← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

قبل تبينا أن العين الموصى بها دخلت في ملكه بموت الموصي، وإن ردها تبينا أنها لم تزل عن ملك الموصي» (١). وقال الزركشي في القواعد: «وملك الموصى له الوصية بعد الموت وقبل القبول، الأصح: أنه موقوف، إن قبل تبينا أنه ملك من حين الموت، وإلا تبينا أنه على ملك الوارث» (٢). وقال إمام الحرمين: «الملك متى يحصل للموصى له في الموصى به؟ ... اختلفت النصوص، وحاصل الأقوال في ذلك ثلاثة: .... القول الثاني -وهو أعدل الأقوال وأمثلها- أن الملك موقوف مراعى، فإن قبل الموصى له، تبينا أن الملك حصل بموت الموصي إسنادًا إليه، وإن تأخر القبول عنه بمدة مديدة، وإن رد، تبينا أن الملك لم يحصل» (٣). ° وجه القول بأن الوصية موقوفة: لا يمكن أن نجعل الوصية ملكًا للميت؛ لأن الميت لا يملك، وقد زال ملكه عن الموصى به بموته. ولم تدخل الوصية في ملك الموصى له؛ لأن ذلك موقوف على قبوله. ولم يملكها الورثة؛ لأن الورثة لا يملكون شيئًا من مال مورثهم إلا بعد

стр. 8122

الوصية والدين. فصارت الوصية موقوفة، فإن قبلها الموصى له تبينا أن ملكه لها ثابت من وفاة الموصي، وإلا صارت ملكًا للورثة. ولأن الموصى له يستفيد الملك من جهة الموصي، وليس من جهة الورثة، فإذا قبل الوصية تبين أنه ملك الموصى به من حين الموت؛ لأن ما وجب انتقاله بالقبول وجب انتقاله من جهة الموجب بالإيجاب، كالبيع والهبة. القول الثاني: يثبت الملك للموصى له من حين القبول، ولا يتقدم الملك على القبول. وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١). قال ابن قدامة: «إذا قَبِل ثبت الملك له من حين القبول في الصحيح من المذهب» (٢). وفي الإنصاف: «وإن قبلها بعد الموت ثبت الملك حين القبول في الصحيح، وهو المذهب، قاله المصنف (ابن قدامة) وغيره وأومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ونصره القاضي وأصحابه ... » (٣).

стр. 8123

وفي قواعد ابن رجب: «ذكر القاضي في خلافه أن ملك الموصى له لا يتقدم القبول .. » (١). وجاء في حاشية العدوي على الخرشي نقلًا عن بعض المالكية: «أن الغلة الحادثة بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له تكون للورثة كلها، ولا يأخذ منها الموصى له شيئًا» (٢). وقال ابن شاس: «ومن أصحابنا من يقول: إن العين الموصى به باقية على حكم ملك الميت» (٣). ° وجه هذا القول: الأمر مبني على مقدمتين ونتيجة: المقدمة الأولى: الملك في الوصية متوقف على القبول. المقدمة الثانية: القبول في الوصية سبب أو شرط لانتقال الملك. والنتيجة: الانتقال يجب أن يتأخر عن القبول؛ لأن الشيء لا يتقدم على سببه، ولا على شرطه. ولأن كل تمليك اعتبر القبول فيه وجب أن يكون القبول مؤثرًا في تحصيل الملك، حتى لا يتقدم حصول الملك عليه، وأيضًا فإن إدخال الأشياء في أملاك الناس قهرًا من غير ولاية بعيد عن قاعدة الشريعة.

стр. 8124

ويشكل على هذا القول: أن النماء في الوصية من ولد وثمرة، وما يجب من نفقة إن قلنا: إن ملك الموصى له من حين القبول، فمن يملك هذا النماء: فلا يصح أن يقال إنه ملك للميت؛ لأن هذا النماء حدث بعد موته، والميت لا يملك. ولا يصح أن يقال: إنه ملك للورثة، فإن ملك الورثة يأتي بعد الوصية والدين، والله أعلم. ويجاب عن هذا الإشكال: بأنه لو رد الوصية فإنها ترجع للورثة، والورثة إنما استحقوها؛ لأنها في الأصل رجعت في ملك مورثهم. وهذا الرجوع في ملك المورث يدل على أن الموصى به لم ينفصل عن ملك المورث أصلًا، وعليه فإن النماء تبع لأصله، فإن قبل الموصى له الوصية امتلك الأصل والنماء، وإن لم يقبلها رجع إلى ملك المورث، وهذا يعني استحقاق الورثة. القول الثالث: يثبت الملك للموصى له بموت الموصي. اختاره زفر من الحنفية، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).

стр. 8125

جاء في منهاج الطالبين: «وهل يملك الموصى له بموت الموصِي، أم بقبوله، أم موقوف، فإن قَبِلَ بان أنه مَلَكَ بالموت، وإلا بان للوارث: أقول، أظهرها الثالث» (١). وقال إمام الحرمين: «حاصل الأقوال في ذلك ثلاثة: أحدها: أن الملك يحصل بموت الموصي من قبل القبول، ولكن لزومه منوط بالقبول، فإن قبل الموصى له، لزم الملك، واستقر إذاً ... وإن رد، انقطع الملك بعد ثبوته ... » (٢). وجاء في قواعد ابن رجب: «الملك للموصى له: إما بالموت بمجرده من غير قبول، أو بالموت مراعى بالقبول، أو بالقبول من حينه دون ما قبله» (٣). القول الرابع: أن المعتبر في تنفيذ الوصية وقت الموت ووقت القبول معًا، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية. جاء في حاشية الدسوقي: «الخلاف في أن المعتبر في تنفيذ الوصية، هل هو وقت قبول المعين لها؟ إذ مقتضى كون قبول المعين بعد الموت شرطًا في تنفيذ

