الفرع الرابع
في دخول بستان الدار في بيع الدار
[م - ١٧١] يدخل في بيع الدار بستان الدار، إن كان البستان داخل الدار، وإن كان خارج الدار لم يدخل؛ لأن الاسم لا يتناوله.
قال في تبيين الحقائق: «ويدخل البستان الذي في الدار، صغيرًا كان أو كبيرًا، وإن كان خارج الدار لا يدخل» (١).
قال النووي: «ولو كان وراء الدار بستان متصل بالدار لم يدخل في العقد، وإن قال: بحقوقها، لأن اسم الحقوق لا يطلق على البستان المتصل بالدار، قاله القاضي حسين» (٢).
واختار بعض الحنفية أنه إن كان البستان أصغر من الدار، ومفتحها إلى الدار يدخل في بيع الدار، وإن كان البستان أكبر من الدار، لا يدخل في بيع الدار (٣).
* * *
стр. 842
الفرع الخامس
ما دخل في بيع الأرض دخل في بيع الدار إن كان في داخلها
[م - ١٧٢] فلو كان في داخل الدار شجر دخل في بيع الدار على الصحيح، وكذلك يدخل بئر، ومعدن جامد، وحجر مخلوق منها؛ لأن اتصال هؤلاء أقوى من اتصال الرفوف المسمرة، والأبواب المثبتة؛ ولأن الدار اسم للأرض والبناء معًا، فما دخل في بيع الأرض دخل في بيع الدار ما دام داخل حدودها، متصلًا بها على وجه الثبوت والدوام، فالدار عند الإطلاق تشمل جميع ما أحاط به بنيانها، وكذا ما اتصل بها مما بني لمصلحتها.
قال الزيلعي: «الأصل في جنس هذه المسائل أن الشيء إذا كان متصلًا بالمبيع اتصال قرار دخل في المبيع تبعًا، وإلا فلا» (١).
وقال أيضًا: «وتدخل البئر الكائنة في الدار، وإن كان عليها بكرة تدخل، ولا يدخل الحبل، والدلو المعلقان عليها، إلا إن كان قال بمرافقها» (٢).
وقال في الجوهرة النيرة: «إذا باع الدار دخل في البيع جميع ما كان فيها من بيوت، ومنازل، وعلو، وسفل، ومطبخ، وبئر، وكنيف، وجميع ما يشتمل عليها بيع الأرض لم يدخله في بيع الدار.
قال النووي: «ولو كان في وسطها - يعني وسط الدار - شجر ففي دخوله الخلاف السابق في لفظ الأرض» (٣).
стр. 843
والراجح دخوله فيها، والله أعلم.
وجاء في الموسوعة الكويتية: «ومن باع دارًا دخل في البيع بناؤها، وما فيها من شجر مغروس، وما كان متصلًا بها لمصلحتها ... » (١).
* * *
стр. 844
الفرع السادس
في دخول ظلة الدار
اختلف العلماء، هل للإنسان أن يعمل ظلة لداره، وهي الساباط الذي أحد طرفيه على الدار، والطرف الآخر على دار أخرى، أو على إسطوانات في السكة، ومفتحها إلى الدار المبيعة (١)؟
وإذا عمل ظلة، فهل تدخل في بيع الدار؟
فهاتان مسألتان: الأولى: هل له أن يخرج ظلة له في الطريق.
والمسألة الثانية: إذا كان له ذلك، فهل تدخل في بيع الدار.
وسوف نبحث كل مسألة على انفراد، أسأل الله سبحانه العون والتوفيق.
* * *
стр. 845
المسألة الأولى
في إخراج الظلة في هواء الطريق
[م - ١٧٣] اختلف العلماء هل لصاحب الدار الارتفاق بهواء الطريق كوضع جناح، أو ساباط، أو ليس له ذلك؟
وللجواب على ذلك نقول:
إن كان ذلك مضرًا بالمارة فلا يجوز وضعه مطلقًا، أذن بذلك الإمام أو لم يأذن، وسواء كان الطريق نافذًا أو غير نافذ.
(ح-٨٨) لما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (١).
[المعروف من حديث أبي سعيد أنه مرسل، وهو حسن بشواهده] (٢).
ولأن العامة لهم حق في الطريق العام، فيلزم منع كل تصرف يضر بالحق العام.
وإن كان ذلك غير مضر، وكان الطريق نافذًا، فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجوز مطلقًا، سواء أذن الإمام أو لم يأذن، وهذا اختيار محمد ابن الحسن
стр. 846
من الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية (٤).
القول الثاني:
ليس له ذلك مطلقًا، ولو أذن الإمام، اختارها بعض الحنابلة (٥).
القول الثالث:
لا يجوز له ذلك إلا بإذن الإمام أو نائبه، وبهذا قال أبو حنيفة، وأبو يوسف (٦) وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٧).
