مستحقيها قبل قوله، كالمودع إذا ادعى الرد، والوكيل والناظر إذا ادعى الصرف إلى الموقوف عليهم.
جاء في الدر المختار: «لو ادعى المتولي الدفع قبل قوله بلا يمين» (١).
وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «سئل من قاضي الشام سنة ١١٥٣ في صرف الناظر للمستحقين قبل عزله وبعده، وكذا لأرباب الوظائف هل يقبل قوله في ذلك بيمينه أو لا؟
الجواب: الذي صرحوا به أنه يقبل قوله فيما يدعيه من الصرف على المستحقين بلا بينة؛ لأن هذا من جملة عمله في الوقف وأفتى به التمرتاشي - رحمه الله تعالى - وقال: واختلفوا في تحليفه واعتمد شيخنا في الفوائد أنه لا يحلف. اهـ .... وفي حاشية الحموي على الأشباه ... والظاهر من كلام صاحب القنية أن عدم التحليف إنما هو في غير ما إذا اتهمه القاضي، ولا يدعى عليه شيء معين وفيما ليس هناك منكر معين ....
وفيها أيضا من باب الأمانات: الناظر إذا ادعى الصرف قال بعض الفضلاء ـ يعني الخير الرملي ـ ينبغي أن يقيد ذلك، بأن لا يكون الناظر معروفًا بالخيانة كأكثر نظار زماننا. اهـ ..
وأفتى المولى أبو السعود بأنه إذا كان مفسدًا مبذرًا لا يقبل قوله بصرفه مال الوقف بيمينه. اهـ» (٢).
وفيها أيضًا نقلًا عن القنية: «إن كان معروفًا بالأمانة لا يحتاج إلى اليمين،
стр. 7982
وأفتى الشيخ إسماعيل بأنه يقبل قوله من غير يمين، ويكتفى منه بالإجمال، ولا يجبر على التفسير شيئًا فشيئًا. اهـ
وفي الحاوي الزاهدي من كتاب أدب القاضي: أن الوصي بالنفقة على اليتيم أو القيم على الوقف ومال الصبي والوقف في يده أو نحو ذلك من الأمناء بمثل ما يكون في ذلك الباب قبل قوله بلا يمين إذا كان ثقة؛ لأن في اليمين تنفير الناس عن الوصاية، فإن اتهم، قيل: يستحلف بالله ما كنت خنت في شيء مما أخذت به إلخ» (١).
والثاني: يقبل قوله مع يمينه.
جاء في وقف الناصحي نقلًا من البحر الرائق: «إذا أجر الواقف، أو قيمه، أو وصيه، أو أمينه، ثم قال: قبضت الغلة، فضاعت، أو فرقته على الموقوف عليهم وأنكروا، فالقول له مع يمينه» (٢).
وجاء في الإسعاف: «ولو قال المتولي: قبضت الأجرة، ودفعتها إلى هؤلاء الموقوف عليهم، وأنكروا ذلك، كان القول قوله مع يمينه، ولا شيء عليه كالمودع إذا ادعى رد الوديعة وأنكر المودع؛ لكونه منكرًا معنى، وإن كان مدعيًا صورة، والعبرة للمعنى» (٣).
وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «(سئل) في ناظر وقف أهلي ثقة، قبض
стр. 7983
أجرة داري الوقف، وصرف بعضها في عمارتهما وترميمهما الضروريين اللازمين مصرف المثل في مدة تحتمله، والظاهر لا يكذبه في ذلك فهل يقبل قوله بيمينه في ذلك؟
(الجواب): نعم في فتاوى الكازروني عن الحانوتي القول قوله مع يمينه، كما في الإسعاف ... » (١).
الثالث: أنه إذا ادعى دفع ما يشبه الأجرة، كالدفع إلى المؤذن والبواب، والخادم وغيرهم من أرباب الوظائف ممن يستحق أجره مقابل عمله لم يقبل قوله بالدفع إلا ببينة، بخلاف الدفع إلى الموقوف عليهم، فيقبل قوله، وبهذا قال أبو السعود من الحنفية، جوابًا على سؤال، وصورته:
«هل إذا ادعى المتولي دفع غلة الوقف إلى من يستحقها شرعًا يقبل قوله في ذلك أم لا؟
الجواب: إن ادعى الدفع إلى من عينه الواقف في الوقف، كأولاده، وأولاد أولاده يقبل قوله، وإن ادعى الدفع إلى الإمام بالجامع والبواب ونحوهما لا يقبل قوله، كما لو استأجر شخصًا للبناء في الجامع بأجرة معلومة، ثم ادعى تسليم الأجرة له، فإنه لا يقبل قوله. انتهى. قال بعض الفضلاء، وهو تفصيل حسن خصوصا في زماننا» (٢).
وقد اعترض عليه الرملي من الحنفية:
قال ابن عابدين نقلاً من حاشية الخير الرملي: «والجواب عما قاله أبو السعود: أنها ليس لها حكم الأجرة من كل
стр. 7984
وجه، ومقتضى ما قاله أبو السعود، أنه يقبل قوله في حق براءة نفسه لا في حق صاحب الوظيفة؛ لأنه أمين فيما في يده، فيلزم الضمان في الوقف؛ لأنه عامل له، وفيه ضرر بالوقف، فالإفتاء بما قاله العلماء متعين، وقوله يعني: المصنف: هو تفصيل في غاية الحسن في غير محله؛ إذ يلزم منه تضمين الناظر؛ إذا دفع لهم بلا بينة لتعديه».