стр. 8126

الوصية أن يكون المعتبر في تنفيذها وقت القبول، فإذا تأخر القبول حتى حدوث الغلة بعد الموت، فلا يكون شيء منها للموصى له بل كلها للموصي. أو المعتبر في تنفيذها وقت الموت؛ لأن الملك للموصى له بالموت، ومقتضى كون الملك له بالموت أن الغلة المذكورة كلها للموصى له. أو المعتبر في تنفيذها الأمران معًا، وهما وقت القبول، ووقت الموت؛ لكون القبول شرطًا في تنفيذها، والملك بالموت: أقوال ثلاثة. فمن اعتبر في تنفيذها وقت قبول المعين لها فقط قال الغلة كلها للموصي. ومن اعتبر في تنفيذها وقت الموت فقط، قال: كلها للموصى له. ومن راعى الأمرين معا أعطى للموصى له منها ثلثها ومراعاة الأمرين معا هو المشهور وأعدل الأقوال عند سحنون» (١). ثمرة الخلاف: إن قلنا: إن الوصية ملك للموصى له من موت الموصي، فالنماء مهما بلغ فهو ملك للموصى له، ولا يحسب من الثلث؛ لأن النماء حدث على ملك الموصى له. وإن قلنا: إن الوصية لا تدخل ملك الموصى له إلا بعد القبول: فإن كانت الوصية قبل ذلك على ملك الميت، فالنماء يحسب من الثلث، وتوفر به التركة، فما زاد على الثلث لا يملكه الموصى له، بل يرجع إلى مال الوارث.

стр. 8127

وإن كانت الوصية قبل القبول على ملك الورثة، فنماؤه لهم خاصة. وإن قيل: إن المعتبر وقت الموت ووقت القبول، كانت الوصية للموصى له، وكان له ثلث النماء فقط. وخالف الحنفية في النماء، فهم وإن كان المذهب على أن الموصى به موقوف، فإن قبل كان الملك ثابتًا له من وقت وفاة الموصي، وإن ردها كان الملك للورثة، إلا أنهم لم يرتبوا على ذلك ملك النماء، فالنماء عندهم يختلف حكمه قبل قسمة التركة وبعدها: فإن حدث النماء بعد القبول وبعد قسمة التركة كان النماء للموصى له. وأما إن حدث النماء قبل القسمة، ولو كان بعد القبول فالمال كله على ملك الميت بدليل أنه ينفذ وصاياه من المال، وتقضى منه ديونه، وهذا دليل على بقاء ملك الميت للمال (١). ° الراجح: أن الوصية تنعقد بالإيجاب وحده، وأن القبول ليس شرطًا في صحتها، وإنما شرط في لزومها، فإذا مات الموصي لزمت الوصية في حقه، وكان الموصى له مستحقًا للوصية بموجب هذا الإيجاب، فإن قبلها ثبت أن الوصية كانت له من حين الموت، وإن رد فسخت الوصية، هذا ما أميل إليه، والله أعلم. * * *

стр. 8128

المبحث الثامن في إضافة الوصية الإضافة من خصائص الوصية التي لا تنفك عنها. [م-١٦٣١] ذهب عامة الفقهاء إلى صحة إضافة الوصية إلى المستقبل، ذلك أن طبيعة عقد الوصية لا يفيد الملك في الحال، لأنها تبرع مضاف إلى ما بعد الموت، فالإضافة من خصائص الوصية التي لا تنفك عنها (١). ومعنى كون العقد مضافًا إلى المستقبل: أي أن آثار العقد لا يسري مفعولها إلا في المستقبل المضاف إليه. فالوصية تنعقد بإيجاب من الموصي، إلا أن آثارها المترتبة عليها، وهي انتقال الملك إلى الموصى له لا يقع إلا بعد وفاة الموصي، وقبول الموصى له، وهذا معنى إضافتها إلى المستقبل. قال ابن عابدين: وما تصح إضافته إلى الزمان المستقبل: الإجارة .... والإيصاء والوصية ... » (٢). وقال الزيلعي: «والإيصاء: وهو إقامة الشخص مقام نفسه في التصرف بعد الموت، والوصية: وهي تمليك المال بعد الموت، لا يكونان إلا مضافين؛ إذ الإيصاء في الحال لا يتصور» (٣).

стр. 8129

وقال عبد العزيز البخاري الحنفي: «قوله أنت حر بعد موتي إضافة، وليس بتعليق صورة، ولكن فيه معنى التعليق باعتبار تأخر الحكم عن زمان الإيجاب» (١). وفي تكملة رد المحتار: «إذا أوصى بعتق عبده بعد موته، أو قال: هو حر بعد موتي بيوم أو شهر فإنه كسائر الوصايا» (٢). وفي المدونة: «أرأيت لو أن رجلًا أوصى بعتق عبده من بعد موته، أو قال: هو حر بعد موتي بشهر، أو قال: أعتقوه بعد موتي بشهر، ثم مات السيد، أيكون هذا الكلام: قوله أعتقوه، وقوله: هو حر بعد موتي بشهر سواء؟ قال: نعم وهو قول مالك» (٣). وفي المنتقى شرح الموطأ: «قال ابن القاسم في المجموعة: إن قال إن مت فعبدي حر، أو قال بعد موتي بشهر إن مت فأعتقوه فذلك سواء، قال الشيخ أبو محمد: يريد وهي وصية» (٤). فقوله: (بعد موتي بشهر) من إضافة الوصية إلى المستبقل. وقال السبكي: «والوصية يصح تعليقها، فلا يمتنع إضافتها إلى المستقبل» (٥).

стр. 8130

وقال السبكي أيضًا في الأشباه والنظائر: «إذا قال: إن مت فأنت حر بعد موتي بشهر ... يتوقف العتق على انقضاء الشهر، وكذا إذا قال: إن مت فأنت حر إن شئت، الصحيح يوقف العتق على مشيئة العبد بعد موت مولاه» (١). وقال ابن حجر الهيتمي: «إذا قال: أوصيت بثمرة بستاني لفلان، أو لبني فلان عشر سنين، ثم بعد مضيها يكون الأصل والثمرة لفلان صحت الوصيتان على ما ذكره، كما دل عليه كلامهم في مسائل منها: قولهم لو قال استخدموا عبدي سالمًا بعد موتي سنة، ثم أعطوه فلانًا، أو ثم أعتقوه صح، ولا تقوم عليهم خدمة السنة لاستعمالهم ملكهم، وتقوم بعدها» (٢). وفي مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج: «سئل سفيان عن رجل قال: فلان حر بعد موتي بشهر؟ قال: هو من الثلث. قال أحمد: جيد. قال إسحاق: كما قال» (٣). وفي الموسوعة الكويتية: «لا خلاف بين الفقهاء في جواز تعليق الوصية على شرط وإضافتها للمستقبل» (٤). وفي الإجماع نظر، ففي مذهب الحنابلة روايتان في بعض صور إضافة الوصية إلى المستقبل.