إلا أن أبا حنيفة قال: إن وضعه بدون إذن الإمام فعارضه رجل من
стр. 847
المسلمين وجب قلعه ضر أو لم يضر، وقال أبو يوسف: يمنعه قبل الوضع لا بعده (١).
وجه من قال: يجوز له ذلك مطلقًا:
(ح-٨٩) القياس على الميزاب، فإن النبي ﷺ وضع الميزاب بيده في دار عمه العباس، والميزاب إنما يشرع في هواء الطريق، فكذا الساباط (٢).
стр. 848
ولأن ذلك عمل الناس في كل عصر من غير نكير.
ويجاب:
بأن القياس على الميزاب قياس مع الفارق، فإن ما يشغله الميزاب قدر يسير بالنسبة للساباط. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مصلحة الميزاب هي لتصريف السيول، وليس الساباط كذلك.
وجه من قال: يمنع مطلقًا:
أن إخراج الظلة يعتبر تصرفًا في ملك الغير بدون إذنهم، وهو لا يخلو من ضرر لأنه قد يؤدي إلى إظلام الطريق، وإن لم يكن فيه ضرر في الحال فقد يكون فيه ضرر في المآل.
ويناقش:
بأن إذن الإمام يقوم مقام إذنهم لكونه نائبًا عنهم، وأما كونه لا يخلو من ضرر فإننا نشترط أن يكون ذلك خاليًا من الضرر في الحال وفي المآل.
стр. 849
دليل من قال: يجوز بإذن الإمام أو نائبه:
أن الإمام ينوب عن المسلمين، فإذنه يقوم مقام إذن كافة المسلمين.
ولأن كل واحد صاحب حق في المرور بنفسه، وبدوابه، فكان له حق في النقض كما في الملك المشترك ما لم يأذن الإمام.
وجه قول أبي يوسف: ليس له أن يرفع الساباط بعد وضعه:
أن الساباط بعد وضعه قد صارت يد صاحبه عليه، فالذي يريد نقضه يريد إبطال يده من غير دفع الضرر عن نفسه، ومادام كذلك فهو مضار، فلا يطاع.
الراجح من الخلاف:
والراجح عندي أن ذلك جائز بشرطين:
الأول: ألا يضر ذلك أحد، ولو كان الضرر يسيرًا.
قال ابن تيمية: «الساباط الذي يضر بالمارة مثل أن يحتاج الراكب أن يحني رأسه إذا مر هناك وإن غفل عن نفسه رمى عمامته، أو شج رأسه ولا يمكن أن يمر هناك جمل عال إلا كسرت رقبته والجمل المحمل لا يمر هناك فمثل هذا الساباط لا يجوز إحداثه على طريق المارة باتفاق المسلمين، بل يجب على صاحبه إزالته فإن لم يفعل كان على ولاة الأمور إلزامه بإزالته حتى يزول الضرر حتى لو كان الطريق منخفضًا، ثم ارتفع على طور الزمان، وجب إزالته إذا كان الأمر على ما ذكر والله أعلم» (١).
الشرط الثاني: ألا يمنع منه ولي أمر المسلمين، فإن منع ولي أمر المسلمين فهو ينوب عنهم فكأن المانع له جماعتهم، والله أعلم.
* * *
стр. 850
المسألة الثانية
في دخول ظلة الدار في بيع الدار
[م - ١٧٤] إذا كان للدار ظلة، فهل تدخل عند الإطلاق، أو لا تدخل إلا إذا ذكر ذلك صريحًا في العقد، في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: لا تدخل، وإن كان مفتحها إلى الدار إلا إذا قال: بكل حق هو لها، وهو مذهب أبي حنيفة (١).
وقيل: تدخل، وإن لم يذكر كل حق هو لها، وهو اختيار أبي يوسف، ومحمد من الحنفية (٢)، وهو مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٣).
واشترط الشافعية على المعتمد في المذهب أن يكون جذوع الساباط من الطرفين على حائطها (٤).
стр. 851
والراجح فيها أن الظلة حكمها حكم مرافق الدار، داخلة لا على وجه تملك الرقبة، وإنما هو أحق من غيره بالانتفاع بها، وفي عصرنا اعتاد الناس أن يوقفوا سيارتهم عند أبوابهم، وهم أحق من غيرهم في هذا المكان، وإن كانوا لا يملكون رقبة الطريق، والله أعلم.
* * *
стр. 852
الفرع السابع
في دخول المرافق كالطريق والمسيل ونحوها
[م - ١٧٥] مرافق الأملاك كالطرق والأفنية، ومسيل المياه، وحق الشرب، هل تدخل في بيع الأرض والدار، أو لا تدخل إلا إذا نص عليها بالتصريح، أو قال: بكل حقوقها ومرافقها.
تحرير محل الخلاف:
إذا كانت هذه المرافق داخل حدود الدار، فلا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف في دخولها في بيع الدار تبعًا، ولو لم يشترط ذلك؛ لأنها جزء من الدار، فإذا باع الدار دخل في البيع جميع ما كان فيها، وجميع ما يشتمل عليه حدودها الأربع.
