← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

وخرج ابن عقيل الحنبلي ومن بعده رواية بعدم الصحة. أخذًا من قول الإمام أحمد ﵀ فيمن كتب وصيته وختمها. وقال: اشهدوا بما فيها، أنه لا تصح: أي شهادتهم على ذلك» (١). جاء في حاشية الدسوقي: «الموصي إذا كتب وصيته بخطه، أو أملاها لمن كتبها، وقال للشهود: اشهدوا علي أن ما في هذه الوثيقة وصيتي، أو على أني أوصيت بما فيها، ولم يقرأها عليهم، فإنه يجوز لهم القدوم على الشهادة بأنه أوصى بما انطوت عليه هذه الوثيقة، فقول المصنف: ولهم الشهادة يعني أنه يجوز للشهود القدوم على الشهادة بما انطوت عليه وصية الموصي، بأن يقولوا: نحن نشهد بأنه أوصى بما انطوت عليه هذه الوصية أي الوثيقة، وإن لم يقرأها عليهم، ولا فتح الكتاب لهم، ولو بقي الكتاب عنده إلى أن مات بشرط أن يشهدهم بما في كتاب وصيته، أو يقول لهم: أنفذوه، وبشرط أن لا يوجد في الوثيقة محو ولا تغير، وأن يعرفوا الوثيقة بعينها كذا قرر شيخنا العدوي» (٢). ° دليل المالكية على صحة الشهادة ولو لم يطلعوا على المضمون: احتج المالكية بكتابة رسول الله إلى الملوك بتبليغ دعوته.

стр. 8052

(ح-١٠١٦) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا ﵁، يقول: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، فكأني أنظر إلى بياضه في يده، ونقش فيه محمد رسول الله (١). وقد عمل بهذا الخلفاء الراشدون من بعده، فكانوا يكتبون إلى ولاتهم فيأخذون بها. وقد استخلف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بكتاب كتبه، وختم عليه، ولا نعلم أحدًا أنكر ذلك مع شهرته، فيكون إجماعًا (٢). وقالت الشافعية: كيفية الشهادة أن يطلع الشهود على مضمون الوصية، وذلك بأن يقرأ الشهود الوصية، أو تقرأ عليهم، ثم يقرها الموصي. قال النووي: «ولو وجد له كتاب وصية بعد موته، ولم تقم بينة على مضمونه، أو كان قد أشهد جماعة أن الكتاب خطي، وما فيه وصيتي، ولم يطلعهم على ما فيه، فقال جمهور الأصحاب: لا تنفذ الوصية بذلك، ولا يعمل بما فيه حتى يشهد الشهود به مفصلًا» (٣). ° دليل الشافعية على وجوب اطلاع الشهود على مضمون الخطاب: قال إمام الحرمين: «الخط لا معول عليه، وبيانه في حق الشاهد، أنه لو رأى خط نفسه في تحمل الشهادة، ولم يتذكر تحمله لها، فليس له اعتماد الخط في

стр. 8053

إقامة الشهادة، وكذلك القاضي إذا رأى خطه متضمنًا إمضاء القضاء، فإن تذكره، جرى عليه، تعويلًا على الذكر دون الخط، وإن لم يذكره، توقف» (١). ولأن الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع، فكذلك هنا (٢). وأجاب ابن قدامة: بأن الوصية يتسامح فيها ما لا يتسامح بغيرها، ولهذا صح تعليقها على الخطر والغرر، وصحت للحمل، وبما لا يقدر على تسليمه، وبالمعدوم والمجهول، فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط كرواية الحديث (٣). القول الثاني: يجوز الاعتماد على الكتابة والخط المعروف، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، إذا ثبت أن هذا خطه بإقرار وارث، أو ببينة. اختار هذا القول محمد بن نصر المروزي من الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٤). وقد انتقد إمام الحرمين محمد بن نصر المروزي على اختياره، وما كان ينبغي له ذلك، وشدد في المسألة، وهي لا تحتمل: جاء في نهاية المطلب: «ومما شهر من هفوات بعض الأئمة، وهم من المنتمين إلى أصحابنا ما حكي أن الأمير نصر بن أحمد، من أمراء خراسان،

стр. 8054

أراد أن يوصي بوصايا فيكتبها، فيعمل بكتابه، فاستشار العلماء، فلم يفتوا له بذلك، فاستشار محمد بن نصر المروزي، فأفتى له بالتعويل على كتابه إذا استوثق فيه، ووضعه على يد مأمون بمشهد أمناء، واحتج بظاهر الحديث (يعني حديث ابن عمر: ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)، فحظي عنده، وارتفع قدره، وأجمع علماء الزمان على تخطئته» (١). ومن اعتمد على ظاهر السنة حتى لو أخطأ لا يقال مثل هذا في حقه؛ إذ كيف يقال عن تمسكه بالسنة بأنه هفوة، ومن المبالغة القول بأن علماء الزمان مجمعون على تخطئته. وجاء في الإنصاف: «وإن وجدت وصية بخطه صحت، هذا المذهب مطلقًا. قال الزركشي: نص عليه الإمام أحمد» (٢). وقال ابن تيمية: «وتنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإمام أحمد» (٣). ° دليل من صحح الوصية اعتمادًا على الخط: (ح-١٠١٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (٤).