стр. 8131

جاء في الإنصاف: «ومنها لو قال: عبدي فلان حر بعد موتي بسنة، فهل يصح ويعتق بعد موته بسنة، أم يبطل على روايتين» (١). إحداهما: لا يعتق؛ لأنه علق عتقه على صفة توجد بعد زوال ملكه فلم يعتق، كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي إياك فأنت حر. والثانية: أنه يعتق لأنه إعتاق بعد الموت، فإذا مات، ومضت المدة فقد تحقق عتقه. قال ابن قدامة: «وإن قال: إن دخلت الدار بعد موتي، فأنت حر. فذكر أبو الخطاب فيها روايتين: إحداهما: لا يعتق، وهو قياس المنصوص عنه في قوله: أنت حر بعد موتي بيوم، أو شهر، فإنه قال: لا يعتق؛ لأنه علق العتق بصفة توجد في ملك غيره، فلم يعتق، كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي إياك، فأنت حر. ولأنه إعتاق له بعد قرار ملك غيره عليه فلم يعتق كالمنجز. والثانية: يعتق، وهو الذي ذكره القاضي .... لأنه صرح بذلك، فحمل عليه كما لو وصى بإعتاقه، وكما لو وصى ببيع سلعة ويتصدق بثمنها، ويفارق التصرف بعد البيع؛ فإن الله تعالى جعل للإنسان التصرف بعد موته في ثلثه، بخلاف ما بعد البيع. والأول أصح، إن شاء الله تعالى. ويفارق الوصية بالعتق وبيع السلعة؛ لأن الملك لا يستقر للورثة فيه، ولا يملكون التصرف فيه، بخلاف مسألتنا» (٢).

стр. 8132

° الراجح: صحة إضافة الوصية على زمن مستقبل كما لو علق الوصية على صفة توجد بعد الموت، والله أعلم. * * *

стр. 8133

المبحث التاسع في تعليق الوصية بالشرط الفرع الأول تعريف التعليق تعريف التعليق: ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى بأداة من أدوات الشرط (١). فيكون تعليق الوصية بالشرط: هو ربط حصول الوصية بواقعة تحتمل الحدوث في المستقبل، كأن يقول: إذا رجعت من الحج هذا العام فقد أوصيت بداري لطلاب العلم، أو إذا ملكت هذه الأرض فهي وصية لعمارة المسجد (٢). فالصيغة المعلقة على شرط لا تنشيء الوصية إلا بعد تحقق هذا الشرط. ويختلف تعليق الوصية بالشرط عن إضافتها إلى الزمن المستقبل: فتعليق الوصية: تعليق إنشاء الوصية على حصول أمر آخر، فإن حصل انعقدت الوصية، وإن لم يحصل فالوصية لم تنعقد أصلًا، كأن يقول: إن حفظت القرآن أوصيت لك بثلث مالي، فقبل الحفظ لم تنعقد الوصية. وأما إضافة الوصية إلى المستقبل، فالوصية تنعقد في الحال، وأثرها لا يوجد إلا في الوقت الذي أضيف إليه، كأن يقول: عبدي حر بعد موتي بشهر، فالنص

стр. 8134

ليس فيه تعليق، فالوصية منعقدة في الحال، وتنفيذ الوصية يتأخر إلى الوقت الذي أضيف إليه. * * *

стр. 8135

المبحث الثاني في حكم تعليق الوصية بالشرط الوصية تحتمل التعليق. المتعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز. [م-١٦٣٢] اختلف العلماء في حكم تعليق الوصية بالشرط على قولين: القول الأول: ذهب الأئمة الأربعة على جواز تعليق الوصية بالشرط (١). جاء في الدر المختار: «قال لمديونه: إذا متُ فأنت برئ من ديني الذي عليك صحت وصيته، ولو قال: إن متَّ لا يبرأ للمخاطرة» (٢). علق ابن عابدين في حاشيته بقوله: «(قوله: صحت وصيته) أي لأن تعليق الوصية بالشرط جائز كما في القنية .... لو قال لمديونه: إن متَّ بفتح التاء فأنت بريء لا تصح؛ لأنه تعليق بخطر: أي والإبراء لا يصح تعليقه بخلاف الوصية» (٣).

стр. 8136

وقال في تنقيح الفتاوى الحامدية: «والحاصل أن مناط الفرق: هو ضم التاء وفتحها في (مت) لا التعليق (بأن) أو (إذا). ووجه الفرق: أنه إذا ضم التاء يكون تمليكًا معلقًا على ما بعد موت المملك فيصح؛ لأنه وصية بخلاف فتحها؛ لأنه لا يمكن أن يكون وصية؛ لأن المعلق عليه موت المديون، لا الدائن المملك، وحينئذ يكون إبراء معلقًا، والإبراء لا يقبل التعليق بالخطر. والمراد بالخطر هنا: المعدوم المترقب الوقوع، وإن كان لا بد من وقوعه، كالموت، ومجيء الغد احترازًا عما لو علق الإبراء بشرط كائن، كقوله لمديونه: إن كان لي عليك دين فقد أبرأتك عنه فإنه يصح كما ذكره العلائي في آخر كتاب الهبة، هذا ما ظهر، والله تعالى أعلم» (١). وصحح في المبسوط أن يوصي للعبد، ويعلق الوصية على عتقه، قال السرخسي: «أن يقول: إذا عتقت فثلث مالي وصية لك، فإن أدى بدل الكتابة، وعتق، ثم مات جازت الوصية؛ لأن المتعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز، وإن لم يؤد حتى مات فهذه الوصية باطلة» (٢). وجاء في الذخيرة: «قال في الكتاب: إن مت من مرضي هذا، أو من سفري هذا، فأنت حر أو لفلان كذا فهي وصية تنفذ إن مات من مرضه ذلك، أو من سفره، فإن صح، أو قدم ولم يغيرها حتى مات لا تنفذ لتقييده لما قد بطل» (٣).