جاء في مغني المحتاج: «ولا يدخل في بيع الأرض مسيل الماء، وشربها ... حتى يشترطه، كأن يقول: بحقوقها. وهذا كما قال السبكي في الخارج عن الأرض، أما الداخل، فيها فلا ريب في دخوله» (١).
كذلك لا تدخل هذه المرافق إذا كانت حقًا ينتفع بها عامة أهل العامر، ولم تكن من مرافق المبيع خاصة، جاء في معين الحكام: «بعد ذكر الحدود يقول: بحدوده، وحقوقه ; لأنه لو لم يذكر الحقوق لا يدخل الطريق، والمسيل، فيتعطل عليه الانتفاع، فلا يفيده استحقاق الدار ولا ينبغي أن يذكر الدار بطريقه، ومسيل مائه لو كان باب الدار، والميزاب على طريق العامة؛ يصير
стр. 853
مدعيًا ذلك الموضع تمليكه لنفسه، وهو لم يجز إذ طريق العامة لا يملكه أحد، قاله في الأقضية» (١).
فعلى هذا يكون الخلاف محصورًا فيما إذا كانت هذه المرافق للمبيع خاصة، وليست داخلة في حدود الدار، وإنما متصلة بها، متعلقة بها مصالحها، هل تدخل في بيع الدار، أو لابد من التصريح في دخولها، في ذلك خلاف بين أهل العلم:
القول الأول:
ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الطريق الخاص، والمسيل، والشرب لا يدخل في شراء الدار، إلا أن ينص عليه، أو يشتريه بكل حقوقه ومرافقه.
قال في الهداية: «ومن اشترى بيتًا في دار، أو منزلًا، أو مسكنًا لم يكن له الطريق، إلا أن يشتريه بكل حق هو له، أو بمرافقه، أو بكل قليل وكثير، وكذا الشرب، والمسيل؛ لأنه خارج الحدود، إلا أنه من التوابع، فيدخل بذكر التوابع» (٢).
стр. 854
وقال النووي: «لا تدخل مسايل الماء في بيع الأرض، ولا يدخل فيه شربها .... إلا أن يقل بحقوقها» (١).
وجاء في الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي: «لا يدخل في بيع الأرض مسيل الماء، ولا شربها: أي نصيبها من قناة، أو نهر مملوكين، ونبه السبكي، وتبعه الأذرعي وغيره، أن محل ذلك في المسيل، أو الشرب الخارج عن الأرض، بخلاف الداخل فيها، فإنه لا ريب في دخوله .. » (٢).
القول الثاني مذهب الحنابلة، وفيه وجهان:
أحدهما: ثبوت حق الاختصاص من غير ملك، جزم به القاضي، وابن عقيل في إحياء الموات، والغصب، ودل عليه نصوص الإمام أحمد.
الثاني: ثبوت الملك، صرح به الأصحاب في الطرق خاصة، وجزم صاحب المغني في ثبوت ذلك في كل المرافق، وأخذه من نص الإمام أحمد، والخرقي على ملك حريم البئر (٣).
وقال ابن قدامة: «كل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه ; لقوله ﵇: (من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له)، مفهومه أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالإحياء ولأنه تابع للمملوك ولو جوزنا إحياءه لبطل الملك في العامر على أهله.
وذكر القاضي أن هذه المرافق لا يملكها المحيي بالإحياء لكن هو أحق بها من غيره; لأن الإحياء الذي هو سبب الملك لم يوجد فيها. وقال الشافعي:
стр. 855
يملك بذلك. وهو ظاهر قول الخرقي في حريم البئر ; لأنه مكان استحقه بالإحياء فملكه كالمحيي ولأن معنى الملك موجود فيه لأنه يدخل مع الدار في البيع ويختص به صاحبها» (١).
ولم أقف على نص من المالكية في دخول مرافق الدار في بيعها إلا أننا حررنا مذهبهم في مالية تلك المرافق، وفي جواز بيعها عند الكلام على مالية حقوق الارتفاق (٢).
الراجح من الخلاف:
الذي أميل إليه أن هذه المصالح هي تبع للعقار على سبيل الانتفاع بصرف النظر عن المالك، فمن ملك العقار اختص بالانتفاع بمرافقها، دون أن يمتلك رقبة تلك المرافق، ومن لم يملك العقار لم يملك حق الانتفاع بتلك المرافق، لأنه لا يمكن الانتفاع بالعين المملوكة، إلا إذا انتفع بمرافقها، فلا بد من الدار من مسيل لمائها، ولا بد لها من طريق يدخل منه صاحبها ويخرج، ولا بد للدار من أبواب ونوافذ على تلك الطريق، وكذا باقي مرافقها التي لا بد لها منها.
