المال» (٣). ° الراجح: الذي أراه أن النظر إن كان مقيدًا بنوع من التصرف كما لو فوض إليه الواقف توزيع الغلة فقط، أو جمع الغلة فقط لم يتجاوزه، ولا يحق له بهذا التفويض الاستدانة على الوقف، وإن أطلق له النظر فإنه يملك الاستدانة لضرورة الوقف كعمارته، وصيانته؛ لأن ذلك داخل في مهامه، والله أعلم. * * *

стр. 7961

الفصل الخامس في أجرة ناظر الوقف المبحث الأول في أجرة الناظر إذا كانت مقدرة الفرع الأول إذا كانت مقدرة من الواقف [م-١٦٠٠] ناظر الوقف: هو من يقوم بإدارة الوقف، والعناية بمصالحه، ولا يختلف العلماء أن له الأخذ من الوقف في مقابل عمله، (ح-١٠٠٣) والأصل في ذلك، ما ورد في حبس عمر ﵁ من مسند ابن عمر ﵄، وفيه: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول مالا (١). (ح-١٠٠٤) ومنه ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة (٢). وترجم له البخاري بقوله: باب نفقة القيم للوقف. قال ابن بطال: «فبان بهذا أن العامل في الحبس له منه أجرة عمله، وقيامه عليه، وليس ذلك بتغيير

стр. 7962

للحبس، ولا نقض لشرط المحبس إذا حبس على قوم بأعيانهم، لا غنى عن عامل يعمل للمال» (١). وقال ابن حجر: «وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف» (٢). إلا أن الفقهاء اختلفوا في تقديره تبعًا لاختلاف استحقاقه، هل استحق بالشرط، أو بالعمل؟ وهل جاء الاشتراط من قبل الواقف أو من قبل القاضي؟ فإذا قدر الواقف أجرة الناظر، فله ثلاث أحوال: الحال الأولى: أن يقدر الواقف للناظر أجرة مثله، وفي هذه الحال لا اختلاف بين الفقهاء في حق الناظر في الأجر المقدر، وذلك اتباعًا لشرط الواقف. ولأن الأصل في أجر الناظر أن يكون مساويًا لأجر المثل (٣). الحال الثانية: أن يقدر الواقف للناظر أكثر من أجر المثل، وفي حكم هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز مطلقًا. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، والحارثي من الحنابلة (٤).

стр. 7963

جاء في البحر الرائق: «وأما بيان ما له ـ يعني الناظرـ فإن كان من الواقف فله المشروط، ولو كان أكثر من أجرة المثل» (١). القول الثاني: يجوز بشرط أن يكون الناظر غير الواقف، فإن كان الناظر هو الواقف وشرط له أكثر من أجرة المثل لم يصح الوقف؛ لأنه يشبه الوقف على نفسه، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية (٢). جاء في نهاية المحتاج: «ويصح شرطه النظر لنفسه، ولو بمقابل، إن كان بقدر أجرة المثل فأقل كما قيده بذلك ابن الصلاح. قال الشبراملسي في حاشيته: «أما إن شرط النظر لغيره، وجعل للناظر أكثر من أجرة المثل لم يمتنع» (٣). وفي مغني المحتاج: «ومنها: ما لو شرط النظر لنفسه بأجرة المثل (يعني فيصح) لأن استحقاقه لها من جهة العمل لا من جهة الوقف .... فإن شرط النظر بأكثر منها لم يصح الوقف؛ لأنه وقف على نفسه» (٤). القول الثالث: يصح أن يفرض للناظر أكثر من أجرة المثل، وتكون كلفة ما يحتاج إليه

