← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

أجازها قبله أو ردها فليس بشيء؛ لأن حكمه، وهو ثبوت الملك، إنما يثبت بعد الموت، فلا اعتبار بما يوجد قبله كما إذا وجد قبل العقد» (١). وجاء في شرح الخرشي: «لو رد الموصى له قبل موت الموصي فله أن يرجع ويقبل بعده قاله مالك» (٢). قال الشافعي: «ولا يكون قبول، ولا رد في وصية، في حياة الموصي، فلو قبل الموصى له قبل موت الموصي، كان له الرد إذا مات، ولو رد في حياة الموصي كان له أن يقبل إذا مات، ويجبر الورثة على ذلك؛ لأن تلك الوصية لم تجب إلا بعد موت الموصي، فأما في حياته فقبوله، ورده، وصمته سواء؛ لأن ذلك فيما لم يملك» (٣). وجاء في الحاوي الكبير: «أن يردها في حياة الموصي، فلا يكون لرده تأثير كما لا يكون لقبوله له لو قبل في هذه الحال تأثير» (٤). وفي الإنصاف: «ولا يثبت الملك للموصى له إلا بالقبول بعد الموت، فأما قبوله ورده قبل الموت: فلا عبرة به» (٥). ° وجه ذلك: الوصية إيجاب معلق بالموت، فيراعى القبول والرد عند وقوع الإيجاب،

стр. 8087

وهو تحقق الموت، ولا معتبر بالقبول والرد قبل وقوع الإيجاب، ولذلك لو مات الموصى له بعد القبول، وقبل موت الموصي، لا يكون ملكًا لورثة الموصى له. جاء في المغني: «أن يردها قبل موت الموصي، فلا يصح الرد ها هنا؛ لأن الوصية لم تقع بعد، فأشبه رد المبيع قبل إيجاب البيع؛ ولأنه ليس بمحل للقبول، فلا يكون محلًا للرد، كما قبل الوصية» (١). القول الثاني: قال زفر: إذا رد الوصية في حال حياة الموصي لم يجز قبوله بعد موته؛ لأن إيجابه كان في حياته، وقد رده، فبطل (٢). وقد رجح ذلك الشيخ أبو زهرة والشيخ أحمد إبراهيم لأمرين: أحدهما: أن في هذا احترامًا لإرادة الموصى له في رده للوصية. الثاني: أنه يمكِّن الموصي من توجيه وصيته وجهة أخرى تحقيقًا للبر الذي يقصده بدلًا من فوات الوصية على الموصي، إذا استمر الرد بعد موته (٣). ونسب الماوردي في الحاوي للحنفية، أن الرد يصح في حياة الموصي، ولا يصح القبول؛ لأن الرد أوسع حكمًا من القبول (٤).

стр. 8088

° الراجح: بعد استعراض الأقوال أجد أن قول الجمهور أقوى من قول زفر؛ ذلك أن الرد غير معتبر شرعًا؛ لأنه لم يصادف محلًا صحيحًا، والمصلحة التي ذكرها الشيخ أبو زهرة يمكن تحقيقها بأن يقول الموصي: الوصية لفلان، فإن لم يقبل فهي لفلان، وبهذا لا تفوت الوصية على الموصي، وكما أن القبول لا يصح إلا بعد الموت، فكذلك الرد، والله أعلم. * * *

стр. 8089

المبحث الرابع في رد الوصية بعد القبول رد الوصية له ثلاثة أحوال: الحال الأول: [م-١٦١٨] أن يكون الرد في حياة الموصي، فهذه اختلف فيها الفقهاء: القول الأول: لا عبرة بالرد مطلقًا، سواء أكان قبل القبول، أم بعده، ويمكن للموصى له أن يقبل بعد موت الموصي، وهذا قول عامة الفقهاء. القول الثاني: قال زفر إذا رد الوصية في حال حياة الموصي لم يجز قبوله بعد موته؛ لأن إيجابه كان في حياته وقد رده فبطل (١). وقد سبق بحث هذه المسألة في المبحث السابق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. الحال الثانية: [م-١٦١٩] أن يكون الرد بعد موت الموصي، وقبل القبول، فهذه وقع فيها خلاف بين العلماء: القول الأول: أنه يسقط حقه في الوصية عند جمهور العلماء؛ ويستقر الملك للورثة في

стр. 8090

الموصى به؛ لأن الموصى له قد أسقط حقه في حالة يملك قبوله وأخذه (١). ° حجة هذا القول: الدليل الأول: الإجماع على صحة الرد بعد موت الموصي. قال ابن قدامة: أن يردها بعد الموت، وقبل القبول، فيصح الرد، وتبطل الوصية، لا نعلم فيه خلافًا» (٢). وقال في الإنصاف: «وإن ردها بعد موته: بطلت أيضًا بلا نزاع» (٣). الدليل الثاني: أن الوصي إذا مات كان وقتًا لقبول الوصية بالاتفاق، فما كان وقتًا للقبول كان وقتًا للرد. الدليل الثالث: القياس على الشفيع إذا عفى عن شفعته بعد البيع (٤). القول الثاني: أنه لا يملك الرد بعد الموت، وهو رواية في مذهب الحنابلة حيث قالوا

стр. 8091

يملكها بلا قبول كميراث (١). وهو قول زفر من الحنفية حيث رأى أن الوصية تدخل في ملك الموصى له بعد موت الموصي جبرًا كالإرث، ولا تفتقر إلى قبول (٢). جاء في تحفة الفقهاء: «وعند زفر القبول ليس بشرط، ولا ترتد بالرد كالميراث» (٣). وحكاه ابن عبد الحكم عن الشافعي حيث قال: إن الوصية تدخل في ملك الموصى له بموت الموصي قبل أو لم يقبل كالميراث، وأنكره بعض الشافعية، وذكروا بأنه لا يعرف عن الشافعي (٤). ° الراجح: أنه لا يجبر على القبول، وهناك فرق بين الوصية وبين الميراث بيناه فيما سبق. الحال الثالثة: [م-١٦٢٠] أن يكون الرد بعد موت الموصي، وبعد قبوله، وقبضه، فهذا لا يملك الموصى له الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فأشبه رده لسائر أملاكه، إلا أن يرضى الورثة بذلك، فتكون هبة منه لهم، تفتقر إلى شروط الهبة (٥).