стр. 8137

وفي البيان للعمراني: «يجوز تعليق الوصية على شرط في حياة الموصي، بأن يقول: إن حج فلان في حياتي، أو قدم في حياتي .. فقد أوصيت له بكذا؛ لأن الوصية تصح في المجهول، فصح تعليقها على شرط، كالطلاق والعتاق. ويصح تعليقها على شرط بعد موت الموصي، بأن يقول: إن حج فلان بعد موتي، أو تعلم القرآن وما أشبهه .. فقد أوصيت له بكذا؛ لأن ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة، فإذا جاز تعليق الوصية، على شرط في حالة الحياة .. جاز بعد الموت» (١). جاء في تحفة المحتاج: «يصح تعليق الوصية بالشرط في الحياة أو بعد الموت كأوصيت بكذا له إن تزوج بنتي أو رجع من سفره أو إن مت من مرضي هذا أو إن شاء زيد فشاء أو إن ملكت هذا فملكه» (٢). وفي أسنى المطالب: «ولو قال: أوصيت لزيد بألف إن تبرع لولدي بخمسمائة صحت، وإذا قبل لزم دفعها إليه، قيل: وهي حيلة في الوصية للوارث» (٣). وأرى أن هذه من الحيل المحرمة؛ لأنه يتوصل بها إلى محرم، والله أعلم. واختلف الشافعية في الوصية إذا علقها على الملك قبل تملكها، كما لو قال: أوصيت لك بهذه الدابة، وهي ملك لغيره، ولهم فيها وجهان:

стр. 8138

الأول: تصح الوصية، لأن الوصية إذا صحت بالمعدوم فهذا أولى. جاء في مغني المحتاج: «وكذا لو علق بملكه له، كأن قال: أوصيت به لفلان إن ملكته، فيصير موصى به إذا ملكه» (١). والثاني: لا تصح؛ لأن هذه العين يملك مالكها الوصية بها، فلو صححنا الوصية لأدى إلى أن الشيء الواحد يكون محلًا لتصرف اثنين، وهو ممتنع، وضعفه النووي (٢). جاء في الروضة: «إن أوصى بمال الغير، فقال: أوصيت بهذا العبد، وهو ملك غيره، أو بهذا العبد إن ملكته، فوجهان: أحدهما: تصح؛ لأنها تصح بالمعدوم، فذا أولى. والثاني: لا؛ لأن مالكه يملك الوصية به، والشيء الواحد لا يكون محلًا لتصرف شخصين، وبهذا قطع الغزالي. قلت: الأول أفقه وأجرى على قواعد الباب، والله أعلم» (٣). وفي الهداية على مذهب الإمام أحمد: «ويجوز تعليق الوصية بشرط في حال الحياة وبعد الموت، نحو قوله: إن مت من مرضي هذا فقد وصيت كذا، فإن مات في مرضه وإلا بطلت. ونحو قوله: إن مت بعد خمس سنين فتصدقوا بكذا، فإن مات قبل الخمس سنين بطلت الوصية نص عليه» (٤).

стр. 8139

وقال ابن قدامة: «وتصح الوصية مطلقة ومقيدة: فالمطلقة أن يقول: إن مت فثلثي للمساكين، أو لزيد. والمقيدة أن يقول: إن مت من مرضي هذا، أو في هذه البلدة، أو في سفري هذا، فثلثي للمساكين. فإن برأ من مرضه، أو قدم من سفره، أو خرج من البلدة، ثم مات، بطلت الوصية المقيدة، وبقيت المطلقة» (١). القول الثاني: لا يصح تعليق الصيغة في الوصية، وقد حكي هذا القول لبعض الشافعية، وبعض الحنابلة. قال الزركشي في القواعد: «وأما تعليق الوصية، فنقل الرافعي في كتاب الوقف عن القفال، ما يقتضي المنع؛ لأنه تعليق صيغة ... » (٢). وفي الإنصاف: «والوصايا تقبل التعليق، وقال أبو الخطاب في الهداية: لا تصح، واختاره ابن البنا» (٣). ° الراجح: القول بصحة تعليق الوصية بالشرط، لأن طبيعة عقد الوصية ليس ناجزًا في الحال حتى يمنع التعليق، والله أعلم. * * *

стр. 8140

المبحث العاشر في توقيت الإيصاء والوصية [م-١٦٣٣] إذا قال الرجل: أوصيت سنة، أو إلى بلوغ ابني، أو إلى قدوم زيد، فهذه وصية مؤقتة، وقد أجاز الفقهاء توقيت الوصية والإيصاء، فالأول فيه شبه بالعارية، والثاني فيه شبه بالوكالة، وكلاهما يقبل التوقيت، ولم يخالف في ذلك أحد فيما أعلم (١). جاء في البحر الرائق: «ولو قال لفلان وصي إلى أن يقدم فلان فهو كما قال» (٢). وجاء في المدونة: «أرأيت إن أوصى إلى رجل، فقال: فلان وصيي حتى يقدم فلان، فإذا قدم فلان ففلان القادم وصيي، أيجوز هذا؟ قال: نعم هذا جائز» (٣). وقال القرافي: «ولو قال فلان وصيي حتى يقدم فلان فيكون وصيي جاز.