ورده ابن عابدين:
فقال عن اعتراض الرملي: «قال في الحامدية بعد نقله كلام الخير الرملي، قلت: تفصيل أبي السعود في غاية الحسن باعتبار التمثيل بالأجرة فهي مثلها، وقول العلماء: يقبل قوله في الدفع إلى الموقوف عليهم محمول على غير أرباب الوظائف المشروط عليهم العمل، ألا ترى أنهم إذا لم يعلموا لا يستحقون الوظيفة، فهي كالأجرة لا محالة، وهو كأنه أجير، فإذا اكتفينا بيمين الناظر يضيع عليه الأجر، لا سيما نظار هذا الزمان، وقال المولى عطاء الله أفندي في مجموعته: سئل شيخ الإسلام زكريا أفندي عن هذه المسألة، فأجاب: بأنه إن كانت الوظيفة في مقابلة الخدمة، فهي أجرة لا بد للمتولي من إثبات الأداء بالبينة، وإلا فهي صلة وعطية، يقبل في أدائه قول المتولي مع يمينه .... » (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلى أن القول قول الناظر إذا كان أمينًا بلا بينة ولا يمين، بشرط أن يكون ما يدعيه من الصرف يشبه ما يقول، ولم يشترط عليه الإشهاد في الإدخال والإخراج.
стр. 7985
فإن اشترط عليه الإشهاد في أصل الوقف فلا بد من البينة فيما أدخل أو أخرج.
وإن كان ما ادعاه من الصرف لا يشبه ما قال، فإن عليه أن يحلف اليمين؛ لأنه متهم، فإن حلف برئت ذمته، وإن نكل ألزم بدفع ما ادعي به عليه (١).
جاء في مواهب الجليل: «سئل السيوري عن إمام مسجد، ومؤذنه، ومتولي جميع أموره، قام عليه محتسب بعد أعوام في غلة حوانيت له، وقال: فضلت فضلة عما أنفقت.
وقال: لم يفضل شيء.
فقال له: بين للقاضي صفة الخروج.
فقال: لا يجب علي ذلك، ولو علمت أنه يجب علي ما توليته، ولا قمت به، ولا يوجد من يقوم به إلا هو، ولولا هو لضاع، هل يقبل قوله أم لا؟
فأجاب: القول قوله فيما زعم أنه أخرجه، إذا كان يشبه ماقال. البرزلي: وهذا إذا لم يشترط عليه دخلًا ولا خرجًا إلا بإشهاد انتهى» (٢).
وجاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير: «وإذا ادعى الناظر أنه صرف الغلة صدق إن كان أمينًا، ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف فلا يصرف إلا باطلاعهم، ولا يقبل بدونهم، وإذا ادعى أنه صرف على الوقف مالًا من عنده صدق من غير يمين، إن لم يكن متهمًا وإلا فيحلف» (٣).
стр. 7986
القول الثالث: مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية إلى التفريق بين أن يكون المستحقون معينين كزيد وعمرو مثلًا، وبين أن يكونوا غير معينين، كالفقراء ونحوهم من الجهات العامة:
فإن كانوا معينين فإن القول قولهم، ولهم مطالبته بالحساب؛ لأنهم لم يأتمنوه.
وإن كان الموقوف عليهم غير معينين كالفقراء، فهل للقاضي الحق في محاسبته؟ وجهان:
أصحهما: أن للقاضي الحق في مطالبته بالحساب، ويصدق في قدر ما أنفقه عند الاحتمال، فإن اتهمه القاضي حلفه.
جاء في أسنى المطالب: «قال القاضي شريح: إذا ادعى متولي الوقف صرف الغلة في مصارفها المشروعة فإنه يقبل، إلا أن يكون لقوم بأعيانهم، فادعوا أنهم لم يقبضوا، فالقول قولهم وإن كان لأقوام معينين ثبت لهم المطالبة بالحساب، وإن لم يكونوا معينين، فهل للإمام مطالبته بالحساب؟ وجهان حكاهما جدي. قال الأذرعي: والأقرب المطالبة، وعليه العمل، ويحتمل أن يقال: إنما يكون له ذلك عند ظهور ريبة أو تهمة، لا مطلقًا؛ لما فيه من التعنت من غير مقتض. وقوله: والأقرب المطالبة هو الأصح» (١).
وجاء في تحفة المحتاج: «ولو ادعى متولي الوقف صرف الريع للمستحقين، فإن كانوا معينين فالقول قولهم، ولهم مطالبته بالحساب. وإن كانوا غير معينين، فهل للإمام مطالبته بالحساب أو لا؟ أوجه الوجهين الأول. ويصدق في قدر ما
стр. 7987
أنفقه عند الاحتمال، فإن اتهمه الحاكم حلفه، والمراد كما قال الأذرعي: إنفاقه فيما يرجع إلى العادة، وفي معناه الصرف إلى الفقراء ونحوهم من الجهات العامة، بخلاف إنفاقه على الموقوف عليه المعين فلا يصدق فيه؛ لأنه لم يأتمنه اهـ» (١).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة بأن الواقف الأمين إذا عينه الواقف فلا اعتراض لأهل الوقف عليه، ولهم مسألته عما يحتاجون إلى علمه من أمر وقفهم حتى يستوي علمهم وعلمه إذا كان متهماً، ولهم مطالبته بانتساخ كتاب الوقف ليكون في أيديهم وثيقة لهم (٢).
