← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

جاء في مغني المحتاج: «وسن أن ينقص عن الثلث شيئًا خروجًا من خلاف من أوجب ذلك؛ ولاستكثار الثلث في الخبر، وسواء أكانت الورثة أغنياء أم لا، وإن قال المصنف في شرح مسلم: إنهم إذا كانوا أغنياء لا يستحب النقص وإلا استحب» (١). قال النووي: «والأحسن أن ينقص من الثلث شيئًا. وقيل: إن كان ورثته أغنياء استوفى الثلث، وإلا فيستحب النقص منه» (٢). وجاء في الحاوي: «أولى الأمرين به أن يعتبر حال ورثته، فإن كانوا فقراء، كان النقصان من الثلث أولى من استيعاب الثلث. وقد روي عن علي ﵇ أنه قال: (لأن أوصي بالسدس أحب إلي من أن أوصي بالربع، والربع أحب إلي من الثلث). وإن كان ورثته أغنياء، وكان في ماله سعة، فاستيفاء الثلث أولى به» (٣). هذه مجمل الأقوال، وهي كالتالي: إذا كان الورثة فقراء: فقيل: الوصية خلاف الأولى. وهذا مذهب الحنفية. وقيل: الوصية مكروهة، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة. وقيل: يستحب النقص من الثلث، وهذا مذهب الشافعية.

стр. 8227

° وجه من قال: الترك أولى: أن الورثة إذا كانوا فقراء كان ترك المال لهم خيرًا من الوصية للبعيد، ولقوله ﷺ : إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس (١). وقوله: (خير) أفعل تفضيل بمعنى: أخير، أي أفضل، ولا يلزم من ترك الأفضل، والأخذ بالمفضول أن يقع الإنسان في المكروه، وإلا لقلنا: إن ترك جميع المندوبات تعني الوقوع في المكروه، وهذا غير صحيح. ويناقش: لا يلزم من استخدام أفعل التفضيل ألا تكون الوصية مكروهة مع حاجة الورثة، فإن أفعل التفضيل قد يستخدم في غير بابه، كما في قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، فإن النوم عن الصلاة ليس فيه فضل مطلقًا، فإذا كانت الوصية نوعًا من الصدقة، وكان ترك الثلث للزوج والولد صدقة من الميت على أهله، فإذا أخذها الموصي من أهله مع فاقتهم ليدفعها إلى البعيد لم يكن ذلك من الإحسان على الأهل، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]. ° دليل من قال: إن الوصية مكروهة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] والخير: إنما هو المال الكثير.

стр. 8228

الدليل الثاني: (ح-١٠٢٦) قال رسول ﷺ : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول (١). الدليل الثالث: (ث-٢٢٠) وروى سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معاوية، عن محمد بن شريك المكي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قال لها رجل: إني أريد أن أوصي؟ قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله : إن ترك خيرًا، وإن هذا الشيء يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل (٢). [إسناده صحيح]. الدليل الرابع: (ث-٢٢١) روى الطبري من طريق أيوب، عن نافع، أن ابن عمر، لم يوص وقال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أصنع فيه في الحياة، وأما رباعي فما أحب أن يشرك ولدي فيها أحد (٣).

стр. 8229

[إسناده صحيح]. الدليل الخامس: (ث-٢٢٢) وروى الدارمي من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عليًا دخل على مريض، فذكروا له الوصية، فقال علي: قال الله: إن ترك خيرًا، ولما أره ترك خيرًا. قال حماد: فحفظت أنه ترك أكثر من سبعمائة (١). [ضعيف عروة لم يلق عليًا] (٢). الدليل السادس: (ث-٢٢٣) وروى سعيد بن منصور، من طريق ابن جريج، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي. [ضعيف] (٣). الدليل السابع: قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية» (٤).

