الشرط الخامس
في اشتراط إسلام الموصي
المبحث الأول
في الوصية من الذمي
[م-١٦٤٩] لا يشترط لصحة الوصية كون الموصي مسلمًا، وحكي ذلك إجماعًا.
قال في بدائع الصنائع: «وأما إسلام الموصي فليس بشرط لصحة وصيته، فتصح وصية الذمي بالمال للمسلم والذمي في الجملة؛ لأن الكفر لا ينافي أهلية التمليك، ألا ترى أنه يصح بيع الكافر، وهبته فكذا وصيته» (١).
وقال ابن رشد: «وصية الكافر تصح عندهم إذا لم يوص بمحرم» (٢).
وقال ابن شاس: «والكافر تنفذ وصيته إلا أن يوصي بخمر أو خنزير لمسلم» (٣).
وقال في روضة الطالبين: «تصح وصية الكافر بما يتمول أو يقتنى، ولا تصح
стр. 8192
بخمر، ولا خنزير، سواء أوصى لمسلم أو ذمي، ولا بمعصية كعمارة كنيسة، أو بنائها، أو كتب التوراة والإنجيل، أو قراءتهما، وما أشبههما» (١).
وقال في الحاوي: «أما الكافر: فوصيته جائزة، ذميًا كان أو حربيًا، إذا وصى بمثل ما وصى به المسلم» (٢).
وفي الإنصاف: «تصح وصية الكافر مطلقًا على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. وقطع به في الفروع، وغيره» (٣).
° والدليل على صحة وصية الكافر:
الإجماع على صحة وصية الكافر بما يجوز للمسلم أن يوصي به.
قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن وصية الذمي للمسلم بما يجوز ملكه جائزة» (٤).
وقال العراقي: وصية الكافر جائزة كما هو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وحكاه ابن المنذر عن إجماع أهل العلم الذين يحفظ عنهم» (٥).
ولأن الكافر إذا صحت هبته وإعتاقه وبيعه صحت وصيته، والفرق بينهما: أن الهبة في حال الحياة، والوصية بعد الموت، وهذا لا يشكل فرقًا في الحكم.
стр. 8193
(ح-١٠٢٣) وأما ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (١).
قال ابن حجر: «الوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث السبكي من جهة أن الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق، وهو يصح من الذمي والحربي» (٢).
وقال ابن رجب: «ذكر أهل السير كالواقدي ومحمد بن سعد أن رجلا من أحبار اليهود، يقال له: مخيريق، خرج يوم أحد يقاتل مع النبي ﷺ ، وقال: إن أصبت في وجهي هذا فمالي لمحمد يضعه حيث يشاء، فقتل يومئذ، فقبض رسول الله ﷺ أمواله، فقيل: إنه فرقها وتصدق بها. وقيل: أنه حبسها ووقفها.
وروى ابن سعد ذلك بأسانيد متعددة، وفيها ضعف. والله أعلم» (٣).
قلت: قصة مخيريق ضعيفة جدًا (٤).
стр. 8194
وقولنا: تصح وصية الذمي هذا في الجملة، أما عند الكلام على التفصيل فيمكن تقسيم وصية الذمي إلى أقسام، ويرجع هذا التقسيم إلى مسألة سبق بحثها في الوقف، هل يشترط في الوقف أن يكون على بر، أو يكفي انتفاء المعصية، وإذا اشترط أن تكون الوصية على بر، فهل يكفي أن يكون قربة في حكم أهل الكتاب، أو يشترط أن يكون برًا في ديننا؟
[م-١٦٥٠] وهل القول في الوقف كالقول في الوصية؟
وللجواب على ذلك نقول: إذا كانت الوصية على معين لم يشترط فيها البر قولًا واحدًا، وهذا ظاهر؛ لأنه إذا لم يشترط ذلك في الوقف، لم يشترط في الوصية من باب أولى.
[م-١٦٥١] وإذا كانت الوصية على جهة، فاختلف العلماء في اشتراط البر فيها على قولين:
القول الأول:
يشترط في الوصية أن تكون على بر، وهذا هو اختيار ابن تيمية، قال ﵀: «فأما الأعمال التي ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها الميت بحال، فإذا اشترط الموصي أو الواقف عملًا أو صفة لا ثواب فيها كان السعي في تحصيلها سعيًا فيما لا ينتفع به في دنياه ولا في آخرته، ومثل هذا لا يجوز» (١).
стр. 8195
القول الثاني:
ذهب الجمهور إلى صحة الوصية، وإن لم تكن على بر إذا انتفت المعصية (١).
وإذا كان ذلك في حق المسلم فالخلاف أضعف في حق الذمي؛ لأنه لا يتصور أن يكون أهل الكتاب من أهل القرب في عقيدتنا.
وقد بحثت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتاب الوقف، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
إذا علم ذلك فيمكن تقسيم وصية الذمي إلى أربعة أقسام:
القسم الأول:
[م-١٦٥٢] أن يوصي بما هو قربة عندنا وعندهم، كالوصية على الفقراء، وعلى بيت المقدس، فهذا جائز بالاتفاق.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «إن كان الموصى به شيئًا هو قربة عندنا وعندهم، بأن أوصى بثلث ماله أن يتصدق به على فقراء المسلمين، أو على فقراء أهل الذمة، أو بعتق الرقاب، أو بعمارة المسجد الأقصى، ونحو ذلك جاز في قولهم جميعًا؛ لأن هذا مما يتقرب به المسلمون وأهل الذمة» (٢).