стр. 8141

قال صاحب النكت إن قدم فلم يرض أو مات في غيبته بقي الأول على وصيته لأنه مغيا بغاية لم تحصل. قال التونسي الأمر كذلك في الموت، أما إن قدم فلم يقبل فظاهر الأمر سقوط الوصية لإيقافه على الغيبة، وقد قدم إلا أن يكون المفهوم إذا قدم وقبل» (١). وجاء في تحفة المحتاج: «لو قال أوصيت لزيد، ثم من بعده لعمرو، أو إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد، فإذا بلغ، أو قدم، فهو الوصي جاز» (٢). وجاء في مغني المحتاج: «ويجوز فيه: أي الإيصاء التوقيت، كأوصيت إليك سنة، أو إلى بلوغ ابني كما مر. والتعليق: كإذا مت فقد أوصيت إليك؛ لأن الوصاية تحتمل الجهالات والأخطار فكذا التوقيت والتعليق. ولأن الإيصاء كالإمارة، وقد «أمر النبي ﷺ زيدًا على سرية، وقال: إن أصيب زيد فجعفر وإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة. رواه البخاري» (٣) (٤). وقال ابن قدامة: «وإذا قال: أوصيت إلى زيد، فإن مات فقد أوصيت إلى عمرو صح ذلك، رواية واحدة، ويكون كل واحد منهما وصيا، إلا أن عمرًا وصي بعد زيد» (٥).

стр. 8142

المبحث الحادي عشر في اقتران الوصية بالشرط الشرط إما أن يقتضيه العقد أو لا: فإن اقتضاه فهو صحيح. وإن لم يقتضيه العقد، فإما أن يكون من مصلحته أو لا: فإن كان من مصلحته فهو صحيح. وإن لم يكن من مصلحة العقد، فإما أن يتعلق به غرض أو لا: فإن لم يتعلق به غرض صح العقد وبطل الشرط. وإن تعلق به غرض لأحدهما، ولم يكن مخالفًا للشرع، ولم يناف موجب العقد صح العقد والشرط. [م-١٦٣٤] تعريف اقتران الوصية بالشرط: أن يصدر الإيجاب من الموصي منشئًا للوصية على أن يكون الاستحقاق مقيدًا بشرط للحصول على الوصية. كأن يقول: أوصيت بهذه الدار لزيد بشرط أن يسكنها. أو يقول: أوصيت بهذه الدراهم لعبد الله بشرط أن يتزوج بها. فهي وصية مقيدة، وليست معلقة، وهذا هو الفارق بين الوصية المعلقة والمقترنة بالشرط، فالوصية المعلقة لا تنعقد إلا عند حصول الشرط، بخلاف الوصية المقترنة بالشرط فإنها تنعقد إلا أنها مقيدة، وليست مطلقة. وأما حكم اقتران الوصية بالشروط فهذا يختلف من شرط لآخر، فلا يمكن أعطاء حكم عام في هذه المسألة، فبعض الشروط قد تكون صحيحة أو فاسدة

стр. 8143

بالاتفاق، وبعضها قد يختلفون في قبولها وردها، نظرًا لاختلاف موقفهم من الشروط في العقد عامة. كما يرجع الاختلاف إلى مسألة سبق بحثها في عقد البيع في المجلد الخامس، وهي: ما هو الأصل في الشروط، هل الأصل فيها الصحة والجواز، أو الأصل فيها المنع. ولدينا في هذا ثلاث مدارس: المدرسة الأولى: وهي مدرسة واسعة جدًا، تجعل الأصل في الشروط الحل والإباحة، ولا يحرم منها، ولا يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله وهي مدرسة الحنابلة، وينصره هذا القول ابن تيمية وابن القيم. المدرسة الثانية: مدرسة ضيقة جدًا تجعل الأصل في الشروط البطلان والتحريم إلا ما نص الشارع على جوازه بخصوصه، وهذا مدرسة الظاهرية. المدرسة الثالثة: هي أوسع من مذهب الظاهرية، وأضيق من مذهب الحنابلة، حيث يمنع بعض الشروط ويصحح بعضها، وهو بقية المذاهب. ولهذا قال ابن تيمية لما ذكر مذهب الظاهرية، قال: وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، وكثير من أصول الشافعي، وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد» (١). وهذا الكلام من ابن تيمية كأنه ينسب هذا المذهب إلى جمهور الفقهاء، وحتى لا يفهم منه أن مذهب الجمهور مطابق لقول ابن حزم، استدرك ذلك

стр. 8144

بقوله: إلا أن «هؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس، والمعاني، وآثار الصحابة، ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر» (١). فقوله: (يتوسعون في الشروط أكثر منهم لقولهم بالقياس) دليل على أن هذا قسم ثالث، أضيق من مذهب الحنابلة، وأوسع من مذهب أهل الظاهر. إذا علم ذلك فإن الأئمة لا يختلفون في قبول كل شرط يقتضيه العقد، وهذا الاشتراط في الحقيقة اشتراط صوري: لأن الشرط الذي يقتضيه العقد شرط لازم مستحق بموجب العقد، سواء ذكر في العقد أو لم يذكر، فذكره لا يضيف شيئًا إلى العقد، وعدم ذكره لا يضره، فذكره من باب البيان والتوكيد. «قال المازري: الشروط ثلاثة: شرط يقتضيه العقد، كالتسليم، والتصرف، فلا خلاف في جوازه، ولزومه، وإن لم يشترط» (٢). مثاله: أن يشترط تسليم الوصية للموصى له بعد موت الموصي. فهذا شرط صحيح يقتضيه العقد وإن لم يشترط. وكذلك يصح من الشروط: كل شرط يكون في اشتراطه مصلحة للموصي أو للموصى له، ولم ينه عنه الشارع، ولم يكن مخالفًا لمقاصد الشريعة؛ ولم يناف مقتضى العقد؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز. فإن اشترط ما ينافي العقد، أو يخالف مقصود الشارع، أو ليس فيه مصلحة لأحد، أو كان في اشتراطه معصية بطل الشرط.