جاء في جواهر العقود: «وإن كان العامر يجاور مواتًا، فلصاحب العامر من الموات الذي يجاور ملكه ما لا يمكنه الانتفاع بالعامر إلا به، مثل الطريق، ومسيل الماء الذي يخرج من الدار» (٣).
* * *
стр. 856
الفرع الثامن
في دخول حريم المبيع في بيعه
الكلام في حريم الشيء، كالكلام في مرافق الأملاك وحقوقها.
الحريم في الاصطلاح: حريم الشيء: ما حوله من حقوقه ومرافقه وعرفه الشافعية بأنه: ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع وإن حصل أصل الانتفاع بدونه» (١).
[م - ١٧٦] إذا عرفنا ذلك، فقد ذهب الجمهور إلى دخول حريم الشيء فيه إذا باعه، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمشهور من مذهب المالكية (٣)، واختاره بعض الحنابلة (٤).
стр. 857
وذهب الشافعية إلى دخوله بشرط أن يكون في سكة غير نافذة (١).
وقيل: لا يدخل حريم الشيء في البيع، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
وقال ابن مفلح الحنبلي الصغير: «ومن باع دارًا تناول البيع أرضها ... ولم يتعرض الأصحاب لذكر حريمها» (٣).
قلت: قد ذكر الإمام أحمد وأصحابه حريم البئر، وغيره مقيس عليه، وهو
стр. 858
داخل في البيع سواء كان دخوله على سبيل الاختصاص به، أو على سبيل الملك، وهما وجهان في المذهب كما سبق نقله في المسألة السابقة.
الراجح:
ما رجحته في مرافق الملك أرجحه هنا، ولا فرق بين المسألتين، والله أعلم.
* * *
стр. 859
المبحث الخامس
ما يدخل في بيع القرية
الفرع الأول
في دخول ما تناوله اسم القرية
[م - ١٧٧] جاء في الفتاوى الهندية «ولو باع قرية، ولم يسم حدودها فهو على موضع القرية: البيوت والبناء، دون المحرث، كذا في محيط السرخسي» (١).
وأخرج الحنفية سور القرية، فلم يدخلوه في بيع القرية (٢).
والراجح دخوله، كما يدخل سور الدار في بيع الدار، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وسيأتي النقل عنهم قريبًا ..
كما أنه يخرج من بيع القرية ما لا يملك، كالمساجد، والمقابر، والطرق.
جاء في فتح القدير: «إذا باع قرية يخرج منها الطريق، والمساجد، والفارقين، وسور القرية؛ لأن السور يبقى على أصل الإباحة عند القسمة، فلا يدخل في البيع» (٣).
قال النووي: «إذا قال: بعتك هذه القرية وأطلق دخل في البيع الأبنية، وما فيها من المساكن، والدكاكين، والحمامات، والساحات، والأرضون التي
стр. 860
يحيط بها السور والحصن الذي عليها، وهو السور والسور المحيط، والدروب فإن لم يكن سور فيدخل من الأرض ما اختلط ببنيانها، ومساكنها وما كان من أفنية المساكن، وحقوقها» (١).
وجاء في مطالب أولي النهى: «يدخل في بيع القرية (بيوت وحصن) إن كان بها، وسور (دائرًا عليها) أي على القرية؛ لأن ذلك هو مسمى القرية» (٢).
وقال في المغني: «وإن قال: بعتك هذه القرية، فإن كانت في اللفظ قرينة مثل المساومة على أرضها أو ذكر الزرع، والغرس فيها وذكر حدودها أو بذل ثمن لا يصلح إلا فيها، وفي أرضها دخل في البيع؛ لأن الاسم يجوز أن يطلق عليها مع أرضها والقرينة صارفة إليه، ودالة عليه فأشبه ما لو صرح به وإن لم يكن قرينة تصرف إلى ذلك فالبيع يتناول البيوت والحصن الدائر عليها فإن القرية اسم لذلك وهو مأخوذ من الجمع؛ لأنه يجمع الناس وسواء قال: بحقوقها، أو لم يقل» (٣).
ففهم من النصوص السابقة أنهم لا يختلفون في دخول الأبنية كالبيوت في مسمى القرية، وإنما اختلفوا في سورها خاصة.
* * *
стр. 861
الفرع الثاني
في دخول مزارع القرية
[م - ١٧٨] ذهب الشافعية في الأصح، والحنابلة إلى أن مزارع القرية لا تدخل في بيع القرية إلا بنص (١)، زاد الحنابلة: أو قرينة.
جاء في الإنصاف للمرداوي: «لو باع قرية لم تدخل مزارعها، إلا بذكرها» (٢).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا يدخل مزارع قرية بيعت ... بلا نص، أو قرينة، فإن قال: بعتك القرية بمزارعها، أو دلت قرينة على دخولها كمساومة على الجميع، أو بذل ثمن لا يصلح إلا فيها، وفي مزارعها دخلت عملًا بالنص أو القرينة» (٣).
