جاء في المنتقى: «وأما الصغير الذي لا يميز فلا خلاف بين العلماء في أنه لا تجوز وصيته. وجه ذلك: أنه لا يصح قصده كالمغمى عليه» (١).
وجاء في النتف للفتاوى للسغدي «وصية كل موص جائزة إلا نفسين: المجنون، والعبد؛ لأن ماله لسيده» (٢).
القول الثاني:
قال إياس بن معاوية: الصبي والمجنون: إذا وافقت وصيتهم الحق جازت.
قال ابن قدامة: «فأما الطفل، وهو من له دون السبع، والمجنون، والمبرسم، فلا وصية لهم، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم؛ حميد بن عبد الرحمن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي ﵃ وأصحاب الرأي، ومن تبعهم.
ولا نعلم أحدًا خالفهم إلا إياس بن معاوية، قال في الصبي والمجنون: إذا وافقت وصيتهم الحق جازت، وليس بصحيح؛ فإنه لا حكم لكلامهما، ولا تصح عبادتهما، ولا شيء من تصرفاتهما، فكذا الوصية، بل أولى، فإنه إذا لم يصح إسلامه وصلاته التي هي محض نفع لا ضرر فيها، فلأن لا يصح بذله المال يتضرر به وارثه أولى، ولأنها تصرف يفتقر إلى إيجاب وقبول، فلا يصح منهما، كالبيع والهبة» (٣).
(ث-٢١١) وقول إياس رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا
стр. 8157
ابن مهدي، عن حماد بن سلمة،
عن إياس بن معاوية في وصية المجنون، قال: إذا أصاب الحق جاز.
[صحيح عن إياس] (١).
وقول إياس ضعيف جدًا، والله أعلم.
* * *
стр. 8158
المبحث الثاني
في تأثير الجنون الطارئ على الوصية
الاستبقاء أقوى من الابتداء
حالة البقاء أيسر من الابتداء.
بقاء الشيء أهون من ابتدائه.
[م-١٦٣٩] اختلف العلماء في الجنون الطارئ بعد الوصية ومن كان جنونه متقطعًا إذا أوصى في حال إفاقته على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء أن الجنون الطارئ بعد إيجاب الوصية لا يبطلها، وكذلك تصح وصية من يجن أحيانًا إذا أوصى في حال إفاقته.
قال الباجي في المنتقى نقلًا عن عبد الملك «تجوز وصية المجنون في حال إفاقته، كما تجوز شهادته في حال إفاقته إن كان عدلًا» (١).
وقال ابن عبد البر: «وتجوز وصية المجنون اذا أوصى في حال إفاقته» (٢).
وقال ابن قدامة: «وأما الذي يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا، فإن أوصى في حال جنونه لم تصح، وإن أوصى في حال عقله صحت وصيته؛ لأنه بمنزلة العقلاء في شهادته، ووجوب العبادة عليه، فكذلك في وصيته وتصرفاته» (٣).
стр. 8159
وقال في كشاف القناع: «وتصح الوصية في إفاقة من يخنق في بعض الأحيان؛ لأنه في إفاقته عاقل» (١).
القول الثاني:
فرق الحنفية بين الجنون المطبق وبين الجنون غير المطبق، فالأول يبطل الوصية دون الثاني على خلاف بين الحنفية في تقدير مدة الجنون المطبق (٢).
فقيل: سنة، وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقيل: شهر، وقيل: التفويض لرأي القاضي، وعليه الفتوى (٣).
واحتجوا لذلك:
بأن عقد الوصية عقد غير لازم قبل وفاة الموصي، يجوز للموصي الرجوع عنه في أي وقت شاء، والعقود غير اللازمة يشترط لبقائها ما يشترط في ابتدائها، فيشترط في بقاء الإيجاب حتى الوفاة بقاء أهلية الموجب؛ فكأنه يوجب الوصية له ابتداء في كل ساعة لتمكنه من الفسخ، فكان كل جزء منه بمنزلة ابتداء الوصية؛ لهذا اشترط في بقاء الإيجاب بقاء الأهلية حتى نعلم وجود الإرادة المستمرة لبقائه، وعدم الرجوع عنه، فإذا أطبق الجنون فقد زالت الأهلية، وانقطع الإيجاب بانقطاع الإرادة، بخلاف الجنون غير المطبق فإنه يشبه الإغماء، والإغماء لا ينافي بقاء الإيجاب (٤).
стр. 8160
ويناقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن الاستبقاء أقوى من الابتداء، وهذه قاعدة فقهية، فبقاء الإيجاب بعد عقده أقوى من ابتدائه، وقياس الاستبقاء على الابتداء قياس مع الفارق، فالدوام على الشيء ليس بمنزلة ابتدائه، ويغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ولهذا أمثلة كثيرة تذكر في كتب القواعد الفقهية.
الوجه الثاني:
أن إبطال الإيجاب باحتمال رجوع الموجب قول ضعيف؛ لأن الاحتمال لا يبطل اليقين، واليقين أن الموصي قد عقد الوصية وأرادها، فيجب استصحاب هذا العقد، والرجوع عنه إنما هو مجرد احتمال، فلا ينقض اليقين بالاحتمال.