стр. 7964

الوقف من أمناء وعمال على الناظر يصرفها من الزيادة حتى يبقى له أجرة المثل إلا أن يكون الواقف شرطه له خالصًا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١). جاء في كشاف القناع: «وإن شرط الواقف لناظر أجرة، أي: عوضًا معلومًا، فإن كان المشروط بقدر أجرة المثل اختص به، وكان ما يحتاج إليه الوقف من أمناء وغيرهم من غلة الوقف، وإن كان المشروط أكثر؛ فكلفته، أي: كلفة ما يحتاج إليه الوقف من نحو أمناء وعمال عليه، أي على الناظر يصرفها من الزيادة حتى يبقى له أجرة مثله، إلا أن يكون الواقف شرطه له خالصًا، وهذا المذكور في الناظر نقله الحارثي عن الأصحاب وقال: ولا شك أن التقدير بقدر معين صريح في اختصاص الناظر به، فتوقف الاختصاص على ما قالوا لا معنى له، إلى أن قال: وصريح المحاباة لا يقدح في الاختصاص به إجماعًا» (٢). ° الراجح: أن الأجرة إن كانت مقدرة من قبل الواقف صحت مطلقًا، حتى ولو كانت أكثر من أجرة المثل؛ سواء كان الناظر هو الواقف، أو كان الناظر أجنبيًا؛ لأن المال ماله، وقد أخرجه بشرطه، فيتبع كسائر شروطه، والله أعلم. الحال الثالثة: أن يقدر الواقف للناظر أجرة أقل من أجرة المثل:

стр. 7965

هذه المسألة نص عليها الحنفية، وذكروا أنه في مثل هذه الحالة: إما أن يرضى بهذا الأجر المقدر له فيعتبر متبرعًا، وإما أن لا يرضى بهذا الأجر، فله أن يطلب من القاضي أن يكمل له أجر مثله. جاء في حاشية ابن عابدين: «لو عين له الواقف أقل من أجر المثل، فللقاضي أن يكمل له أجر المثل بطلبه» (١). وظاهر مذهب المالكية أن الواقف إذا عين للناظر شيئًا لم يجعل له القاضي شيئًا، وكلمة شيء تعني أي شيء. جاء في حاشية الدسوقي: «للقاضي أن يجعل للناظر شيئًا من الوقف، إذا لم يكن له شيء» (٢). فشرط تدخل القاضي مشروط بأن يكون الواقف لم يجعل له شيئًا، والله أعلم. وجاء في الشرح الصغير: «يجوز للقاضي أن يجعل للناظر أجرة من ريع الواقف على حسب المصلحة .... إلا إذا عين الواقف شيئًا» (٣). فكلمة (شيئًا) ظاهره أنه لا يحق للقاضي التدخل بتعديل الأجرة إذا قدر له الواقف شيئًا. ° الراجح: الذي أميل إليه أن الواقف إن قدر للناظر شيئًا استحقه مطلقًا، سواء كان أكثر أو أقل أو كان مساويًا لعمله، فإن عمل بالوقف، وكان أجر عمله أكثر من

стр. 7966

الأجرة التي قدرها له الواقف فإن رضي كان متبرعًا، وإن لم يرض كان له أن يطلب من القاضي أجرة عمله؛ لأنه لا يجب أن يتبرع لغيره، والله أعلم. * * *

стр. 7967

الفرع الثاني في أجرة الناظر إذا لم تكن مقدرة من قبل الواقف [م-١٦٠١] إذا لم يجعل الواقف للناظر شيئًا، وأراد الناظر أجرًا على عمله، فهل يأخذ أجرته بنفسه، أو يرفع الأمر إلى القاضي؟ القول الأول: مذهب الحنفية: حرر ابن عابدين مذهب الحنفية في هذه المسألة، فذكر: أن الناظر إما أن ينصبه الواقف، أو ينصبه القاضي: فإن نصبه الواقف، وشرط له شيئًا فهو له، كثيرًا كان أو قليلًا، على حسب ما شرط، عمل أو لم يعمل. وإن لم يعين له الواقف أجرًا، وقدر له القاضي بطلبه، فإن عين له أجرة مثله جاز، وإن قدر له أكثر منع عنه ما زاد على أجرة المثل هذا إن عمل، وإن لم يعمل لم يستحق شيئًا. وإن نصبه القاضي، ولم يقدر له شيئًا ينظر: إن كان المعهود أن لا يعمل إلا بأجرة مثله فله أجرة المثل؛ لأن المعهود كالمشورط. وإلا فلا شيء له. هذا ما حرره ابن عابدين عن مذهب الحنفية. وقد ذكر ابن نجيم في القنية رأيين للحنفية في منصوب القاضي إذا لم يقدر له أجرًا. قال ابن نجيم: «إن كان منصوب القاضي، فله أجر مثله، واختلفوا هل

