← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

تجرد عن مراعاة المصلحة حتى خالف القياس، وإنما المراد به أنه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي، فمن ذلك أن القياس يقتضي عدم بيع المعدوم وجاز ذلك في السلم والإجارة توسعة وتيسيرًا على المكلفين، ومنه أن القياس أن كل واحد يضمن جناية نفسه وخولف في دية الخطأ رفقا بالجاني وتخفيفا عنه لكثرة وقوع الخطأ من الجناة. انتهى» (١). ° الراجح: أن ما ورد به النص الصحيح من الكتاب والسنة أنه أصل بنفسه، يقاس عليه غيره إن كان معللًا، كالقياس على سائر الأصول، ولا يقال: إنه مخالف للقياس.

стр. 8017

الباب الأول في حكم الوصية وبيان أركانها الفصل الأول في حكم الوصية [م-١٦٠٨] لا يختلف العلماء على مشروعية الوصية في الجملة، وعمدة الإجماع: الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ١٠٦]. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]. (ح-١٠٠٦) ومن السنة: حديث سعد بن أبي وقاص، قال مرضت فعادني النبي ﷺ ... قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، قلت: أوصي بالنصف، قال: النصف كثير، قلت: فالثلث، قال: (الثلث والثلث كثير .... (١). (ح-١٠٠٧) وحديث ابن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (٢).

стр. 8018

وقد أجمع العلماء على وجوب الوصية في حق من عنده ودائع، أو عليه ديون (١). وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية» (٢). (ث-١٩٦) وخالف في ذلك الزهري، فقد روى الطبري، من طريق معمر، عن الزهري، قال: جعل الله الوصية حقًا مما قل منه أو كثر (٣). [صحيح]. ورجحه الطبري، قال أبو جعفر: «كلّ من حضرته منيَّته، وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجبٌ عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف، كما قال الله جل ذكره وأمرَ به» (٤). وتحرم وصية الجنف، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. واختلفوا في حكم الوصية إذا ترك مالًا كثيرًا على أربعة أقوال: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوصية ليست واجبة، موسرًا كان الموصي أو

стр. 8019

فقيرًا، وأن له أن يضع وصيته حيث شاء، سواء أعطاها أجنبيًا أو قريبًا غير وارث، وهو قول عامة الفقهاء (١). قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد، إلا أن يكون عليه دين، أو تكون عنده وديعة أو أمانة فيوصي بذلك، وفي إجماعهم على هذا بيان لمعنى الكتاب والسنة في الوصية، وقد شذت طائفة فأوجبت الوصية، لا يعدون خلافا على الجمهور» (٢). وقال العراقي: «أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، والجمهور أنها مندوبة لا واجبة» (٣). وجاء في تحفة المحتاج: «وهي سنة مؤكدة إجماعًا» (٤). وقال في الإنصاف: «والوصية مستحبة. هذا المذهب في الجملة، وعليه جماهير الأصحاب» (٥).

стр. 8020

القول الثاني: أن الوصية واجبة لقريب غير وارث، فإن أوصى لأجنبي انتزعت منه وردت على قرابته، وهذا أحد القولين عن الحسن البصري، وهو قول طاوس، ورواية عن أحمد (١). (ث-١٩٧) روى البيهقي من طريق سعيد بن منصور، ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه كان يقول: إن الوصية كانت قبل الميراث، فلما نزل الميراث نسخ من يرث وبقيت الوصية لمن لا يرث، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابة لم تجز وصيته (٢). [صحيح] (٣). القول الثالث: أنها واجبة مطلقًا، للقريب والأجنبي، وهو قول الزبير، وطلحة بن مصرف، والزهري، وأبي مجلز، وعطاء (٤).

стр. 8021

القول الرابع: أن من أوصى لأجنبي وترك ذا قرابته، فإن الأجنبي يأخذ ثلث الوصية، ويرد ثلثي الوصية لأقارب الموصي، وبهذا يشترك القريب والأجنبي في الوصية، وهو أحد القولين عن الحسن البصري، وبه قال ابن المسيب، وجابر بن زيد، وإسحاق بن راهوية (١). وقال ابن حزم: «فرض على كل مسلم أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون ...... وإذا أوصى لمن أمر به فلم ينه عن الوصية لغيرهم فقد أدى ما أمر به، وله أن يوصي بعد ذلك بما أحب» (٢). (ث-١٩٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر، عن حميد، عن الحسن في الرجل يوصي للأباعد، ويترك الأقارب، قال: تجعل وصيته ثلاثة أثلاث، للأقارب ثلثان، وللأباعد ثلث (٣). [صحيح] (٤).