стр. 8092

الحال الرابعة: [م-١٦٢١] أن يكون الرد بعد القبول، وقبل القبض، فقد اختلف العلماء في ذلك: القول الأول: يصح الرد بشرط التراضي، ويكون قبول الرد فسخًا للوصية، ويقوم الورثة مقام الميت في قبول الفسخ، أو رفضه؛ لأن الفسخ بعد اللزوم لا يكون إلا بالرضا، وتكون الوصية لجميع الورثة على قدر ميراثهم كما لو كان على الميت دين فوهبه الدائن للورثة أو لبعضهم فهو هبة لهم كلهم كأنه وهبه للميت. جاء في المبسوط: «وإذا أوصى رجل بوصية، فقبلها بعد موته، ثم ردها على الورثة، فرده جائز إذا قبلوا ذلك؛ لأن الرد عليهم فسخ للوصية، وهم قائمون مقام الميت، ولو تصور منه الرد على الميت كان ذلك صحيحًا إذا قبله، فكذلك إذا ردها على الورثة الذين يقومون مقامه، وهذا لأن فسخ العقد معتبر بالعقد، فإذا كان أصل ذا العقد يتم بالإيجاب والقبول، كذلك يجوز فسخه بالتراضي ..... » (١). القول الثاني: يصح الرد مطلقًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره القاضي وابن عقيل من الحنابلة (٢).

стр. 8093

جاء في الإنصاف: «وقيل: يصح رده مطلقا. اختاره القاضي، وابن عقيل» (١). وقال العمراني في البيان: «إذا رد بعد القبول وقبل القبض .. فهل يصح الرد؟ فيه وجهان: ...... الثاني: يصح رده، وهو المنصوص عليه؛ لأن ملكه لم يستقر عليها بالقبض، فصح الرد، وإن كان القبض غير معتبر، كما لو وقف وقفًا على رجل .. فإن القبول فيه غير معتبر، ثم لو رد الموقوف عليه الوقف .. لبطل الوقف عليه، فكذلك هذا مثله» (٢). وضعفه إمام الحرمين في نهاية المطلب، وقال: «وهذا ضعيف لا مستند له من أثر ولا معنى، فلست أعتد به» (٣). ° وجه القول بذلك: أن الملك لا يستقر إلا بالقبض، فإذا رد بعد قبوله وقبل قبضه صح الرد. القول الثالث: لا يصح الرد، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وهو قول في مذهب المالكية حتى لم يصححوا الرد إلا على سبيل الهبة للورثة (٤).

стр. 8094

جاء في الإنصاف: «لو ردها بعد قبوله، وقبل القبض: لم يصح الرد مطلقا. على الصحيح من المذهب .... » (١). وقال إمام الحرمين: «إذا قبل الموصى له الوصية، ثبت ملكه في الموصى به، ولم يتوقف حصوله على القبض والتسليم، بخلاف الهبات. ثم الذي قطع به المراوزة: أن الموصى له لو حاول رد الوصية بعد قبولها وقبل القبض لم يكن له ردها، ولو ردها، لم ترتد؛ فإن المنح والتبرعات إذا أفضت إلى تحصيل الملك، لم تقبل الفسخ والنقض، والرجوع الذي أثبته الشرع في الهبات في حق بعض الناس في حكم تملك جديد أثبته الشرع» (٢). وفارقت الوصية الهبة في اشتراط القبض: فالإقباض من جهة الموصي متعذر، لموته، وقبل موته لم تلزم الوصية. والوارث ليس مالكًا للموصى به حتى تتوقف صحة الوصية على إقباضه وتسليمه، فحقه في مال المورث مؤخر عن الوصية والدين، لهذا لم تتوقف صحة الهبة على الإقباض، وإذا ملكها بالقبول لم يصح الرد إلا أن يشاء الورثة، والله أعلم. القول الرابع: يصح الرد في المكيل والموزون بعد قبوله وقبل قبضه، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٣).

стр. 8095

° وجه ذلك: أن المكيل والموزون يحتاج إلى كيل ووزن لثبوت الملك، فإذا رده قبل ذلك صح، لعدم استقرار الملك (١). جاء في المغني: «أن يرد بعد القبول وقبل القبض، فينظر؛ فإن كان الموصى به مكيلًا أو موزونًا صح الرد؛ لأنه لا يستقر ملكه عليه قبل قبضه، فأشبه رده قبل القبول، وإن كان غير ذلك، لم يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فهو كالمقبوض» (٢). ° الراجح: أن الملك في الوصية يثبت بمجرد القبول، ولا يتوقف على القبض كالهبة، من غير فرق بين ما يفتقر إلى الكيل والوزن وغيره، وإذا ثبت ملكه فيها لم يصح الرد إلا برضا الورثة؛ لأنها تكون هبة مبتدأة منه للورثة، تفتقر إلى شروط الهبة، وليست فسخًا للوصية وإقالة من الورثة؛ لأن الورثة لم يوجبوا الوصية حتى تكون الإقالة منهم كما يراه الحنفية، والله أعلم. قال السرخسي: «إذا مات الموصي، فإن قبل الموصى له الوصية، فالملك له في الموصى به قبضه أو لم يقبضه؛ لأنه بمجرد القبول يلزم العقد على وجه لا يملك أحد إبطاله فيثبت حكمه، وهو الملك بخلاف الهبة بعد القبول وقبل القبض» (٣).