° الراجح:
أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا كان عقد الوصية حين عقده قد توفرت فيه أهلية العاقد لم يبطله تعرض صاحبه لجنون، كما لا يبطله تعرضه لغيبوبة مطبقة، فإن الإغماء يغطي العقل، وهو نوع من المرض، وكما أن الجنون الطارئ لا يلغي كل عباداته وعقوده السابقة من بيع، وإجارة ونحوهما، فكذلك الوصية والله أعلم.
* * *
стр. 8161
المبحث الثالث
في وصية الصبي المميز
[م-١٦٤٠] اختلف العلماء في صحة وصية الصبي المميز على قولين:
القول الأول:
أن وصية الصبي المميز لا تصح، وهذا مذهب الحنفية، وأظهر قولي الشافعي، ورواية عند الحنابلة، وبه قال ابن حزم (١).
وروي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والزهري، ومكحول، وجابر بن زيد، وغيرهم (٢).
جاء في بدائع الصنائع: «لو أوصى ثم مات قبل البلوغ أو بعده لا تجوز وصيته إلا إذا بلغ، وأجاز تلك الوصية بعد البلوغ فتجوز» (٣).
стр. 8162
وفيه أيضًا: «وأما الذي يرجع إلى الموصي فأنواع: منها أن يكون من أهل التبرع في الوصية بالمال، وما يتعلق به؛ لأن الوصية بذلك تبرع بإيجابه بعد موته فلا بد من أهلية التبرع، فلا تصح من الصبي، والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع لكونه من التصرفات الضارة المحضة؛ إذ لا يقابله عوض دنيوي، وهذا عندنا» (١).
وقال العيني في البناية: «ولا تصح وصية الصبي ... سواء مات قبل الإدراك أو بعده» (٢).
وقال النووي: «ولا تصح وصية الصبي المميز وتدبيره على الأظهر عند الأكثرين كهبته وإعتاقه، إذ لا عبارة له» (٣).
وقال في الإنصاف: «نقل الأثرم: لا تصح ـ يعني الوصية ـ من ابني اثني عشرة سنة ... وقيل لا تصح حتى يبلغ» (٤).
وفي المغني: «ما زاد على العشر فتصح على المنصوص، وفيه وجه آخر: لا تصح حتى يبلغ» (٥).
وقال ابن حزم: «ولا تجوز وصية من لم يبلغ من الرجال والنساء أصلًا» (٦).
стр. 8163
° دليل من قال: لا تصح الوصية من المميز:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفً﴾ [النساء: ٥].
وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
ويناقش:
الآيتان تتكلمان عن منع دفع المال للسفيه، وأن يصرف ماله في مصالحه، وليستا في الوصية، فالاستدلال بالآية على منع الوصية كمن يمنع السفيه من الإنفاق على نفسه من أجل حظ غيره، فالوصية ليست هدرًا لماله وإضاعة له، بل هي من باب صرفها في مصلحته وتقديمه على الوارث، وقد أعطاه الله هذا الحق، وهو تصرف ينفذ بعد موته، والصبي والكبير بعد الموت سواء في حاجتهما إلى الصدقة على أنفسهما، فحرمان الصبي لحظ غيره ليس عدلًا.
الدليل الثاني:
(ح-١٠٢٢) ما رواه أحمد من طريق همام، عن قتادة، عن الحسن البصري،
عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه أو قال: المجنون حتى يعقل، وعن الصغير حتى يشب (١).
وفي رواية: وعن الصغير حتى يبلغ (٢).
стр. 8164
[إسناده منقطع، ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه، وقد سبق بحثه] (١).
ويناقش:
الحديث يرفع التكليف عن الصبي فليست ذمته صالحة لتكليفه، ولا يمنعه الحديث من الحقوق التي له، ومنها الوصية.
الدليل الثالث:
(ث-٢١٢) روى ابن أبي شيبة حدثنا حفص، عن حجاج، عن عطاء،
عن ابن عباس قال: لا يجوز عتق الصبي، ولا وصيته، ولا بيعه، ولا شراؤه، ولا طلاقه.
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
أن الوصية تبرع مضاف لما بعد الموت، والصبي ليس من أهل التبرع، ألا ترى أنه لا يصح هبته في حال صحته، وحال الصحة آكد في الثبوت من الوصية، بدليل أن للبالغ أن يهب جميع ماله في حال صحته، ولا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث فإذا لم تجز هبته لم تجز وصيته.
وقال ابن شبرمة: أنا لا أجيز صدقته فكيف أجيز وصيته.
стр. 8165
ويناقش:
المنع من التبرع حال حياته للنظر له حتى ينتفع بماله، وبعد الموت ينعكس النظر فيكون نفاذ الوصية من النظر له وتقديم حظ الصبي على حظ وارثه.
ورد هذا النقاش:
بأن الأجر ليس محصورًا في الوصية، فكما يثاب على الوصية يثاب على الترك للوارث إن لم يكن الوارث أولى.
وأجيب على هذا الرد:
بأن الوارث له حق في الميراث قد أعطاه الله إياه، ولهذا منع من الوصية له إلا بإذن الورثة، ولا حق للوارث في الثلث، فلا وجه لمنع وصية المميز، والمعتبر فيه أن يعقل ما يوصي به.
الدليل الخامس:
إذا كانت الوصية شرعت لتدارك ما فات الإنسان من فرائض الطاعات، وما قصر في أدائه من حقوق وواجبات، فإن هذه الحكمة منتفية في حق الصبي؛ لأنه ليس من أهل التكليف.