стр. 8022

° دليل من قال: الوصية واجبة لقريب غير وارث: الدليل الأول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]. وجه الاستدلال: قوله تعالى: كتب: أي فرض، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، ولا خلاف بين العلماء على أن الصيام فرض، فكانت الآية نصًا على وجوب الوصية للوالدين والأقربين، خرج منهم الوارثون بالإجماع على أنه لا وصية لوارث (١)، وبقي سائر الأقارب على وجوب الوصية لهم.

стр. 8023

ونوقش هذا: بأن الله تعالى أوجب الوصية للوالدين والأقربين قبل نزول آية المواريث، ثم نزلت آية المواريث للوالدين والأقربين، بقوله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُون﴾. فالوالدان والأقربون في آية المواريث، هم الوالدان والأقربون في آية الوصية، وإذا كان إطلاق الأقارب في آية الميراث لا يعني وجوب تعميهم، فكذلك الحال في آية الوصية، فالوالدان والأقربون الذين أوجب الله لهم الحق في الوصية قبل نزول آية الميراث، هم الأقربون الذين أوجب الله لهم بدلًا منه الحق في الميراث، خاصة أن آية الوصية لم تبين مقدار الموصى به، ولا مقدار نصيب كل قريب فيها، بل ترك التقدير للموصي بالمعروف، كما قال تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٨٠]، وكما في حديث: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة)، ولم يقل أحد من أهل العلم فيما أعلم وجوب تعميم الأقارب في الوصية، ذكرانهم وإناثهم، قريبهم وبعيدهم، صغيرهم وكبيرهم؛ لأن مثل هذا لو قيل به لفرض مقدارًا من الوصية لم تبينه النصوص، بل ترك للموصي وما تطيب به نفسه، وإذا كان لا يجب تعميم الأقارب لم يصح القول بأن الوصية كانت واجبة لجميع الأقارب، خرج الوارث منهم، وبقي من عداه، فإذا أوصى لبعض الأقارب ممن لا يرث كفى في الامتثال عند القائلين بوجوب الوصية للأقارب، وإذا كان كذلك فقد انتقل حق الوالدين والأقربين من الوصية المجملة الواجبة إلى الميراث الواجب، وهو حق معلوم المقدار، ومتفاوت بحسب قوة القرابة وجنس القريب، بخلاف الحق في الوصية على القول به فإنه لم يعين المقدار، ولم يتفاوت بحسب الجنس

стр. 8024

والقرب، بل ترك هذا لتقدير الموصي، فكان هذا من التدرج في التشريع، فأوجب أول ما أوجب أن يوصي لوالديه وبعض أقاربه بما تطيب به نفسه، ثم نزل هذا الحق بعد ذلك ميراثًا لازمًا للوالدين والأقربين مما قل منه أو أكثر، ويقصد بالأقربين أي بعضهم ممن يرث منهم، فكان ذلك نسخًا للوصية، فلو أوصى لوالديه أو لأقاربه الوارثين لم تصح الوصية إلا بإجازة الورثة، وإذا أجاز الورثة فليس بالوصية استحقوا، وإنما أخذوا بإعطاء الورثة لهم ذلك، وهذا دليل على نسخ آية الوصية للوالدين والأقربين. ولهذا ذهب ابن عباس وابن عمر إلى أن آية الوصية نسختها آية المواريث، وهذان الصحابيان من أكبر فقهاء الصحابة، وابن عباس من أعلم الصحابة في تفسير القرآن: (ث-١٩٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الجهضم، عن عبد الله بن بدر، عن ابن عمر: إن ترك خيرًا الوصية قال: نسختها آية الميراث (١). [سنده صحيح]. (ث-٢٠٠) وبمثله قال ابن عباس، فقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن ابن سيرين، عن ابن عباس أنه قرأ هذه

стр. 8025

الآية، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] قال: قد نسخ هذا (١). [صحيح، وهو في البخاري بغير هذا اللفظ] (٢). قال ابن حجر عن حديث ابن عباس: هو موقوف لفظًا، إلا أنه في تفسيره إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن، فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير (٣).

стр. 8026

وإذا كان هذا قول ابن عمر وابن عباس، فقد قال ابن العربي: «وأما السلف الأول فلا نعلم أحدًا منهم قال بوجوب الوصية» (١). وهل كان العلم الشرعي إلا ما قاله السلف الأول. ونوقش هذا: قال الطبري: فإن قال: فإنك قد علمت أن جماعة من أهل العلم قالوا: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] منسوخة بآية الميراث؟ قيل له: وخالفهم جماعة غيرهم فقالوا: هي محكمة غير منسوخة: وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم لم يكن لنا القضاء عليه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها، إذ كان غير مستحيل اجتماع حكم هذه الآية، وحكم آية المواريث في حال واحدة على صحة، بغير مدافعة حكم إحداهما حكم الأخرى، وكان الناسخ والمنسوخ هما المعنيان اللذان لا يجوز اجتماع حكمهما على صحة في حالة واحدة لنفي أحدهما صاحبه. وبما قلنا في ذلك قال جماعة من المتقدمين والمتأخرين» (٢). ويجاب: بأني قد رأيت أن كل من ذكرهم الطبري من العلماء الذين قالوا بعدم النسخ هم ممن دون الصحابة، وهؤلاء لا حجة في رأيهم، وإنما يحتج لهم، ولا يحتج بهم، فكيف يقدم قولهم على قول ابن عمر وابن عباس؟