стр. 8055

وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (مكتوبة عنده) دليل على ثبوت الوصية بالكتابة ولو لم يقرن ذلك بالإشهاد، فمن كتب وصيته فقد امتثل أمر نبيه، ولذلك قال ابن عمر: لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي، ولم يزد على ذلك. ولو كانت الكتابة لا تغني إلا بالإشهاد لذكره النبي ﷺ ، فلما لم يذكر مع الكتابة أمرًا زائدًا دل على صحة الاكتفاء بها، ولولا أن ذلك كاف، لما كان لكتابته فائدة؛ لأن الإشهاد وحده يغني عن الكتابة، وهل من البلاغة أن يترك النبي ﷺ ذكر الإشهاد مع كونه مطلوبًا، ومغنيًا عن الكتابة، ويذكر الكتابة وحدها، مع أن الاقتصار عليها لا ينفع، ولا يغني عن الإشهاد، هذا لا يصح في حق أفصح وأنصح الخلق، ومن أعطي جوامع الكلم، فلما اقتصر على الكتابة دل على صحة ثبوت الوصية بها، ولذلك في الديون لما كانت الكتابة وحدها لا تكفي طلب مع الكتابة الإشهاد، فقال تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فصح أن الوصية يتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها من الحقوق لكثرة تغيرها، وتجددها. قال الصنعاني: «قال بعض أئمة الشافعية: إن ذلك خاص بالوصية، وأنه يجوز الاعتماد على الخط فيها من دون شهادة؛ لثبوت الخبر فيها؛ ولأن الوصية لما أمر الشارع بها، وهي تكون مما يلزم من حقوق ولوازم، كان حقها أن تجدد في الأوقات، واستصحاب الإشهاد في كل لازم يريد أن يتخلص منه خشية مفاجأة الأجل متعسر، بل متعذر في بعض الأوقات، فيلزم منه عدم وجوب الوصية أو شرعيتها بالكتابة من دون شهادة؛ إذ لا فائدة في ذلك، وقد ثبت الأمر

стр. 8056

المذكور في الحديث بها فدل على قبولها من غير شهادة ..... والتحقيق أن المعتبر معرفة الخط فإذا عرف خط الموصي عمل به، ومثله خط الحاكم، وعليه عمل الناس قديمًا وحديثًا، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث الكتب يدعو فيها العباد إلى الله، وتقوم عليهم الحجة بذلك، ولم يزل الناس يكتب بعضهم إلى بعض في المهمات من الدينيات والدنيويات، ويعملون بها، وعليه العمل بالوجادة كل ذلك من دون إشهاد» (١). ° الراجح: بعد استعراض الخلاف أجد أن مذهب الحنابلة أقوى، بشرط: أن يكون الخط معروفًا ومحافظًا عليه. أن يتأكد أنه لا يوجد ما ينسخ هذه الوصية؛ لأن الوصية قابلة للتغيير والتجديد، والله أعلم. * * *

стр. 8057

الفصل الثالث انعقاد الوصية بالإشارة المبحث الأول في الإشارة من الأخرس الأصلي إشارة الأخرس المفهمة كالنطق. كتابة الأخرس كإشارته. [م-١٦١٢] تصح وصية الأخرس بالإشارة إذا كانت مفهمة، وكان خرسه أصليًا، وكذا سائر عقوده بلا خلاف. قال النووي: «قال أصحابنا: يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة المفهومة، وبالكتابة بلا خلاف للضرورة، قال أصحابنا: ويصح بها جميع عقوده» (١). وجاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس المعهودة والمفهومة معتبرة شرعًا، فينعقد بها جميع العقود كالبيع، والإجارة، والرهن، والنكاح، ونحوها» (٢). وهل يشترط في قبول إشارة الأخرس أن يكون غير قادر على التعبير عن إرادته بطريق الكتابة. توجه لهذه المسألة الحنفية، ولهم فيها قولان:

стр. 8058

القول الأول: هو المعتمد في المذهب أن وصيته بالإشارة صحيحة، وإن كان قادرًا على الكتابة؛ لأن النطق هو الأصل، فإذا عجز عنه رخص له في غيره. قال ابن نجيم كما في غمز عيون البصائر: «واختلفوا في أن عدم القدرة على الكتابة شرط للعمل بالإشارة، أو لا، والمعتمد: لا» (١). وقال في الهداية شرح البداية: «الإشارة معتبرة وإن كان قادرًا على الكتابة، بخلاف ما توهمه بعض أصحابنا ﵏، أنه لا تعتبر الإشارة مع القدرة على الكتابة» (٢). القول الثاني: أن الكتابة أقوى من الإشارة في الدلالة على الإرادة، فلا يصار إلى الإشارة مع قدرته على الكتابة (٣). قال ابن عابدين نقلًا من كافي الحاكم الشهيد: «فإن كان الأخرس لا يكتب، وكان له إشارة تعرف في طلاقه، ونكاحه، وشرائه، وبيعه فهو جائز .... فقد رتب جواز الإشارة على عجزه عن الكتابة، فيفيد أنه إن كان يحسن الكتابة لا تجوز إشارته» (٤). وقال ابن الهمام نقلًا من الأصل: «وإن كان الأخرس لا يكتب وكانت له