جاء في الإنصاف: «قال الأصحاب: لا اعتراض لأهل الوقف على من ولاه الواقف، إذا كان أمينًا. ولهم مسألته عما يحتاجون إلى عمله من أمر وقفهم، حتى يستوي علمهم وعلمه فيه. قال في الفروع: ونصه إذا كان متهمًا. انتهى. ولهم مطالبته بانتساخ كتاب الوقف ليكون في أيديهم وثيقة لهم. قال الشيخ تقي الدين ﵀: وتسجيل كتاب الوقف كالعادة» (٣).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «(ولا اعتراض لأهل الوقف على) ناظر (أمين) ولاه الواقف، ولهم مسألته عما يحتاجون إلى علمه من أمر وقفهم، حتى
стр. 7988
يستوي علمهم وعلمه فيه (ولهم المطالبة بانتساخ كتاب الوقف) ليكون بأيديهم وثيقة لهم» (١).
وفرق بعضهم بين الناظر المتبرع، وبين من يأخذ أجرًا على عمله:
فإن كان متبرعًا قبل قوله بلا بينة، وإن كان عمله بجعل لم يقبل قوله إلا ببينة (٢).
جاء في كشاف القناع: «يقبل قول الناظر المتبرع في دفع لمستحق، وإن لم يكن متبرعا لم يقبل قوله إلا ببينة» (٣).
° الراجح:
أن القول قول الناظر فيما دفعه أو أنفقه؛ لأنه أمين؛ إلا أن يكون هناك شرط في أصل الوقف أن يقدم الإشهاد على الدفع والإدخال فيلزمه وفاء للشرط، أو أن يدعي أمرًا يكذبه الواقع، والله أعلم.
هذه آخر المسائل المختارة لهذا الكتاب، والحمد لله على توفيقه.
* * *
стр. 7989
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد السابع عشر
стр. 7990
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 7991
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (١٧)
стр. 7992
مقدمة الكتاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين،،،، وبعد:
فهذا هو المجلد السابع عشر، وهو المجلد الثاني في عقود التبرع، وهو عقد الوصية، وقد رأيت أن يكون عقد الوصية بعد عقد الوقف لشبه الكتابين، حتى قال الفقهاء: «إن أحكام الوقف تستقى من الوصايا، وقالوا: أيضًا: إن كل واقعة في الأوقاف ليس فيها نص فقهي في كتاب الوقف يفتى فيها بحكم ما يشبهها في كتاب الوصايا، فمسؤولية نظار الوقف وواجباتهم تستمد من مسؤولية الأوصياء وواجباتهم، والتصرف في مال الوقف يستمد أحكامه من التصرف في مال اليتيم الذي تحت الوصاية، وهكذا» (١).
وقدمت عقد الوقف؛ لأن الأصل في عقد الوقف البر، وذلك لأنه قائم على حبس الأصل، وتسبيل الثمرة، وأطلق عليه الشارع بالصدقة الجارية، وهو يكون في الحياة، وبعد الموت، وهو عقد لازم، وأما عقد الوصية فالأصل فيه أنه عقد تمليك للعين والمنفعة معًا، وقد لا يراد منه الدوام، وهو لا ينفذ إلا بعد الموت، وهو عقد جائز قبل موت الموصي.
стр. 7993
خطة البحث في هذا الكتاب:
اشتمل الكتاب على تمهيد، وسبعة أبواب، ومجموعة من الفصول، والمباحث، والفروع والمسائل على النحو التالي.
التمهيد: ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في تعريف الوصية.
المبحث الثاني: الفرق بين الوصية وبين الهبة والعطية.
المبحث الثالث: الوصايا مشروعة على وفق القياس.
الباب الأول: في حكم الوصية وبيان أركانها.
المبحث الأول: في حكم الوصية.
المبحث الثاني: في أركان الوصية.
الباب الثاني: في صيغة الوصية، وما يتعلق بها من أحكام.
الفصل الأول: في انعقاد الوصية باللفظ.
الفصل الثاني: في انعقاد الوصية بالكتابة.
الفصل الثالث: في انعقاد الوصية بالإشارة.
المبحث الأول: في إشارة الأخرس الأصلي.
المبحث الثاني: في إشارة من اعتقل لسانه.
المبحث الثالث: في إشارة القادر على النطق.
الفصل الرابع: في قبول الوصية.
стр. 7994
المبحث الأول: في توقف انعقاد الوصية على القبول.
المبحث الثاني: في موت الموصى له قبل القبول.
المبحث الثالث: في رد الوصية في حياة الموصي.
المبحث الرابع: في رد الوصية بعد القبول.
المبحث الخامس: في شروط القبول.
الشرط الأول: في اشتراط الأهلية من القابل.
الشرط الثاني: أن يكون القابل بعد وفاة الموصي.
الشرط الثالث: في اشتراط موافقة القبول للإيجاب.
الشرط الرابع: في اشتراط الفورية في القبول.
المبحث السادس: في رجوع الموصي عن الوصية.
المبحث السابع: في وقت ثبوت الملكية للموصى له.
المبحث الثامن: في إضافة الوصية.
المبحث التاسع: في تعليق الوصية بالشرط.
المبحث العاشر: في توقيت الإيصاء والوصية.
المبحث الحادي عشر: في اقتران الوصية بالشرط.
الباب الثالث: في شروط الموصي.
الشرط الأول: أن تكون الوصية من مالك.
الشرط الثاني: في اشتراط أهلية الموصي.
стр. 7995
مبحث: في وصية المحجور عليه لحظ غيره.