стр. 7968

يستحقه بلا تعيين القاضي؟ فنقل في القنية أولًا: أن القاضي لو نصب قيمًا مطلقًا، ولم يعين له أجرًا، فسعى فيه سنة فلا شيء له. وثانيا: أن القيم يستحق أجر مثل سعيه، سواء شرط له القاضي، أو أهل المحلة أجرًا، أو لا؛ لأنه لا يقبل القوامة ظاهرًا إلا بأجر، والمعهود كالمشروط» (١). القول الثاني: مذهب المالكية: نص المالكية على أن الواقف إذا لم يقدر شيئًا للناظر فإن القاضي يقدر له باجتهاده بحسب المصلحة، وظاهره أنه ليس للناظر أن يقدر ذلك دون القاضي. جاء في حاشية الدسوقي: «للقاضي أن يجعل للناظر شيئًا من الوقف، إذا لم يكن له شيء» (٢). وجاء في الشرح الصغير: «يجوز للقاضي أن يجعل للناظر أجرة من ريع الواقف على حسب المصلحة .... إلا إذا عين الواقف شيئًا» (٣). القول الثالث: مذهب الشافعية: إذا لم يذكر الواقف للناظر أجرة، فالشافعية لهم قولان في المسألة: أحدهما: أن الناظر لا يستحق أجرة على الصحيح، فإن أخذ شيئًا ضمن، وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعية، فإن رفع الأمر إلى القاضي ليقدر له أجرة، فاللشافعية ثلاثة أقوال:

стр. 7969

أحدها: للقاضي أن يقدر له بشرط الحاجة مقدار نفقته، أما إذا لم يكن محتاجًا فلا حق له في غلة الوقف. وهذا القول رجحه الرافعي، ونسب للبلقيني. وقاسوه على ولي الطفل إذا كان فقيرًا ورفع أمره للقاضي متبرمًا من حفظ مال الطفل. الثاني: أنه يأخذ الأقل من نفقته وأجرة مثله، اختاره النووي. جاء في تحفة المحتاج: «فإن لم يشرط له شيء فلا أجرة له، نعم له رفع الأمر إلى الحاكم ليقرر له الأقل من نفقته، وأجرة مثله، كولي اليتيم؛ ولأنه الأحوط للوقف» (١). الثالث: أن القاضي يقدر للناظر أجر المثل مطلقًا، محتاجًا كان أو غير محتاج، اختاره بعض المتأخرين من الشافعية (٢). قال السبكي في تكملة المجموع: «ويستحق الناظر ما شرط من الأجرة، كما يجوز له رفع الأمر إلى الحاكم ليقرر له أجره. قال العراقي في تحريره: ومقتضاه أنه يأخذ مع الحاجة إما قدر النفقة كما رجحه الرافعي، أو الأقل من نفقته وأجرة مثله كما رجحه النووي، وقد رجح بعض المتأخرين من أصحابنا أن الظاهر هنا أنه يستحق أن يقرر له أجرة المثل، وإن كان أكثر من النفقة، وإنما اعتبرت النفقة هنا لوجوبها على فرعه، سواء أكان وليا على ماله أم لا، بخلاف الناظر» (٣).

стр. 7970

القول الثاني في مذهب الشافعية: اختار ابن الصباغ من الشافعية أن للناظر الاستقلال بذلك، أي بأخذ الأقل من نفقته وأجرة مثله بدون الرجوع إلى الحاكم (١). وحمل الشرواني من الشافعية قول ابن الصباغ في حال فقد الحاكم بذلك المحل، أو تعذر الرفع إليه ما لم يثبت عنه نص بالتعميم (٢). هذه هي الأقوال في مذهب الشافعية. القول الرابع: مذهب الحنابلة: للحنابلة أربعة أقوال في أجرة الناظر: أحدها: أنه إن كان مشهورًا بأنه يأخذ أجر عمله فله أجرة مثله؛ لأنه مقابل عمل يؤديه، وإن لم يكن معدًا لأخذ العوض على عمله فلا شيء له. قال عنه في الفروع: وهذا قياس المذهب (٣). وقال البهوتي: هذا في عامل الناظر واضح، وأما الناظر ... إذا لم يسم له شيئ يأكل بالمعروف (٤). وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وإن لم يسم له شيئا فقياس المذهب إن كان مشهورًا بأخذ الجاري على عمله فله جاري عمله، وإلا فلا شيء له» (٥).