واختار ابن الرفعة من الشافعية، إلى أن المزارع تدخل في بيع القرية إن كانت المزارع داخل القرية، غير منفصلة عنها (٤).
واختار بعض الشافعية إلى أن المزارع تدخل في بيع القرية إن قال: بحقوقها، ولم يرتضه جمهور الشافعية (٥).
وعللوا ذلك: بأن القرية اسم للأبنية دون المزارع، فلا تعتبر المزارع من حقوق القرية.
стр. 862
وقيل: تدخل المزارع في بيع القرية، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية (١).
والراجح: عدم دخول المزارع إلا أن يكون هناك عرف معتبر، أو نص أو قرينة، وقد قال الفقهاء: من حلف ألا يدخل القرية لم يحنث بدخول مزارعها (٢)، والله أعلم.
* * *
стр. 863
الفرع الثالث
في دخول الأشجار في بيع القرية
[م - ١٧٩] اختلف العلماء في دخول شجر القرية في بيع القرية على قولين:
القول الأول:
لا يدخل شجر القرية في بيع القرية، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
القول الثاني:
يدخل شجر القرية في بيع القرية إذا كان في بيوتها، أو بين بنائها تبعًا للأرض، وهذا مذهب الحنابلة (٢)، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٣)، واختاره الغزالي، ورجحه النووي.
قال النووي: «خالف الإمام والغزالي هنا اختيارهما، فاختارا في هذه دخول الأشجار تحت اسم القرية، وإن اختارا في اسم الأرض عدم الدخول، وهو متجه؛ لأن أهل العرف يفهمون من اسم القرية جميع ما فيها من بناء وشجر، وكذلك جزم الماوردي بدخول ما في خلال المساكن من النخل والشجر، وهو الحق» (٤).
стр. 864
الراجح: أنها تدخل في بيع القرية تبعًا للأرض، وإذا دخلت الأرض في بيع الدار، ودخلت في بيع البستان، دخلت الأرض كذلك في بيع القرية، وكل ما يدخل في بيع الأرض تبعًا يدخل في بيع القرية تبعًا إذا كان ذلك في داخل القرية، كما لو كان في بيوتها، أو بين بنائها، ويدخل فيها حجر مخلوق منها، ومعدن جامد فيها، كما قلنا ذلك في بيع الأرض.
* * *
стр. 865
الفرع الرابع
في دخول حريم القرية
[م - ١٨٠] الخلاف في دخول حريم القرية، كالخلاف في دخول حريم الدار في بيع الدار، فمن قال بدخول حريم الدار، قال بدخول حريم القرية، ومن لم يدخل الحريم في بيع الدار، لم يدخله في بيع القرية.
قال النووي: «وحيث يدخل حريم الدار في بيع الدار، ينبغي أن يدخل حريم القرية في بيع القرية» (١).
وقد تكلمنا عن حريم الدار، وفصلت الخلاف فيه مع بيان الراجح فأغنى عن إعادته هنا.
* * *
стр. 866
المبحث السادس
ما يدخل في بيع الثمار
الفرع الأول
في دخول الثمار إذا كان ظهوره متلاحقًا
[م - ١٨١] بعض الشجر يكون ثماره متلاحقًا، لا يظهر دفعة واحدة، فإذا باع الرجل ثمر شجرة يتلاحق ثمارها، فهل يصح البيع، وإذا صح البيع فهل يصح في الثمرة الظاهرة، أو في كل الثمرة، ما ظهر منها، وما لم يظهر؟
وللجواب على ذلك يقال: إذا كانت الأشجار لها ثمار متلاحقة، فإما أن يختلط ما ظهر من الثمار بما لم يظهر، أو تتميز الثمار الظاهرة عن الثمار اللاحقة،
فإن تميزت الثمار الظاهرة حال العقد عن الثمار اللاحقة فالبيع صحيح، ويكون للمشتري الثمار الظاهرة دون الثمار اللاحقة. وهذا بالاتفاق.
وإن كانت الثمار الظاهرة تختلط بالثمار اللاحقة على وجه لا يتميز بعضها عن بعض، فقد اتفق الفقهاء على صحة البيع، واختلفوا في وجوب قطعه في الحال على أقوال:
القول الأول:
يصح البيع وعلى المشتري قطعها في الحال، فإن شرط بقاءها فسد البيع؛ وهذا مذهب الحنفية (١).
стр. 867
القول الثاني:
لا يصح بيعه إلا بشرط القطع في الحال وهذا مذهب الشافعية (١)، ومذهب
стр. 868
الحنابلة (١).
والفرق بين مذهب الحنفية ومذهب الشافعية والحنابلة، أن مذهب الحنفية يصحح شراء الثمرة المتلاحقة مطلقًا، أي: ولو لم يشترط القطع في الحال، ويكون ملزمًا بقطعها، فإن اشترط الترك فسد البيع.