الشرط الثالث: في اشتراط أن يكون راشدًا.
مبحث: في أهلية السكران للوصية.
الشرط الرابع: في اشتراط رضا الموصي.
الشرط الخامس: في اشتراط إسلام الموصي.
المبحث الأول: في وصية الذمي.
المبحث الثاني: في وصية الحربي.
المبحث الثالث: في وصية المرتد.
الشرط السادس: في اشتراط غنى الموصي.
الباب الرابع: في شروط الموصى له.
الشرط الأول: في اشتراط أن يكون الموصى له أهلًا للتملك.
المبحث الأول: الوصية للمسجد.
المبحث الثاني: الوصية للحيوان.
المبحث الثالث: الوصية للميت.
الشرط الثاني: أن يكون الموصى له موجودًا.
مبحث: الوصية للحمل.
الشرط الثالث: أن يكون الموصى له معلومًا.
الشرط الرابع: ألا يكون الموصى له وارثًا عند موت الموصي.
стр. 7996
فرع: وقت اعتبار الموصى له وارثًا.
الشرط الخامس: في اشتراط إسلام الموصى له.
المبحث الأول: وصية المسلم للذمي.
المبحث الثاني: في وصية المسلم للكافر الحربي.
المبحث الثالث: في الوصية للمرتد.
الشرط السادس: ألا يكون الموصى له قاتلًا للموصي.
الشرط السادس: ألا يكون الموصى له جهة معصية.
الباب الخامس: في شروط الموصى به.
الشرط الأول: في اشتراط مالية الموصى به.
المبحث الأول: الوصية بالدين.
المبحث الثاني: الوصيةبالمجهول.
فرع: في تقدير الوصية إذا أوصى بجزء من ماله.
المبحث الثالث: الوصية بالمعدوم.
المبحث الرابع: في الموصي يوصي بنصيب وارث معين.
المبحث الخامس: في الموصي يوصي بمثل نصيب وارث غير معين.
المبحث السادس: الوصية بالسهم.
المبحث السابع: في الوصية بالمنافع.
الفرع الأول: تعريف المنفعة.
стр. 7997
الفرع الثاني: خلاف الفقهاء في الوصية بالمنافع.
الفرع الثالث: في كيفية تقدير المنفعة.
الفرع الرابع: في نفقات العين الموصى بمنفعتها.
الفرع الخامس: في بيع العين الموصى بمنفعتها.
الشرط الثاني: أن يكون الموصى به مملوكًا للموصي.
الشرط الثالث: أن يكون الموصى به في حدود الثلث.
المبحث الأول: إذا لم يكن للموصي وارث.
المبحث الثاني: في الوصية بأكثر من الثلث مع وجود الوارث.
فرع: في وقت تقدير الثلث.
الباب السادس: في مبطلات الوصية.
الفصل الأول: إبطال الوصية من جهة الموصي.
المبحث الأول: إبطال الوصية بجنون الموصي.
المبحث الثاني: إبطال الوصية بردة الموصي.
المبحث الثالث: بطلان الوصية برجوع الموصي عنها.
المبحث الرابع: بطلان الوصية بجحود الموصي.
الفصل الثاني: إبطال الوصية من جهة الموصى له.
المبحث الأول: إبطال الوصية بموت الموصى له.
الفرع الأول: موت الموصى له في حياة الموصي.
стр. 7998
الفرع الثاني: موت الموصى له بعد موت الموصي، وقبل القبول.
المبحث الثاني: بطلان الوصية برد الموصى له الوصية.
الفرع الأول: في رد الوصية في حياة الموصي.
الفرع الثاني: رد الوصية بعد موت الموصي وقبل القبول.
الفرع الثالث: في رد الوصية بعد موت الموصي، وبعد القبول.
المبحث الثالث: في بطلان الوصية بقتل الموصى.
الفصل الثالث: إبطال الوصية من جهة الموصى به.
الباب السابع: في الإيصاء.
الفصل الأول: في تعريف الإيصاء.
الفصل الثاني: حكم الإيصاء التكليفي.
المبحث الأول: حكم الإيصاء بالنسبة للموصي.
المبحث الثاني: حكم الإيصاء بالنسبة للموصى له.
الفصل الثالث: في لزوم عقد الوصاية.
الفصل الرابع: في شروط الوصي.
الشرط الأول: في اشتراط البلوغ.
الشرط الثاني: في اشتراط إسلام الوصي.
الفرع الأول: في اشتراط إسلامه إذا كان الموصى عليه مسلمًا.
الفرع الثاني: في الوصاية إلى الكافر.
стр. 7999
الفرع الثالث: في وصية الكافر إلى مسلم.
الشرط الثالث: في اشتراط عدالة الوصي.
الشرط الرابع: في اشتراط الكفاية في الوصي.
الشرط الخامس: في اشتراط أن يكون الوصي ذكرًا.
الشرط السادس: في اشتراط أن يكون الوصي مبصرًا.
الفصل الخامس: في وقت اعتبار توفر شروط الوصي.
الفصل السادس: في تصرفات الوصي.
المبحث الأول: في الوصاية المطلقة والمقيدة.
المبحث الثاني: في وصاية الجد والأخ والعم.
المبحث الثالث: في الوصاية بالتزويج.
المبحث الرابع: إيصاء الوصي.
المبحث الخامس: في وصاية الأم على أولادها.
المبحث السادس: في إخراج الوصي الزكاة عن الصغار.
الفرع الأول: في إخراج الوصي زكاة الفطر.