стр. 8196
وقال الزيلعي: وصايا أهل الذمة ثلاثة أقسام، منها ما هو جائز بالاتفاق: وهو ما إذا أوصى بما هو قربة عندنا وعندهم، كما إذا أوصى بأن يسرج في بيت المقدس ... » (١).
وقال إمام الحرمين: «ومن الأقسام أن يوصي بما يكون قربة عندنا وعندهم، فإذا رفعت إلينا وصيته، والثلث متسع، أجزناها ونفذناها، كالوصية بعمارة المسجد الأقصى» (٢).
القسم الثاني:
[م-١٦٥٣] أن يوصي بما يعتبر معصية عندنا وعندهم، فهذا لا يصح من الكافر كما لا يصح من المسلم، كالوصية على دور الربا والزنا والقمار، واستثنى الحنفية أن يوصي لقوم معينين، فتكون صحيحة، ويعتبر ذلك تمليكًا لهم.
قال الزيلعي: «ومنها ما هو باطل بالاتفاق: وهو ما إذا أوصى بما ليس بقربة عندنا، ولا عندهم، كما إذا أوصى للمغنيات والنائحات» (٣).
جاء في الفتاوى الهندية: «ولو أوصى بثلث ماله للنائحات أو للمغنيات، فإن كانت لقوم معينين كانت صحيحة، ويعتبر ذلك تمليكًا لهم، وإن كانت لقوم غير معينين كانت باطلة» (٤).
стр. 8197
القسم الثالث:
[م-١٦٥٤] أن يوصي بما هو بر عندهم فقط، كبناء الكنائس، وطبع كتب التوراة والإنجيل، فهذا فيه خلاف:
القول الأول:
يصح، وهذا قول أبي حنفية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
قال الزيلعي: «إذا أوصى بما هو قربة عندهم وليس بقربة عندنا كبناء الكنيسة لقوم غير معينين فعند أبي حنيفة ﵀ يجوز، وعندهما لا يجوز وإن كان لقوم معينين يجوز بالإجماع» (٢).
«وجه قول أبي حنيفة ﵀: أن المعتبر في وصيتهم ما هو قربة عندهم، لا ما هو قربة حقيقة؛ لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقة» (٣).
وجاء في الإنصاف: «وروي عن الإمام أحمد ﵀ ما يدل على صحة الوصية من الذمي لخدمة الكنيسة .... وقال في الرعاية: ولا تصح لكتب توراة وإنجيل على الأصح، وقيل: إن كان الموصي بذلك كافرا: صح، وإلا فلا» (٤).
القول الثاني:
لا يصح، وهذا قول الجمهور، وبه قال صاحبا أبي حنيفة.
جاء في مواهب الجليل: «لابن القاسم في العتبية في نصراني أوصى بجميع
стр. 8198
ماله للكنيسة، ولا وارث له، قال: يدفع إلى أساقفتهم ثلث ماله، وثلثاه للمسلمين» (١).
قال إمام الحرمين: «ولو أوصى بما يكون قربة عندهم، معصية عندنا كعمارة الكنائس والبيع وبيت النيران، فالوصية إذا رفعت إلينا، أبطلناها» (٢).
وجاء في الحاوي الكبير: «وأما الوصية للبيع، والكنائس، فباطلة، لأنها مجمع معاصيهم. وكذلك الوصية بكتب التوراة والإنجيل، لتبديلها وتغييرها. وسواء كان الموصي مسلما أو كافرًا» (٣).
وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «ولا يصح ـ يعني الوقف ـ على كنائس وبيوت نار وبيع وصوامع وديورة ومصالحها، ولو من ذمي، بل على من ينزلها من مار ومجتاز بها فقط، ولو كان من أهل الذمة، ولا على كتابة التوارة والإنجيل ولو من ذمي، ووصية كوقف» (٤).
فقوله: ووصية كوقف: أي لا يصح أن يوصي على الكنائس وكتابة التوراة والإنجيل، ولو كان الموصي ذميًا.
وقال في كشاف القناع: «(ووصية كوقف في ذلك) المذكور مما تقدم، فتصح فيما يصح الوقف عليه، وتبطل فيما لا يصح عليه» (٥).
стр. 8199
وجاء في بدائع الصنائع: «وإن كان شيئًا هو قربة عندهم لا عندنا، بأن أوصى بأرض له تبنى بيعة أو كنيسة، أو بيت نار أو بعمارة البيعة، أو الكنيسة، أو بيت النار، أو بالذبح لعيدهم ... فهو على الاختلاف الذي ذكرنا: إن عند أبي حنيفة ﵀ يجوز، وعندهما لا يجوز.
وجه قولهما: أن الوصية بهذه الأشياء وصية بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح» (١).
وتعقب هذا:
القول بأن هذه الوصية معصية فلا تصح: هل المقصود بأنه معصية باعتقادهم أو معصية باعتقادنا؟
فإن كان المقصود باعتقادهم فالكنائس قربة عندهم، وإن كان المقصود معصية باعتقادنا فهذا ليس بشيء؛ لأن هذا لو كان مانعًا لما جاز قبول الجزية منهم؛ لأنه تقرير لكفرهم، وبقائهم عليه (٢).