стр. 8027

وقد نسب الطبري لابن عباس القولين أحدهما، أن آية الوصية منسوخة بآية المواريث، وهذا هو الثابت عن ابن عباس في البخاري وغيره من رواية عطاء وابن سيرين عنه، وتقدم تخريجها. وأما ما رواه الطبري عن ابن عباس أن آية المواريث نسخت من يرث فقط فهذا لو صح عن ابن عباس لكان يصح أن يقال: إن ابن عباس له قولان في المسألة، ولأمكن الترجيح بينهما، إلا أن الأسانيد عنه ضعيفة لا تعارض ما صح عنه. (ث-٢٠١) فقد رواه الطبري من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. [وعلي بن أبي طلحة لم ير ابن عباس]. (ث-٢٠٢) ورواه ابن جريج الطبري من طريق ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس. [ولم يلق ابن جريج عكرمة] (١).

стр. 8028

° دليل من قال: الوصية واجبة مطلقًا ولو لأجنبي: الدليل الأول: (ح-١٠٠٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (١). وأجيب: بأن الحديث لا يدل على الوجوب من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء) فجعل الحق للمسلم، ولم يجعل الحق عليه، ولو وجبت الوصية لكان حقًا عليه، وليس له، نعم لو كان الحديث بلفظ: حق الله على المسلم أو قال: حق على كل مسلم لكان ذلك ظاهرًا في الوجوب، كما (ح-١٠٠٩) روى البخاري من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال

стр. 8029

النبي ﷺ : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟، قال: الله ورسوله أعلم، قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ... (١). (ح-١٠١٠) وكما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا يغسل فيه رأسه وجسده (٢). الوجه الثاني: أن الحديث ورد بلفظين: أحدهما، حديث الباب، وعليه أكثر الروايات، بلفظ: (له شيء يوصي فيه) وهذا التعبير ظاهر في أن الوصية من باب التبرع، ولو كانت واجبة لقال: (عليه شيء يوصي فيه). (ح-١٠١١) وأما اللفظ الثاني للحديث فقد رواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (٣). فقوله: (له شيء يريد أن

стр. 8030

يوصي به) فرد الأمر إلى إرادته، ولو كان واجبًا لم يعلق الأمر على إرادة الموصي. وأجيب: بأن أكثر الرواة رووه بلفظ: (له شيء يوصي فيه)، ومن رواه بلفظ (يريد أن يوصي به) قد اختلف عليه، وهي لم ترد إلا من طريقين على كثرة من روى الحديث، فقد رواه بلفظ الإرادة يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، وأكثر الرواة عن عبيد الله بلفظ: (له شيء يوصي به) كرواية الجماعة. وجاءت من طريق أيوب عن نافع على اختلاف عليه في لفظه. ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ: (له شيء يوصي فيه) فالذي يظهر لي شذوذ رواية: (له شيء يريد أن يوصي به). وانفرد ابن عون، عن نافع بلفظ: (لا يحل لامرئ مسلم له مال يوصي فيه). وهذا لفظ شاذ، لم يتابع عليه (١). والله أعلم (٢).

стр. 8031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8033

الوجه الثالث: أن معنى الحديث كما قال الشافعي: ما الحزم والاحتياط لمسلم يبيت ليلتين إلا أن تكون وصيته مكتوبة؛ لأنه لا يدري متى يدركه الموت، خاصة أن الأصل في الوصية أنها من أعمال البر يتصدق بها المرء على نفسه، فكان من الحزم المبادرة في كتابتها خشية فجأة الموت، وليس هذا خاصًا في الوصية، بل مطلوب في كل أعمال البر (١). (ح-١٠١٢) فقد روى البخاري من حديث عن عقبة، قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئًا من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته (٢). الوجه الرابع: أن الحديث لو فرضنا أن ظاهره يدل على الوجوب فهو محمول على الوصية بالحقوق الواجبة على الإنسان، كأن يكون عليه دين، أو يكون عنده ودائع ولا طريق لثبوتها إلا من جهته، فتكون الوصية واجبة عليه؛ لتوقف أداء الواجبات على الوصية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٣).