стр. 8059

إشارة تعرف في نكاحه وطلاقه وشرائه وبيعه فهو جائز، فيعلم من إشارة رواية الأصل أن الإشارة من الأخرس لا تعتبر مع القدرة على الكتابة» (١). ورده ابن الهمام، وحمله على استواء الإشارة والكتابة من الأخرس، وهذا هو الراجح. * * *

стр. 8060

المبحث الثاني في إشارة من اعتقل لسانه معتقل اللسان ينزل منزلة الأخرس إن كانت إشارته مفهمة. يقال: اعتقل بطنه: أي استمسك، واعتقل لسانه حبس فلم يقدر على الكلام فجأة لصعوبة، أو تعذر، أو استحالة، فهو خرس طارئ، وليس أصليًا. [م-١٦١٣] وقد اختلف العلماء في إشارة من اعتقل لسانه على قولين: القول الأول: لا يعتد بإشارته حتى يمتد به ذلك، ويقع اليأس من قدرته على الكلام، فيكون بمنزلة الأخرس الأصلي، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (١). وسئل سفيان الثوري: إذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حتى يتكلم (٢). وقال ابن قدامة في المغني: «فأما الناطق إذا اعتقل لسانه، فعرضت عليه وصيته، فأشار بها، وفهمت إشارته، لم تصح وصيته. ذكره القاضي، وابن عقيل. وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة» (٣).

стр. 8061

وقال في الإنصاف: وهو المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب» (١). ° دليل من قال: لا يعتد بالإشارة حتى يقع اليأس من قدرته على الكلام: الدليل الأول: الإشارة إنما تقوم مقام العبارة إذا صارت معهودة، ولا تكون كذلك إلا في الأخرس دون معتقل اللسان، ولذلك قلنا: إذا امتد به ذلك، وصارت له إشارة معلومة كان بمنزلة الأخرس الأصلي. الدليل الثاني: أن الخرس الطارئ غير ميؤوس من نطق صاحبه، فلم تصح وصيته بالإشارة كالقادر على الكلام. الدليل الثالث: (ث-٢٠٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مبارك، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس: أن امرأة قيل لها في مرضها: أوصي بكذا، أوصي بكذا، فأومأت برأسها فلم يجزه علي بن أبي طالب (٢). [إسناده ضعيف] (٣).

стр. 8062

القول الثاني: تصح وصية من اعتقل لسانه، وينزل منزلة الخرس الأصلي، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، والمذهب عند الشافعية (١). ° تعليل من قال: تصح وصيته . إذا عجز عن الكلام لم يكن هناك فرق بين الأخرس ومعتقل اللسان، فالواجب اللفظ مع القدرة عليه، فإذا عجز قامت الإشارة مقام العبارة، كما أنه لا فرق بين الوحشي الأصلي والمتوحش في حق الذكاة. القول الثالث: صحة الوصية بالإشارة مطلقًا من الأخرس ومن غيره. وهذا مذهب المالكية (٢). وسوف نذكر إن شاء الله تعالى أدلتهم في المسألة التالية، ونذكر الراجح من أقوال أهل العلم. * * *

стр. 8063

المبحث الثالث في إشارة القادر على النطق إشارة الناطق المفهمة كعبارته. [م-١٦١٤] اختلف العلماء في إشارة القادر على النطق على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا تصح الوصية بالإشارة للقادر على النطق، وهو مذهب الجمهور (١). قال ابن نجيم: الإشارة من الناطق باطلة في وصية وغيرها ... » (٢). وقال في أسنى المطالب: «وتصح بالإشارة المفهمة من العاجز عن النطق كالأخرس دون القادر عليه» (٣). ° واستدلوا على ذلك بأدلة منها: الدليل الأول: قال ابن قدامة: لا خلاف في أن إشارة القادر لا تصح بها وصية، ولا إقرار (٤).

стр. 8064

وحكاية الإجماع فيها نظر. الدليل الثاني: أن الإشارة أدنى درجة في الإفصاح عن الإرادة من العبارة الملفوظة، أو المكتوبة، فلا يصار إليها مع القدرة على النطق خاصة أن الأمر يتعلق بالحقوق المالية، فيحتاط للحقوق؛ لأن الأمر إما أن يثبت الحق للوارث أو للموصي له. القول الثاني: ذهب المالكية إلى صحة الوصية بالإشارة مطلقًا، حتى ولو كان قادرًا على النطق، من غير فرق بين حقوق الله وحقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية، وهو مذهب الإمام البخاري وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم (١). وقال الحافظ في الفتح: وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة، فأما في حقوق الله فقالوا: يكفي ولو من القادر على النطق ... » (٢). قال الحطاب: قال ابن عرفة: الصيغة ما دل على معنى الوصية فيدخل اللفظ والكتب والإشارة» (٣). فسوى بين اللفظ، والكتابة، والإشارة. وقال الخرشي: الوصية تكون بلفظ صريح كأوصيت، وتكون بلفظ غير صريح يفهم منه إرادة الوصية كالإشارة، وظاهره ولو من القادر خلافًا لابن شعبان» (٤).