ويناقش:
رغم أن هذه الحكمة ملتمسة وليس منصوصًا عليها، فإن هناك فرقًا بين الحكمة والعلة:
فالحكمة: هي المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها بتشريعه الحكم.
والعلة: هي الوصف الظاهر المنضبط الذي بني عليه الحكم، وربط به وجودًا وعدمًا، فالإسكار علة لتحريم الخمر، والحكمة من تحريم الخمر حفظ العقل.
стр. 8166
فانتفاء الحكمة لا يقتضي رفع الحكم بخلاف العلة، فالعلة من الإفطار والقصر: هي وجود السفر، والحكمة: هي دفع المشقة.
فيوجد الفطر والقصر مع السفر المريح جدًا، ولو انتفت المشقة، ولا يوجدان في حال الحضر، ولو وجدت المشقة، فالقول بأن الحكمة في مشروعية الوصية هي تدارك ما فات ليس كافيًا لانتفاء حكم الوصية في حق الصبي.
ومع ذلك فالوصية قربة، والقرب لا تنحصر في تدارك ما فات، بل هي وسيلة للحصول على رفيع الدرجات، والله أعلم.
القول الثاني:
تصح وصية الصبي المميز، وهو قول مالك، وأحمد، وأحد القولين عن الشافعي، ورجحه السبكي (١).
جاء في بداية المجتهد: «ويصح عند مالك وصية السفيه والصبي الذي يعقل القرب» (٢).
وقال الماوردي في الحاوي: فأما «الموصي فمن شرطه أن يكون مميزًا، حرًا، فإذا اجتمع فيه هذان الشرطان صحت وصيته في ماله مسلمًا كان أو كافرًا» (٣).
стр. 8167
جاء في الإنصاف: «إذا جاوز الصبي العشر صحت وصيته على الصحيح من المذهب، نص عليه في رواية الجماعة، وعليه الأصحاب، حتى قال أبو بكر: لا يختلف المذهب أن من له عشر سنين تصح وصيته .... » (١).
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ث-٢١٣) ما رواه مالك في الموطأ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، أن عمرو بن سليم الزرقي، أخبره،
أنه قيل لعمر بن الخطاب: إن هاهنا غلامًا يفاعًا لم يحتلم من غسان، ووارثه بالشام، وهو ذو مال، وليس له هاهنا إلا ابنة عم له. قال عمر بن الخطاب: فليوص لها. قال: فأوصى لها بمال يقال له بئر جشم، قال عمرو بن سليم: فبيع ذلك المال بثلاثين ألف درهم. وابنة عمه التي أوصى لها، هي أم عمرو بن سليم الزرقي (٢).
[روي متصلًا ومنقطعًا، والرواية المتصلة من رواية عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، وهو أعلم بأبيه، فلعل هذا يكون مرجحًا للرواية المتصلة] (٣).
стр. 8168
الدليل الثاني:
أن ذلك إجماع أهل المدينة، قال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به، فأما من ليس معه من عقله ما يعرف بذلك ما يوصي به، وكان مغلوبًا على عقله فلا وصية له» (١).
стр. 8169
ويناقش:
بأن هناك اختلافًا عند الفقهاء في الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وقد قال به المالكية فيما طريقه التوقيف وليس الاجتهاد، وهذه المسألة ليست منه، والمالكية ربما ردوا حديث الرسول ﵇ بعمل أهل المدينة، وهذا قول ضعيف، ولا يعتبر عمل المدينة إجماعًا على الصحيح؛ لأن أهل المدينة بعض الأمة، والمسائل الخلافية لا تكون حجة على المخالف، ولا يوجد دليل من الكتاب أو السنة يدعو إلى الرد إلى عمل أهل المدينة، وإن كان عمل أهل المدينة فيما لم يخالف سنة صريحة، وكان طريقه النقل، كألفاظ الأذان، وترك الجهر بالبسملة ونحوهما، فهذا قد يكون مرجحًا من المرجحات، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ث-٢١٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو عاصم، عن الأوزاعي، عن الزهري،
أن عثمان أجاز وصية ابن إحدى عشرة سنة (١).
[منقطع، الزهري لم يدرك عثمان ﵁].
الدليل الرابع:
(ث-٢١٥) روى مالك في المدونة، قال: أخبرني رجال من أهل العلم،
عن عبد الله بن مسعود، قال: من أصاب وجه الحق أجزناه (٢).
[ضعيف لانقطاعه].
стр. 8170
الدليل الخامس:
الوارث لا حق له في الثلث فلا وجه لمنع وصية المميز، والمعتبر فيه أن يعقل ما يوصي به.
الدليل السادس:
قياس الصبي المميز على المحجور عليه في ماله، وقد أجمع العلماء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة، ومعلوم أن من يعقل من الصبيان ما يوصي به فحاله حال المحجور عليه في ماله، وعلة الحجر تبديد المال وإتلافه، وتلك علة مرتفعة عنه بالموت، وهو بالمحجور عليه في ماله أشبه منه بالمجنون الذي لا يعقل فوجب أن تكون وصيته معتبرة خاصة مع الأثر الذي جاء فيه عن عمر ﵁ (١).
قلت: حكاية الإجماع فيها نظر، ولعله يقصد بالإجماع إجماع المخالفين في وصية الصبي المميز، ولو قيل هذا في المحجور عليه لحظ غيره لكان أقرب، وسوف نبحث إن شاء الله تعالى في المبحث التالي حكم وصية السفيه، والمحجور عليه لحظ غيره، وسيتبين إن شاء الله تعالى هل المسألة هي من مسائل الإجماع، أو أن الخلاف فيها محفوظ؟ والله أعلم.