стр. 8034

والقرينة على أن المراد بالوصية: الوصية بالحقوق الواجبة أن الحديث قال: (له شيء يوصي فيه) وهي رواية الصحيح، وعليها أكثر الرواة، وكلمة (شيء) نكرة، ولو أخذنا بظاهر الحديث لقلنا: إن الإنسان مأمور بالوصية إذا ترك أي مال مهما كان يسيرًا، والإجماع منعقد على أن الإنسان إذا ترك شيئًا يسيرًا لا تشرع له الوصية، فحمل الحديث على الوصية بالحقوق الواجبة. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية» (١). وستأتي الآثار إن شاء الله عن الصحابة في ذلك في أدلة القائلين بالاستحباب. الدليل الثاني: (ح-١٠١٣) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم النخعي، قال: ذكرنا أن زبيرًا وطلحة كانا يشددان في الوصية على الرجال، فقال: وما كان عليهما ألا يفعلا، توفي رسول الله ﷺ فما أوصى، وأوصى أبو بكر، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا بأس. وجه الاستدلال: التشديد في الشيء لا يكون إلا في الأمور الواجبة. [لم أقف على قول الزبير وطلحة مسندًا عنهما، والنخعي لم يلق واحدًا منهما] (٢).

стр. 8035

(ح-١٠١٤) نعم روى ابن أبي شيبة من طريق مالك بن مغول، عن طلحة، قال: قلت لابن أبي أوفى: أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا. قلت: فكيف أمر الناس بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله (١). [وسنده صحيح]. فإن كان هذا هو المقصود من قول طلحة (فكيف أمر الناس بالوصية) فهذا ليس صريحًا في حكاية الوجوب، ولا خلاف في أن الإنسان مأمور بالوصية، وأنها مشروعة بكتاب الله، وبسنة رسوله ﷺ ، ولكن السؤال: هل مشروعيتها على سبيل الاستحباب أو الإيجاب؟ ولعل السؤال عن الوصية بالخلافة، وليس السؤال عن الوصية بالمال. ° دليل من قال: إذا أوصى لأجنبي لم يستحق إلا ثلث الوصية . أن الموصي لو أوصى بماله كله لجاز منه الثلث، والباقي رد على الورثة، وأقاربه الذين لا يرثونه في استحقاق الوصية، كالورثة في استحقاق المال كله، فينفذ ثلث الوصية، ويكون الباقي ردًا على أقاربه غير الوارثين (٢). ° دليل من قال: الوصية ليست فرضًا، وتصح للقريب والأجنبي: الدليل الأول: أن أكثر أصحاب رسول الله ﷺ لم ينقل عنهم وصية، ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لم يتركوا ذلك، ولنقل عنهم نقلًا ظاهرًا.

стр. 8036

(ث-٢٠٣) فقد روى الطبري من طريق أيوب، عن نافع، أن ابن عمر، لم يوص وقال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أصنع فيه في الحياة، وأما رباعي فما أحب أن يشرك ولدي فيها أحد (١). [إسناده صحيح]. وروي أن حاطب بن أبي بلتعة بحضرة عمر لم يوص (٢). (ث-٢٠٤) وروى الدارمي من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عليًا دخل على مريض، فذكروا له الوصية، فقال علي: قال الله: إن ترك خيرًا، ولما أره ترك خيرًا. قال حماد: فحفظت أنه ترك أكثر من سبعمائة (٣). [ضعيف عروة لم يلق عليًا] (٤).

стр. 8037

(ث-٢٠٥) وروى سعيد بن منصور، من طريق ابن جريج، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوص. [ضعيف] (١). (ث-٢٠٦) وروى سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معاوية، عن محمد بن شريك المكي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قال لها رجل: إني أريد أن أوصي؟ قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله : إن ترك خيرًا، وإن هذا الشيء يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل (٢). [إسناده صحيح]. الدليل الثاني: الإجماع، فقد سبق أن نقلت عن ابن عبد البر أنه قال: «أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية» (٣).

стр. 8038

الدليل الثالث: أن العطية لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت كعطية الأجانب (١). الدليل الرابع: وأما الدليل على صحة الوصية لغير الأقارب: (ح-١٠١٥) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل وهو ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدًا (٢). قوله: (وقال له قولاً شديدًا): أي قال عنه، ففي مصنف عبد الرزاق: عن معمر، عن أيوب، وفيه: لو أدركته ما دفن مع المسلمين (٣). وفي مسند أحمد وسنن النسائي من طريق الحسن، عن عمران: لقد هممت أن لا أصلي عليه (٤). فقد دل هذا الحديث على صحة الوصية لغير القرابة، وأنه لا يرد منها شيء على القريب غير الوارث، والله أعلم.