стр. 8230

° وجه من قال: يستحب النقص من الثلث: الكراهة حكم شرعي، ولا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا يوجد دليل على كراهة الوصية مع فقر الورثة، وقد أعطاهم الشارع حقهم من المال، وترك للميت حقًا فيه، فإذا كان الموصي لو استوعب الثلث من قليل المال وكثيره مع فقر الورثة وغناهم، وصغرهم وكبرهم كانت وصية ماضية بإذن الشارع، والرسول إنما قال في الثلث: الثلث والثلث كثير، ولو كانت الوصية مكروهة، أو تركها أفضل مع حاجة الورثة لأرشد إلى ذلك الشارع، فدل على أن المستحب هو النقص من الثلث لا غير، والله أعلم. ° الراجح: أن الوصية مستحبة، وهذا الاستحباب مشروط بقوله تعالى: إن ترك خيرًا وهذه إشارة إلى أن الاستحباب ليس مطلقًا، وإنما هو مشروط بأن يكون قد خلف مالًا كثيرًا، فإذا ترك مالًا يسيرًا قلنا له لا تستحب لك الوصية، ولو أوصى لم يكن حرامًا، ولا مكروهًا، وإنما يقال: فعلت أمرًا خلاف المستحب، فالترك أفضل لك من الوصية. * * *

стр. 8231

مبحث في تقدير المال القليل من الكثير الميراث إذا لم يبلغ بالوارث حد الغنى فهو قليل. [م-١٦٦٠] اختلف السلف في المال الذي إذا تركه الميت فهو قليل. وقد جاءت مجموعة من الآثار في شأن ذلك، منها: (ث-٢٢٤) ما ورد عن عائشة ﵂ أنه قال لها رجل: إني أريد أن أوصي؟ قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله : إن ترك خيرًا، وإن هذا الشيء يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل، [إسناده صحيح] (١). (ث-٢٢٥) وروى عروة، أن عليًا دخل على مريض، فذكروا له الوصية، فقال علي: قال الله: إن ترك خيرًا، ولما أره ترك خيرًا. قال حماد: فحفظت أنه ترك أكثر من سبعمائة. [ضعيف، عروة لم يلق عليًا] (٢). (ث-٢٢٦) وعن ابن عباس، قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي. [ضعيف] (٣).

стр. 8232

وهذه الأمور قد تختلف من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، فربما كان المال القليل في وقت هو كثير بالنسبة إلى وقت آخر، أو بلد آخر، وهذا مشاهد في عصرنا، بحسب دخل الفرد وتكاليف المعيشة، والآثار التي سقناها عن بعض الصحابة إنما هي تقدير للقليل والكثير في عصرهم، ولم يصح منها إلا ما ورد عن عائشة ﵂. وقال الخرشي: «اختلف في الكثير، فقيل: ما زاد على نفقة العيال. يحتمل في العمر الغالب، ويحتمل في السنة. وقيل: ألف درهم. وقيل: ستون دينارًا. وقيل تسعمائة درهم فما فوق» (١). أرى أن المعيار في القليل والكثير عندي هو ما ذكره ابن قدامة في المغني حيث يقول: «والذي يقوى عندي، أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة، فلا تستحب الوصية؛ لأن النبي ﷺ علل المنع من الوصية بقوله: (إنك تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة). ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم، كان تركه لهم كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصية به لغيرهم، فعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم، وغناهم وحاجتهم، فلا يتقيد بقدر من المال. والله أعلم. وقد قال الشعبي: ما من مال أعظم أجرًا، من مال يتركه الرجل لولده، يغنيهم به عن الناس» (٢).