стр. 8096

ونص الماوردي في الحاوي على الفروق بين الوصية والهبة، فذكر منها: (١) ـ «تمام الوصية بالقبول دون القبض، وتمام الهبة بالقبض» (١). وذكر السيوطي الوصية من العقود التي لا يشترط فيها القبض، لا في صحتها، ولا في لزومها، ولا في استقرارها (٢). وقال ابن رجب: «الوصية تملك بدون القبض، والهبة والصدقة فيهما خلاف» (٣). وأما المالكية فلا يفرقون بين الهبة والوصية فكلاهما يلزمان بالقبول دون القبض. (٢) ـ أن القبول لو كان ركنًا في الوصية لوجب صدوره في مجلس العقد، ولوجب اتصاله بالإيجاب، وحصول القبول في حياة الموصي لا أثر له في لزوم الوصية، وثبوت الملك، مما يدل على أن الوصية انعقدت في الإيجاب، إلا إذا صدر بعد موت الموصي، حتى لو مات الموصى له بعد القبول، قبل موت الموصي، فإن الوصية لا يكون ملكًا لورثة الموصى له (٤). * * *

стр. 8097

المبحث الخامس في شروط القبول الشرط الأول في اشتراط الأهلية من القابل [م-١٦٢٢] يشترط في قابل الوصية أهلية القبول. والأهلية في الاصطلاح: عبارة عن صلاحيته لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، وهي الأمانة التي أخبر الله بحمل الإنسان إياها بقوله تعالى ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وهي ضربان: أهلية الوجوب: أي صلاحيته لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه. فكل إنسان صالح لأن تكون له حقوق، وعليه واجبات، وتثبت له هذه الأهلية من وقت ميلاده، بل من وقت كونه جنيناً إلى وقت موته، فإذا انعدمت أهلية الوجوب انعدمت الشخصية معها، وذلك كالجنين يولد ميتاً. وقد أجمع الفقهاء على ثبوت هذه الأهلية للإنسان منذ ولادته، حتى يكون صالحاً لوجوب الحقوق له وعليه (١). الضرب الثاني: أهلية الأداء: أي صلاحيته لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعاً.

стр. 8098

وهذا هو الذي يعنينا في هذا الباب، فإذا أطلقنا الأهلية فالمقصود بها أهلية الأداء. وأهلية الأداء قد تكون كاملة، وقد تكون ناقصة، وقد تكون معدومة. فالكاملة: هي في حق البالغ الحر الرشيد غير المحجور عليه، فمن اتصف بهذه الصفات تحققت له أهلية الأداء الكاملة، ويكون حراً طليقاً في تصرفاته إلا بما نهى عنه الشرع أو قيده. وتكون الأهلية ناقصة في حق الصبي، والمميز، والسفيه، والعبد، والمحجور عليه لحظ غيره. وتكون معدومة في حق الصبي غير المميز، والمجنون ونحوهما. فإذا صدر القبول من شخص يتصف بالأهلية الكاملة: وهو البالغ العاقل فهذا لا شك أن قبوله معتبر في الوصية إذا صدر منه القبول بعد موت الموصي. وأما إذا صدر القبول من شخص فاقد للأهلية، وهو الصبي غير المميز، والمجنون، فهذا لا يتأتى منه قبول ولا رد بالاتفاق؛ لأنه لا قصد له صحيح، فعبارته ملغاة (١). جاء في بدائع الصنائع: «أما المجنون فلا تصح منه التصرفات القولية كلها، فلا يجوز طلاقه، وعتاقه، وكتابته، وإقراره، ولا ينعقد بيعه وشراؤه حتى لا تلحقه الإجازة، ولا يصح منه قبول الهبة، والصدقة، والوصية، وكذا الصبي

стр. 8099

الذي لا يعقل؛ لأن الأهلية شرط جواز التصرف وانعقاده، ولا أهلية بدون العقل» (١). [م-١٦٢٣] وأما إذا صدر القبول من ناقص الأهلية، كالصبي المميز، والمعتوه، والمحجور عليه لسفه، فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح قبضه وقبوله مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة، رجحه ابن قدامة (٢). جاء في المغني: «وإن كان الصبي مميزًا فحكمه حكم الطفل، في قيام وليه مقامه، لأن الولاية لا تزول عنه قبل البلوغ، إلا أنه إذا قبل لنفسه، وقبض لها صح؛ لأنه من أهل التصرف، فإنه يصح بيعه وشراؤه بإذن الولي، فهاهنا أولى. ولا يحتاج إلى إذن الولي هاهنا؛ لأنه محض مصلحة، ولا ضرر فيه، فصح من غير إذن وليه، كوصيته، وكسب المباحات ... » (٣). وذهب الحنفية إلى صحة القبول من ناقص الأهلية؛ لأنه نفع محض، وناقص الأهلية تصح تصرفاته النافعة نفعًا خالصًا دون حاجة إلى إذن الولي السابق، أو إجازته اللاحقة. وأما الرد فلا يصح منه، ولو أذن الولي؛ لأنه ضرر محض (٤).