стр. 7971

الثاني: إذا لم يشترط الواقف للناظر شيئًا كان للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، سواء أكان محتاجًا أو غير محتاج إلحاقًا له بعامل الزكاة، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد (١). جاء في الإنصاف: «والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي الحارث وحرب: جواز الأكل منه بالمعروف. قاله في الفروع، وغيره. قال في الفائق بعد ذكر التخريج قلت: وإلحاقه بعامل الزكاة في الأكل مع الغنى أولى، كيف وقد نص الإمام أحمد على أكله منه بالمعروف، ولم يشترط فقرا ... » (٢). الثالث: أنه يأكل من غلة الوقف إذا اشترط ذلك، قال ابن رجب في القواعد: «قال أحمد: وليه يأكل منه بالمعروف، إذا اشترط ذلك، ومفهومه المنع من الأكل بدون الشرط» (٣). الرابع: أن لناظر الوقف أن يأخذ الأقل من أجر المثل أو كفايته قياسًا على الولي، ولا يستحق الأجر إلا إذا كان فقيرًا، كوصي اليتيم. جاء في الفروع: «ولا يحل للولي من مال موليه إلا الأقل من أجرة مثله أو كفايته .... وخرج أبو الخطاب وغيره مثله في ناظر وقف، ونصه فيه: يأكل بمعروف. وعنه أيضا: إذا اشترط، قيل له: فيقضي دينه؟ قال: ما سمعت. قال شيخنا. لا يقدم بمعلومه بلا شرط إلا أن يأخذ أجرة عمله مع فقره، كوصي اليتيم» (٤).

стр. 7972

° الراجح: أن لناظر الوقف إذا لم يقدر له الواقف شيئًا أن يأخذ أجر مثله، ويستحقه مطلقًا حتى قبل أن يرفع الأمر إلى القاضي إلا أن يعمل بنية التبرع؛ لأنه في مقابل عمله، إلا أنه لا يستقل في تقدير ذلك، بل يرجع إلى القاضي في تقدير أجرة المثل، لا في أصل الاستحقاق، وذلك بعدًا للتهمة، وخوفًا من محاباة النفس، والله أعلم. * * *

стр. 7973

المبحث الثاني الجهة التي يستحق منها الناظر أجرته [م-١٦٠٢] اختلف العلماء في الجهة التي يأخذ منها الناظر أجرته على قولين: القول الأول: أن أجرة الناظر من غلة الوقف، سواء كان هذا مقدرًا من الواقف، أو من القاضي إلا إذا شرط الواقف غير هذا. وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١). جاء في الشرح الكبير: «للقاضي أن يجعل للناظر شيئا من الوقف إذا لم يكن له شيء» (٢). وجاء في الشرح الصغير: «وأجرته ـ يعني الناظر ـ من ريعه» (٣). وفي أسنى المطالب: «وللناظر) من غلة الوقف (ما شرطه له الواقف) وإن زاد على أجرة المثل» (٤).

стр. 7974

القول الثاني: إن عين الواقف له شيئًا فهو له، وإذا لم يعين له شيئًا عين له القاضي من بيت المال، ولا يجوز للقاضي أن يجعل أجره من غلة الوقف، اختاره بعض المالكية. وجاء في الشرح الصغير: «يجوز للقاضي أن يجعل للناظر أجرة من ريع الواقف على حسب المصلحة خلافًا لقول ابن عتاب: إنه لا يحل له أخذ شيء من غلة الوقف، بل من بيت المال، إلا إذا عين الواقف شيئًا» (١). وجاء في مواهب الجليل: «قال ابن عرفة، عن ابن فتوح: للقاضي أن يجعل لمن قدمه للنظر في الأحباس رزقًا معلومًا في كل شهر باجتهاده في قدر ذلك بحسب عمله وفعله الأئمة. ابن عتاب عن المشاور: لا يكون أجره إلا من بيت المال، فإن أخذها من الأحباس أخذت منه، ورجع بأجره في بيت المال، فإن لم يعط منها فأجره على الله، وإنما لم يجعل له فيها شيء؛ لأنه تغيير للوصايا، وبمثل قول المشاور أفتى ابن ورد، وقال: لا يجوز أخذ أجرته من الأحباس إلا أن يحمل على من حبس، وخالفه عبد الحق، وابن عطية، وقال: ذلك جائز، لا أعلم فيه نص خلاف انتهى. ونقل البرزلي كلام عبد الحق وابن عطية والله أعلم» (٢). ° الراجح: أن أجرة الناظر من غلة الوقف، إلا أن يعين الواقف مصدرًا آخر يأخذ منه أجرته، ويقدم حق الناظر على الموقوف عليهم لحاجة الوقف إلى القيام بمصالحه، والله أعلم. * * *