стр. 8065

وجاء في الفواكه الدواني: «صيغتها: هي كل ما يفهم منه الوصية من لفظ، أو إشارة، ولو من قادر على الكلام، أو خط، ولكن لا يجب تنفيذها إلا بإشهاد الموصي عليها» (١). وفي الشرح الصغير: وصيغة: بلفظ يدل بل ولو بإشارة مفهمة ولو من قادر على النطق» (٢). وقال البخاري في صحيحه: باب الإشارة في الطلاق والأمور، ثم ساق البخاري جملة من الأحاديث معلقة وموصولة، على اعتبار الإشارة، وسوف نسوق أكثر هذه الأحاديث في الأدلة. ° دليل من قال: قبول الإشارة المفهمة من الناطق وغيره: الدليل الأول: سمى الله الإشارة قولاً، بقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]. أي قولي ذلك بالإشارة، فلو كان المراد قول اللسان لأفسدت نذرها. قال ابن كثير: «المراد بهذا القول الإِشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي فلن أكلم اليوم إنسيا» (٣). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد فهم القوم إشارة مريم، وأجابوها

стр. 8066

بقولهم: كيف نكلم من كان في المهد صبياً، ولم يعترضوا عليها بأنهم لم يفهموا ما تريده منهم. فنزلت الإشارة منزلة الكلام حتى من القادر على النطق. الدليل الثاني: لا يوجد نص صريح على اشتراط لفظ معين في عقد الوصية، ولا في غيره من العقود، وإنما المطلوب ما يدل على الرضا بين الطرفين، من قول أو فعل أو إشارة، ومناط ذلك العرف الذي يحكم بأن هذا اللفظ أو الإشارة أو الفعل يدل على الرضا أو لا، فإذا كان الأمر كذلك فالعرف جار بين المسلمين على أن الإشارة المفهومة يحصل منها الرضا. يقول ابن القيم: «من عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده، ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كتابة، أو بإيماءة، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطردة لا يخل بها ... » (١). الدليل الثالث: (ح-١٠١٨) ما رواه البخاري من طريق الأسود ابن قيس، حدثنا سعيد بن عمرو، أنه سمع ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا. يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. رواه البخاري (٢).

стр. 8067

وجه الاستدلال: نزل الرسول ﷺ إشارته بأصبعه الشريفة منزلة نطقه، ودلت إشارته إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوماً، وقد يكون ثلاثين. الدليل الرابع: (ح-١٠١٩) ما رواه البخاري من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن مسعود ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله، فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا فقال: ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم .... الحديث (١). فاستخدم الرسول ﷺ إشارته في معرض التبليغ للأمة، وكانت مفهومة حيث حصل بها البلاغ مع قدرته على النطق. الدليل الخامس: (ح-١٠٢٠) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج حاجاً، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم - فيهم أبو قتادة - فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم .... وفي الحديث:

стр. 8068

قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتاناً، فنزلنا، فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها. قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها (١). وجه الاستدلال: قوله: (أو أشار إليها) حيث جعل الإشارة إلى الصيد وهو محرم في حكم من قام بالصيد حال الإحرام في تحريم الأكل. الدليل السادس: (ح-١٠٢١) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس ﵁ أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي ﷺ ، وبها رمق، فقال: أقتلك فلان؟ فأشارت برأسها أن لا، ثم قال الثانية: فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة، فأشارت برأسها أن نعم، فقتله النبي ﷺ بحجرين (٢). ° الراجح: الاعتداد بالإشارة المفهمة مطلقًا سواء كان من الأخرس، أو من القادر؛ وإذا شك في دلالتها على المراد فالأصل عدم انعقاد الوصية، والله أعلم. * * *

стр. 8069

الفصل الثالث في قبول الوصية المبحث الأول في توقف انعقاد الوصية على القبول لا يملك أحد أن يدخل شيئاً في ملك غيره بغير رضاه. القبول: هو الرضا بما دل عليه الإيجاب. وهو على قسمين: صريح: كالقبول باللفظ: كقوله: قبلت، أو رضيت، وهذا بالاتفاق. وغير صريح: كالقبول بما يقوم مقام اللفظ من الأخذ، والفعل الدال على الرضا، وهو داخل في انعقاد الوصية بالمعاطاة. والجمهور على صحته خلافًا للشافعية. جاء في فتاوى الرملي: «يشترط في قبول الوصية اللفظ، وفي معناه إشارة الأخرس» (١). وسوف نبحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل. وقد تكلمت في مسألة سابقة عن أركان الوصية، ومحل القبول من الأركان. [م-١٦١٥] وقد اختلف الفقهاء في توقف انعقاد الوصية على القبول على قولين:

стр. 8070

القول الأول: أن الوصية تنعقد بالإيجاب من الموصي فقط، وهذا قول زفر من الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (١). نقل ابن الهمام من شرح الجامع الكبير للعتابي «أن الإباحة والوصية والإقرار والاستخدام لا يشترط فيها القبول من الآخر» (٢). وقال ابن رجب: «السبب المستحق هو الإيصاء، وشرط الاستحقاق هو الموت، وعليه يترتب الاستحقاق به وجود أهلية المستحق فيكفي في ثبوت الملك، هذا إذا قلنا: إن الوصية تملك بالموت من غير قبول» (٣). القول الثاني: أن الوصية إن كانت لجهة كالفقراء الذي لا يمكن حصرهم انعقدت بالإيجاب من الموصي فقط، وإن كانت الوصية لمعين كزيد، فلا تنعقد إلا بقبوله بعد موت الموصي، ما لم تكن الوصية بالعتق. وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٤). على خلاف بينهم في اشتراط القبول، إذا مات الموصى له بعد موت الموصي