стр. 8100

جاء في بدائع الصنائع: «وأما الصبي العاقل فتصح منه التصرفات النافعة بلا خلاف، ولا تصح منه التصرفات الضارة المحضة بالإجماع» (١). وفي شرح التلويح على التوضيح: «وأما حقوق العباد، فما كان نفعًا محضًا كقبول الهبة، ونحوه يصح، وإن لم يأذن وليه» (٢). القول الثاني: لا يصح قبضه ولا قبوله، وهذا مذهب الجمهور؛ لنقصان أهليته، فالذي يتولى عنه القبول هو الولي، أو الوصي، أو القيم (٣). جاء في حاشية الدسوقي: «يقوم مقام غير الرشيد أي في القبول وليه، فهو الذي يقبل له، ولا عبرة بقبوله» (٤). وفي نهاية المحتاج: «يشترط فيه قبوله إن كان أهلا، وإلا فقبول وليه عقب الإيجاب أو بلوغ الخبر كالهبة والوصية؛ إذ دخول عين أو منفعة في ملكه قهرًا بغير الإرث بعيد، وهذا هو الذي صححه الإمام وأتباعه وعزاه الرافعي في الشرحين للإمام وآخرين، وصححه في المحرر، ونقله في زيادة الروضة عنه مقتصرا عليه، وهو المعتمد» (٥).

стр. 8101

وجاء في الإنصاف: «لا يصح من المميز قبض الهبة ولا قبولها على الصحيح من المذهب. نص عليه في رواية ابن منصور. وقال في القواعد الأصولية تبعًا للحارثي: هذا أشهر الروايتين، وعليه معظم الأصحاب» (١). ولعل المقصود بأنه لا يصح ذلك بدون إذن الولي، فإن أذن الولي صح، كما قال ذلك المالكية والحنابلة في البيع، وهو أخطر من عقود التبرعات (٢). وصحح الماوردي قبوله بإذن الولي بعد اجتهاده في أن أحظ الأمرين هو التملك (٣). وجاء في مطالب أولي النهى: «ولا يصح من مميز وسفيه قبول هبة، ووصية بلا إذن ولي لهما؛ كالبيع؛ هذا المذهب» (٤). وجاء في كشاف القناع: «ولا يصح منهما أي: من المميز والسفيه قبول هبة ونحوها ووصية بلا إذن ولي كالبيع» (٥). القول الثالث: يصح قبوله لنفسه ولا يصح قبضه لنفسه إلا بإذن الولي كما قالوا ذلك في البيع والشراء.

стр. 8102

جاء في المغني: «يحتمل أن يقف صحة القبض منه على إذن وليه دون القبول؛ لأن القبض يحصل به مستوليًا على المال، فلا يؤمن تضييعه له وتفريطه فيه، فيتعين حفظه عن ذلك بوقفه على إذن وليه، كقبضه لوديعته. وأما القبول فيحصل له به الملك من غير ضرر، فجاز من غير إذن، كاحتشاشه واصطياده» (١). ° الراجح: الذي أميل إليه إلى أنه يصح قبول الولي للمحجور عليه، ويصح قبوله لنفسه ويكون موقوفًا على إجازة الولي؛ لأن قبول الوصية لا يلزم منه أن يكون الأنفع مطلقًا فقد يحمل قبول الوصية من الصبي نفقات تفوق قيمة الوصية، فإذا كان الأحظ في القبول وجب على وليه القبول له، أما القبض فلا يصح قبضه؛ لأنه قد لا يكون مؤهلًا لحفظ المال، فإن أقبضه غيره كان المقبض ضامنًا إن ضاع منه شيء، والله أعلم. * * *

стр. 8103

الشرط الثاني أن يكون القبول بعد وفاة الموصي [م-١٦٢٤] يشترط في القبول أن يكون بعد وفاة الموصي، فلا عبرة بالقبول في حياة الموصي، ولم أقف على خلاف في المسألة. جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وقبول الوصية بعد الموت حتى لو أجازها قبله أو ردها فليس بشيء؛ لأن حكمه، وهو ثبوت الملك، إنما يثبت بعد الموت، فلا اعتبار بما يوجد قبله كما إذا وجد قبل العقد» (١). وجاء في الشرح الصغير: «ولا بد من كون القبول بعد الموت، فلا ينفعه قبوله قبل موت الموصي، ولا يضره رده في حياة الموصي، فله القبول بعد الموت» (٢). وقال النووي: «ولا يصح قبول ولا رد في حياة الوصي» (٣). وفي الإقناع في فقه الإمام أحمد: «ولا يثبت الملك للموصي له إلا بقبوله بعد الموت ... ولا عبرة بقبوله ورده قبل الموت» (٤). ° وجه ذلك: الوصية إيجاب معلق بالموت فيراعى القبول والرد عند وقوع الإيجاب، وهو

стр. 8104

تحقق الموت، ولا معتبر بالقبول قبل وقوع الإيجاب، ولذلك لو مات الموصى له بعد القبول وقبل موت الموصي لا يكون ملكًا لورثة الموصى له. [م-١٦٢٥] وأما الرد في حياة الموصي ففيه خلاف: القول الأول: لا عبرة بالرد في حياة الموصي، فله القبول بعده، وهذا مذهب الجمهور (١). القول الثاني: قال زفر ﵀ إذا رد الوصية في حال حياة الموصي لم يجز قبوله بعد موته؛ لأن إيجابه كان في حياته وقد رده فبطل (٢). وقد سبق بحث هذه المسألة فأغنى عن إعادتها هنا. * * *