стр. 8039

° الراجح: قول الجمهور أقوى، والوصية للقرابة ممن لا يرث أفضل من الأجنبي إذا تساووا في الحاجة، والغنى، كما رجحنا ذلك في الوقف، لكونه صدقة وصلة، والله أعلم. * * *

стр. 8040

الباب الثاني في أركان الوصية [م-١٦٠٩] اتفق العلماء على أن الإيجاب ـ وهو اللفظ الصادر من الموصي ـ ركن في الوصية لا تنعقد الوصية بدونه، واختلفوا فيما زاد على ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن أركان الوصية الصيغة فقط وهي مجموع الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه (١). القول الثاني: أن ركن الوصية هو الإيجاب وحده، وهذا قول بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة على خلاف بينهم في توصيف القبول هل يكون شرطًا، أو ليس بشرط بحيث تدخل الوصية في ملكه جبرًا كالميراث (٢). جاء في حاشية ابن عابدين: «ركنها: الإيجاب والقبول. وقال زفر: الإيجاب فقط» (٣).

стр. 8041

ونقل ابن الهمام نقلاً من شرح الجامع الكبير للعتابي «أن الإباحة والوصية والإقرار والاستخدام لا يشترط فيها القبول من الآخر» (١). وقال ابن نجيم: «وأما ركنها فقوله: أوصيت بكذا» (٢). وقال في درر الحكام: «ركنها: قوله: أوصيت بكذا لفلان ونحوه، يشير إلى أن القبول شرط، كما قال في الخلاصة: الوصية يشترط فيها القبول، وذلك بالصريح، أو بالدلالة ... » (٣). وقال ابن عابدين: «كلام المصنف تبعًا لشراح الهداية، يشير إلى أن القبول شرط، لا ركن، وما في البدائع هو الموافق لما يذكرونه في سائر العقود كالبيع ونحوه، من أن الركن منهما» (٤). يعني من الإيجاب والقبول. وقال ابن شاس المالكي: «الركن الرابع: ما تكون به الوصية: وتكون بالإيجاب ... والقبول شرط، ولا أثر له في حياة الموصي» (٥). وقال ابن جزي: ويشترط قبول الموصى له إذا كان فيه أهلية للقبول كالهبة» (٦). والفرق بين هذا القول وقول زفر: أن زفر يرى أن الوصية تنعقد بالإيجاب

стр. 8042

وحده، ولا تفتقر إلى قبول، فهي تدخل ملك الموصى له جبرًا كالميراث، بينما هذا القول يرى أن القبول شرط في إفادة الملك، فلا يثبت الملك بدون القبول، وإن كان القبول ليس ركنًا في الوصية. بل ذهب بعض الحنابلة بأن القبول ليس ركنًا حتى في عقد البيع، وإن كان شرطًا في انعقاده. جاء في القواعد لابن رجب: «القبول شرط محض لانعقاد البيع وليس هو من ماهيته» (١). ° وجه من قال: إن القبول ليس ركنًا: أن الوصية إذا كانت لجهة عامة كالفقراء والمساكين والمساجد فإن القبول ليس ركنًا فيها، ولو كان القبول ركنًا لوجب صدوره في كل صور الوصية؛ لأن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً داخلاً في حقيقته، فإذا وجدت الوصية في بعض صورها دون حاجة إلى القبول دل على أن القبول ليس جزءاً من الماهية، سواء قلنا: إن الوصية تنعقد بالإيجاب وحده كما قال زفر، أو قلنا: إن القبول شرط في ثبوت الملك. وهذا قول قوي جدًا، فالوصية فيها شبه من الوقف إلا أن الوقف تمليك للمنفعة في الحياة، والوصية تمليك للعين بعد الموت، وقد ذكرنا في الوقف أنه ينعقد بالإيجاب وحده، لهذا حاول بعض الحنفية أن يوجهوا قول أبي حنيفة وصاحبيه.

стр. 8043

قال الكاساني في بدائع الصنائع: «ركن الوصية الإيجاب من الموصي، وعدم الرد من الموصى له، وهو أن يقع اليأس عن رده» (١). وعدم الرد في الحقيقة ليس قبولًا؛ لأن القبول هو عمل إيجابي، وليس عملًا سلبيًا، فالساكت لا ينسب له قول، ولهذا لا يعتبر السكوت في عقد البيع والنكاح والإجارة ونحوها قبولًا إلا بقرينة. القول الرابع: أن أركان الوصية: أربعة: صيغة، وموص، وموصى له، وموصى به، وهذا مذهب الجمهور (٢). جاء في التاج والإكليل: «أركانها وهي الموصي، والموصى به، والموصى له، وما يكون به الوصية» (٣). وفي الشرح الكبير للدردير: «وأركانها أربعة: موص، وموصى له، وموصى به، وصيغة» (٤). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وأركانها أربعة: موص، ووصية، وموصى به، وموصى له» (٥).