стр. 8071

وقبل صدور القبول، أو الرد، وفي الوصية للجنين. وسيأتي بحثهما إن شاء الله تعالى. ° دليل من قال: تنعقد بالإيجاب فقط: الدليل الأول: أن الملك بالوصية بمنزلة الملك بالإرث باعتبار أن الملك فيهما لا ينتقل إلا بشرط الموت، فإذا كان ملك الوارث لا يفتقر إلى قبوله، فكذلك ملك الموصى له. ونوقش هذا: بأن هناك فرقًا بين الملك في الميراث والملك في الوصية، فالملك في الوصية متلقى من الشارع، فلهذا يدخل الملك في الميراث جبرًا بدون اختيار؛ لأن الشارع له ولاية الإلزام، بخلاف الملك في الوصية فهو متلقى من الموصي، وهو لا يملك إلزام الموصى له بالوصية، فكان لابد من قبوله. وفرق آخر: «أن الوصية إثبات ملك جديد، ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب، ولا يرد عليه بالعيب، ولا يملك أحد إثبات الملك لغيره بدون اختياره بخلاف

стр. 8072

الميراث؛ لأنه خلافة حتى تثبت فيها هذه الأحكام فتثبت جبرًا من الشرع من غير قبول» (١). الدليل الثاني: أن الموصي إذا مات قبل صدور القبول فلا يمكن أن يكون ملك الوصية فيه للوارث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. ولا يمكن أن يكون الملك للميت؛ لأنه صار جمادًا لا يملك شيئًا، فثبت أن الوصية تستحق بالموت وقبل صدور القبول، ولذلك لو قال: عبدي هذا حر بعد موتي كان من الثلث، وصار حرًا بموته، ولم يتوقف ذلك على القبول (٢). وقد خالفت الوصايا سائر العقود تحصيلًا لمصالحها، من ذلك: أنه يجوز أن يتراخى القبول عن الإيجاب، مع أن الأصل أن شرط القبول الاتصال بالإيجاب فإن تأخر تأخرًا يشعر بالإعراض بطل الإيجاب، وكذلك جاز فيها أن يوصي بما لا يملك حال الوصية، وجاز فيها تعليق نفاذ الوصية بما زاد على الثلث على موافقة الورثة مع أن جمهور الفقهاء لا يرون صحة تعليق العقود (٣). الدليل الثالث: أن الموصي إذا أوصى في مرضه بعتق عبده بعد موته فإن العبد يعتق من الثلث بمجرد الموت، ولا يتوقف ذلك على القبول، فكذلك سائر الوصايا.

стр. 8073

جاء في المبسوط: «ولو أوصى بأن يعتق عبده، وأبى العبد أن يقبل ذلك فإنه يعتق من الثلث» (١). وجاء في تهذيب المدونة: «قال مالك: ومن أوصى في مرضه بعتق عبده فلم يقبل العبد، فلا قول له، ويخرج إذا مات سيده من الثلث إن حمله الثلث، أو ما حمل الثلث منه» (٢). وفي حاشية الدسوقي: «قوله وقبول المعين) أي لغير عتقه، وأما العتق فلا يحتاج لقبول» (٣). وجاء في مغني المحتاج: «ومحل اشتراط القبول من المعين في غير العتق، فلو قال: أعتقوا عبدي بعد موتي لم يفتقر إلى قبول العبد؛ لأن فيه حقًا لله تعالى فكان كالجهة العامة» (٤). وقد يقال: بأن العتق من قبيل الإسقاط فهو يفارق سائر الهبات، ولهذا لو أعتقه في حياته لم يتوقف الأمر على قبول العبد مع أن الهبة في الحياة لا تلزم بالإيجاب وحده، ويتوقف نفاذها على قبول الموهوب. الدليل الرابع: أن الموصى له إذا مات بعد موت الموصي وقبل قبوله أو رده، فإن الوصية تنتقل إلى ورثة الموصى له بدون قبول، فدل على أن الملك في الوصية لا يتوقف

стр. 8074

على القبول (١). ويجاب: بأن هذه المسألة قد وقع فيها خلاف بين العلماء، وما كان متنازعًا في صحته لم يكن صالحًا للاحتجاج، وسوف نناقش إن شاء الله تعالى هذه المسألة في مبحث خاص. ° دليل من قال: الوصية لا تنعقد إلا بالقبول: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وجه الاستدلال: أن الإنسان لا يكون له شيء بدون سعيه، فلو ثبت الملك للموصى له من غير قبول لثبت له الملك بغير سعيه، وهذا منفي إلا ما خص بالدليل. ويعارض هذا: بأن الصدقة عن الأقارب تصل إليهم، وليست من سعيهم، ولم تتوقف على قبولهم، فلم يكن سياق الآية في مثل هذه المسألة. الدليل الثاني: أن الوصية تمليك للمال بالعقد، فلا يثبت إلا بالقبول أو ما يقوم مقامه كسائر العقود (٢).