الفرع الثاني: في إخراج الوصي زكاة مال الصغير.
المبحث السابع: في المضاربة بمال اليتيم.
الفرع الأول: اتجار الوصي بمال اليتيم لنفسه.
الفرع الثاني: في اتجار الوصي لحظ اليتيم.
стр. 8000
المبحث الثامن: في إقراض مال اليتيم.
الفرع الأول: في اقتراض الوصي من مال اليتيم.
الفرع الثاني: في إقراض الوصي مال اليتيم للغير.
المبحث التاسع: في رهن الوصي مال الموصى عليه.
الفرع الأول: الرهن بسبب دين أو قرض على الموصى عليه.
الفرع الثاني: رهن مال اليتيم بدين للوصي.
المبحث العاشر: في بيع مال الوصي وشرائه.
الفرع الأول: أن يشري ويبيع للأجنبي.
الفرع الثاني: بيع الوصي وشراؤه من نفسه.
المبحث الحادي عشر: في أخذ الوصي أجرة على عمله.
الفصل السابع: في تعدد الأوصياء.
المبحث الأول: إذا أوصى إلى أكثر من شخص وأطلق الوصية.
المبحث الثاني: إذا أوصى إلى أكثر من شخص، وقيد الوصية.
الفصل الثامن: في اختلاف الوصي والموصى عليه.
المبحث الأول: في الاختلاف في مقدار النفقة.
المبحث الثاني: في الاختلاف في مدة النفقة.
المبحث الثالث: في الاختلاف في دفع المال.
الفصل التاسع: في انتهاء الوصاية.
стр. 8001
المبحث الأول: انتهاء الوصاية بالموت والفسق.
المبحث الثاني: انتهاء الوصاية بالجنون.
المبحث الثالث: في انتهاء الوصاية بعزل الوصي نفسه.
المبحث الرابع: انتهاء عقد الوصاية بانتهاء المهمة.
الفرع الأول: انتهاء الوصاية ببلوغ الصغير رشيدًا.
الفرع الثاني: انتهاء الوصاية بأداء الحقوق.
هذه آخر المسائل التي وقع عليها الاختيار حسب شرط البحث، وتركت أخرى اختصارًا واقتصارًا، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 8002
كتاب الوصايا
تمهيد
المبحث الأول
في تعريف الوصية
تعريف الوصية (١).
عرف الفقهاء الوصية بتعريفات كثيرة، واختلفت هذه التعريفات تبعًا لاختلاف هذه المذاهب في بعض الأحكام، من ذلك:
تعريف الحنفية:
ذكر عامة شروح الحنفية في تعريف الوصية: أنها «تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع سواء كان ذلك في الأعيان أو المنافع» (٢).
شرح التعريف:
قوله: (تمليك) جنس يشمل أنواعًا، فالتمليك قد يكون بعوض كما في البيع،
стр. 8003
وقد يكون بغير عوض في حال الحياة كما في الهبة والصدقة، وقد يكون التمليك للانتفاع دون العين كما في العارية.
وقوله: (مضاف إلى ما بعد الموت) أخرج به التمليك الواقع في الحياة كالهبة والصدقة.
وقوله (بطريق التبرع) أخرج به التمليك بعوض كالبيع والإجارة.
وقوله (في الأعيان والمنافع) إشارة إلى متعلق الوصية، وأن الوصية كما تصح في ذوات الأشياء تصح في منافعها أيضًا.
ويعترض عليه:
بأن الوصية أعم من التمليك فمنها ما يرجع إلى المال كالتمليك، ومنها ما يرجع إلى القيام بالحقوق كالإيصاء بالقيام على أمر أطفاله، ورد ودائعه، وقضاء ديونه.
وقد لا تكون الوصية تمليكًا كما لو كانت الوصية إلى جهة لا تملك، كأن يكون مصرف الوصية إلى المساجد، والطرق، ونحوهما، فلو قيل: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت كان أدق.
قال ابن نجيم: «وهذا التعريف ليس بجامع لأنه لا يشمل حقوق الله تعالى، والدين الذي في ذمته، ولو قال المؤلف هي طلب براءة ذمته من حقوق الله تعالى والعباد ما لم يصلهما، أو تمليك ... إلى آخره لكان أولى» (١).
стр. 8004
تعريف المالكية:
عرفها ابن عرفة بقوله: «عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده يلزم بموته، أو نيابة عنه بعده» (١).
شرح التعريف:
فقوله: (عقد) جنس يدخل تحته عقود كثيرة.
وقوله (يوجب حقًا في ثلث عاقده) أخرج به ما يوجب حقًا في كل ماله، كالإقرار بالدين مثلًا، ومثله ما يوجب حقًا في رأس ماله مما عقده على نفسه في صحته.
وقوله (في ثلث عاقده) خرج منه: وصيته بما زاد على الثلث. فإنها صحيحة موقوفة على إجازة الورثة، وهل هي وصية، أو هبة من الورثة؟ قولان سيأتي إن شاء الله الكلام عليهما.
وقوله: (لزم بموته) أخرج به عقد الهبة، فإنها قد تلزم عند المالكية من غير موت، كما لو وهبت المرأة أو التزمت لزوجها ثلث مالها، أو من التزم ثلث ماله لشخص فإنه يلزم من غير موت.
وقوله: (أو نيابة عنه بعد موته) عطف على كلمة (حقًا) والمعنى: أو يوجب نيابة عن عاقده بعد موته، فيدخل الإيصاء بالنيابة عن الميت (٢).