стр. 8145

° مثال اشتراط ما ينافي العقد: اشتراط ما ينافي العقد كأن يوصي لفلان بمال بشرط أن لا يتصرف به، أو إذا مات الموصى له والوصية قائمة تكون لفلان، ولا تكون لورثة الموصى له، فهذا الشرط ينافي العقد؛ ° وجه كونه منافيًا: أن من ملك شيئًا ملك التصرف فيه. وإذا بطل الشرط، فهل يعود على الوصية بالبطلان، أو يبطل الشرط وحده وتنفذ الوصية؟ قولان لأهل العلم (١). جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: «قال: أوصيت بخدمة عبدي هذا لفلان على ألا يسلم العبد إلى الموصى له، ومات الموصي، والعبد يخرج من الثلث، يسلم للموصى له بالخدمة؛ لأن هذا شرط فاسد لمخالفته لمقتضى الوصية وهي لا تبطل به» (٢). وقال ابن حجر الهيتمي: «تعليق الوصية بالشرط ينبغي أن يستثنى منه نحو ما ذكر في السؤال من الشروط المنافية لموضوع الوصية؛ إذ موضوعها ملك العين بالتصرف فيها بالبيع، وغيره، فاشتراط عدم البيع مناف لموضوعها، فكان القياس أنه يفسدها. فإن قلت: وبقية الشروط منافية لموضوعها؟

стр. 8146

قلت: ممنوع، وإنما غاية ما فيها تعليق استحقاقها على صفة، فحيث وجدت وجد الاستحقاق، وإلا فلا» (١). ° مثال ما ينافي مقصود الشارع: ما ينافي مقصود الشارع كأن يوصي لفلان بمال بشرط ألا يتزوج، فإن هذا الشرط باطل؛ لأنه مخالف لمقصود الشارع، وصحح الإمام مالك أن يوصي الرجل لزوجته على ألا تنكح، فإن تزوجت فسخت وصيتها. جاء في المدونة: «شهدت مالكًا، وسئل عن امرأة هلك عنها زوجها، وأوصى إليها على ألا تنكح، فتزوجت. قال مالك: أرى أن تفسخ وصيتها» (٢). وصحح المالكية والشافعية أن يوصي لأم ولده بشرط ألا تتزوج. جاء في تهذيب المدونة: «ومن أسند وصيته إلى أم ولده على ألا تتزوج، جاز، فإن تزوجت عزلت. وكذلك لو أوصى لها بألف درهم على ألا تتزوج، فأخذتها، فإن تزوجت أخذت منها» (٣). وجاء في مواهب الجليل: «فلو أوصى بشيء على شرط فلم يوف به الموصى (إليه) فإنه يرده قاله في معين الحكام في كتاب الوصايا: لو أوصى لأم ولده على

стр. 8147

ألا تتزوج بوصية فتوفي ونفذت الوصية لها، ثم تزوجت فإنها ترد ما أخذت» (١). وجاء في تبصرة الحكام: «ولو أسند الوصية على أنها لا تتزوج، فتزوجت فسخت الوصية، قال ابن القاسم: وكذلك لو أوصى لأم ولده بألف درهم على أنها لا تتزوج، فإن تزوجت أخذت منها» (٢). وجاء في تحفة المحتاج: «صرح الماوردي بقبولها للتعليق .. وللشرط بأن يجزم بالأصل ويشترط فيه أمرًا آخر حيث قال: لو أوصى بعتقها على ألا تتزوج عتقت على الشرط، فإن تزوجت لم يبطل العتق والنكاح؛ لأن عدم الشرط يمنع إمضاء الوصية، ونفوذ العتق يمنع الرجوع فيه، لكن يرجع عليها بقيمتها تكون ميراثًا، وإن طلقها الزوج. ولو أوصى لأم ولده بألف على ألا تتزوج أعطيتها، فإن تزوجت استرجعت منها بخلاف العتق» (٣). ° مثال الوصية بشرط لا مصلحة فيه: والوصية بشرط لا مصلحة فيه كأن يوصي لفلان بشرط أن يأكل نوعًا من الطعام، أو يلبس نوعًا من الثياب، فهذا شرط لا نفع فيه لأحد فاشتراطه نوع من العبث، فيبطل الشرط، وتصح الوصية. ° مثال الوصية بشرط المعصية: كأن يوصي له بشرط أن يشرب الخمرة، أو يتعاطى القمار، ونحوهما.

стр. 8148

° الشروط المختلف فيها: هناك شروط هي محل خلاف في الجملة، وهي كل شرط لا يقتضيه العقد، ولا ينافيه: فقولنا: (لا يقتضيه العقد) أي لا يستحق بمجرد العقد. وقولنا: (لا ينافيه) أي لا ينافي مقتضى العقد، فمقتضى عقد الوصية أن يملك الموصى له الوصية بعد موت الموصي إذا مات ولم يتراجع أو يغير، وقبل ذلك الموصى له بعد وفاته. فإن كان فيه مصلحة للعقد فهذا الشرط صحيح، وسبق الأمثلة له. وإن كان هذا الشرط ليس فيه مصلحة للعقد، ولا ينافي العقد كاشتراط القيام بعمل معين، ففي عقود المعاوضات يختلف الفقهاء في صحتها كما لو اشترط حمل الحطب، وتكسيره، وخياطة الثوب، وبيع الدار بشرط سكناها ونحو ذلك، إلا أن هذه الشروط لا ينبغي الاختلاف في صحتها في عقود التبرعات، كأن يوصي لفلان بشرط أن يحج عنه، أو على أن تؤدى منه ما على الموصى له من ديون، فالأصل أن هذه الشروط صحيحة، ولا تستحق الوصية إلا إذا قام بشرط الموصي، كما قلنا ذلك في عقد الوقف؛ لأن الموصي إذا تبرع بماله فله أن يشترط من الشروط المباحة والتي له فيها غرض صحيح؛ فلا يخرج ماله إلا بشرطه، كما أن الهبات والتبرعات والوقف يجب أن يعمل فيها بشرط صاحبها، فكذلك الوصية. ولعموم قوله ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (١).