стр. 8105

الشرط الثالث في اشتراط موافقة القبول للإيجاب في عقود المعاوضات يجب أن يوافق القبول الإيجاب من جميع الوجوه، فإن خالفه بأن قبل غير ما أوجبه، أو بعض ما أوجبه، أو بغير ما أوجبه فلا ينعقد العقد (١). فلو أوجب البيع في السيارتين بمائة ألف، فقال المشتري: قبلت في هذه السيارة بخمسمائة. لم ينعقد البيع؛ لأن ذلك رد للإيجاب، وليس قبولاً له. وقد سبق تفصيل ذلك في عقد البيع فارجع إليه إن شئت. [م-١٦٢٦] وأما عقد الوصية، فهل يشترط موافقة القبول للإيجاب، أو يجوز أن يكون القبول لبعض الوصية دون بعض؟ وللجواب على ذلك نقول: إذا اشترط الموصي هذه الموافقة صراحة، أو ظهر هذا الاشتراط من صيغة الوصية اعتبر شرطه؛ لأن شرط الموصي كشرط الواقف في الاعتبار. [م-١٦٢٧] إما إذا لم يشترط ذلك في صيغة الوصية فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين.

стр. 8106

القول الأول: أنه يشترط موافقة القبول للإيجاب، فلو أراد الموصى له أن يقبل بعض الوصية ويرد بعضها لم يصح، وهذا مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب الشافعية (١). جاء في بدائع الصنائع: «أما الذي يرجع إلى نفس الركن: فهو أن يكون القبول موافقا للإيجاب، فإن خالف الإيجاب لم يصح القبول؛ لأنه إذا خالفه لم يرتبط فبقي الإيجاب بلا قبول فلا يتم الركن، وبيان ذلك إذا قال لرجلين: أوصيت بهذه الجارية لكما فقبل أحدهما بعد موت الموصي، ورد الآخر لم يصح القبول؛ لأنه أوصى لهما جميعا فكان وصية لكل، واحد منهما بنصف الجارية. وكانت الجارية بينهما لو قبلا فإذا رد أحدهما لم يوجد الشرط، وهو قبولهما جميعا، فبطلت الوصية، ولو أوصى بها لإنسان، ثم أوصى بها لآخر، فقبل أحدهما الوصية بعد موت الموصي، ورد الآخر فالنصف للموصى له، والنصف لورثة الموصي؛ لأنه أوصى لكل واحد منهما على حياله فلا يشترط اجتماعهما في القبول، فإذا رد أحدهما بعد موت الموصي لم يتم الركن في حقه، بل بطل الإيجاب في حقه فعاد نصيبه إلى ورثة الموصي فصح القبول من الآخر فاستحق نصف الوصية كالشفيعين إذا سلم أحدهما الشفعة بعد قضاء القاضي بالشفعة أن ذلك النصف يكون للمشتري، ولا يكون للشفيع الآخر» (٢).

стр. 8107

جاء في نهاية المطلب: «من أوصى لإنسان بوصية خارجة من الثلث، فقبل الموصى له بعضها، ورد بعضها، فيجوز أن يقال: يصح ذلك، ويجوز أن يقال: لا يصح. ووجه المنع: تشبيه قبول الوصية بالقبول في الهبة، ولو قبل الموهوب له الهبة في بعض ما وهب منه لم يصح القبول في شيء. ومن فرق: تمسك بما أشرنا إليه من الفرق بين قبول الوصايا وبين القبول في الهبة وغيرها من العقود، وسنذكر أن الموصى له إذا مات قبل القبول، وخلف ذرية، فقبل بعضهم ورد بعضهم، فالقبول قد يثبت في حق من قبل، وإن تضمن تبعيضا في الوصية» (١). القول الثاني: يصح أن يكون القبول مخالفًا للإيجاب، فلو قبل البعض ورد البعض صح القبول. وهذا قول في مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة (٢). ورجح الخطيب القول بالصحة، وبين الفرق بين الوصية وبين البيع بأن البيع من عقود المعاوضة فلا يصح أن يخالف القبول الإيجاب بخلاف الوصية والهبة فهي من عقود التبرعات فيغتفر فيهما ما لا يغتفر في عقد البيع (٣).

стр. 8108

وذكر الحنابلة بأن الموصى له لو مات قبل القبول قام وارثه مقامه، فإن كانوا جماعة وقبل بعضهم ورد بعضهم فلكل حكمه، وهذا تبعيض للقبول (١). ° الراجح: الذي أراه أنه يجوز قبول بعض الوصية ورد بعضها، وتبطل بالنسبة للمردودة، كما يجوز للموصى لهم إذا كانوا أكثر من شخص أن يقبل بعضهم، ويرد بعضهم، والله أعلم. * * *

стр. 8109

الشرط الرابع في اشتراط الفورية في القبول القبول في الوصية على التراخي. تكلمنا عن منزلة القبول في عقد الوصية، فمن رأى أن عقد الوصية لا يفتقر إلى قبول، وأنها تدخل في ملك الموصى له بغير قبول ولا اختيار كالميراث، فهذا لا يحتاج إلى بحث اشتراط الفورية في القبول. ومن قال: إن عقد الوصية لا يترتب عليه أثره إلا إذا قبل بذلك الموصى له بعد موت الموصي على خلاف بينهم هل القبول ركن، أو شرط ثبوت الملك للموصى له، فهذا البحث يتنزل على هذا القول. [م-١٦٢٨] وإذا كان لابد من القبول فهل يشترط فيه الفورية، أو يصح أن يقع على التراخي؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن القبول على التراخي، ولا تشترط الفورية مطلقًا، وهذا قول جمهور الفقهاء (١). لأن الفور عرفًا إنما يشترط في العقود المنجزة التي يرتبط القبول فيها بالإيجاب كالبيع، وليست الوصية منها.