ولأن الكافر ليس من أهل الثواب حتى نشترط القربة، وهو لم يوص لمن يعتقد حرمته، وإنما أوصى به لأهل الذمة، فيجب تنفيذ وصاياهم بحسب اعتقادهم، ولذلك نصحح التصرف فيما بينهم من بيع الخمر والخنزير بناء على اعتقادهم، وليس بناء على حكمنا (٣).
نعم لو طلبوا حكمنا حكمنا بينهم بما أنزل الله، وليس بمقتضى اعتقادهم.
стр. 8200
واستثنى صاحبا أبي حنيفة أن تكون الوصية لأقوام بأعيانهم فتصح؛ لأن هذا من باب التمليك (١).
القسم الرابع:
[م-١٦٥٥] أن يوصي بما هو قربة عندنا فقط، كأن يوصي الذمي لمن يحج، أو يجاهد، وكالوصية لبناء المساجد ونحوها، ففي صحة وصيته خلاف:
القول الأول:
إن أراد الذمي بالوصية على الحج والمسجد نفع أشخاص بأعيانهم صحت وصيته؛ لأن الوصية على معين لا يشترط فيها القربة، وإنما المقصود منها التمليك، وإن أراد بالوصية عموم المسلمين فلا تصح الوصية، وهذا مذهب الحنفية، وأومأ ابن رجب الحنبلي إلى ترجيحه في الجملة (٢).
стр. 8201
قال السرخسي: «أن يوصى بما هو قربة عندنا معصية عندهم، كالوصية بالحج والغزو إلى الروم إذا كان الموصي منهم، فهذه الوصية تبطل؛ لأنه لا يعتقد القربة، فيه وإنما أمرنا أن نبني الأحكام على ما يعتقدون، إلا أن يوصي بشيء من ماله لأقوام معينين يصرفونه إلى هذه الجهة فحينئذ تنفذ الوصية لأعيانهم لا لمعنى القربة، وهو نظير المسلم يوصي بشيء من ماله للمغنيات أو للنائحات، فإن كانوا أقوامًا بعينهم يحصون جازت الوصية لهم، وإلا بطلت» (١).
وجاء في منحة الخالق: «قال في الإسعاف: ولو أوصى الذمي أن تبنى داره مسجدًا لقوم بأعيانهم، أو لأهل محلة بعينها جاز استحسانًا؛ لكونه وصية لقوم بأعيانها، وكذلك يصح الإيصاء بمال لرجل بعينه ليحج به لكونه وصية لمعين، ثم إن شاء حج بذلك، وإن شاء ترك» (٢).
وفي فتح الباري لابن رجب: «قال محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة: لا يصح وقف النصراني على المسلمين عمومًا، بخلاف المسلم المعين، والمساجد من الوقف على عموم المسلمين -: ذكره حرب عنه بإسناده ....
قال ابن رجب: وأما وقفهم على عموم المسلمين كالمساجد، فيتوجه كراهته بكل حال، كما قاله الأنصاري» (٣).
стр. 8202
القول الثاني:
لا تصح وصيته على المساجد، والجهاد، والرباط ونحوها من القرب الدينية، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة، واختاره بعض المفسرين (١).
جاء في حاشية الدسوقي: «ولبطلان القربة الدينية من الكافر رد مالك دينار نصرانية عليها حين بعثت به إلى الكعبة، وأما القرب الدنيوية كبناء قناطر، وتسبيل ماء ونحوهما فيصح» (٢).
وقال الخرشي: «وكذلك يبطل وقف الكافر على مسجد من مساجد المسلمين، أو على رباط، أو قربة من القرب الدينية، ولذلك رد مالك دينار النصرانية عليها حيث بعثت به إلى الكعبة. ابن عرفة لا يصح الحبس من كافر في قربة دينية، ولو كان في منفعة عامة دنيوية كبناء القناطر ففي رده نظر، والأظهر إن لم يحتج إليه رد» (٣).
وقال الباجي: لو حبس ذمي دارًا على مسجد ففي العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك ورواه معن بن عيسى عن امرأة نصرانية بعثت دينارًا إلى الكعبة أيجعل في الكعبة؟
стр. 8203
قال: يرد إليها، ووجه ذلك أن هذه أموال هي أطهر الأموال وأطيبها، وأموال الكفار أبعد الأموال عن ذلك فيجب أن تنزه عنها المساجد» (١).
وذكر جماعة من المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧]. إلى أن المراد منه العمارة المعروفة من بناء المسجد، ومرمته عند الخراب، فيمنع منه الكافر، حتى لو أوصى به لم تقبل وصيته، وهذا أحد القولين في تفسير الآية (٢).
وفي فتح الباري لابن رجب: «وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن المرأة الفقيرة تجيء إلى اليهودي أو النصراني فتصدق منه؟ قال: أخشى أن ذلك ذلة.
وقال مهنا: قلت لأحمد: يأخذ المسلم من النصراني من صدقته شيئا؟ قال:
نعم، إذا كان محتاجًا.
فقد يكون عن أحمد روايتان في كراهة أخذ المسلم المعين من صدقة الذمي، وقد يكون كره السؤال، ورخص في الأخذ منه بغير سؤال. والله أعلم» (٣).
القول الثالث:
تصح وصية الذمي على المساجد ونحوها، وهذا مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٤).