стр. 7975

الفصل السادس في عزل الناظر [م-١٦٠٣] الواقف إن شرط له حق العزل حال الوقف صح اتفاقًا. وإن لم يشترط له هذا الحق فقد اختلف العلماء في حق الواقف في عزل الناظر. القول الأول: أن له العزل مطلقًا متى شاء بسبب أو بدون سبب، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، واختاره مشايخ بلخ، وهو مذهب المالكية (١). جاء في البحر الرائق: «وأما عزله ـ يعني الناظر ـ فقدمنا أن أبا يوسف جوَّز عزله للواقف بغير جنحة وشرط؛ لأنه وكيله» (٢). وجاء في مواهب الجليل: «قال ابن عرفة: لو قدم المحبس من رأى لذلك أهلًا، فله عزله واستبداله» (٣). وجاء في حاشية الدسوقي: «ذكر البدر القرافي: أن القاضي لا يعزل ناظرًا إلا بجنحة، وللواقف عزله ولو لغير جنحة» (٤).

стр. 7976

القول الثاني: ليس للواقف حق العزل مطلقًا، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية. جاء في الأشباه والنظائر: «الواقف إذا عزل الناظر؛ فإن شرط له العزل حال الوقف صح اتفاقًا، وإلا لا عند محمد ﵀. ويصح عند أبي يوسف ﵀. ومشايخ بلخ اختاروا القول الثاني، والصدر اختار قول محمد ﵀، وعلى هذا الاختلاف لو مات الواقف فلا ولاية للناظر لكونه وكيلًا عنه فيملك عزله بلا شرط وتبطل ولايته بموته. وعند محمد ﵀ ليس بوكيل، فلا يملك عزله ولا تبطل بموته والخلاف فيما إذا لم يشترط له الولاية في حياته وبعد مماته وأما لو شرط ذلك لم تبطل بموته اتفاقًا، هذا حاصل ما في الخلاصة، والبزازية، والفتوى على قول أبي يوسف ﵀ ... » (١). القول الثالث: للواقف عزله إن كان قد اشترط النظر لنفسه، ثم أسند النظر إلى غيره، فإن شرط نظره حال الوقف كما لو قال: وقفت أرضي هذه بشرط أن فلانًا ناظرها، فليس له عزله، لأنه لا نظر له بعد شرطه النظر لغيره، فلو مات الناظر أو عزل لم ينصب الواقف بدله، وإنما ذلك للحاكم. وهذا مذهب الشافعية، وقريب منه قول الحنابلة (٢).

стр. 7977

جاء في فتاوى ابن الصلاح: «جعل الواقف النظر فيه إلى رجل عدل أجنبي، ثم أراد الواقف أن يعزل الناظر ويستبدل به غيره، هل له ذلك أم لا؟ أجاب ﵁ له ذلك إن ولاه بعد تمام الوقف حيث يملك تولية غيره لكونه شرط النظر لنفسه عند إنشاء الوقف، أو فيما إذا أطلق وحكمنا بكون النظر للواقف، وأما إذا كان قد شرط النظر للأجنبي المذكور في نفس عقد الوقف، فلا ينعزل بعزله على الرأي الأقوى، وكان كسائر ما يشترط في الوقف فلا يجوز تغييره والله أعلم» (١). وجاء في أسنى المطالب: «للواقف أن يعزل من ولاه وينصب غيره حيث كان النظر له، كما يعزل الموكل وكيله وينصب غيره ... لا من شرط نظره، أو تدريسه ... حال الوقف فليس له عزله، ولو لمصلحة، كما لو وقف على أولاده الفقراء لا يجوز تبديلهم بالأغنياء» (٢). ومذهب الحنابلة قريب من مذهب الشافعية: فإن الناظر إما أن يكون الواقف وإما أن يكون غيره، وإذا كان غير الواقف إما أن يثبت له النظر أصالة، وإما أن يثبت له النظر بالشرط. فإن كان الناظر هو الواقف، ثم أسنده لغيره فإنه يملك عزله، واستبداله. وإن كان الناظر غير الواقف فإن ثبت له النظر أصالة كالحاكم والموقوف عليه المعين إذا لم يعين الواقف ناظرًا فهذا له حق العزل والاستبدال. وإن ثبت له بالشرط، فإن شرط له النظر حال الوقف لم يملك الواقف عزله