стр. 8110

قال ابن نجيم: «وإذا وقع اليأس من القبول اعتبرت ميراثًا» (١). وجاء في مواهب الجليل: «ولو تراخى القبول عن الإيجاب لم يضر» (٢). وقال إمام الحرمين: «ولا يشترط مبادرة القبول من الموصى له ... ولكن الخيار إليه في التأخير والتعجيل» (٣). إلا أن الشافعية قالوا: إن للوارث الحق في مطالبة الموصى له بالقبول أو الرد، فإن امتنع بعد المطالبة، كان امتناعه رداً للوصية. وقال الحنابلة: إن امتنع من قبول أو رد حكم عليه بالرد. جاء في مغني المحتاج: «وللوارث مطالبة الموصى له بالقبول أو الرد، فإن امتنع حكم عليه بالرد» (٤). وفي الإنصاف: «لو امتنع من القبول أو الرد حكم عليه بالرد، وسقط حقه من الوصية» (٥). ° وجه القول بذلك: أن الملك متردد بين الموصى له وبين الورثة، فكما أن المتحجر أرضًا إذا امتنع من إحيائها فإنه يجبر على ذلك أو تنزع منه، وكذلك من وقف في مشرعة ماء، فلم يشرب ولم ينصرف، فإنه يجبر على الشرب أو الانصراف، فكذلك هنا (٦).

стр. 8111

القول الثاني: أن القبول على التراخي ما لم تقسم التركة، وتنفذ الوصايا، فإن جاء وقت قسمة التركة وإنفاذ الوصايا، وعلم الموصى له بالوصية فإن قبوله على الفور، فإما أن يقبل وإما أن يبطل حقه في الوصية، اختاره بعض الشافعية (١). القول الثالث: أن القبول بعد علمه على الفور قياسًا على الهبة، اختاره بعض الشافعية (٢). ° والراجح: أن القبول في الوصية والهبة على التراخي إلا أن المتضرر له أن يرفع الأمر إلى الحاكم ليجبره على الأخذ أو الرد، والله أعلم.

стр. 8112

المبحث السادس في رجوع الموصي عن الوصية [م-١٦٢٩] يجوز للموصي الرجوع عن الوصية ما دام حيًا، فإذا مات لزمت تلك الوصية، فليس لغيره أن يغير شيئًا من ذلك، وهذا باتفاق الأئمة واختلفوا في الوصية بالعتق، والأكثر على صحة الرجوع (١). قال العيني: «اجتمع أهل العلم على جواز الرجوع للموصي في جميع ما أوصى كله، أو بعضه» (٢). وقال ابن عرفة: «يجوز رجوع الموصي عن وصيته إجماعًا في صحة أو مرض» (٣). ويكون الرجوع عن الوصية بالقول: كأن يقول: رجعت عن الوصية، أو أبطلتها، أو نقضتها، أو فسختها، ونحو ذلك. ويكون بالفعل الدال عليه كأن يقوم الموصي بالتصرف في الموصى به تصرفًا يدل على رجوعه عن الوصية، كبيعه وهبته، وإعتاقه، واستهلاكه، وبذبح الشاة الموصى بها، وخلط الموصى به بغيره خلطًا يعسر تمييزه، ونحو ذلك.

стр. 8113

جاء في تبيين الحقائق: «وله الرجوع عن الوصية قولًا وفعلًا، بأن باع، أو وهب، أو قطع الثوب، أو ذبح الشاة» (١). وقال ابن الهمام: «ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية» (٢). وقال الباجي: «عقد الوصية عقد جائز غير لازم، وله أن يغير من ذلك ما شاء، ويبطل منه ما شاء من غير عوض، أو يعوض منه غيره في صحته، أو مرضه، ما لم يمت فإذا مات فقد لزمت تلك الوصية، فليس لغيره أن يغير شيئًا من ذلك، ولا يبطله ولا يبدله بغيره» (٣). واستثنى المالكية من جواز الرجوع ما لو اشترط على نفسه عدم الرجوع في وصيته، أو فهم عنه إيجاب ذلك على نفسه بأنه لا يملك الرجوع، وتكون كالتدبير (٤). ° وجه كون عقد الوصية جائزًا: الوجه الأول: أن عقد الوصية عقد تبرع لم يتم، فجاز الرجوع عنه كالهبة قبل القبض بل هو أولى. الوجه الثاني: أن القبول يتوقف على الموت، والإيجاب يصح إبطاله قبل القبول كما في البيع.

стр. 8114

واختلف العلماء في صحة الرجوع عن الوصية بالعتق على قولين: القول الأول: يصح الرجوع عن الوصية ولو كانت بالعتق، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١). قال العيني: «الإعتاق إذا أوصى به، فالأكثرون على جواز الرجوع في الوصية، وهو قول الأئمة الأربعة، وعطاء، وجابر بن زيد، والزهري، وقتادة، وإسحاق وأبي ثور» (٢). وجاء في المدونة: «قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا، أن الموصي إذا أوصى في صحته، أو في مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه، فإنه يغير من ذلك ما بدا له، ويصنع في ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أحب أن يطرح ذلك الوصية ويبدل غيرها فعل» (٣). وفي القوانين الفقهية: «وليس للسيد الرجوع في التدبير بخلاف الوصية بالعتق فله الرجوع فيها» (٤).