стр. 8204
جاء في مغني المحتاج: «وتصح الوصية من كل مسلم أو كافر لعمارة، أو مصالح مسجد إنشاء وترميما؛ لأنه قربة، وفي معنى المسجد المدرسة والرباط المسبل والخانقاه» (١).
وقال إمام الحرمين: «ولو أوصى بما هو قربة عندنا، وليس قربة عندهم، مثل أن يوصي بعمارة مساجدنا، فالوصية نافذة على شرطها في محلها» (٢).
وذكر ابن رجب هذه المسألة في شرحه لصحيح البخاري، فقال:
«اختلف الناس في هذا أيضًا على قولين:
أحدهما: أنه لو وصى الكافر بمال للمسجد، أو بمال يعمر به مسجد، أو يوقد به، فإنه تقبل وصيته، وصرح به القاضي أبو يعلى في تعليقه في مسألة الوقيد، وكلامه يدل على أنه محل وفاق، وليس كذلك.
والثاني: المنع من ذلك، وأنه لا تقبل الوصية بذلك ... » (٣). ثم ذكر من ذهب إلى هذا المذهب.
° الراجح:
أرى أن قياس الوصية على الوقف قياس مع الفارق، فالوقف أقرب إلى الصدقات، فالأصل أنه يراد للبر، والوصية أقرب إلى الهبات، فلا يشترط فيها القربة حتى الحنابلة يرون أن الوصية أعم من الوقف، جاء في شرح منتهى الإرادات: «ووصية كوقف في جميع ذلك؛ لأنه يرجع فيها إلى لفظ الموصي،
стр. 8205
كما يرجع في الوقف إلى لفظ واقفه، لكنها أي الوصية أعم من الوقف على ما يأتي، فيصح لمرتد وحربي، وإن لم يصح الوقف عليهما» (١).
القسم الخامس:
[م-١٦٥٦] أن يوصي بما ليس بقربة، ولا معصية عندهم، وهو حرام في ديننا، كما لو أوصى بخمر، فإن أوصاه لمسلم بطلت وصيته قولًا واحدًا، وإن أوصاه لذمي، ففيه خلاف:
القول الأول:
تصح وصية الذمي للذمي بالخمر، وهذا مذهب المالكية (٢)، ومذهب الحنفية، حيث يعتبر الحنفية الخمر للذمي مالًا محترمًا كالخل في حقنا، ولو أتلفه مسلم وجب عليه ضمانه، ولو وجب على الكافر دين لمسلم، فباع الكافر خمرًا، ووفي دينه منه صح عندهم لصحة بيعه (٣).
قال ابن المنذر: «ولو أوصى أن يشترى بها خنزيرًا أو خمرًا يتصدق بها، أو أوصى بخنازير أبطلنا الوصية، وهذا قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي: يجوز أن يوصي بذلك لأهل الذمة» (٤).
стр. 8206
وقال الخرشي: «الكافر تصح وصيته؛ لانطباق الحد عليه؛ إذ هو حر مميز مالك، إلا إذا أوصى لمسلم بشيء لا يملكه المسلم، كخمر ونحوه، أما إن أوصى بذلك لكافر فإن وصيته تصح؛ لأن الكافر يملك ذلك» (١).
قال العدوي: «وانظر، هل ثمرة صحتها بذلك له الحكم به وبإنفاذها إن ترافعوا إلينا، أو لا يجوز الحكم بذلك؟» (٢).
قلت: لا يمكن الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا بغير ما أنزل الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
جاء في الهداية: «وإذا كاتب النصراني عبده على خمر فهو جائز: معناه إذا كان مقدارًا معلومًا، والعبد كافرًا؛ لأنها مال في حقهم، بمنزلة الخل في حقنا» (٣).
وقال الكاساني: «وإن كانت لذمي ـ يعني الخمرة ـ يضمن عندنا خلافًا للشافعي» (٤).
وقد يصح الاستدلال له بما رواه الشيخان من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر،
أن عمر بن الخطاب، رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه، فلبستها للناس يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﷺ : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة، ثم
стр. 8207
جاءت رسول الله ﷺ منها حلل، فأعطى عمر منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت، فقال رسول الله ﷺ : إني لم أكسكها لتلبسها، فكساها عمر أخًا له مشركا بمكة (١).
فهذه الحلة هي حرام في ديننا، وقد أعطاها عمر لأخيه المشرك، وهو لا يرى التحريم، فمن باب أولى أن يصح إذا أوصى الكافر لمثله بما يعتقداه حلالًا.
القول الثاني:
لا تصح، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة.
قال النووي: «تصح وصية الكافر بما يتمول أو يقتنى، ولا تصح بخمر، ولا خنزير، سواء أوصى لمسلم أو ذمي» (٢).
وقال ابن قدامة: «وأجاز أصحاب الرأي أن يوصي بشراء خمر أو خنازير، ويتصدق بها على أهل الذمة، وهذه وصايا باطلة، وأفعال محرمة؛ لأنها معصية، فلم تصح الوصية بها، كما لو وصى بعبده أو أمته للفجور» (٣).