стр. 8075

الدليل الثالث: أن الملك لو ثبت بدون اشتراط القبول لأدى ذلك إلى الإضرار بالموصى له من وجهين: الوجه الأول: دفع احتمال حصول المنة على الموصى له إذا ثبت الملك له بدون اختياره، فإذا كانت الزكاة، والتي هي حق للفقير، ومتلقاة من الشارع، لا تدخل ملك الفقير بدون قبوله، فالوصية المتلقاة من الموصي من باب أولى (١). الوجه الثاني: أن الموصى به قد يكون شيئًا يتضرر به الموصى له، كما إذا كان الموصى به حيوانًا زمنًا أو أعمى لا نفع فيه، فلو كان يدخل ملكه بدون اشتراط قبوله للحقه ضرر من وجوب النفقة عليه (٢). قال الشافعي: «للموصى له قبول الوصية وردها، لا يجبر أن يملك شيئًا لا يريد ملكه بوجه أبدًا، إلا بأن يرث شيئًا، فإنه إذا ورث لم يكن له دفع الميراث، وذلك أن حكمًا من الله أنه نقل ملك الموتى إلى ورثتهم من الأحياء، فأما الوصية، والهبة، والصدقة وجميع وجوه الملك غير الميراث فَالْمُمَلَّكُ لها بالخيار، إن شاء قبلها، وإن شاء ردها، ولو أنا أجبرنا رجلًا على قبول الوصية أجبرناه إن أوصى له بعبيد زمنى أن ينفق عليهم، فأدخلنا الضرر عليه، وهو لم يحبه، ولم يدخله على نفسه» (٣).

стр. 8076

° الراجح: أن الوصية تنعقد بالإيجاب وحده، إلا أن القبول يعتبر شرطًا في لزوم الوصية، وليس في انعقادها، وبينهما فرق، فالوصية تنعقد بالإيجاب وحده، وتلزم بالقبول بعد موت الموصي، والله أعلم. * * *

стр. 8077

المبحث الثاني في موت الموصى له قبل القبول [م-١٦١٦] إذا صدر الإيجاب من الموصي، ثم مات ولم يصدر عنه ما ينسخ هذا الإيجاب ثبت للموصى له حق التملك، وكان له الحق إن شاء قبل، وإن شاء رد، فإن مات الموصى له قبل القبول، فهل ينتقل هذا الحق إلى ورثته باعتبار أن هذا الحق حق مالي، فينتقل إلى ورثته كسائر حقوقه، ويكون لهم الحق في القبول أو الرد؟ أو أن الاختيار بين القبول و الرد ليس حقًا ماليًا، وإنما يتعلق بالشخص، فإذا مات فقد فات، فتبطل الوصية؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: أن الموصى له إذا مات قبل القبول ملك الوصية بموته دون حاجة إلى قبول، وتنتقل إلى ملك الورثة استحساناً. وهذا مذهب الحنفية، وقول للمالكية خلاف المشهور، وقول في مذهب الحنابلة (١). قال أحمد الحموي: «يدخل الموصى به في ملك الموصى له إذا مات الموصى له استحسانًا، والقياس أن تبطل الوصية؛ لأن أحدا لا يقدر على إثبات

стр. 8078

الملك لأحد بدون اختياره، فصار كموت المشتري قبل القبول بعد إيجاب البائع. وجه الاستحسان: أن الوصية عن جانب الموصي قد تمت بموته تمامًا، لا يلحقه الفسخ من جهته وإنما يتوقف لحق الموصى له، فإذا مات دخل في ملكه، كما في البيع المشروط فيه الخيار للمشتري أو البائع، ثم مات من له الخيار قبل الإجازة» (١). وعلل بعض الحنفية بتعليل آخر، معناه: «أن القبول عندهم: هو عبارة عن عدم الرد، فمتى وقع اليأس عن رد الموصى له اعتبر قابلًا حكمًا» (٢). وقال ابن رشد: «إذا أوصى له .. فقيل أيضا: إنها لا تجب له حتى يقبل بعد موت الموصي، وهو المشهور. وقيل: إنها تجب له بموت الموصي قبل القبول. فعلى هذا: إن مات الموصى له بعد موت الموصي قبل أن يقبل أو يرد يجب لورثته، ولا يكون لهم أن يردوها لورثة الموصي إلا على سبيل الهبة إن قبلوها. وعلى القول الأول ينزل ورثة الموصى له منزلته في القبول إن مات قبل أن يقبل. وقد قيل: إنها تبطل إن مات قبل أن يقبل حكى ذلك عبد الوهاب عن أبي بكر الأبهري، وبالله التوفيق» (٣).

стр. 8079

القول الثاني: للورثة القبول أو الرد، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، وأحد القولين في مذهب الحنابلة. قالت المالكية: إلا أن يريد الموصي الموصى له بعينه فليس لوارثه القبول (١). قال الخرشي: «فلو مات المعين قبل القبول فلوارثه القبول، مات قبل العلم أو بعده ـ يعني قبل علمه بالوصية أو بعده ـ اللهم إلا أن يريد الموصي الموصى له بعينه فليس لوارثه القبول» (٢). وقال السيوطي: «كل من ثبت له قبول فات بموته إلا الموصى له فإنه إذا مات قام وارثه مقامه» (٣). وجاء في الهداية على مذهب الإمام أحمد: «فإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية، وإن مات بعده وقبل القبول قام وارثه مقامه في القبول والرد. اختاره الخرقي وقال شيخنا: تبطل الوصية على قياس قوله في خيار الشفعة، وخيار الشرط. وعندي: أنه يتخرج في جميع الخيارات وجهان» (٤).