° الراجح:
القول بالصحة أقرب من القول بالمنع؛ لأن الوصية مصلحة له في أخراه، لا تعارضها مفسدة في دنياه ولا في أخراه، والوارث ليس له حق في ثلث مال الميت، وقد أخذ حقه بموجب الميراث، ويتأكد هذا في حق من قال: إن الوصية واجبة للأقارب من غير الورثة، والله أعلم.
* * *
стр. 8171
المبحث الرابع
في وصية المحجور عليه لحظ غيره
تكلمت في المبحث السابق عن وصية المحجور عليه لحظ نفسه كالصبي والمجنون، ونريد أن نتكلم عن المحجور عليه لحظ غيره.
تعريف المحجور عليه لحظ غيره:
هو المفلس الذي قد أحاط الدين بجميع ماله.
[م-١٦٤١] فإذا أحاط الدين بمال المدين، وطلب الغرماء الحجر عليه وجب على القاضي الحكم بتفليسه، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، وبه قال صاحبا أبي حنفية، خلافًا لإمامهم.
فإذا حجر عليه تعلق حق الغرماء بالمال نظير تعلق حق الراهن بالمرهون، فإذا تصرف في ماله بعد الحجر فإن كان تصرفًا نافعًا للغرماء كقبول التبرعات والصدقات فهذه لا يمنع منها.
وإن كان تصرفه ضارًا بالغرماء، كالهبة والوقف، والإبراء، والإقرار على المال فهذه لا تصح منه عند الجمهور.
وقيل: يقع التصرف موقوفًا، فإن فضل ذلك عن الدين وإلا لغا.
وهو قول عند الشافعية في مقابل الأظهر عندهم، وسوف نتكلم عن الحجر في باب مستقل إن شاء الله تعالى.
[م-١٦٤٢] وأما تصرف المحجور عليه بالوصية، فهل يمنع باعتباره فيه شبه بالتبرع، والوقف، أو لا يمنع منه؟
стр. 8172
الجواب: أن التصرف بالوصية ملحق بالتصرف الذي لا يضر بالغرماء، فهو تصرف صحيح؛ لأن الوصية إنما تخرج من الثلث بعد الدين، ولا تقدم على الدين، فلا يتصور أن الغرماء يتضررون.
قال الطبري: «لم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت، ولا لأحد ممن أوصى له بشيء، إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته، وإن أحاط بجميع ذلك، ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه شركاء ورثته فيما بقي لما أوصى لهم به، ما لم يجاوز ذلك ثلثه، فإن جاوز ذلك ثلثه جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو ردِّه إلى ورثته ..... فأما ما كان من ذلك إلى الثلث، فهو ماضٍ عليهم، وعلى كل ما قلنا من ذلك، الأمة مجمعة» (١).
وقال الجصاص: «قال الله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١].
وروى الحارث عن علي، قال: تقرؤون الوصية قبل الدين وإن محمدًا ﷺ قضى بالدين قبل الوصية (٢). قال أبو بكر: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين» (٣).
стр. 8173
وحكى الإجماع ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري (١).
وفي حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: «(قوله: لأن الدين مقدم على الوصية) أي بالإجماع وإن كانت الوصية مقدمة عليه في الذكر ... اهـ. أتقاني» (٢).
والمعنى أن الدين قبل الوصية؛ لأن الوصية إنما هى تطوع يتطوع بها الموصي وأداء الدين فرض عليه، فعلم أن الفرض أولى من التطوع.
وهذا ما جعل الفقهاء يقولون بصحة الوصية من المحجور عليه، بخلاف الهبة والوقف ونحوهما؛ لأن الهبة فيها إضرار بالغرماء والوصية، ليس فيها إضرار؛ لأنها لن تنفذ إلا بعد سداد الدين أو إجازة الغرماء، أو إبراء الموصي من دينه كله أو بعضه.
стр. 8174
جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: «ولا تصح وصية المديون إن كان الدين محيطًا بما له، إلا أن يبرئ الغرماء الموصي من الدين، فحينئذ تجوز وصيته في الثلث أو في أكثر منه على تقدير إجازة الورثة أو عدمها لعدم المانع، وهو الدين اهـ أتقاني» (١).
جاء في الحاوي: «وأما المحجور عليه بالفلس، فإن ردها الغرماء بطلت. وإن أمضوها جازت، فإن قلنا: إن حجر الفلس كحجر المرض صحت. وإن قلنا: إنه كحجر السفيه كانت على وجهين» (٢).
وفي مغني المحتاج: «وخرج بالسفيه حجر الفلس، فتصح الوصية معه جزمًا» (٣).
وفي الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وتخرج الواجبات التي على الميت من رأس المال أوصى بها أو لم يوص، كقضاء الدين، والحج، والزكاة، فإن وصى معها بتبرع اعتبر الثلث من الباقي بعد إخراج الواجب، كمن تكون تركته أربعين، فيوصي بثلث ماله، وعليه دين عشرة، فتخرج العشرة أولًا، ويدفع إلى الموصى له عشرة، وهي ثلث الباقي بعد الدين» (٤).
стр. 8175
الشرط الثالث
في اشتراط أن يكون الموصي راشدًا
المبحث الأول
في تعريف الرشد
تعريف الرشد (١):
فمنهم من عرف الرشد: بالصلاح في المال، وهذا مذهب الجمهور (٢).