стр. 8115

وقال الشافعي: «المدبر وصية يرجع فيه صاحبه متى شاء» (١). وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن للموصي أن يرجع في جميع ما أوصى به، وفي بعضه، إلا الوصية بالإعتاق. والأكثرون على جواز الرجوع في الوصية به أيضًا ... وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور» (٢). ° دليل من قال: يجوز الرجوع عن الوصية بالعتق: الدليل الأول: (ث-٢٠٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن بن شعيب، عن عبد الله بن الحارث بن أبي ربيعة، أو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال: قلت لعمر: شيء يصنعه أهل اليمن، يوصي الرجل، ثم يغير وصيته. قال: يغير ما شاء من وصيته (٣). [صحيح والراجح فيه أنه عن عبد الله بن الحارث كما رواية قتادة عن عمرو بن شعيب] (٤).

стр. 8116

الدليل الثاني: قياس الوصية بالعتق على سائر الوصايا، ولا دليل على استثناء الوصية بالعتق. الدليل الثالث: الوصية بالعتق عطية تنجز بالموت، فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها، كهبة ما يفتقر إلى القبض قبل قبضه (١). القول الثاني: يغير ما شاء من الوصية إلا العتاقة، وبه قال عطاء والشعبي، وابن شبرمة، والنخعي (٢).

стр. 8117

(ث-٢٠٩) روى ابن أبي شيبة، من طريق جريج، عن عطاء: قال: يغير الرجل من وصيته ما شاء إلا العتاقة (١). [صحيح]. (ث-٢١٠) وروى أيضًا من طريق الشيباني، عن الشعبي قال: كل وصية إن شاء رجع فيها إلا العتاقة. [صحيح] (٢). واستدل القائلون بأنه لا يصح الرجوع بالوصية بالعتق قياسًا على التدبير بجامع أن كلًا منهما عتق بعد الموت. وأجيب: بأن هناك فرقًا بين التدبير وبين الوصية، فالتدبير عقد لازم، والوصية عقد جائز (٣). ولو كانت الوصية بمنزلة التدبير كان كل موص لا يقدر على تغيير وصيته (٤). ولأن التدبير تعليق لعتق على شرط، وهو الموت، فلم يملك تغييره، كتعليقه على صفة في الحياة، والوصية ليست من باب التعليق، وإنما هو تبرع مضاف إلى ما بعد الموت (٥).

стр. 8118

وقال ابن رشد: «والناس في التدبير والوصية على صنفين: منهم من لم يفرق بينهما، ومنهم من فرق بين التدبير والوصية بأن جعل التدبير لازمًا والوصية غير لازمة ... » (١). ° الراجح: أن عقد الوصية يجوز الرجوع فيه مطلقًا سواء كانت الوصية بالعتاقة أو بغيرها؛ لكون الوصية من عقود التبرعات، ولأن ملك الموصي فيها ما زال باقيًا، وإذا كانت العقود اللازمة يجوز العدول فيها عن الإيجاب قبل القبول، فالوصية من باب أولى، والله أعلم. * * *

стр. 8119

المبحث السابع في وقت ثبوت الملكية للموصى له [م-١٦٣٠] الوصية تبرع بإيجاب من الموصي، وقبول من الموصى له المعين، ويشترط في القبول أن يكون بعد الموت، فإن كان عقب الموت مباشرة فلا إشكال، وينتقل الموصى به للموصى له عند القبول. وإن تأخر القبول شهرًا مثلًا، فيحصل خلاف في وقت ملك الوصية: هل يثبت الملك من حين موت الموصي، أو يثبت الملك من صدور القبول من الموصى له؟. وعلى القول بأن الموصى له يملكها من صدور قبوله، فهل هي قبله على ملك الميت، أو على ملك الورثة؟ ويترتب على هذا الخلاف: حكم نماء الموصى به بين الموت والقبول. وإذا كان الموصى به يحتاج إلى نفقة، فهل تكون من مال الموصى له أو من مال الوارث؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أن ملك الوصية موقوف لا يحكم به لأحد، فهي ليست في ملك الوارث، ولا في ملك الموصى له حتى يقبل أو يرد، فإن قبل الموصى له الوصية تبين أن الملك كان ثابتًا له من وقت وفاة الموصي، وإن ردها كان الملك للورثة، وهذا

стр. 8120

مذهب الحنفية، والمشهور في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١). جاء في حاشية ابن عابدين: «إن لم يقبل بعد الموت فهي موقوفة على قبوله، وليست في ملك الوارث، ولا في ملك الموصى له حتى يقبل أو يموت» (٢). وجاء في حاشية الشلبي نقلًا من أتقاني: «فإن لم يقبل بعد الموت فالوصية موقوفة على قبوله، لا تصير في ملكه حتى يقبل، وهي خارجة عن الموصي بموته، ليست في ملك الوارث، ولا في ملك الموصى له حتى يقبل أو يموت، فيكون ما أوصى له لورثته من بعده، وموته كقبوله عند أصحاب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وجعلوا ذلك بمنزلة البيع إذا كان فيه الخيار للمشتري دون البائع، فمات المشتري في الثلاث، فإن البيع يتم وتكون السلعة موروثة عن المشتري ... » (٣). وقال ابن شاس المالكي: «وإذا مات الموصي كان الموصى به موقوفًا، فإن