стр. 8044

° سبب الخلاف: الخلاف بين الحنفية والجمهور في ركن العقد مطلقًا، سواء كان في عقد البيع، أو الإجارة، أو الوصية أو غيرها: ذلك أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً داخلاً في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما الموصي والموصى له، والموصى به فهي من لوازم العقد، وليست جزءاً من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده. بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلاً، سواء أكان جزءاً من حقيقته أم لم يكن، ووجود الوصية يتوقف على الموصي، والموصى له، والموصى به، وإن لم يكن هؤلاء جزءاً من حقيقته. ومذهب الحنفية أجود، وأدق في الجملة، والجمهور لا يطرد في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركناً في مثل عقد الوصية وعقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركناً في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل. هذا بيان لسبب الخلاف بين الحنفية والجمهور في ركن العقد. أما الخلاف في عقد الوصية فالخلاف فيه أكثر من الخلاف في ركن العقد، ذلك أن الوصية أحيانًا تأخذ شكل الوقف إذا كان على جهة لا تملك، أو كان على عدد لا يمكن حصرهم، والقبول في هذه الحالة ليس ركنًا ولا شرطًا، بل تنعقد بالإيجاب وحده كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وإذا كانت الوصية لمعين كان لابد فيها من القبول لا من أجل أن العقد لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول، بل لأجل ألا يدخل ملك الإنسان مال من غيره إلا

стр. 8045

برضاه دفعًا للمنة والضرر، وفي هذه الحالة لا يكون القبول ركنًا في العقد بل هو شرط لثبوت الملك. أصل ذلك: أن العقد متى كان عقد مبادلة من الطرفين كالبيع، والصرف، والسلم، فإنه لا يتم بالإيجاب وحده، بل لابد فيه من القبول، والقبول في هذه الحالة ركن العقد، لا يتصور قيام العقد بدونه. وإذا كان العقد عقد تمليك بغير بدل كالوقف، والوصية، والهبة، فإنه لا يحتاج إلى قبول، بل يكفي الإيجاب وحده لقيام العقد. والفرق بينهما: أن عقد المعاوضة لا يتم إلا بهما فما لم يوجد القبول لا يثبت الاسم. وأما عقد التمليك بغير بدل فإنه يتم من المالك وحده؛ لأنه يلاقي ملكه لا غير، وهو أمر يقوم به وحده، فيتحقق الاسم بدون القبول، وإنما يحتاج إلى القبول لثبوت الحكم، وهو انتقال الملك، فكان القبول شرطًا للنفاذ، وليس ركنًا في العقد، والله أعلم (١). وإذا كان الفقهاء لا يختلفون في الإيجاب بأنه ركن، فسوف نتكلم عن أنواع الإيجاب، من لفظ، أو إشارة، أو كتابة، ثم نتعرض بعد ذلك إن شاء الله تعالى إلى خلاف العلماء في منزلة القبول من عقد الوصية، ومتى تنعقد الوصية بالإيجاب وحده، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 8046

الباب الثاني في صيغة الوصية وما يتعلق بها من أ حكام الفصل الأول في انعقاد الوصية باللفظ لا يتعين في الوصية لفظ مخصوص. ما دل على التمليك بغير عوض، وكان مضافًا إلى ما بعد الموت فهو وصية. دليل الرضا كصريح الرضا. دليل القبول كصريح القبول [م-١٦١٠] لا خلاف بين الفقهاء أن الوصية تنعقد باللفظ، وهو الأصل في التعبير عن الإرادة، وهو عند أكثرهم ينقسم إلى صريح وغير صريح، يسميه بعضهم كناية (١). والصريح في باب الوصية: ما اشتملت الصيغة على لفظ الوصية، أو ما تصرف منها، وذلك نحو: أوصيت لفلان بكذا، أو هذا وصية لفلان، ونحو ذلك.

стр. 8047

وغير الصريح: وهو ما يفهم منه الوصية لا باللفظ، ولكن بقرينة تدل على ذلك، كأن يقول: أعطوه، أو جعلت هذا له، أو ملكته بعد موتي (١). وقيل: لا كناية في عقد الوصية، وهذا مذهب الحنابلة (٢). وسبق في عقد البيع الفرق بين الصريح والكناية. ولا يتعين للوصية لفظ مخصوص، بل تنعقد الوصية بكل لفظ يدل على معناها؛ فما دل على التمليك بغير عوض وكان مضافًا إلى ما بعد الموت؛ فهو معبر عن الوصية. ولأن التبرع في القرآن والسنة لم يشترط له إلا طيب النفس. قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. وقال ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (٣). ومن المعلوم ضرورة من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون طيب النفس بطرق متعددة.