ومذهب الحنابلة والشافعية لا يصح البيع إلا بشرط القطع في الحال، والمعنى متقارب.
стр. 869
القول الثالث:
يجوز بيع الثمار المتلاحقة، ولو لم يقطعها ويجعل المعدوم تبعًا للموجود، اختاره بعض الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وأفتى به ابن تيمية من الحنابلة، وقال: هو قول كثير من أصحابنا (٣).
دليل من قال: إن اشترط ترك الثمار فسد البيع:
لأن البيع مع شرط الترك شرط لا يقتضيه العقد، وهو شغل ملك الغير. ولأن البقاء إن كان له حصة من الثمن كان إجارة في بيع، وإن كان بدون مقابل كان إعارة في بيع، فيكون صفقتين في صفقة، وهو منهي عنه (٤).
ويناقش:
بأننا لا نسلم أن هذا الشرط من قبيل بيعتين في بيعة، بل من قبيل اشتراط البائع ما له غرض صحيح فيه في عقد البيع، كاشتراط سكنى الدار لمدة معلومة، وعلى التسليم بأنه بيعتان في بيعة، فالمقصود كما بينا سابقًا إذا كانت البيعتان تتضمن محذورًا شرعيًا، كبيع العينة، وهذا ليس منه، والله أعلم.
دليل من قال: يجوز البيع بشرط القطع في الحال .
الدليل الأول:
أن إدخال الثمرة التي لم تخلق بعد في المبيع يعتبر ذلك بيعًا للمعدوم، وبيع المعدوم لا يجوز.
стр. 870
وأجيب:
قال ابن القيم: «ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة; فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر وهو: ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودًا أو معدومًا، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد إن كان موجودًا; إذ موجب البيع تسليم المبيع فإذا كان البائع عاجزًا عن تسلميه فهو غرر ومخاطرة وقمار، فإنه لا يباع إلا بوكس فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا للعدم كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة، أو هذه الشجرة؛ فالبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته; وهذا من الميسر الذي حرمه الله ورسوله» (١).
وقد ناقشت في مسألة مستقلة حكم بيع المعدوم، وأقوال الفقهاء فيها، ورجحت أن المعدوم على قسمين: معدوم يتضمن بيعه غررًا، فهذا لا يجوز، ومعدوم لا يتضمن بيعه غررًا، وهذا جائز، كبيع السلم، وكعقد الاستصناع، ومثله الثمرة المتلاحقة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند البائع كما في حديث ابن عمرو، وحديث حكيم بن حزام، وسبق تخريجهما.
والثمرة التي لم تخلق بعد إذا باعها فقد باع ما ليس عنده وقت العقد.
стр. 871
ويجاب:
بأن العقد وقع على موجود أصلًا، وما يتلاحق يعتبر تابعًا، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، ولا يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع (١)، فبيع الثمرة قبل بدو صلاحها لا يجوز، وبيعها مع أصلها جائز، وبيع الحمل في البطن وحده لا يجوز، ولو بيعت الدابة، وهي حامل جاز.
الدليل الثالث:
بأن الثمار على رؤوس الأشجار تزداد، وهذه الزيادة من حق البائع؛ لأنها نماء ملكه، حيث كان يملك الأصل، وإذا كنا لا نستطيع أن نميز حق البائع من حق المشتري وجب منع ذلك من الأصل.
ويجاب:
لم يتفق على أن النماء الحادث هو ملك للبائع، فهناك من يرى أن النماء الحادث تابع للنماء الموجود، وسوف نبحث في الفصل التالي إن شاء الله ما لو حصل البيع، وحدث نماء جديد، واختلط بغيره، فمن يملك النماء الجديد، فارجع إليه إن شئت.
دليل من قال: يجوز بيع الثمار المتلاحقة، ويجعل المعدوم تابعًا للموجود:
الدليل الأول:
أن ما ظهر هو الأصل، وهو المقصود، وما لم يظهر، فهو تابع للأصل، والتابع يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره.
стр. 872
(ح-٩٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سالم
عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع.
وجه الاستدلال:
أن المبتاع إذا اشترط الثمر بعد تأبيره، فقد اشترط ثمرًا لم يبد صلاحه، وهو منهي عن بيعه، وإنما جاز بيعه تبعًا لغيره كما أسلفنا، وكذلك المال الذي في حوزة العبد قد يكون ذهبًا، وثمن العبد قد يكون ذهبًا أيضًا، فأجاز النبي ﷺ للمشتري أن يشترط المال دون مراعاة لقواعد الصرف، وإنما جاز ذلك؛ لأنه تابع غير مقصود (١).
فيجوز أن يشترط المشتري مال العبد، ولو لم يعلم مقداره؛ لأنه تابع، كما جوز الأئمة الغرر في التابع، وسبق تحريره في موانع البيع.