стр. 8080

° حجة القول بذلك: الدليل الأول: أن حق القبول ثبت للمورث، فينتقل إلى الوارث بعد موته، لقوله ﵇ من ترك حقًا فلورثته (١). ويناقش ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن حق القبول المقصود به حق التملك، وحق التملك لا يقبل المعاوضة كحق التنقل، وليس حق التملك أقوى من حق الملك، وهو ثابت للوارث. الوجه الثاني: أن ما يروى من الفقهاء من ترك حقًا فلورثته لا يوجد بهذا اللفظ، وسبق الكلام عليه في عقد البيع (٢). الدليل الثاني: أن الوصية عقد لازم من أحد الطرفين فلا يبطل بموت من له الخيار كعقد الرهن والبيع إذا شرط فيه الخيار لأحدهما (٣). ويناقش: بأن شرط الخيار لم يثبت لصاحبه إلا بعد صدور القبول، فكذلك التملك في عقد الوصية لا يثبت قبل صدور القبول.

стр. 8081

الدليل الثالث: الوصية لا تبطل بموت الموجب لها، فلم تبطل بموت الآخر (١). ويناقش: بأن الوصية عقد لازم في حق الموجب بشرطين: أن يصدر منه الإيجاب، وأن يموت وهو ولم يرجع عنه، فلا يقاس عليه الموصى له قبل صدور القبول منه. الدليل الرابع: أن كل مال يستحق من التركة لا يسقط بالموت كالدين (٢). ويناقش: بأن الدين لا يستحق قبل ثبوته، فكذلك الوصية لا تثبت ولا تستحق إلا إذا صدر القبول من الموصى له. الدليل الخامس: أن كل سبب استحق به تملك عين بغير اختيار مالكها لا يبطل بموت المستحق قبل تملكها كالرد بالعيب (٣). ويناقش: الحق لا يبطل بموت المستحق، والموصى له قبل صدور قبوله لا يستحق شيئًا.

стр. 8082

الدليل السادس: أن هناك فرقًا بين الوصية والهبة من حيث إن الهبة قبل القبض لازمة، فجاز أن تبطل بالموت، والوصية قبل القبول لازمة فلم تبطل بالموت (١). ويناقش: بأن الكلام ليس على منزلة القبض من الهبة والوصية، وإنما الكلام على ثبوت الحق قبل القبول، فالهبة لا يثبت الحق قبل القبول ولو كان المال الموهوب مقبوضًا، فكذلك الوصية لا تثبت قبل صدور القبول من الموصى له. القول الثالث: أن الوصية تبطل بموت الموصى له، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة، وحكي عن الأبهري من المالكية، وقال إمام الحرمين من الشافعية: هو مقتضى القياس (٢). جاء في قواعد ابن رجب: «المنصوص عن أحمد: أن الوصية تبطل بموت الموصى له قبل وصولها إليه، كذلك نقله عنه ابن منصور وغيره، وهو اختيار القاضي والأكثرين إذا مات قبل القبول ..... » (٣). وقال ابن قدامة: «ذهب أبو عبد الله بن حامد إلى أن الوصية تبطل؛ لأنه عقد يفتقر إلى القبول، فإذا مات من له القبول قبله، بطل العقد، كالهبة. قال

стр. 8083

القاضي: هو قياس المذهب؛ لأنه خيار لا يعتاض عنه، فبطل بالموت، كخيار المجلس، والشرط، وخيار الأخذ بالشفعة» (١). ورأى إمام الحرمين أن القول ببطلان الوصية هو مقتضى القياس لو كان قال به أحد. قال في نهاية المطلب: «وكان ينقدح في القياس القضاء ببطلان الوصية، لو كان مذهبًا لذي مذهب؛ من جهة أن الموصى له قد مات، ففرض القبول من غيره وليس القابل موصى له بعيد» (٢). ° وجه هذا القول: أن الوصية تمليك يفتقر إلى القبول فإذا مات قبل القبول لم يتم كالبيع. ° الراجح: أن الوصية تبطل بموت الموصى له؛ لأن القبول مطلوب من الموصى له، والوارث ليس موصى له فكيف يصح قبوله؟ فإذا كنا نقول: إن القبول شرط، أو ركن فإن القياس بطلان الوصية بفوات القبول من الموصى له؛ ولأن الموصى له قبل قبوله لم يثبت له حق حتى ينتقل إلى وارثه؛ لأن حق الملك لا يثبت إلا بالقبول، وأما حق التملك فليس حقًا ماليًا قابلًا للانتقال فهو كحق الانتقال، وحق الرأي وإلا لقلنا: إذا صدر الإيجاب في عقد البيع أثبت للمشتري حق التملك قبل قبوله، فإذا مات انتقل إلى وارثه، وإذا تعارض حق الملك لوارث

стр. 8084

الوصي، وحق التملك لوارث الموصى له، فإن حق الملك أقوى من حق التملك، والله أعلم. * * *

стр. 8085

المبحث الثالث في قبول الوصية بعد ردها في حياة الموصي رد الوصية بمنزلة القبول لا يصح إلا بعد موت الموصي. الوصية إيجاب معلق بالموت فلا عبرة بالقبول والرد قبل الموت. [م-١٦١٧] إذا أوصى رجل لرجل بوصية فلا حكم للقبول في حياة الموصي؛ فيملك الموصي الرجوع عن الوصية قبل موته، وهذا لا خلاف فيه. ولو رد الموصى له قبل موت الموصي، فقد اختلف العلماء في حقه في القبول بعده على قولين: القول الأول: أن له القبول بعده، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة (١). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «(وقبول الوصية بعد الموت حتى لو