° الراجح:
أن وصية الذمي بالخمر للذمي صحيحة؛ لأنها مال عندهم،
(ث-٢١٦) لما روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،
عن سويد بن غفلة، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن عماله يأخذون الجزية من الخمر، فناشدهم ثلاثاً، فقال بلال: إنهم ليفعلون ذلك، قال: فلا
стр. 8208
تفعلوا، ولكن ولوهم بيعها، فإن اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها (١).
(ث-٢١٧) ورواه أبو عبيد من طريق إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،
عن سويد بن غفلة، أن بلالاً قال لعمر بن الخطاب: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
وجه الاستدلال: هذا الأثر يدل على أن الخمرة مال محترم عندهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المبيع متمول؛ لأمر عمر بالبيع.
وثانيها: إيجاب العشر في ثمنها، ولا يجب إلا في متمول.
وثالثها: تسمية ما يقابلها ثمناً، وهو لا يكون إلا في بيع صحيح عند الإطلاق، ولا يصح البيع إلا في متمول (٤).
قال أبو عبيد: «رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها، إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها؛ لأن الخمر والخنزير مال من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالاً للمسلمين ..... قال أبو عبيد: فهو لم يجعلها قصاصاً من الجزية إلا وهو يراها مالاً من أموالهم» (٥).
* * *
стр. 8209
المبحث الثاني
الوصية من الحربي
الكفر لا ينافي أهلية التمليك (١).
من جاز تصرفه في ماله صحت وصيته.
الوصية كالإعتاق تصح من الذمي والحربي (٢).
[م-١٦٥٧] اختلف العلماء في صحة الوصية من الحربي على قولين:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء إلى صحة الوصية من الكافر الحربي إذا أوصى بما يصح تملكه من المسلم، فلا يصح أن يوصي بخمر، أو خنزير ونحوهما (٣).
стр. 8210
° وجه القول بصحة الوصية من الكافر:
الوجه الأول:
أن الحربي يملك الأهلية الكاملة، ومنها أهلية التبرع بماله لكونه حرًا مميزًا مالكًا.
الوجه الثاني:
قياس الوصية على العتق، فإذا صح الإعتاق من الحربي والذمي صحت الوصية قياسًا عليه بجامع أن كلًا منهما بترع محض.
الوجه الثالث:
كون الحربي ليس من أهل الثواب لا يعني عدم صحة الوصية؛ لأن الوصية للمعين لا يشترط فيها القربة.
الوجه الرابع:
قياس الوصية على سائر تصرفات الحربي المالية، من بيع وإجارة، ونحوها.
قال في بدائع الصنائع: «وأما إسلام الموصي فليس بشرط لصحة وصيته، فتصح وصية الذمي بالمال للمسلم ... لأن الكفر لا ينافي أهلية التمليك، وكذا الحربي المستأمن إذا أوصى للمسلم، أو الذمي يصح في الجملة» (١).
وجاء في الاختيار لتعليل المختار: «حربي دخل دارنا بأمان، فأوصى بجميع ماله لمسلم أو ذمي جاز؛ لأن عدم الجواز بما زاد على الثلث إنما كان لحق
стр. 8211
الورثة، ألا ترى أنهم لو أجازوا جاز، وليس للورثة حق محترم؛ لكونهم في دار الحرب؛ إذ هم كالأموات في أحكامنا، فصار كأن لا وارث له فيصح» (١).
قوله: (حربي دخل دارنا بأمان) لأن الحربي إذا كان في دار الحرب فلا ولاية لنا عليه، فحكم وصيته لا يخضع لحكمنا، وإنما يخضع لما هو معمول به عندهم، وهذا ظاهر.
وقال الزرقاني في شرح الموطأ: «الوصية كالإعتاق وهو يصح من الذمي والحربي» (٢).
وقال الخرشي: «الكافر تصح وصيته لانطباق الحد عليه إذا هو حر مميز، مالك إلا إذا أوصى بشيء لا يملكه المسلم كخمر ونحوه، أما إن أوصى بذلك لكافر فإن وصيته تصح» (٣).
وقال في الحاوي: «فأما الكافر: فوصيته جائزة ذميًا كان أو حربيًا، إذا وصى بمثل ما وصى به المسلم» (٤).
القول الثاني:
لا تصح الوصية من الحربي، ذكره بعض الحنابلة احتمالًا.
° وجه القول بذلك:
أن الحربي لا حرمة له، ولا لماله، فكيف تصح وصيته.
стр. 8212
قال ابن مفلح الصغير: «وتصح الوصية بالمال من البالغ الرشيد، عدلًا كان أو فاسقًا، رجلًا أو امرأة، مسلمًا أو كافرًا؛ لأن هبتهم صحيحة، فالوصية أولى. وحاصله أن من جاز تصرفه في ماله، جازت وصيته ... وظاهره في الكافر، لا فرق بين الذمي والحربي، وفيه احتمال؛ لأنه لا حرمة له، ولا لماله» (١).
° الراجح:
أرى أن القول بصحة الوصية من الحربي هو الراجح، والقول بخلافه إنما ذكر احتمالًا، وهذا لا يثبت قولًا، والله أعلم.
* * *
стр. 8213
المبحث الثالث
في الوصية من المرتد
[م-١٦٥٨] اختلف العلماء في صحة وصية المرتد، وخلافهم راجع إلى اختلافهم في حكم تصرفه في ماله بعد ردته:
فمن قال: إن ملك المرتد لماله يزول بردته لم يصحح وصيته كالمالكية.