стр. 8005
فكان للوصية عند المالكية معنيان:
أحدهما: الوصية بالمال.
والمعنى الثاني: الوصية بالتصرف (١).
تعريف الشافعية:
عرفها أكثر الشافعية بأنها: تبرع بحق مضافٌ ولو تقديرًا لما بعد الموت، ليس بتدبير، ولا تعليق عتق، وإن التحقا بها حكمًا كالتبرع المنجز في مرض الموت، أو ما ألحق به (٢).
قوله (مضاف) صفة لتبرع.
وقوله (ولو تقديرًا لما بعد الموت) أشار إلى أن ذكر الموت تارة يذكر صريحًا، كما لو قال: لفلان بعد موتي كذا. وتارة يكون ذكر الموت تقديرًا، كما لو قال: أوصيت لفلان بكذا، ولم يقل: بعد موتي؛ لأن الوصية صريحة بأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت.
وقوله: (كالتبرع المنجز في مرض الموت أو ما ألحق به) يشير بذلك إلى عطية المريض مرض الموت فإنه لا ينفذ إلا في ثلث ماله، ولا تعتبر مع ذلك وصية؛ لأنها هبة ناجزة في حياته، وإنما تلحق بالوصية حكمًا لكونها لا تنفذ إلا من ثلث المال.
стр. 8006
جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «وقول بعضهم: ليشمل التبرع في مرض الموت، فإنه معتبر من الثلث فيه نظر، وغير مستقيم؛ لأنه ليس وصية وإن كان له حكمها» (١).
وفرق الشافعية بين الوصية والوصاية:
فالوصية تخص التبرع المضاف إلى ما بعد الموت.
والوصاية: هي العهد إلى من يقوم على من بعده. وهو تفريق اصطلاحي (٢).
تعريف الحنابلة:
عرفها ابن قدامة بقوله: «الوصية: هي التبرع بعد الموت» (٣).
قال في الإنصاف: «هذا الحد هو الصحيح، جزم به في الوجيز وغيره، وصححه في الشرح وغيره، وقدمه في المستوعب وغيره» (٤).
تعريف آخر عند الحنابلة:
قال أبو الخطاب: هي التبرع بما يقف نفوذه على خروجه من الثلث (٥).
وانتقد هذا التعريف:
بأنه يدخل في الوصية العطية في مرض الموت، وذلك لا يسمى وصية.
стр. 8007
ويخرج منه: وصيته بما زاد على الثلث. فإنها عند الحنابلة وصية صحيحة موقوفة على إجازة الورثة.
ويخرج منه أيضًا: وصيته بقضاء الديون، والواجبات، والنظر في أمر الأصاغر من أولاده، وتزويج بناته، ونحو ذلك (١).
° الراجح:
تعريفات الفقهاء قريبة من بعض، وأرى أن التعريف الراجح أن يقال:
الوصية هي تصرف في التركة يضاف إلى ما بعد الموت، أو إسناد التصرف إلى شخص بعينه.
стр. 8008
المبحث الثاني
الفرق بين الوصية وبين الهبة والعطية
الفرق بين الوصية والهبة:
[م-١٦٠٥] الهبة والوصية يجتمعان بأنهما تبرع بالمال بلا عوض، ويفترقان في أمور منها:
(١) ـ الهبة تبرع منجز في الحال في حال الحياة والصحة، وأما الوصية فلا تصح منجزة؛ لأنها لا تكون إلا بعد الموت.
ولهذا كانت الهبة أفضل من الوصية؛ لأن الواهب يعطي، وهو صحيح، شحيح، يخشى الفقر ويأمل الغنى بخلاف الوصية.
(ح-١٠٠٥) روى الشيخان من طريق عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة،
حدثنا أبو هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا، قال: أن تصدق، وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان (١).
(٢) ـ الهبة تلزم بالقبول والقبض، ولا يملك الواهب الرجوع فيها إذا قبضت، واختار بعض الفقهاء لزومها بمجرد القبول.
والوصية لا تلزم إلا بعد الموت، فيملك الموصي الرجوع فيها في حياته، ولو قبضها الموصى له.
стр. 8009
(٣) ـ الوصية لا تكون إلا بالثلث فأقل لغير وارث، والهبة لا حد لها، وتكون للوارث ولغيره.
(٤) ـ الوصية تصح من المحجور عليه، بخلاف الهبة، والفرق أن الهبة فيها إضرار بالغرماء والوصية ليس فيها إضرار؛ لأنها لن تنفذ إلا بعد قضاء الدين.
(٥) ـ الوصية تصح، ولو كان الموصى به غير مقدور على تسليمه، والهبة فيها خلاف، هل يشترط فيها القدرة على التسليم؟
فقيل: لا يشترط في الهبة القدرة على التسليم، وهو مذهب المالكية؛ لأن الهبة ليست من عقود المعاوضات، فالمعطي إما أن يغنم، وإما أن يسلم، وليس فيه مراهنة.
وقيل: يشترط في الهبة القدرة على التسليم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في بحث مستقل.
والفرق: أن الوصية لا يشترط أن تكون في ملك الموصي في الحال، فربما ملكها قبل الموت بخلاف الهبة.
(٦) ـ الوصية تصح للحمل، والهبة لا تصح للحمل؛ لأنه الهبة تمليك منجز في الحال، والحمل ليس أهلًا للتملك.
(٧) ـ يصح أن يوصي لعبده المدبر: وهو الذي علق عتقه بموت سيده؛ لأن الوصية تصادف العبد وقد عتق، ولا تصح له الهبة بناء على القول بأن العبد لا يملك بالتملك، وهي مسألة خلافية ..