стр. 8176
ومنهم من عرف الرشد: بالصلاح في الدين والمال، وهو مذهب الشافعية (١).
قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦].
دلت الآية على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين: البلوغ والرشد .... والرشد: الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة، وإصلاح المال» (٢).
والمراد بالصلاح في الدين: أن لا يرتكب محرماً يسقط العدالة، وفي المال ألا يبذر (٣).
والصحيح أن الرشد يختلف من مقام لآخر.
فالرشد في ولي النكاح مثلاً: معرفته بالكفء، ومصالح النكاح، وليس له علاقة بحفظ المال.
والرشد في المال: هو حفظه وإصلاحه، ولا يدخل فيه الرشد في الدين، ولو كان صلاح الدين شرطاً في الرشد لوجب الحجر على المنافقين والمبتدعة، بل يجب الحجر على كل من اغتاب مسلماً ولم يتب من هذه المعصية وذلك لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، ويجب الحجر على كل من كذب في بيعه، أو غش فيه.
стр. 8177
وقال الطبري: «وأولى هذه الأقوال عندي بمعنى الرشد في هذا الموضع: العقل وإصلاح المال؛ لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله، وحوز ما في يده عنه، وإن كان فاجرا في دينه» (١).
* * *
стр. 8178
المبحث الثاني
في اشتراط أن يكون الموصي رشيدًا
[م-١٦٤٣] اختلف العلماء هل يشترط في الموصي أن يكون رشيدًا؟ على قولين:
القول الأول:
تصح وصيته، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
قال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به» (٢).
قال العراقي: «وأما المحجور عليه بالسفه فوصيته صحيحة عند الجمهور، ومنهم الشافعي» (٣).
стр. 8179
وقال النووي: «تصح وصية كل مكلف حر، وإن كان كافرًا، وكذا محجور عليه بسفه على المذهب» (١).
° دليل من قال: تجوز وصية السفيه:
الدليل الأول:
الإجماع على صحة وصية المحجور عليه، قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة» (٢).
ويناقش:
بأن الإجماع لا يصح، والخلاف محفوظ عند الشافعية والحنابلة في قول مرجوح عندهما.
ولهذا قال ابن حزم: «واختلفوا في وصية السفيه وفي وصية من يعقل الوصية وإن لم يبلغ» (٣).
نعم قد تصح حكاية الإجماع في صحة وصية المحجور عليه لحظ غيره، وإن كان كلام ابن عبد البر لا يمكن حمله عليه؛ لأن بقية كلامه يدل على أن مراده بهذا السفيه المبذر، وليس المفلس، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قال ابن رشد: «وتجوز وصية السفيه والمولى عليه؛ لأنه إنما حجر عليه في
стр. 8180
ماله مخافة الفقر، والوصية إنما تنفد بعد الموت في حال يؤمن عليه فيه الفقر» (١).
فالوصية مصلحة في حقه، لا تعارضها مفسدة في دنياه ولا في أخراه، قال ابن قدامة: «وصيته تمحضت نفعًا له من غير ضرر، فصحت كعباداته» (٢).
الدليل الثالث:
إذا اعتبر قول السفيه في طلاقه وإقراره، اعتبر قوله في وصيته من باب أولى، وإذا كان السفيه مكلفًا بالعبادات، وعبارته فيها صحيحة، دل ذلك على قيام أهليته في صحة الوصية.
قال إمام الحرمين: «قطع الأصحاب أقوالهم بتصحيح الوصية والتدبير من السفيه المبذر؛ فإن عبارته صحيحة، ولذلك كان من أهل الطلاق والإقرار بالجناية الموجبة للقصاص، واستلحاق الولد ونفيه باللعان» (٣).
القول الثاني:
لا تصح وصية السفيه، وهذا وجه في مذهب الشافعي، ووجه في مذهب الحنابلة (٤).
جاء في المحرر: «وفي صية السفيه وجهان» (٥).
стр. 8181
° وجه القول بعدم الصحة:
إذا كانت تصرفات السفيه في ماله بالبيع والهبة لا تصح، فالوصية قياس عليه.
قال العمراني: «هل تصح وصية الصبي المميز، والمحجور عليه للسفه، بما فيه قربة؟
فيه قولان: أحدهما: لا تصح؛ لأنه لا يصح تصرفه في ماله بالبيع والهبة، فلم تصح وصيته كغير المميز.
والثاني: تصح؛ لأنه إنما منع من بيع ماله وهبته خوفًا من إضاعته، وبالوصية لا يضيع ماله؛ لأنه إن عاش فالمال باق على ملكه، وإن مات فله حاجة إلى الثواب، والثواب يحصل له بالوصية» (١).
° الراجح:
الراجح صحة وصية السفيه كما صحت وصية الصبي المميز على الصحيح، والله أعلم.
стр. 8182
المبحث الثالث
في أهلية السكران للوصية
السكران هل هو مكلف حتى تصح تصرفاته؟
السكر من محرم كالسكر من مباح.
وقيل:
السكر من محرم كالصاحي.
[م-١٦٤٤] ذهب الفقهاء إلى أن الرجل إذا لم يكن في تناول المسكر متعديًا، كما لو كان السكر نتيجة تعاطيه البنج للتداوي، أو سكر نتيجة خطأ، أو لدفع غصة ونحوها، فإنه بمنزلة المجنون، لا تصح وصيته (١).