ومن قال: إن ملكه لا يزول عنه بردته، فاختلفوا:
فقيل: تصح وصيته كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية؛ لأن وجوب قتله لا يمنع من صحة وصيته كالحربي.
وقيل: بل ماله موقوف، فإن مات على ردته بطلت، وإن رجع إلى الإسلام قبل موته نفذت وصيته، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال أبو حنيفة في المرتد فقط دون المرتدة، والفرق عنده راجع إلى أن المرتد يجب قتله إلا أن يرجع إلى الإسلام بخلاف المرتدة. هذه هي الأقوال على سبيل الإجمال، وأما أقوال العلماء على سبيل التفصيل فإليك هي:
القول الأول:
لا تصح وصية المرتد مطلقًا حال ردته، ولو رجع المرتد للإسلام، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
стр. 8214
قال النووي: «إذا قلنا بزوال ملكه، لا يصح تصرفه ببيع، وشراء، وإعتاق، ووصية» (١).
وقال الخرشي: «وإذا أوصى بوصايا، ثم ارتد عن الإسلام، فإن توبته تسقط ما أوصى به» (٢).
وقال القرافي: «ولا تنفذ وصية المرتد، وإن تقدمت ردته الوصية؛ لأن الوصية إنما تعتبر زمن التمليك، وهو زمن الموت» (٣).
وجاء في الفواكه الدواني: «تبطل أيضًا بارتداد الموصي أو الموصى له، ولو رجع المرتد للإسلام» (٤).
وفي حاشية العدوي: «وأما وصايا المرتد فباطلة وإن تقدمت حال إسلامه» (٥).
стр. 8215
القول الثاني:
تصح وصية المرتد، وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (١).
وكونها صحيحة أي على التفصيل الذي قيل في وصية الكافر، فيصح منه ما يصح من القوم الذين انتقل إليهم، فلو ارتد إلى النصرانية، ثم أوصى بما هو قربة عند المرتد، ومعصية عند الموصى لهم، ولم يقصد في الوصية نفع قوم بأعيانهم لم تصح الوصية عندهما.
ولو أوصى بما هو قربة عنده وعند الموصى لهم صحت.
أو أوصى بما هو معصية عنده ومعصية عندهم لم تصح.
قال الزيلعي: «ذكر العتابي في الزيادات: أن من ارتد عن الإسلام إلى النصرانية أو اليهودية أو المجوسية، فحكم وصاياه حكم من انتقل إليهم، فما صح منهم صح منه، وهذا عندهما» (٢).
وجاء في الفتاوى الهندية: «لو ارتد مسلم إلى اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، ثم أوصى ببعض هذه الوصايا فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يتوقف ... وعندهما تصرفات المرتد نافذة للحال، فيصح منه ما يصح من القوم الذين انتقل إليهم، حتى لو أوصى بما هو قربة عندهم معصية عندنا، وكان ذلك لقوم غير معينين لا يصح عندهما» (٣).
стр. 8216
القول الثالث:
المرتد ملكه موقوف، فإن مات أو قتل كافرًا بطلت الوصية، وإن أسلم نفذ كسائر تصرفاته، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
وقال النووي: «وفي زوال ملكه عن ماله بها أقوال، أظهرها: إن هلك مرتدًا بان زواله بها، وإن أسلم بان أنه لم يزل .... وإذا وقفنا ملكه فتصرفه إن احتمل الوقف، كعتق، وتدبير، ووصية موقوف إن أسلم نفذ وإلا فلا» (٢).
وفي كشاف القناع: «ويكون ملكه موقوفًا، فإن أسلم ثبت ملكه، وإن قتل أو مات كان ماله فيئًا» (٣).
وهذا قول أبي حنيفة في المرتد فقط دون المرتدة؛ لأن الردة من المرأة لا يوجب قتلها عنده، بل تستتاب، فإن تابت خلي سبيلها، وإلا أجبرت على الإسلام بالحبس، بخلاف المرتد، فإنه إما أن يقتل أو يسلم، ولهذا تكون وصاياه موقوفة، إن أسلم نفذ كسائر تصرفاته وإلا فلا (٤).
стр. 8217
وقال في العناية عن وصية المرتد: «جائزة عندهما موقوفة عند أبي حنيفة، إن أسلم نفذ كسائر تصرفاته، وإلا فلا» (١).
وقال ابن الهمام: «وفي المرتدة الأصح أنه تصح وصاياها؛ لأنها تبقى على الردة، بخلاف المرتد لأنه يقتل أو يسلم» (٢).
° والدليل على التفريق بين الرجل والمرأة:
الدليل الأول:
(ث-٢١٨) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق قتادة، عن خلاس،
عن علي ﵁ في المرتدة تستتاب. وقال حماد: تقتل.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأثر ضعيف، ضعفه البيهقي وغيره (٣).
стр. 8218
الوجه الثاني:
لو صح الأثر لكان معناه: تستتاب أي قبل أن تقتل كالخلاف في الرجل المرتد، هل يقتل قبل أن يستتاب، أو يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
الدليل الثاني:
(ث-٢١٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، ووكيع، عن أبي حنيفة، عن عاصم، عن أبي رزين،
عن ابن عباس، قال: لا تقتل النساء إذا ارتددن عن الإسلام، ولكن يحبسن، ويدعين إلى الإسلام، ويجبرن عليه (١).