الدليل الثاني:
أن هذا هو عمل الناس في كل عصر ومصر من غير نكير.
الدليل الثالث:
الحاجة إلى هذه المعاملة، فإن الناس لو منعوا منها لتضرروا بذلك.
قال ابن نجيم: «كان الحلواني يفتي بجوازه في الكل - يعني: ما ظهر، وما لم يظهر - وزعم أنه مروي عن أصحابنا، وهكذا حكي عن الإمام الفضلي، وكان يقول: الموجود وقت العقد أصل، وما يحدث تبع له، نقله شمس الأئمة
стр. 873
عنه، ولم يقيده عنه بكون الموجود وقت العقد يكون أكثر (١)، بل قال عنه: اجعل الموجود أصلًا في العقد، وما يحدث بعد ذلك تبعًا، وقال: استحسن فيه؛ لتعامل الناس، فإنهم تعاملوا بيع ثمار الكرم بهذه الصفة، ولهم في ذلك عادة ظاهرة، وفي نزع الناس عن عاداتهم حرج، وقد رأيت في هذا رواية عن محمد، وهو في بيع الورد على الأشجار، فإن الورد متلاحق، ثم جوز المبيع في الكل بهذا الطريق» (٢).
الراجح:
جواز بيع الثمار المتلاحقة، ويكون ما لم يظهر تابعًا للأصل في الحكم، وخروجًا من النزاع لا مانع من النص على هذا في صلب العقد ليكون العقد سليمًا، فإن الحنفية يجيزون مثل ذلك إذا كان ذلك بإذن البائع، ويطيب للمشتري ما زاد من الثمرة.
* * *
стр. 874
مسألة
إذا كانت الأصول لرجل والثمار لآخر ثم حدث نماء جديد
[م - ١٨٢] بينا في المسألة الماضية حكم بيع ثمر الشجر الذي يثمر أكثر من مرة، أو يتتابع ظهور الثمر فيه، وأن هناك من يصحح بيع هذه الثمار ويوجب قطعها في الحال، وهناك من لا يصحح بيعها إلا بشرط القطع في الحال، وهناك من يجيزه مطلقًا كالمالكية، ولا يوجب قطعها في الحال.
والبحث هنا ليس في صحة بيع تلك الثمار، وإنما البحث فيما إذا وقع البيع، واختلط الثمر بعضه ببعض، فمن يستحق الثمرة الجديدة؟
ومذهب المالكية لا إشكال فيه؛ لأنه يصحح البيع مطلقًا، وإنما خلاف هذه المسألة عند القائلين بأنه يجب القطع في الحال.
تحرير محل الخلاف:
إذا كانت ثمرة كل من البائع والمشتري متميزة معلومة المقدار، لم تختلط، فكل واحد له نصيبه، وهذا بين واضح.
وإن كانت الزيادة مختلطة، ولكن كانت معلومة المقدار، كان البائع والمشتري شريكين، كل بقدر نصيبه، كما لو كانت الزيادة الحاصلة بقدر الربع، فهنا يكون للمشتري ثلاثة أرباع الثمرة، والربع للبائع.
وجهه: أن مال المشتري قد اختلط بمال البائع على وجه لا يمكن فصلهما، فأصبحا شريكين بقدر حصصهما (١).
стр. 875
قال ابن قدامة: «وإذا باع شجرة فيها ثمر للبائع، فحدثت ثمرة أخرى، أو اشترى ثمرة في شجرها، فحدثت ثمرة أخرى، فإن تميزها، فلكل واحد ثمرته.
وإن لم تتميز إحداهما من الأخرى، فهما شريكان فيهما، كل واحد بقدر ثمرته ... » (١).
أما لو كانت الزيادة غير متميزة، وغير معلومة المقدار، فهذه محل البحث في هذا الفصل، والمسألة قد اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول:
إن أثمرت ثمرًا جديدًا قبل القبض فسد البيع؛ لتعذر التمييز قبل التسليم، فأشبه فوات المبيع قبل التسليم. وهذا قول واحد في مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣).
وإن أثمرت ثمرًا جديدًا بعد القبض فإنهما يشتركان فيها للاختلاط، والقول في قدره للمشتري مع يمينه؛ لأن المبيع في يده، وهو منكر، والقول قول المنكر، وهذا مذهب الحنفية (٤).
стр. 876
القول الثاني:
للمشتري (مالك الثمرة) بطون ما يخلف، ولا يتميز بعضه عن بعض، ولو لم يشترطه. وأما ما يتميز بطون بعضه عن بعض، سواء كان مما يتصل بطونه أم لا، فهو لمالك الأصل (البائع)، لأن البائع إنما باع للمشتري ما جرت العادة بأخذه من عينه، ولم يتبعه أصله. وهذا مذهب المالكية (١).