стр. 7978

إلا أن يشترطه، وإن لم يشترط له النظر حال الوقف كان للواقف عزله، هذا ملخص مذهب الحنابلة. جاء في الإقناع: «ولو شرط الواقف النظر لغيره ثم عزله لم يصح عزله إلا أن يشترطه لنفسه فإن شرط النظر لنفسه ثم جعله لغيره أو أسنده أو فوضه إليه فله عزله ولناظر بالأصالة وهو الموقوف عليه والحاكم نصب ناظر وعزله وأما الناظر المشروط فليس له نصب ناظر ولا الوصية بالنظر ما لم يكن مشروطا له» (١). جاء في الفروع: «ومن شرط نظره له لم يعزله بلا شرط، وإن شرطه لنفسه، ثم لغيره، أو فوضه إليه، أو أسنده فوجهان» (٢). «أحدهما: له عزله، وهو الصحيح والصواب، قدمه في الرعاية الكبرى، فقال: فإن قال وقفت كذا بشرط أن ينظر فيه زيد، أو على أن ينظر فيه، أو قال عقبه: وجعلته ناظرًا فيه، أو جعل النظر له، صح، ولم يملك عزله، وإن شرطه لنفسه، ثم جعله لزيد فقال: جعلت نظري له أو فوضت إليه ما أملكه من النظر، أو أسندته إليه، فله عزله، ويحتمل عدمه انتهى. وقال الحارثي: إذا كان الوقف على جهة لا تنحصر، كالفقراء والمساكين، أو على مسجد، أو مدرسة، أو قنطرة، أو رباط ونحو ذلك، فالنظر للحاكم، وجهًا واحدًا. وللشافعية: وجه أنه للواقف، وبه قال هلال الرأي من الحنفية. قال الحارثي: وهو الأقوى، فعليه له نصب ناظر من جهته، ويكون نائبًا عنه، يملك

стр. 7979

عزله متى شاء؛ لأصالة ولايته، فكان منصوبه نائبًا عنه، كما في الملك المطلق، وله الوصية بالنظر، لأصالة الولاية إذا قيل بنظره له أن ينصب ويعزل أيضًا كذلك انتهى» (١). ° الراجح: المسألة ترجع إلى أن الناظر، هل هو وكيل عن الواقف فيحق له عزله، أو كيل عن الموقوف عليهم، فلا يملك الواقف عزله، كما ترجع إلى الفرق بين ناظر ثبت له النظر أصالة، فيملك حق التعيين والعزل، وبين ناظر ثبت له النظر بالشرط، فلا يملك أن يعين ويعزل. كما ترجع إلى الخلاف في ملك العين الموقوفة، هل هي ملك لله تعالى، أو ملك للواقف، أو ملك للموقوف عليه. فمن قال: العين الموقوفة ملك لله فالنظر للقاضي أصالة ما لم يشترطه الواقف حال الوقف. ومن قال: إن العين الموقوفة ملك للموقوف عليهم فالنظر لهم أصالة أيضًا ما لم يشترطه الواقف حال الوقف، وفي هاتين الحالتين: أي في حال ثبت النظر للقاضي أو للموقوف عليهم أصالة فلا يثبت للواقف حق عزل الناظر. ومن قال: إن العين الموقوفة ملك للواقف فيثبت له حق العزل، وكل هذه المسائل سبق تحريرها في مسائل متفرقة، والله أعلم.

стр. 7980

الفصل السابع في محاسبة ناظر الوقف يقسم الفقهاء اليد إلى قسمين: يد أمانة، ويد ضمان. ويد الأمانة: حيازة الشّيء أو المال، نيابةً لا تملّكًا، كيد المودع، والمستعير، والشّريك، والمضارب، وناظر الوقف، والوصيّ. ويد الضمان: حيازة المال للتّملّك أو لمصلحة الحائز، كيد المشتري، والقابض على السوم، والغاصب، والمقترض. وحكم يد الأمانة، أنّ واضع اليد أمانةً، لا يضمن ما هو تحت يده، إلاّ بالتّعدّي أو التّقصير، كالمودَع. وحكم يد الضّمان، أنّ واضع اليد على المال، يضمنه في كلّ حال. [م-١٦٠٤] والسؤال: إذا كانت يد الناظر يد أمانة، فهل يقبل قوله بلا بينة ولا يمين في دفع المال إلى المستحقين، وفي الإنفاق على الوقف من عمارة وأجرة عمالة، ونحوها؟ في ذلك خلاف بين العلماء تفصيله على النحو التالي: القول الأول: مذهب الحنفية: لو ادعى المتولي الدفع، وكان معروفًا بالأمانة فقد اتفق الحنفية على أنه لا يكلف البينة على الدفع؛ لأنه أمين، واختلفوا في توجيه اليمين إلى ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقبل قوله بلا يمين مطلقًا؛ لأن كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى

стр. 7981

مستحقيها قبل قوله، كالمودع إذا ادعى الرد، والوكيل والناظر إذا ادعى الصرف إلى الموقوف عليهم. جاء في الدر المختار: «لو ادعى المتولي الدفع قبل قوله بلا يمين» (١). وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «سئل من قاضي الشام سنة ١١٥٣ في صرف الناظر للمستحقين قبل عزله وبعده، وكذا لأرباب الوظائف هل يقبل قوله في ذلك بيمينه أو لا؟ الجواب: الذي صرحوا به أنه يقبل قوله فيما يدعيه من الصرف على المستحقين بلا بينة؛ لأن هذا من جملة عمله في الوقف وأفتى به التمرتاشي - رحمه الله تعالى - وقال: واختلفوا في تحليفه واعتمد شيخنا في الفوائد أنه لا يحلف. اهـ .... وفي حاشية الحموي على الأشباه ... والظاهر من كلام صاحب القنية أن عدم التحليف إنما هو في غير ما إذا اتهمه القاضي، ولا يدعى عليه شيء معين وفيما ليس هناك منكر معين .... وفيها أيضا من باب الأمانات: الناظر إذا ادعى الصرف قال بعض الفضلاء ـ يعني الخير الرملي ـ ينبغي أن يقيد ذلك، بأن لا يكون الناظر معروفًا بالخيانة كأكثر نظار زماننا. اهـ .. وأفتى المولى أبو السعود بأنه إذا كان مفسدًا مبذرًا لا يقبل قوله بصرفه مال الوقف بيمينه. اهـ» (٢). وفيها أيضًا نقلًا عن القنية: «إن كان معروفًا بالأمانة لا يحتاج إلى اليمين،

стр. 7982

وأفتى الشيخ إسماعيل بأنه يقبل قوله من غير يمين، ويكتفى منه بالإجمال، ولا يجبر على التفسير شيئًا فشيئًا. اهـ وفي الحاوي الزاهدي من كتاب أدب القاضي: أن الوصي بالنفقة على اليتيم أو القيم على الوقف ومال الصبي والوقف في يده أو نحو ذلك من الأمناء بمثل ما يكون في ذلك الباب قبل قوله بلا يمين إذا كان ثقة؛ لأن في اليمين تنفير الناس عن الوصاية، فإن اتهم، قيل: يستحلف بالله ما كنت خنت في شيء مما أخذت به إلخ» (١). والثاني: يقبل قوله مع يمينه. جاء في وقف الناصحي نقلًا من البحر الرائق: «إذا أجر الواقف، أو قيمه، أو وصيه، أو أمينه، ثم قال: قبضت الغلة، فضاعت، أو فرقته على الموقوف عليهم وأنكروا، فالقول له مع يمينه» (٢). وجاء في الإسعاف: «ولو قال المتولي: قبضت الأجرة، ودفعتها إلى هؤلاء الموقوف عليهم، وأنكروا ذلك، كان القول قوله مع يمينه، ولا شيء عليه كالمودع إذا ادعى رد الوديعة وأنكر المودع؛ لكونه منكرًا معنى، وإن كان مدعيًا صورة، والعبرة للمعنى» (٣). وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «(سئل) في ناظر وقف أهلي ثقة، قبض