واختلف الفقهاء في صحة وصية السكران المتعدي في سكره، إذا لم يرجع عن وصيته حتى مات على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تصح وصية السكران، وهذا مذهب الحنفية والشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢).
والمراد بالسكران من ذهب عقله جملة.
стр. 8183
قال في البحر الرائق: «والحاصل أن المعتمد في المذهب، أن السكران الذي تصح منه التصرفات من لا عقل له يميز به الرجل من المرأة ... » (١).
وقال الخطيب في مغني المحتاج: «وأما السكران المتعدي بسكره فإنه في رأي المصنف غير مكلف، وتصح وصيته» (٢). اهـ
جاء في نهاية المحتاج: «تصح وصية كل مكلف حر ..... لا مجنون ومغمى عليه وصبي إذ لا عبارة لهم بخلاف السكران، وإن لم يكن له تمييز» (٣).
القول الثاني:
لا تصح وصيته مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال أبو يوسف والطحاوي من الحنفية (٤).
جاء في المغني: «ولا تصح وصية السكران. وقال أبو بكر: فيه قولان. يعني وجهين» (٥).
وقال في الإنصاف: «وفي السكران وجهان ....
стр. 8184
أحدهما: لا تصح وهو الصحيح من المذهب، صححه في التصحيح، والمغني، والشرح ... » (١).
القول الثالث:
تصح من السكران إن كان عنده نوع من التمييز، وهذا مذهب المالكية (٢).
جاء في الشرح الصغير: «وتصح من السكران المميز» (٣).
وجاء في حاشية الدسوقي: «التدبير: تعليق مكلف: أي ولو كان سكران بحرام إذا كان عنده نوع تمييز، وأما إذا كان طافحًا فهو كالبهيمة، لا يلزمه شيء اتفاقًا» (٤).
فالسكران عند المالكية من تغير عقله وإن لم يذهب بالكلية، وهي طريقة ابن رشد، وعليه أكثر المالكية.
نقل الباجي عن القاضي أبي الوليد أنه قال: « ... والذي عندي في هذا: أن السكران المذكور لا يذهب عقله جملة، وإنما يتعين مع صحة قصده إلى ما يقصده .... وإنما تكلم الفقهاء على المعتاد من سكر الخمر؛ لأن سكر الخمر ليس بمنزلة الجنون الذي يذهب العقل جملة، وإنما يتغير العقل تغييراً يجترئ به
стр. 8185
على معان لا يجترئ عليها صاحياً كالسفيه، ولو علم أنه بلغ حد الإغماء لما اقتص منه، ولا لزمه طلاق ولا غيره كسائر من أغمي عليه .... » (١).
واستدلوا على هذا بأن الله خاطب السكران بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
فلو كان المقصود بالسكران من ذهب عقله بالكلية لكان بمعنى المجنون، وبالتالي لا يصح أن يوجه له أمر ونهي، فكيف ينهى عن قربان الصلاة، ... وأما من صار إلى حد لا يعقل ما يأتي ويذر، فذلك منتقل من السكر إلى الخبل، ومعدود في المجانين، وليس ذلك الذي خوطب بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء:٤٣]؛ لأن ذلك مجنون، وإنما خوطب به السكران، والسكران ما وصفنا صفته (٢).
وهذا القول هو أحد القولين عن ابن قدامة من الحنابلة، فإنه قال: «السكران لا يزول عقله بالكلية، ولهذا يتقي المحذورات، ويفرح بما يسره، ويساء بما يضره، ويزول سكره عن قرب من الزمان، فأشبه الناعس بخلاف النائم والمجنون».
° الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بالتفصيل هو الأقوى: وأن الذي لا يتأثر بالسكر مطلقاً لكونه قد شرب قليلاً منه، أو لكونه قد اعتاد شربه حتى أصبح لا يؤثر في عقله، أنه لا فرق بينه وبين الصاحي؛ لأن الحكم يدور مع علته، فالعلة هي الخوف من تأثير
стр. 8186
السكر على العقل، فإذا انتفى التأثير انتفى الحكم. ولذلك قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فجعل غاية النهي هي إدراك ما يقول.
وأما من أثر فيه السكر، ولو لم يذهب عقله بالكلية فإنه داخل في الخلاف، فإنه معروف أن من يشرب الخمرة فقد تدفعه إلى الإقدام على الصفقة من غير إدراك لعواقبها، وإن كان لا يزال معه بقية من عقله، وقد تحول البخيل إلى كريم، والجبان إلى شجاع كما قال حسان:
ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً ما ينهنهنا اللقاء
وقال آخر:
فإذا شربت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
وأما الاحتجاج بالآية في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وأن السكران لو كان عقله قد ذهب بالكلية لما صح أن يوجه له أمر ونهي، فكيف ينهى عن قربان الصلاة؟
فهذا استدلال ببعض الآية وترك لبعضها، فالآية تقول: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وهو دليل على أن السكران لا يعلم ما يقول هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الآية نزلت في وقت كان شرب الخمر مأذوناً فيه، وهي تنهى من يريد شرب الخمر عن شربه في أوقات الصلوات؛ لأن شربه الخمر سيكون سبباً في تركه للصلاة، فهو خطاب للمسلم قبل سكره، لهذا كان بعض الصحابة بعد نزول هذه الآية لا يشرب الخمر إلا بعد صلاة العشاء فلا يصبح إلا وقد ذهب عنه السكر.