стр. 8048

جاء في حاشية ابن عابدين: وركنها: قوله: أوصيت بكذا لفلان، وما يجري مجراه من الألفاظ المستعملة فيها» (١). وقال الخرشي: «الوصية تكون بلفظ صريح، كأوصيت، وتكون بلفظ غير صريح يفهم منه إرادة الوصية» (٢). وقال ابن شاس المالكي: «وتكون بالإيجاب، ولا يتعين له لفظ مخصوص، بل كل لفظ يفهم منه قصد الوصية بالوضع أو بالقرينة حصل الاكتفاء به، مثل قوله: أوصيت، أو أعطوه، أو جعلت له، ولو قال: هو له، وفهم من مراده بقرينة قصد الوصية فهو وصية» (٣). وقال ابن تيمية: «تنعقد الوصية بكل لفظ يدل على ذلك» (٤).

стр. 8049

الفصل الثاني في انعقاد الوصية بالكتابة الكتاب كالخطاب. الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر. وقيل: الكتاب محتمل، والخط يشبه الخط. لا عبرة بالخط. والأول أصح. [م-١٦١١] اختلف العلماء في الوصية هل تثبت بالكتابة، أو لا يكفي الخط لثبوتة الوصية، بل لابد مع ذلك من الإشهاد عليها؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يعتمد الخط في ثبوت الوصية حتى يشهد عليها. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختاره بعض الحنابلة (١).

стр. 8050

° دليل من قال: لا بد من الإشهاد: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُم﴾ [المائدة: ١٠٦]. ونوقش هذا: لا يلزم من ذكر الإشهاد في الآية أنها لا تصح الوصية إلا به، فالآية تدل على ثبوت الوصية عن طريق الإشهاد، وهذا لا نزاع فيه، ولكنها لا تدل على أنها لا تثبت إلا بالإشهاد، وهو محل النزاع. وقد اختلف القائلون بوجوب الإشهاد في كيفيته: فقالت المالكية: إذا كتب الوصية، وقرأها على الشهود فلا تنفذ حتى يقول لهم: اشهدوا بأن هذه وصيتي، أو يقول: أنفذوها، وإذا كتبها، ثم ختمها، ثم أشهدهم على أن هذه وصيته، ولو لم يطلع الشهود على مضمونها، صحت الوصية، إن عرف أن الخاتم لم يفض، أو أقرها الموصي في يد غيره، ولم يسترده، فإن استرده كان هذا رجوعًا منه (١).

стр. 8051

وخرج ابن عقيل الحنبلي ومن بعده رواية بعدم الصحة. أخذًا من قول الإمام أحمد ﵀ فيمن كتب وصيته وختمها. وقال: اشهدوا بما فيها، أنه لا تصح: أي شهادتهم على ذلك» (١). جاء في حاشية الدسوقي: «الموصي إذا كتب وصيته بخطه، أو أملاها لمن كتبها، وقال للشهود: اشهدوا علي أن ما في هذه الوثيقة وصيتي، أو على أني أوصيت بما فيها، ولم يقرأها عليهم، فإنه يجوز لهم القدوم على الشهادة بأنه أوصى بما انطوت عليه هذه الوثيقة، فقول المصنف: ولهم الشهادة يعني أنه يجوز للشهود القدوم على الشهادة بما انطوت عليه وصية الموصي، بأن يقولوا: نحن نشهد بأنه أوصى بما انطوت عليه هذه الوصية أي الوثيقة، وإن لم يقرأها عليهم، ولا فتح الكتاب لهم، ولو بقي الكتاب عنده إلى أن مات بشرط أن يشهدهم بما في كتاب وصيته، أو يقول لهم: أنفذوه، وبشرط أن لا يوجد في الوثيقة محو ولا تغير، وأن يعرفوا الوثيقة بعينها كذا قرر شيخنا العدوي» (٢). ° دليل المالكية على صحة الشهادة ولو لم يطلعوا على المضمون: احتج المالكية بكتابة رسول الله إلى الملوك بتبليغ دعوته.

стр. 8052

(ح-١٠١٦) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا ﵁، يقول: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، فكأني أنظر إلى بياضه في يده، ونقش فيه محمد رسول الله (١). وقد عمل بهذا الخلفاء الراشدون من بعده، فكانوا يكتبون إلى ولاتهم فيأخذون بها. وقد استخلف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بكتاب كتبه، وختم عليه، ولا نعلم أحدًا أنكر ذلك مع شهرته، فيكون إجماعًا (٢). وقالت الشافعية: كيفية الشهادة أن يطلع الشهود على مضمون الوصية، وذلك بأن يقرأ الشهود الوصية، أو تقرأ عليهم، ثم يقرها الموصي. قال النووي: «ولو وجد له كتاب وصية بعد موته، ولم تقم بينة على مضمونه، أو كان قد أشهد جماعة أن الكتاب خطي، وما فيه وصيتي، ولم يطلعهم على ما فيه، فقال جمهور الأصحاب: لا تنفذ الوصية بذلك، ولا يعمل بما فيه حتى يشهد الشهود به مفصلًا» (٣). ° دليل الشافعية على وجوب اطلاع الشهود على مضمون الخطاب: قال إمام الحرمين: «الخط لا معول عليه، وبيانه في حق الشاهد، أنه لو رأى خط نفسه في تحمل الشهادة، ولم يتذكر تحمله لها، فليس له اعتماد الخط في