وتعقب:
بأنه كيف يكون المتولد جزءًا من الصفقة، وهو حال العقد لم تخلق الثمرة بعد، فهو كما لو باعها قبل ظهور شيء منها، وما لم يخلق من ثمرة النخل لا يجوز بيعه تبعًا لما خلق، وإن كان ما لم يبد صلاحه يجوز بيعه تبعًا لما بدا صلاحه؛ لأن ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع في بعض الأحوال كما لو اشترط القطع في الحال، وأما ما لم يخلق فلا يجوز إفراده بالبيع.
ويناقش:
بأنه سبق لنا في المسألة السابقة أن بينا أنه لا يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع، فهذا الحمل لا يجوز إفراده بالبيع مطلقًا، ويجوز بيع الدابة، وهي حامل، ويكون له أثر في الثمن، فليس النظر في بيع ما بدا صلاحه تبعًا لما بدا، أنه يجوز إفراده بالعقد في حال اشتراط قطعه في الحال، فجاز بيعه تبعًا بخلاف الثمرة التي لم تخلق بعد، بل الملحظ: أن التابع يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره، والله أعلم.
стр. 877
القول الثالث:
إذا حدث الاختلاط، وكان حق كل واحد متميزًا عن الآخر، فلكل واحد ثمرته، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
وإن كان حق كل واحد منهما لم يتميز، فإن كان ذلك قبل التخلية، كان للمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة.
وجهه: أننا لم نقل بفسخ العقد؛ لبقاء عين المبيع.
وقلنا بالخيار: لأن الاختلاط عيب حدث قبل التسليم.
وإن سمح البائع بترك الثمرة الجديدة للمشتري، سقط خياره على الأصح، وأجبر على القبول. لزوال المحذور.
وإن حدث ذلك بعد التخلية فإن تصالحا وتوافقا على شيء فذاك، وإلا فالقول قول صاحب اليد في قدر حق الآخر، واليد بعد التخلية للمشتري. وهذا مذهب الشافعية (٢).
القول الرابع:
يصطلحان على الزيادة، ولا يبطل العقد، وهذا مذهب الحنابلة (٣).
стр. 878
وجهه: أننا لم نقل يبطلان العقد؛ لأن المبيع لم يتعذر تسليمه، وإنما اختلط بغيره، فهو كما لو اشترى طعامًا في مكان، فانثال عليه طعام للبائع، أو انثال هو على طعام للبائع، ولم يعرف قدر كل واحد منهما، ويفارق هذا ما لو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، فتركها حتى بدا صلاحها، أو اشترى عرية فتركها حتى أثمرت، فإن العقد يبطل في إحدى الروايتين؛ لكون اختلاط المبيع بغيره حصل بارتكاب النهي، وكونه يتخذ حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، أو شراء الرطب بالتمر من غير كيل من غير حاجة إلى أكله رطبًا، وهاهنا ما ارتكب نهيًا، ولم يجعل هذا طريقا إلى فعل المحرم (١).
الراجح من الخلاف:
الذي أميل إليه هو ما اختاره المالكية ﵏، وأن الثمر المتلاحق يكون من حق المشتري، ولكن خروجًا من الخلاف، وقطعًا للنزاع أرى أن ينص على ذلك في العقد.
* * *
стр. 879
المبحث السابع
ما يدخل في بيع الحيوان
[م - ١٨٣] في بيع الحيوان يدخل حمله تبعًا؛ لأن الحمل لا يجوز بيعه وحده، ولا يجوز استثناؤه على الصحيح وقد سبق بحثه في مسألة مستقلة.
كما يدخل أيضًا لجام الدابة، وخطام البعير؛ لأن العرف والعادة جاريان أنها تدخل تبعًا في بيع الحيوان.
ولا يدخل في بيع الفرس سرجها وركابها؛ لأنها منفصلة عن المبيع.
كما نص الحنفية على أنه إذا اشترى بقرة حلوبًا لأجل اللبن، دخل فلوها الرضيع في البيع بدون ذكر بخلاف ولد الأتان فإنه لا يدخل في بيع أمه بلا ذكر، ولو رضيعًا.
والفرق أن البقرة لا ينتفع بها إلا بالعجل، ولا كذلك الأتان ... لأن البقرة تقصد للحلب، ومثلها الشاة والناقة، بخلاف الأتان، وبخلاف الولد الفطيم (١).
قال ابن عابدين: «قد يدخل بعض المنقول المنفصل إذا كان تبعًا للمبيع بحيث لا ينتفع إلا به، فيصير كالجزء، كولد البقرة الرضيع، بخلاف الأتان.
أما إذا حضر مهر الفرس، أو ولد الأتان، أو عجل البقرة أو حمل الشاة معها إلى محل البيع فتدخل هذه الأولاد كلها مع أمهاتها في البيع بدون ذكر، عملًا بالعرف (٢).
стр. 880
وقد يدخل عرفًا كقلادة الحمار، وثياب العبد (١).
* * *