* * *
стр. 8187
الشرط الرابع
في اشتراط رضا الموصي
العقود تفسد بالإكراه.
وصية الهازل والمكره والمخطئ لا تصح لفوات الرضا.
[م-١٦٤٥] يشترط في الموصي أن يكون راضيًا مختارًا؛ لأن الوصية عقد من عقود التبرع، وقد نص القرآن والسنة على اشتراط الرضا في عقود الهبات:
قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
وقال ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (١). فلا تصح الوصية من مكره، وهازل ومخطئ؛ لفوات شرط الرضا.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «ومنها رضا الموصي؛ لأنها إيجاب ملك، أو ما يتعلق بالملك، فلا بد فيه من الرضا كإيجاب الملك بسائر الأشياء، فلا تصح، وصية الهازل، والمكره، والخاطئ؛ لأن هذه العوارض تفوت الرضا» (٢).
وفي الفتاوى الهندية: «ولا تصح وصية الهازل والمكره والخاطئ» (٣).
стр. 8188
وقال القرافي: «أصل نقل الأملاك الرضا بالإجماع بدليل أنه لو لم يوص لم ينتقل ملك الموصى له إجماعًا» (١).
وفي الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «(وتصح) أي تجوز (الوصية من كل مالك) بالغ (عاقل) حر مختار بالإجماع لأنها تبرع» (٢).
وفي منار السبيل ذكر من شروط الهبة: «كونه مختارًا غير هازل، فلا تصح من مكره، ولا هازل» (٣)، والوصية من الهبات إلا أنها بعد الموت.
ولم يتكلم بعض المذاهب عن هذا الشرط اكتفاء بذكره في عقد البيع، وإذا كان الشأن كذلك لم لا ينزل الخلاف في وصية المكره والخاطئ والهازل على عقد البيع.
فالفقهاء قد اختلفوا في صحة العقد من الهازل، واختلافهم راجع إلى الخلاف في مسألة أصولية:
وهي، إذا اختلف اللفظ والمعنى في العقود، فهل المقدم اللفظ، أو المقدم المعنى؟
وتكلمت على هذه المسألة في عقد البيع، ورجحت أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
فكذلك وصية الهازل: إن نظرنا إلى لفظه فهو صيغة صريحة في إيجاب الوصية.
стр. 8189
وإن نظرنا إلى المعنى: فإن الموصي وإن أوجب الوصية إلا أنه لم يقصد إنشاءها، ولم يرض بذلك، ولابد من إرادة العقد ليتحقق الرضا، والذي هو شرط في صحة التبرع.
والمسألة مفروضة في رجل أنشأ الوصية هازلًا، وقامت قرينة على أنه كان هازلًا، ثم لم يرجع حتى مات.
والحنفية تكلموا في وصية الهازل، وهو متسق مع مذهبهم في سائر عقود الهازل، والحنابلة تكلموا عن عقد الهبة من الهازل.
وأما بقية المذاهب فلم أقف على نص منهم في وصية الهازل،
[م-١٦٤٦] فإن نزلنا كلامهم في بيع الهازل على الوصية، سيكون الخلاف كالتالي:
القول الأول:
لا ينعقد بيع الهازل، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه في مذهب الشافعية، والوجه المشهور في مذهب الحنابلة.
القول الثاني:
ينعقد بيع الهازل، وهو قول في مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، اختاره أبو الخطاب.
القول الثالث:
يقبل إن ادعى الهزل بقرينة، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة.
وهذا القول ليس جديدًا؛ لأنه يريد أن يتحقق من وجود الهزل.
стр. 8190
والصواب من هذه الأقوال مع من قال: لا تنعقد الوصية لعدم وجود قصد الوصية، والرضا به، هذا إذا تحققنا أن الموصي كان هازلًا، وأما إذا اختلفوا فالأصل عدم الهزل. وقد تركت العزو إلى كتب المذاهب وذكر أدلتها اكتفاء بما قدمته في عقد البيع، فارجع إليه غير مأمور (١).
وما نقوله في وصية الهازل نقوله في وصية المكره:
[م-١٦٤٧] فالإكراه على عقد البيع قد وقع خلاف بين الفقهاء بين من يقول:
ينعقد صحيحًا غير لازم، فللمكره الخيار بين إمضائه ورده، وهذا مذهب المالكية، واختيار زفر من الحنفية.
وبين من يقول: العقد باطل، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
واختار الحنفية أن العقد فاسد، وينقلب صحيحًا بالإجازة.
فإذا أكره الرجل على الوصية، وهي عقد جائز يملك الرجوع عنه، فإذا رفع الإكراه فإن أجازها بعد رفع الإكراه صحت الوصية، وإن مات قبل رفع الإكراه بطلت الوصية لعدم الرضا.
وانظر الكلام على بيع المكره في عقد البيع (٢).
[م-١٦٤٨] وأما الخطأ في الوصية فكذلك يقدح في شرط الرضا؛ فإذا وقع الموصي في خطأ في عين الموصى له، أو في الموصى به، أو في حكم الوصية، بحيث لو علم من وقع في هذا الخطأ ما أقدم عليه، فلا شك أن مثل هذا يقدح في رضا الموصي، والذي هو شرط أساسي لانعقاده، والله أعلم.