стр. 8149

ولأن الموصي قد تبرع بماله بهذا الشرط، فوجب اعتباره كاعتبار شرط الواقف، والله أعلم. جاء في البحر الرائق: «إذا أوصى بثلثه لرجل على أن يحج عنه فهذا جائز» (١). وهذا قول الأئمة خلافًا لابن حزم؛ فإنه يمنع الوصية بالحج؛ قال أبو محمد: «جواز الحج إذا أوصى به لا يوجد في شيء من النصوص، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة، ولا يوجبها قياس؛ لأن الوصية لا تجوز إلا فيما يجوز للإنسان أن يأمر به في حياته بلا خلاف» (٢). وقد فصلت الخلاف في الشروط المباحة في الوقف، وخلاف العلماء في اشتراط القربة فيها، هل يكون مطلقًا، أو فقط إذا كان الوقف على جهة؟ وما قيل في الوقف ينزل على الوصية، والله أعلم. ولي وقفة أخرى إن شاء الله تعالى في شروط الموصي، أسأل الله وحده العون والتوفيق. * * *

стр. 8150

الباب الثالث في شروط الموصي الشرط الأول أن تكون الوصية من مالك [م-١٦٣٥] أن يكون الموصي مالكًا للموصى به، وهذا الشرط ذكره بعض الفقهاء، وتركه بعضهم إما لظهوره، وإما لأنه لا يشترط ذلك وقت عقد الوصية، ولذلك صحح الفقهاء الوصية بالمعدوم في الجملة، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى في أحكام الموصى به، أو اكتفاء بما ذكروه عند الكلام على وصية المحجور عليه لحظ غيره؛ لأن ماله قد تعلق به حق الغرماء. قال في الإقناع: «الوصية تصح مع عدم المال، كالفقير إذا أوصى ولا شيء له، ثم استغنى» (١). وقد نص على اشتراط الملك المالكية والشافعية في كتبهم، فذكر الدردير من شروط الوصية: أن يكون من «مالك للموصى به ملكًا تامًا، فمستغرق الذمة، وغير المالك لا تصح وصيتهما» (٢). وقال في إعانة الطالبين: «وشرط في الموصي ... من كونه مالكًا بالغًا عاقلًا حرًا مختارًا» (٣).

стр. 8151

وبقيد الملك يخرج العبد؛ فلا تصح الوصية منه؛ لأن الوصية تبرع، وهو ليس من أهل التبرع. جاء في تحفة الفقهاء: «وأما شرائط الصحة، فمنها: أهلية التبرع، حتى لا يصح من الصبي والعبد والمكاتب في حق المولى» (١). وقال في الشرح الصغير: «وركنها الذي تتوقف عليه: موص، وهو الحر، فالعبد ولو بشائبة لا تصح وصيته» (٢). [م-١٦٣٦] أما إذا أوصى العبد في حال رقه، ثم عتق، فهل تصح وصيته؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: تصح وصيته في غير المال مطلقًا، ولو كان ذلك حال رقه، وتصح وصيته في المال إن عتق قبل الموت، وهذا مذهب الحنابلة، وقول مرجوح في مذهب الشافعية (٣). ° وجه صحة وصية العبد في غير المال: أن العبد إذا أوصى بغير المال فإن أهليته تامة صحيحة؛ لأن لهم عبادة صحيحة.

стр. 8152

° وأما وجه صحة وصيتهم في المال إذا عتقوا قبل الموت: الوجه الأول: أن المعتبر هو المآل، وليس حال عقد الوصية، أرأيت لو أوصى لوارث، فصار عند الموت غير وارث صحت له الوصية، والعكس بالعكس. الوجه الثاني: أن الوصية تصح مع عدم المال قياسًا على الفقير إذا أوصى، ولا مال له، ثم استغنى صحت وصيته فكذلك العبد (١). قال في الإنصاف عن وصية العبد: «إن كان فيما عدا المال: فصحيح، وإن كان في المال، فإن مات قبل العتق: فلا وصية على المذهب؛ لانتفاء ملكه، وإن قيل يملك بالتمليك صحت، ذكره بعض الأصحاب. والمكاتب والمدبر وأم الولد كالقن» (٢). القول الثاني: لا تصح وصيته، وهو الأصح في مذهب الشافعية. جاء في مغني المحتاج: «ولا رقيق، فلا تصح وصيته، سواء أكان قنًا أم مدبرًا أم مكاتبًا لم يأذن له سيده، أم أم ولد؛ لأن الله تعالى جعل الوصية حيث التوارث، والرقيق لا يورث، فلا يدخل في الأمر بالوصية. وقيل: إن أوصى في حال رقه، ثم عتق، ثم مات، صحت؛ لأن عبارته

стр. 8153

صحيحة، وقد أمكن العمل بها، والصحيح المنع؛ لعدم أهليته حينئذ» (١). القول الثالث: لا تصح إلا أن تكون مضافة إلى ما بعد العتق. وهذا مذهب الحنفية. جاء في بدائع الصنائع: «ولا تصح وصية العبد المأذون، والمكاتب؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع، ولو أوصيا، ثم أعتقا، وملكا مالًا، ثم ماتا: لم تجز؛ لوقوعها باطلة من الابتداء، ولو أضاف أحدهما الوصية إلى ما بعد العتق، بأن قال: إذا أعتقت، ثم مت فثلث مالي لفلان: صح فرقا بين العبد، والصبي. ووجه الفرق: أن عبارة الصبي فيما يتضرر به ملحقة بالعدم لنقصان عقله فلم تصح عبارته من الأصل، بل بطلت. والباطل لا حكم له، بل هو ذاهب متلاش في حق الحكم، فأما عبارة العبد: فصحيحة لصدورها عن عقل مميز، إلا أن امتناع تبرعه لحق المولى، فإذا عتق فقد زال المانع» (٢). ° الراجح: صحة وصية العبد إذا عتق قبل الموت، والله أعلم.

стр. 8154

الشرط الثاني في اشتراط أهلية الموصي [م-١٦٣٧] تكلمنا عن الأهلية عند الكلام على شروط القبول، وأنها تنقسم إلى: أهلية كاملة: وهي في حق العاقل البالغ الحر الرشيد غير المحجور عليه. وأهلية ناقصة: وهي في حق المميز والسفيه. وفاقد للأهلية: كالمجنون والصبي غير المميز. والقاعدة: أن التبرعات المالية تتوقف على الأهلية الكاملة إلا أن الوصية لما كانت تبرعًا بعد الموت، فقد خالف الفقهاء في صحة وصية المميز والسفيه، ونحوهما مما سوف يكشف عنه في المبحث التالية إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 8155

المبحث الأول في وصية المجنون والصبي غير المميز [م-١٦٣٨] اختلف العلماء في صحة وصية المجنون والصبي غير المميز: القول الأول: ذهب عامة أهل العلم إلى أن وصية المجنون والصبي غير المميز لا تصح منه (١). ° وجه القول بعدم الصحة: الوجه الأول: أن الوصية تتعلق صحتها بقصدها قولًا أو فعلًا، وهؤلاء لا قصد لهم صحيح، فأقوالهم ملغاة، لا اعتداد بها شرعًا، فلا ينعقد بها تصرف، ولا يلزمهم بها إقرار. الوجه الثاني: أن الوصية: إيجاب بالتبرع بعد الموت، فلا بد من توفر أهلية التبرع، والمجنون وغير المميز ليسا من أهل التبرع (٢).