стр. 8219
وجه الاستدلال:
أن ابن عباس هو الراوي عن رسول ﷺ من بدل دينه فاقتلوه، ولم ير قتل المرتدة، فهو أعلم بمخرج الحديث.
стр. 8220
ويجاب:
بأن هذا الأثر موقوف على ابن عباس، وهو من جهة الصناعة ضعيف، لا يثبت عن ابن عباس، وقد انفرد به الإمام أبو حنيفة، وهو إمام من أئمة الإسلام في الفقه، وعلى جلالة قدره لم يكن أهل الحديث يحتجون بما ينفرد به من الأحاديث، وعلى فرض صحته فإنه لا يقبل لأمرين:
الأمر الأول:
أنه مخالف للسنة المرفوعة، وقول الصحابي إذا خالف السنة فهو رد، وإنما يستأنس بقول الصحابي ويكون من المرجحات عند الخلاف بشرط ألا يخالف السنة، ولم يعارضه مثله.
(ح-١٠٢٤) وقد روى البخاري من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا، قال: من بدل دينه فاقتلوه (١).
واسم الشرط من ألفاظ العموم يدخل فيه الرجال والنساء، ولم يخص امرأة من رجل.
الأمر الثاني:
إذا كانت جميع الحدود بما هو دون الكفر من زنا وسرقة وشرب خمر وحد قذف وقصاص والتى هى دون ذنب الردة لازمة للرجال والنساء، فكيف يجوز أن يفرق أحد بين أعظم الذنوب فيطرحه عن النساء ويلزمهن ما دون ذلك؟ هذا غلط بَيِّن (٢).
стр. 8221
وقد وردت أحاديث في قتل المرأة المرتدة، وهي ضعيفة، من ذلك:
(ح-١٠٢٥) ما رواه الدارقطني من طريق نجيح بن إبراهيم الزهري، أخبرنا معمر بن بكار السعدي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر، أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت وإلا قتلت (١).
стр. 8222
الدليل الثالث:
قياس المرأة المرتدة على المرأة الحربية، فإذا كانت المرأة الحربية لا تقتل في شريعتنا، فكذلك المرأة المرتدة.
ويجاب:
بأن هناك فرقًا بين الحربية والمرتدة، فالحربية إنما لم تقتل إذ لم تقاتل؛ لأن الغنيمة تتوفر بترك قتلها؛ لأنها تسبى وتسترق، والمرتدة: لا تسبى ولا تسترق، فليس فى استبقائها غنم (١).
° الراجح:
القول بصحة وصية المرتد لا يعني القول بصحة نفاذها، فهي تنعقد صحيحة؛ لأنه يملك، وملكه باق على ماله كسائر تصرفاته، ويقضى من ماله ديونه، وكسبه
стр. 8223
بعد ردته كسب صحيح، فإن رجع إلى الإسلام قبل قتله نفذت وصيته، وإن قتل عقوبة له على ردته، أو مات بطلت وصاياه كسائر عمله، وهل يكون ماله لأقاربه المسلمين، أو يشاركهم فيه عموم المسملين، حيث يصرف إلى بيت المال، والذي هو ملك لجميع المسلمين، قولان في هذه المسألة، وليس هذا موضع بحثها، والله أعلم.
* * *
стр. 8224
الشرط السادس
في اشتراط غنى الموصي
ترك المال للوارث القريب المحتاج خير من دفعه للأجنبي.
ترك الوصية بنية نفع الوارث المحتاج صدقة عليه.
[م-١٦٥٩] اختلف العلماء في حكم الوصية من الفقير إذا كان ورثته محتاجين:
القول الأول:
إذا كان الوارث فقيرًا، لا يستغني بنصيبه من التركة، فالأفضل ألا يوصي، وهذا مذهب الحنفية (١).
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وإن كانت الورثة فقراء، لا يستغنون بنصيبهم، فتركها أفضل؛ لما فيه من الصلة والصدقة عليهم» (٢).
وقال ابن نجيم: وإن كانوا فقراء لا يستغنون بما يرثون فترك الوصية أولى» (٣).
القول الثاني:
أن الوصية من الفقير مع حاجة الورثة مكروهة، وهذا مذهب المالكية،
стр. 8225
والحنابلة (١).
قال في الفواكه الدواني عن حكم الوصية: «قسمها ابن رشد واللخمي خمسة أقسام: فتجب إذا كان عليه دين، وتندب إذا كانت بقربة غير واجبة، وتحرم بمحرم كالنياحة، ونحوها ... وتكره إذا كانت بمكروه أو في مال فقير» (٢)، وعبارة العدوي «أو في مال قليل» (٣)، والمعنى واحد.
وفي الإنصاف: «تكره للفقير الوصية مطلقًا على الصحيح من المذهب ... » (٤).
وقال في مطالب أولي النهى: «وتكره وصية لفقير أي منه، إن كان له ورثة محاويج» (٥).
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى استحباب أن ينقص من الثلث شيئًا سواء كان الورثة أغنياء أو فقراء؛ خروجًا من خلاف من أوجب ذلك؛ ولأن النبي ﷺ استكثر الثلث بقوله: ﷺ الثلث والثلث كثير، وقيل: إن كان ورثته أغنياء استوفى الثلث، وإلا فيستحب النقص منه (٦).