стр. 8010
(٨) ـ الهبة خاصة بالمال، والوصية تكون بالمال وبالحقوق، ولذلك يصح أن يوصي شخصاً ليكون ناظراً على وقفه، وأن يقوم بقضاء حقوقه (١).
الفرق بين الوصية والعطية:
تكلمنا في المسألة السابقة عن الفرق بين الوصية والهبة، ونبحث هنا الفرق بين الوصية والعطية، وقبل الخوض في التفريق بينهما لا بد أن نعرف الفرق بين الهبة والعطية، وهو تفريق اصطلاحي:
فالهبة: يقصد به التبرع بالمال بلا عوض في حال الصحة.
ويقصد بالعطية: التبرع بالمال في مرض الموت المخوف، فهو أخص من الهبة (٢).
[م-١٦٠٦] وتتفق العطية والوصية في أكثر الأحكام، ويختلفان في بعضها.
ما تتفق فيه العطية والوصية:
(١) ـ تتفق العطية والوصية بأنها لا تجوز بأكثر من الثلث إلا إذا أجاز الورثة.
(٢) ـ كما يتفقان أنهما لا يجوزان لوارث إلا بإجازة الورثة كالوصية.
(٣) ـ أن خروج العطية من الثلث عند الموت لا عند العطية كالوصية؛ لأن الثلث قد يزيد وينقص، فربما يعطي الإنسان العطية، وماله كثير، فيفتقر، وربما يعطي العطية، وماله قليل، ثم يغنيه الله، فالمعتبر وقت الموت؛ لأنه هو الوقت الذي يتعلق فيه حق الورثة في مال المعطي.
стр. 8011
(٥) ـ أنه يزاحم بها الوصايا في الثلث.
ما تختلف فيه العطية عن الوصية:
(١) ـ لا يملك المعطي الرجوع في العطية إذا قبضت، وكانت من الثلث، واختار بعض الفقهاء لزومها بمجرد القبول.
والوصية لا تلزم إلا بعد الموت، فيملك الموصي الرجوع فيها في حياته، ولو قبضها الموصى له
(٢) ـ يسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية؛ لأنه تبرع بعد الموت، فوجد دفعة واحدة، ويبدأ بالأول فالأول في العطية لوقوعها لازمة.
(٣) ـ أن قبول العطية على الفور في حال حياة المعطي، وكذلك ردها، والوصية لا حكم لقبولها ولا ردها إلا بالموت.
ويتفرع على ذلك:
ثبوت الملك للمعطَى حال قبوله لها فإذا خرجت العطية من الثلث، تبينا أن الملك كان ثابتًا من حين الإعطاء، فإذا زادت العطية زيادة متصلة أو منفصلة فهي للمعطى بخلاف الوصية فالنماء للورثة؛ لأن الملك في الوصية لا يثبت إلا بعد الموت.
(٤) ـ الوصية تصح للحمل، والعطية لا تصح للحمل؛ لأن الهبة تمليك منجز في الحال، والحمل ليس أهلًا للتملك.
(٥) ـ يصح أن يوصى لعبده المدبر: وهو الذي علق عتقه بموت سيده؛ لأن الوصية تصادف العبد وقد عتق، ولا تصح له العطية بناء على القول بأن العبد لا يملك بالتملك، وهي مسألة خلافية.
стр. 8012
(٦) ـ أن المعطي إذا مات قبل أن يقبض المعطى له العطية المنجزة كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا أقبضوا، وإن شاؤوا منعوا، بخلاف الوصية فتلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم (١).
* * *
стр. 8013
المبحث الثالث
الوصايا مشروعة على وفق القياس
[م-١٦٠٧] اختلف العلماء في أصل المسألة، هل ترد الأحكام على خلاف القياس أم لا؟
وهو محل خلاف بين أهل العلم:
فذهب جمهور العلماء إلى أن الأحكام قد تثبت على خلاف القياس (١).
قال البخاري الحنفي في شرح أصول البزدوي: «وأما الإجماع فلأن القائسين أجمعوا على أن الأحكام قد تثبت على خلاف القياس الشرعي في بعض المواضع بدليل أقوى منه من نص أو إجماع أو ضرورة وذلك يكون تخصيصا لا مناقضة ولهذا سماها الشافعي مخصوصة عن القياس، ونحن نسميها معدولا بها عن القياس» (٢).
وخالف في ذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وبعض الحنابلة فلم يريا شيئًا من أحكام الشريعة مخالفًا للقياس. هذا من حيث الأصل (٣).
стр. 8014
وقد تكلمت على هذه المسألة بشيء من التفصيل في عقد السلم، وفي عقد الإجارة.
أما بخصوص عقد الوصية فلا نزاع في مشروعيته كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، ولكن وقع الخلاف، هل كانت مشروعيته جارية على وفق القياس، أو كان القياس يقتضي منعه، ولكن جاءت النصوص بمشروعيته؟ على قولين:
القول الأول:
صرح الحنفية بأن مشروعية الوصية على خلاف القياس (١).
° وجه القول بذلك:
أن الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، والموت مزيل للملك، وبه تنقطع حقوق الإنسان في أمواله، وتتعلق حقوق الورثة، فلا يجوز أن يقاس عليها تجويز إضافة غيرها من التصرفات إلى ما بعد الموت، كالبيع والإجارة والإعارة بأن يعقدها الشخص في حال حياته مضافة لما بعد الموت.