стр. 8156

جاء في المنتقى: «وأما الصغير الذي لا يميز فلا خلاف بين العلماء في أنه لا تجوز وصيته. وجه ذلك: أنه لا يصح قصده كالمغمى عليه» (١). وجاء في النتف للفتاوى للسغدي «وصية كل موص جائزة إلا نفسين: المجنون، والعبد؛ لأن ماله لسيده» (٢). القول الثاني: قال إياس بن معاوية: الصبي والمجنون: إذا وافقت وصيتهم الحق جازت. قال ابن قدامة: «فأما الطفل، وهو من له دون السبع، والمجنون، والمبرسم، فلا وصية لهم، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم؛ حميد بن عبد الرحمن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي ﵃ وأصحاب الرأي، ومن تبعهم. ولا نعلم أحدًا خالفهم إلا إياس بن معاوية، قال في الصبي والمجنون: إذا وافقت وصيتهم الحق جازت، وليس بصحيح؛ فإنه لا حكم لكلامهما، ولا تصح عبادتهما، ولا شيء من تصرفاتهما، فكذا الوصية، بل أولى، فإنه إذا لم يصح إسلامه وصلاته التي هي محض نفع لا ضرر فيها، فلأن لا يصح بذله المال يتضرر به وارثه أولى، ولأنها تصرف يفتقر إلى إيجاب وقبول، فلا يصح منهما، كالبيع والهبة» (٣). (ث-٢١١) وقول إياس رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا

стр. 8157

ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن إياس بن معاوية في وصية المجنون، قال: إذا أصاب الحق جاز. [صحيح عن إياس] (١). وقول إياس ضعيف جدًا، والله أعلم. * * *

стр. 8158

المبحث الثاني في تأثير الجنون الطارئ على الوصية الاستبقاء أقوى من الابتداء حالة البقاء أيسر من الابتداء. بقاء الشيء أهون من ابتدائه. [م-١٦٣٩] اختلف العلماء في الجنون الطارئ بعد الوصية ومن كان جنونه متقطعًا إذا أوصى في حال إفاقته على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء أن الجنون الطارئ بعد إيجاب الوصية لا يبطلها، وكذلك تصح وصية من يجن أحيانًا إذا أوصى في حال إفاقته. قال الباجي في المنتقى نقلًا عن عبد الملك «تجوز وصية المجنون في حال إفاقته، كما تجوز شهادته في حال إفاقته إن كان عدلًا» (١). وقال ابن عبد البر: «وتجوز وصية المجنون اذا أوصى في حال إفاقته» (٢). وقال ابن قدامة: «وأما الذي يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا، فإن أوصى في حال جنونه لم تصح، وإن أوصى في حال عقله صحت وصيته؛ لأنه بمنزلة العقلاء في شهادته، ووجوب العبادة عليه، فكذلك في وصيته وتصرفاته» (٣).

стр. 8159

وقال في كشاف القناع: «وتصح الوصية في إفاقة من يخنق في بعض الأحيان؛ لأنه في إفاقته عاقل» (١). القول الثاني: فرق الحنفية بين الجنون المطبق وبين الجنون غير المطبق، فالأول يبطل الوصية دون الثاني على خلاف بين الحنفية في تقدير مدة الجنون المطبق (٢). فقيل: سنة، وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقيل: شهر، وقيل: التفويض لرأي القاضي، وعليه الفتوى (٣). واحتجوا لذلك: بأن عقد الوصية عقد غير لازم قبل وفاة الموصي، يجوز للموصي الرجوع عنه في أي وقت شاء، والعقود غير اللازمة يشترط لبقائها ما يشترط في ابتدائها، فيشترط في بقاء الإيجاب حتى الوفاة بقاء أهلية الموجب؛ فكأنه يوجب الوصية له ابتداء في كل ساعة لتمكنه من الفسخ، فكان كل جزء منه بمنزلة ابتداء الوصية؛ لهذا اشترط في بقاء الإيجاب بقاء الأهلية حتى نعلم وجود الإرادة المستمرة لبقائه، وعدم الرجوع عنه، فإذا أطبق الجنون فقد زالت الأهلية، وانقطع الإيجاب بانقطاع الإرادة، بخلاف الجنون غير المطبق فإنه يشبه الإغماء، والإغماء لا ينافي بقاء الإيجاب (٤).

стр. 8160

ويناقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الاستبقاء أقوى من الابتداء، وهذه قاعدة فقهية، فبقاء الإيجاب بعد عقده أقوى من ابتدائه، وقياس الاستبقاء على الابتداء قياس مع الفارق، فالدوام على الشيء ليس بمنزلة ابتدائه، ويغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ولهذا أمثلة كثيرة تذكر في كتب القواعد الفقهية. الوجه الثاني: أن إبطال الإيجاب باحتمال رجوع الموجب قول ضعيف؛ لأن الاحتمال لا يبطل اليقين، واليقين أن الموصي قد عقد الوصية وأرادها، فيجب استصحاب هذا العقد، والرجوع عنه إنما هو مجرد احتمال، فلا ينقض اليقين بالاحتمال. ° الراجح: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا كان عقد الوصية حين عقده قد توفرت فيه أهلية العاقد لم يبطله تعرض صاحبه لجنون، كما لا يبطله تعرضه لغيبوبة مطبقة، فإن الإغماء يغطي العقل، وهو نوع من المرض، وكما أن الجنون الطارئ لا يلغي كل عباداته وعقوده السابقة من بيع، وإجارة ونحوهما، فكذلك الوصية والله أعلم. * * *
следующие страницы →