стр. 8226
جاء في مغني المحتاج: «وسن أن ينقص عن الثلث شيئًا خروجًا من خلاف من أوجب ذلك؛ ولاستكثار الثلث في الخبر، وسواء أكانت الورثة أغنياء أم لا، وإن قال المصنف في شرح مسلم: إنهم إذا كانوا أغنياء لا يستحب النقص وإلا استحب» (١).
قال النووي: «والأحسن أن ينقص من الثلث شيئًا. وقيل: إن كان ورثته أغنياء استوفى الثلث، وإلا فيستحب النقص منه» (٢).
وجاء في الحاوي: «أولى الأمرين به أن يعتبر حال ورثته، فإن كانوا فقراء، كان النقصان من الثلث أولى من استيعاب الثلث.
وقد روي عن علي ﵇ أنه قال: (لأن أوصي بالسدس أحب إلي من أن أوصي بالربع، والربع أحب إلي من الثلث).
وإن كان ورثته أغنياء، وكان في ماله سعة، فاستيفاء الثلث أولى به» (٣).
هذه مجمل الأقوال، وهي كالتالي:
إذا كان الورثة فقراء:
فقيل: الوصية خلاف الأولى. وهذا مذهب الحنفية.
وقيل: الوصية مكروهة، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة.
وقيل: يستحب النقص من الثلث، وهذا مذهب الشافعية.
стр. 8227
° وجه من قال: الترك أولى:
أن الورثة إذا كانوا فقراء كان ترك المال لهم خيرًا من الوصية للبعيد، ولقوله ﷺ : إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس (١).
وقوله: (خير) أفعل تفضيل بمعنى: أخير، أي أفضل، ولا يلزم من ترك الأفضل، والأخذ بالمفضول أن يقع الإنسان في المكروه، وإلا لقلنا: إن ترك جميع المندوبات تعني الوقوع في المكروه، وهذا غير صحيح.
ويناقش:
لا يلزم من استخدام أفعل التفضيل ألا تكون الوصية مكروهة مع حاجة الورثة، فإن أفعل التفضيل قد يستخدم في غير بابه، كما في قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، فإن النوم عن الصلاة ليس فيه فضل مطلقًا، فإذا كانت الوصية نوعًا من الصدقة، وكان ترك الثلث للزوج والولد صدقة من الميت على أهله، فإذا أخذها الموصي من أهله مع فاقتهم ليدفعها إلى البعيد لم يكن ذلك من الإحسان على الأهل، وقد قال تعالى:
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].
° دليل من قال: إن الوصية مكروهة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] والخير: إنما هو المال الكثير.
стр. 8228
الدليل الثاني:
(ح-١٠٢٦) قال رسول ﷺ : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول (١).
الدليل الثالث:
(ث-٢٢٠) وروى سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معاوية، عن محمد بن شريك المكي، عن ابن أبي مليكة،
عن عائشة، قالت: قال لها رجل: إني أريد أن أوصي؟ قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله : إن ترك خيرًا، وإن هذا الشيء يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل (٢).
[إسناده صحيح].
الدليل الرابع:
(ث-٢٢١) روى الطبري من طريق أيوب، عن نافع،
أن ابن عمر، لم يوص وقال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أصنع فيه في الحياة، وأما رباعي فما أحب أن يشرك ولدي فيها أحد (٣).
стр. 8229
[إسناده صحيح].
الدليل الخامس:
(ث-٢٢٢) وروى الدارمي من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
أن عليًا دخل على مريض، فذكروا له الوصية، فقال علي: قال الله: إن ترك خيرًا، ولما أره ترك خيرًا. قال حماد: فحفظت أنه ترك أكثر من سبعمائة (١).
[ضعيف عروة لم يلق عليًا] (٢).
الدليل السادس:
(ث-٢٢٣) وروى سعيد بن منصور، من طريق ابن جريج، عن ليث، عن طاوس،
عن ابن عباس، قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي.
[ضعيف] (٣).
الدليل السابع:
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية» (٤).
стр. 8230
° وجه من قال: يستحب النقص من الثلث:
الكراهة حكم شرعي، ولا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا يوجد دليل على كراهة الوصية مع فقر الورثة، وقد أعطاهم الشارع حقهم من المال، وترك للميت حقًا فيه، فإذا كان الموصي لو استوعب الثلث من قليل المال وكثيره مع فقر الورثة وغناهم، وصغرهم وكبرهم كانت وصية ماضية بإذن الشارع، والرسول إنما قال في الثلث: الثلث والثلث كثير، ولو كانت الوصية مكروهة، أو تركها أفضل مع حاجة الورثة لأرشد إلى ذلك الشارع، فدل على أن المستحب هو النقص من الثلث لا غير، والله أعلم.
° الراجح:
أن الوصية مستحبة، وهذا الاستحباب مشروط بقوله تعالى: إن ترك خيرًا وهذه إشارة إلى أن الاستحباب ليس مطلقًا، وإنما هو مشروط بأن يكون قد خلف مالًا كثيرًا، فإذا ترك مالًا يسيرًا قلنا له لا تستحب لك الوصية، ولو أوصى لم يكن حرامًا، ولا مكروهًا، وإنما يقال: فعلت أمرًا خلاف المستحب، فالترك أفضل لك من الوصية.
* * *