* * *
стр. 8191
الشرط الخامس
في اشتراط إسلام الموصي
المبحث الأول
في الوصية من الذمي
[م-١٦٤٩] لا يشترط لصحة الوصية كون الموصي مسلمًا، وحكي ذلك إجماعًا.
قال في بدائع الصنائع: «وأما إسلام الموصي فليس بشرط لصحة وصيته، فتصح وصية الذمي بالمال للمسلم والذمي في الجملة؛ لأن الكفر لا ينافي أهلية التمليك، ألا ترى أنه يصح بيع الكافر، وهبته فكذا وصيته» (١).
وقال ابن رشد: «وصية الكافر تصح عندهم إذا لم يوص بمحرم» (٢).
وقال ابن شاس: «والكافر تنفذ وصيته إلا أن يوصي بخمر أو خنزير لمسلم» (٣).
وقال في روضة الطالبين: «تصح وصية الكافر بما يتمول أو يقتنى، ولا تصح
стр. 8192
بخمر، ولا خنزير، سواء أوصى لمسلم أو ذمي، ولا بمعصية كعمارة كنيسة، أو بنائها، أو كتب التوراة والإنجيل، أو قراءتهما، وما أشبههما» (١).
وقال في الحاوي: «أما الكافر: فوصيته جائزة، ذميًا كان أو حربيًا، إذا وصى بمثل ما وصى به المسلم» (٢).
وفي الإنصاف: «تصح وصية الكافر مطلقًا على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. وقطع به في الفروع، وغيره» (٣).
° والدليل على صحة وصية الكافر:
الإجماع على صحة وصية الكافر بما يجوز للمسلم أن يوصي به.
قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن وصية الذمي للمسلم بما يجوز ملكه جائزة» (٤).
وقال العراقي: وصية الكافر جائزة كما هو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وحكاه ابن المنذر عن إجماع أهل العلم الذين يحفظ عنهم» (٥).
ولأن الكافر إذا صحت هبته وإعتاقه وبيعه صحت وصيته، والفرق بينهما: أن الهبة في حال الحياة، والوصية بعد الموت، وهذا لا يشكل فرقًا في الحكم.
стр. 8193
(ح-١٠٢٣) وأما ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (١).
قال ابن حجر: «الوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث السبكي من جهة أن الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق، وهو يصح من الذمي والحربي» (٢).
وقال ابن رجب: «ذكر أهل السير كالواقدي ومحمد بن سعد أن رجلا من أحبار اليهود، يقال له: مخيريق، خرج يوم أحد يقاتل مع النبي ﷺ ، وقال: إن أصبت في وجهي هذا فمالي لمحمد يضعه حيث يشاء، فقتل يومئذ، فقبض رسول الله ﷺ أمواله، فقيل: إنه فرقها وتصدق بها. وقيل: أنه حبسها ووقفها.
وروى ابن سعد ذلك بأسانيد متعددة، وفيها ضعف. والله أعلم» (٣).
قلت: قصة مخيريق ضعيفة جدًا (٤).
стр. 8194
وقولنا: تصح وصية الذمي هذا في الجملة، أما عند الكلام على التفصيل فيمكن تقسيم وصية الذمي إلى أقسام، ويرجع هذا التقسيم إلى مسألة سبق بحثها في الوقف، هل يشترط في الوقف أن يكون على بر، أو يكفي انتفاء المعصية، وإذا اشترط أن تكون الوصية على بر، فهل يكفي أن يكون قربة في حكم أهل الكتاب، أو يشترط أن يكون برًا في ديننا؟
[م-١٦٥٠] وهل القول في الوقف كالقول في الوصية؟
وللجواب على ذلك نقول: إذا كانت الوصية على معين لم يشترط فيها البر قولًا واحدًا، وهذا ظاهر؛ لأنه إذا لم يشترط ذلك في الوقف، لم يشترط في الوصية من باب أولى.
[م-١٦٥١] وإذا كانت الوصية على جهة، فاختلف العلماء في اشتراط البر فيها على قولين:
القول الأول:
يشترط في الوصية أن تكون على بر، وهذا هو اختيار ابن تيمية، قال ﵀: «فأما الأعمال التي ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها الميت بحال، فإذا اشترط الموصي أو الواقف عملًا أو صفة لا ثواب فيها كان السعي في تحصيلها سعيًا فيما لا ينتفع به في دنياه ولا في آخرته، ومثل هذا لا يجوز» (١).
стр. 8195
القول الثاني:
ذهب الجمهور إلى صحة الوصية، وإن لم تكن على بر إذا انتفت المعصية (١).
وإذا كان ذلك في حق المسلم فالخلاف أضعف في حق الذمي؛ لأنه لا يتصور أن يكون أهل الكتاب من أهل القرب في عقيدتنا.
وقد بحثت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتاب الوقف، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
إذا علم ذلك فيمكن تقسيم وصية الذمي إلى أربعة أقسام:
القسم الأول:
[م-١٦٥٢] أن يوصي بما هو قربة عندنا وعندهم، كالوصية على الفقراء، وعلى بيت المقدس، فهذا جائز بالاتفاق.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «إن كان الموصى به شيئًا هو قربة عندنا وعندهم، بأن أوصى بثلث ماله أن يتصدق به على فقراء المسلمين، أو على فقراء أهل الذمة، أو بعتق الرقاب، أو بعمارة المسجد الأقصى، ونحو ذلك جاز في قولهم جميعًا؛ لأن هذا مما يتقرب به المسلمون وأهل الذمة» (٢).