стр. 8086

أجازها قبله أو ردها فليس بشيء؛ لأن حكمه، وهو ثبوت الملك، إنما يثبت بعد الموت، فلا اعتبار بما يوجد قبله كما إذا وجد قبل العقد» (١). وجاء في شرح الخرشي: «لو رد الموصى له قبل موت الموصي فله أن يرجع ويقبل بعده قاله مالك» (٢). قال الشافعي: «ولا يكون قبول، ولا رد في وصية، في حياة الموصي، فلو قبل الموصى له قبل موت الموصي، كان له الرد إذا مات، ولو رد في حياة الموصي كان له أن يقبل إذا مات، ويجبر الورثة على ذلك؛ لأن تلك الوصية لم تجب إلا بعد موت الموصي، فأما في حياته فقبوله، ورده، وصمته سواء؛ لأن ذلك فيما لم يملك» (٣). وجاء في الحاوي الكبير: «أن يردها في حياة الموصي، فلا يكون لرده تأثير كما لا يكون لقبوله له لو قبل في هذه الحال تأثير» (٤). وفي الإنصاف: «ولا يثبت الملك للموصى له إلا بالقبول بعد الموت، فأما قبوله ورده قبل الموت: فلا عبرة به» (٥). ° وجه ذلك: الوصية إيجاب معلق بالموت، فيراعى القبول والرد عند وقوع الإيجاب،

стр. 8087

وهو تحقق الموت، ولا معتبر بالقبول والرد قبل وقوع الإيجاب، ولذلك لو مات الموصى له بعد القبول، وقبل موت الموصي، لا يكون ملكًا لورثة الموصى له. جاء في المغني: «أن يردها قبل موت الموصي، فلا يصح الرد ها هنا؛ لأن الوصية لم تقع بعد، فأشبه رد المبيع قبل إيجاب البيع؛ ولأنه ليس بمحل للقبول، فلا يكون محلًا للرد، كما قبل الوصية» (١). القول الثاني: قال زفر: إذا رد الوصية في حال حياة الموصي لم يجز قبوله بعد موته؛ لأن إيجابه كان في حياته، وقد رده، فبطل (٢). وقد رجح ذلك الشيخ أبو زهرة والشيخ أحمد إبراهيم لأمرين: أحدهما: أن في هذا احترامًا لإرادة الموصى له في رده للوصية. الثاني: أنه يمكِّن الموصي من توجيه وصيته وجهة أخرى تحقيقًا للبر الذي يقصده بدلًا من فوات الوصية على الموصي، إذا استمر الرد بعد موته (٣). ونسب الماوردي في الحاوي للحنفية، أن الرد يصح في حياة الموصي، ولا يصح القبول؛ لأن الرد أوسع حكمًا من القبول (٤).

стр. 8088

° الراجح: بعد استعراض الأقوال أجد أن قول الجمهور أقوى من قول زفر؛ ذلك أن الرد غير معتبر شرعًا؛ لأنه لم يصادف محلًا صحيحًا، والمصلحة التي ذكرها الشيخ أبو زهرة يمكن تحقيقها بأن يقول الموصي: الوصية لفلان، فإن لم يقبل فهي لفلان، وبهذا لا تفوت الوصية على الموصي، وكما أن القبول لا يصح إلا بعد الموت، فكذلك الرد، والله أعلم. * * *

стр. 8089

المبحث الرابع في رد الوصية بعد القبول رد الوصية له ثلاثة أحوال: الحال الأول: [م-١٦١٨] أن يكون الرد في حياة الموصي، فهذه اختلف فيها الفقهاء: القول الأول: لا عبرة بالرد مطلقًا، سواء أكان قبل القبول، أم بعده، ويمكن للموصى له أن يقبل بعد موت الموصي، وهذا قول عامة الفقهاء. القول الثاني: قال زفر إذا رد الوصية في حال حياة الموصي لم يجز قبوله بعد موته؛ لأن إيجابه كان في حياته وقد رده فبطل (١). وقد سبق بحث هذه المسألة في المبحث السابق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. الحال الثانية: [م-١٦١٩] أن يكون الرد بعد موت الموصي، وقبل القبول، فهذه وقع فيها خلاف بين العلماء: القول الأول: أنه يسقط حقه في الوصية عند جمهور العلماء؛ ويستقر الملك للورثة في

стр. 8090

الموصى به؛ لأن الموصى له قد أسقط حقه في حالة يملك قبوله وأخذه (١). ° حجة هذا القول: الدليل الأول: الإجماع على صحة الرد بعد موت الموصي. قال ابن قدامة: أن يردها بعد الموت، وقبل القبول، فيصح الرد، وتبطل الوصية، لا نعلم فيه خلافًا» (٢). وقال في الإنصاف: «وإن ردها بعد موته: بطلت أيضًا بلا نزاع» (٣). الدليل الثاني: أن الوصي إذا مات كان وقتًا لقبول الوصية بالاتفاق، فما كان وقتًا للقبول كان وقتًا للرد. الدليل الثالث: القياس على الشفيع إذا عفى عن شفعته بعد البيع (٤). القول الثاني: أنه لا يملك الرد بعد الموت، وهو رواية في مذهب الحنابلة حيث قالوا
следующие страницы →