стр. 7983

أجرة داري الوقف، وصرف بعضها في عمارتهما وترميمهما الضروريين اللازمين مصرف المثل في مدة تحتمله، والظاهر لا يكذبه في ذلك فهل يقبل قوله بيمينه في ذلك؟ (الجواب): نعم في فتاوى الكازروني عن الحانوتي القول قوله مع يمينه، كما في الإسعاف ... » (١). الثالث: أنه إذا ادعى دفع ما يشبه الأجرة، كالدفع إلى المؤذن والبواب، والخادم وغيرهم من أرباب الوظائف ممن يستحق أجره مقابل عمله لم يقبل قوله بالدفع إلا ببينة، بخلاف الدفع إلى الموقوف عليهم، فيقبل قوله، وبهذا قال أبو السعود من الحنفية، جوابًا على سؤال، وصورته: «هل إذا ادعى المتولي دفع غلة الوقف إلى من يستحقها شرعًا يقبل قوله في ذلك أم لا؟ الجواب: إن ادعى الدفع إلى من عينه الواقف في الوقف، كأولاده، وأولاد أولاده يقبل قوله، وإن ادعى الدفع إلى الإمام بالجامع والبواب ونحوهما لا يقبل قوله، كما لو استأجر شخصًا للبناء في الجامع بأجرة معلومة، ثم ادعى تسليم الأجرة له، فإنه لا يقبل قوله. انتهى. قال بعض الفضلاء، وهو تفصيل حسن خصوصا في زماننا» (٢). وقد اعترض عليه الرملي من الحنفية: قال ابن عابدين نقلاً من حاشية الخير الرملي: «والجواب عما قاله أبو السعود: أنها ليس لها حكم الأجرة من كل

стр. 7984

وجه، ومقتضى ما قاله أبو السعود، أنه يقبل قوله في حق براءة نفسه لا في حق صاحب الوظيفة؛ لأنه أمين فيما في يده، فيلزم الضمان في الوقف؛ لأنه عامل له، وفيه ضرر بالوقف، فالإفتاء بما قاله العلماء متعين، وقوله يعني: المصنف: هو تفصيل في غاية الحسن في غير محله؛ إذ يلزم منه تضمين الناظر؛ إذا دفع لهم بلا بينة لتعديه». ورده ابن عابدين: فقال عن اعتراض الرملي: «قال في الحامدية بعد نقله كلام الخير الرملي، قلت: تفصيل أبي السعود في غاية الحسن باعتبار التمثيل بالأجرة فهي مثلها، وقول العلماء: يقبل قوله في الدفع إلى الموقوف عليهم محمول على غير أرباب الوظائف المشروط عليهم العمل، ألا ترى أنهم إذا لم يعلموا لا يستحقون الوظيفة، فهي كالأجرة لا محالة، وهو كأنه أجير، فإذا اكتفينا بيمين الناظر يضيع عليه الأجر، لا سيما نظار هذا الزمان، وقال المولى عطاء الله أفندي في مجموعته: سئل شيخ الإسلام زكريا أفندي عن هذه المسألة، فأجاب: بأنه إن كانت الوظيفة في مقابلة الخدمة، فهي أجرة لا بد للمتولي من إثبات الأداء بالبينة، وإلا فهي صلة وعطية، يقبل في أدائه قول المتولي مع يمينه .... » (١). القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى أن القول قول الناظر إذا كان أمينًا بلا بينة ولا يمين، بشرط أن يكون ما يدعيه من الصرف يشبه ما يقول، ولم يشترط عليه الإشهاد في الإدخال والإخراج.

стр. 7985

فإن اشترط عليه الإشهاد في أصل الوقف فلا بد من البينة فيما أدخل أو أخرج. وإن كان ما ادعاه من الصرف لا يشبه ما قال، فإن عليه أن يحلف اليمين؛ لأنه متهم، فإن حلف برئت ذمته، وإن نكل ألزم بدفع ما ادعي به عليه (١). جاء في مواهب الجليل: «سئل السيوري عن إمام مسجد، ومؤذنه، ومتولي جميع أموره، قام عليه محتسب بعد أعوام في غلة حوانيت له، وقال: فضلت فضلة عما أنفقت. وقال: لم يفضل شيء. فقال له: بين للقاضي صفة الخروج. فقال: لا يجب علي ذلك، ولو علمت أنه يجب علي ما توليته، ولا قمت به، ولا يوجد من يقوم به إلا هو، ولولا هو لضاع، هل يقبل قوله أم لا؟ فأجاب: القول قوله فيما زعم أنه أخرجه، إذا كان يشبه ماقال. البرزلي: وهذا إذا لم يشترط عليه دخلًا ولا خرجًا إلا بإشهاد انتهى» (٢). وجاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير: «وإذا ادعى الناظر أنه صرف الغلة صدق إن كان أمينًا، ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف فلا يصرف إلا باطلاعهم، ولا يقبل بدونهم، وإذا ادعى أنه صرف على الوقف مالًا من عنده صدق من غير يمين، إن لم يكن متهمًا وإلا فيحلف» (٣).
следующие страницы →