ويناقش:
بأن التدبير متفق على مشروعيته، وهو الرقيق الذي علق عتقه بموت مالكه، فصح تصرف المالك بماله معلقًا بموته، وهو غير الوصية.
ورد هذا:
بأن التعليق وإن اتفق على مشروعيته إلا أن العلماء مختلفون، هل ينفذ من
стр. 8015
رأس المال، أو من الثلث، فذهب الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث قياسًا على الوصية، وذهب جماعة من السلف والظاهرية إلى أنه ينفذ من رأس المال (١).
القول الثاني:
ذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أنه لا يوجد في أحكام الشريعة حكم مخالف للقياس الصحيح، حتى قالا: من رأى شيئاً من الشريعة مخالفاً للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفاً للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. نعم في الشريعة ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده (٢).
وقال ابن تيمية أيضًا: «والأحكام التي يقال: إنها على خلاف القياس نوعان: نوع مجمع عليه ونوع متنازع فيه. فما لا نزاع في حكمه تبين أنه على وفق القياس الصحيح ..... وحقيقة الأمر أنه لم يشرع شيء على خلاف القياس الصحيح، بل ما قيل: إنه على خلاف القياس، فلا بد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التي خالفها، واقتضى مفارقته لها في الحكم، وإذا كان كذلك فذلك الوصف إن شاركه غيره فيه فحكمه كحكمه وإلا كان من الأمور المفارقة له» (٣).
وقال الشيخ الطوفي: «واعلم أن قول الفقهاء هذا الحكم مستثنى عن قاعدة القياس أو خارج عن القياس، أو ثبت على خلاف القياس، ليس المراد به أنه
стр. 8016
تجرد عن مراعاة المصلحة حتى خالف القياس، وإنما المراد به أنه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي، فمن ذلك أن القياس يقتضي عدم بيع المعدوم وجاز ذلك في السلم والإجارة توسعة وتيسيرًا على المكلفين، ومنه أن القياس أن كل واحد يضمن جناية نفسه وخولف في دية الخطأ رفقا بالجاني وتخفيفا عنه لكثرة وقوع الخطأ من الجناة. انتهى» (١).
° الراجح:
أن ما ورد به النص الصحيح من الكتاب والسنة أنه أصل بنفسه، يقاس عليه غيره إن كان معللًا، كالقياس على سائر الأصول، ولا يقال: إنه مخالف للقياس.
стр. 8017
الباب الأول
في حكم الوصية وبيان أركانها
الفصل الأول
في حكم الوصية
[م-١٦٠٨] لا يختلف العلماء على مشروعية الوصية في الجملة، وعمدة الإجماع: الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ١٠٦].
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠].
(ح-١٠٠٦) ومن السنة: حديث سعد بن أبي وقاص، قال
مرضت فعادني النبي ﷺ ... قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، قلت: أوصي بالنصف، قال: النصف كثير، قلت: فالثلث، قال: (الثلث والثلث كثير .... (١).
(ح-١٠٠٧) وحديث ابن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (٢).
стр. 8018
وقد أجمع العلماء على وجوب الوصية في حق من عنده ودائع، أو عليه ديون (١).
وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية» (٢).
(ث-١٩٦) وخالف في ذلك الزهري، فقد روى الطبري، من طريق معمر، عن الزهري، قال: جعل الله الوصية حقًا مما قل منه أو كثر (٣).
[صحيح].
ورجحه الطبري، قال أبو جعفر: «كلّ من حضرته منيَّته، وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجبٌ عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف، كما قال الله جل ذكره وأمرَ به» (٤).
وتحرم وصية الجنف، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢].
واختلفوا في حكم الوصية إذا ترك مالًا كثيرًا على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوصية ليست واجبة، موسرًا كان الموصي أو
стр. 8019
فقيرًا، وأن له أن يضع وصيته حيث شاء، سواء أعطاها أجنبيًا أو قريبًا غير وارث، وهو قول عامة الفقهاء (١).
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد، إلا أن يكون عليه دين، أو تكون عنده وديعة أو أمانة فيوصي بذلك، وفي إجماعهم على هذا بيان لمعنى الكتاب والسنة في الوصية، وقد شذت طائفة فأوجبت الوصية، لا يعدون خلافا على الجمهور» (٢).
وقال العراقي: «أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، والجمهور أنها مندوبة لا واجبة» (٣).
وجاء في تحفة المحتاج: «وهي سنة مؤكدة إجماعًا» (٤).
وقال في الإنصاف: «والوصية مستحبة. هذا المذهب في الجملة، وعليه جماهير الأصحاب» (٥).
стр. 8020
القول الثاني:
أن الوصية واجبة لقريب غير وارث، فإن أوصى لأجنبي انتزعت منه وردت على قرابته، وهذا أحد القولين عن الحسن البصري، وهو قول طاوس، ورواية عن أحمد (١).
(ث-١٩٧) روى البيهقي من طريق سعيد بن منصور، ثنا سفيان، عن ابن طاوس،
عن أبيه أنه كان يقول: إن الوصية كانت قبل الميراث، فلما نزل الميراث نسخ من يرث وبقيت الوصية لمن لا يرث، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابة لم تجز وصيته (٢).
[صحيح] (٣).
القول الثالث:
أنها واجبة مطلقًا، للقريب والأجنبي، وهو قول الزبير، وطلحة بن مصرف، والزهري، وأبي مجلز، وعطاء (٤).