стр. 8053

إقامة الشهادة، وكذلك القاضي إذا رأى خطه متضمنًا إمضاء القضاء، فإن تذكره، جرى عليه، تعويلًا على الذكر دون الخط، وإن لم يذكره، توقف» (١). ولأن الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع، فكذلك هنا (٢). وأجاب ابن قدامة: بأن الوصية يتسامح فيها ما لا يتسامح بغيرها، ولهذا صح تعليقها على الخطر والغرر، وصحت للحمل، وبما لا يقدر على تسليمه، وبالمعدوم والمجهول، فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط كرواية الحديث (٣). القول الثاني: يجوز الاعتماد على الكتابة والخط المعروف، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، إذا ثبت أن هذا خطه بإقرار وارث، أو ببينة. اختار هذا القول محمد بن نصر المروزي من الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٤). وقد انتقد إمام الحرمين محمد بن نصر المروزي على اختياره، وما كان ينبغي له ذلك، وشدد في المسألة، وهي لا تحتمل: جاء في نهاية المطلب: «ومما شهر من هفوات بعض الأئمة، وهم من المنتمين إلى أصحابنا ما حكي أن الأمير نصر بن أحمد، من أمراء خراسان،

стр. 8054

أراد أن يوصي بوصايا فيكتبها، فيعمل بكتابه، فاستشار العلماء، فلم يفتوا له بذلك، فاستشار محمد بن نصر المروزي، فأفتى له بالتعويل على كتابه إذا استوثق فيه، ووضعه على يد مأمون بمشهد أمناء، واحتج بظاهر الحديث (يعني حديث ابن عمر: ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)، فحظي عنده، وارتفع قدره، وأجمع علماء الزمان على تخطئته» (١). ومن اعتمد على ظاهر السنة حتى لو أخطأ لا يقال مثل هذا في حقه؛ إذ كيف يقال عن تمسكه بالسنة بأنه هفوة، ومن المبالغة القول بأن علماء الزمان مجمعون على تخطئته. وجاء في الإنصاف: «وإن وجدت وصية بخطه صحت، هذا المذهب مطلقًا. قال الزركشي: نص عليه الإمام أحمد» (٢). وقال ابن تيمية: «وتنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإمام أحمد» (٣). ° دليل من صحح الوصية اعتمادًا على الخط: (ح-١٠١٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (٤).

стр. 8055

وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (مكتوبة عنده) دليل على ثبوت الوصية بالكتابة ولو لم يقرن ذلك بالإشهاد، فمن كتب وصيته فقد امتثل أمر نبيه، ولذلك قال ابن عمر: لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي، ولم يزد على ذلك. ولو كانت الكتابة لا تغني إلا بالإشهاد لذكره النبي ﷺ ، فلما لم يذكر مع الكتابة أمرًا زائدًا دل على صحة الاكتفاء بها، ولولا أن ذلك كاف، لما كان لكتابته فائدة؛ لأن الإشهاد وحده يغني عن الكتابة، وهل من البلاغة أن يترك النبي ﷺ ذكر الإشهاد مع كونه مطلوبًا، ومغنيًا عن الكتابة، ويذكر الكتابة وحدها، مع أن الاقتصار عليها لا ينفع، ولا يغني عن الإشهاد، هذا لا يصح في حق أفصح وأنصح الخلق، ومن أعطي جوامع الكلم، فلما اقتصر على الكتابة دل على صحة ثبوت الوصية بها، ولذلك في الديون لما كانت الكتابة وحدها لا تكفي طلب مع الكتابة الإشهاد، فقال تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فصح أن الوصية يتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها من الحقوق لكثرة تغيرها، وتجددها. قال الصنعاني: «قال بعض أئمة الشافعية: إن ذلك خاص بالوصية، وأنه يجوز الاعتماد على الخط فيها من دون شهادة؛ لثبوت الخبر فيها؛ ولأن الوصية لما أمر الشارع بها، وهي تكون مما يلزم من حقوق ولوازم، كان حقها أن تجدد في الأوقات، واستصحاب الإشهاد في كل لازم يريد أن يتخلص منه خشية مفاجأة الأجل متعسر، بل متعذر في بعض الأوقات، فيلزم منه عدم وجوب الوصية أو شرعيتها بالكتابة من دون شهادة؛ إذ لا فائدة في ذلك، وقد ثبت الأمر
следующие страницы →