стр. 8121

قبل تبينا أن العين الموصى بها دخلت في ملكه بموت الموصي، وإن ردها تبينا أنها لم تزل عن ملك الموصي» (١). وقال الزركشي في القواعد: «وملك الموصى له الوصية بعد الموت وقبل القبول، الأصح: أنه موقوف، إن قبل تبينا أنه ملك من حين الموت، وإلا تبينا أنه على ملك الوارث» (٢). وقال إمام الحرمين: «الملك متى يحصل للموصى له في الموصى به؟ ... اختلفت النصوص، وحاصل الأقوال في ذلك ثلاثة: .... القول الثاني -وهو أعدل الأقوال وأمثلها- أن الملك موقوف مراعى، فإن قبل الموصى له، تبينا أن الملك حصل بموت الموصي إسنادًا إليه، وإن تأخر القبول عنه بمدة مديدة، وإن رد، تبينا أن الملك لم يحصل» (٣). ° وجه القول بأن الوصية موقوفة: لا يمكن أن نجعل الوصية ملكًا للميت؛ لأن الميت لا يملك، وقد زال ملكه عن الموصى به بموته. ولم تدخل الوصية في ملك الموصى له؛ لأن ذلك موقوف على قبوله. ولم يملكها الورثة؛ لأن الورثة لا يملكون شيئًا من مال مورثهم إلا بعد

стр. 8122

الوصية والدين. فصارت الوصية موقوفة، فإن قبلها الموصى له تبينا أن ملكه لها ثابت من وفاة الموصي، وإلا صارت ملكًا للورثة. ولأن الموصى له يستفيد الملك من جهة الموصي، وليس من جهة الورثة، فإذا قبل الوصية تبين أنه ملك الموصى به من حين الموت؛ لأن ما وجب انتقاله بالقبول وجب انتقاله من جهة الموجب بالإيجاب، كالبيع والهبة. القول الثاني: يثبت الملك للموصى له من حين القبول، ولا يتقدم الملك على القبول. وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١). قال ابن قدامة: «إذا قَبِل ثبت الملك له من حين القبول في الصحيح من المذهب» (٢). وفي الإنصاف: «وإن قبلها بعد الموت ثبت الملك حين القبول في الصحيح، وهو المذهب، قاله المصنف (ابن قدامة) وغيره وأومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ونصره القاضي وأصحابه ... » (٣).

стр. 8123

وفي قواعد ابن رجب: «ذكر القاضي في خلافه أن ملك الموصى له لا يتقدم القبول .. » (١). وجاء في حاشية العدوي على الخرشي نقلًا عن بعض المالكية: «أن الغلة الحادثة بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له تكون للورثة كلها، ولا يأخذ منها الموصى له شيئًا» (٢). وقال ابن شاس: «ومن أصحابنا من يقول: إن العين الموصى به باقية على حكم ملك الميت» (٣). ° وجه هذا القول: الأمر مبني على مقدمتين ونتيجة: المقدمة الأولى: الملك في الوصية متوقف على القبول. المقدمة الثانية: القبول في الوصية سبب أو شرط لانتقال الملك. والنتيجة: الانتقال يجب أن يتأخر عن القبول؛ لأن الشيء لا يتقدم على سببه، ولا على شرطه. ولأن كل تمليك اعتبر القبول فيه وجب أن يكون القبول مؤثرًا في تحصيل الملك، حتى لا يتقدم حصول الملك عليه، وأيضًا فإن إدخال الأشياء في أملاك الناس قهرًا من غير ولاية بعيد عن قاعدة الشريعة.

стр. 8124

ويشكل على هذا القول: أن النماء في الوصية من ولد وثمرة، وما يجب من نفقة إن قلنا: إن ملك الموصى له من حين القبول، فمن يملك هذا النماء: فلا يصح أن يقال إنه ملك للميت؛ لأن هذا النماء حدث بعد موته، والميت لا يملك. ولا يصح أن يقال: إنه ملك للورثة، فإن ملك الورثة يأتي بعد الوصية والدين، والله أعلم. ويجاب عن هذا الإشكال: بأنه لو رد الوصية فإنها ترجع للورثة، والورثة إنما استحقوها؛ لأنها في الأصل رجعت في ملك مورثهم. وهذا الرجوع في ملك المورث يدل على أن الموصى به لم ينفصل عن ملك المورث أصلًا، وعليه فإن النماء تبع لأصله، فإن قبل الموصى له الوصية امتلك الأصل والنماء، وإن لم يقبلها رجع إلى ملك المورث، وهذا يعني استحقاق الورثة. القول الثالث: يثبت الملك للموصى له بموت الموصي. اختاره زفر من الحنفية، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).

стр. 8125

جاء في منهاج الطالبين: «وهل يملك الموصى له بموت الموصِي، أم بقبوله، أم موقوف، فإن قَبِلَ بان أنه مَلَكَ بالموت، وإلا بان للوارث: أقول، أظهرها الثالث» (١). وقال إمام الحرمين: «حاصل الأقوال في ذلك ثلاثة: أحدها: أن الملك يحصل بموت الموصي من قبل القبول، ولكن لزومه منوط بالقبول، فإن قبل الموصى له، لزم الملك، واستقر إذاً ... وإن رد، انقطع الملك بعد ثبوته ... » (٢). وجاء في قواعد ابن رجب: «الملك للموصى له: إما بالموت بمجرده من غير قبول، أو بالموت مراعى بالقبول، أو بالقبول من حينه دون ما قبله» (٣). القول الرابع: أن المعتبر في تنفيذ الوصية وقت الموت ووقت القبول معًا، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية. جاء في حاشية الدسوقي: «الخلاف في أن المعتبر في تنفيذ الوصية، هل هو وقت قبول المعين لها؟ إذ مقتضى كون قبول المعين بعد الموت شرطًا في تنفيذ
следующие страницы →