стр. 8233

الباب الرابع في شروط الموصى له الشرط الأول في اشتراط أن يكون الموصى له أهلًا للتملك الوصية لمن لا يملك تعني الصرف على مصالحه كالوقف عليه. [م-١٦٦١] هل يشترط أن يكون الموصى له ممن يصح تملكه؟ أو نقول: تصح الوصية لمن لا ليس لديه أهلية التملك، ويكون مقصود الموصي ليس التمليك، وإنما الصرف على مصالحه، كالوصية على المساجد والقناطر، والحيوان، والميت، والحمل، وقس على هذا غيرها. قال ابن شاس المالكي: «وتصح الوصية لكل من يتصور له الملك» (١). وسوف ندرس هذه المسائل مسألة مسألة، ونستكشف أقوال الفقهاء فيها، وما لم يذكر مقيس على ما ذكر.

стр. 8234

المبحث الأول الوصية للمسجد اختلف العلماء في صحة الوصية للمسجد على ثلاثة أقوال: القول الأول: تصح الوصية للمسجد مطلقًا. وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، والمذهب عند المالكية، وبه قال الرافعي من الشافعية، قال النووي: هذا هو الأفقه والأرجح (١). جاء في الفتاوى الهندية: «إذا قال: أوصيت بمائة درهم لمسجد كذا، أو لقنطرة كذا، نص محمد رحمه الله تعالى أنه جائز، وهو لمرمتها وإصلاحها، وبه أخذ ابن مقاتل» (٢). وقال ابن شاس المالكي: «أما المسجد والقنطرة والجسر وما أشبه ذلك، وإن لم تملك فالوصية لها صحيحة؛ إذ هي منزلة على الصرف في مصالحها؛ لأنا نعلم أنه لم يرد بها التمليك، فصار كالوقف عليها» (٣). وقال القرافي: «لأن الوصية للمسلمين؛ لحصول تلك المصالح لهم» (٤).

стр. 8235

وقال الخرشي: «الوصية للمسجد ونحوه، كالقنطرة، والسور تصح، ويصرف ذلك الشيء الموصى به في مصالح تلك الأشياء، كوقيد، وعمارة؛ لأن مقصود الناس بالوصية لذلك، فإن لم يكن للمسجد مصالح فيدفع للفقراء» (١). قال في مغني المحتاج: «إذا قال: أردت تمليك المسجد ... نقل الرافعي عن بعضهم أن الوصية باطلة، ثم قال: ولك أن تقول سبق أن للمسجد ملكًا وعليه وقفًا، وذلك يقتضي صحة الوصية. قال المصنف: وهو الأفقه والأرجح» (٢). القول الثاني: أن الوصية بمال للمسجد إن قال تصرف في مصالحه، صحت الوصية. وإن قصد تمليك المسجد لم تصح. وهذا قول أبي يوسف ومذهب الشافعية والحنابلة (٣). وإن أوصى للمسجد وأطلق. فقيل: تصح، وهو مذهب الحنابلة، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وقال أبو يوسف: لا تصح الوصية؛ لأن مطلق قوله للمسجد يوجب التمليك من المسجد، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٤).

стр. 8236

وإليك النصوص الشاهدة على صحة هذا التفصيل: قال السرخسي: «ذا أوصى بشيء من ماله للمسجد، ذكر في نوادر هشام أن ذلك لا يجوز عند أبي يوسف إلا أن يبين، فيقول: لمرمة المسجد، أو لعمارته، أو لمصالحه؛ فإن مطلق قوله للمسجد يوجب التمليك من المسجد، كقوله لفلان، والمسجد ليس من أهل الملك» (١). قال الغزالي: «لو قال: وقفت على المسجد، أو أوصيت للمسجد، وقال: أردت تمليك المسجد فباطل وإن قال: أردت صرفه إلى مصلحته فصحيح وإن أطلق: قال الشيخ أبو علي هو باطل؛ لأن المسجد لا يملك كالبهيمة، وهذا في المسجد بعيد؛ لأن العرف ينزل المطلق على صرف المنافع إلى مصلحته» (٢). وقال النووي في الروضة: «أوصى لمسجد، وفسر بالصرف في عمارته ومصلحته، صحت الوصية. وإن أطلق، فهل تبطل كالوصية للدابة، أم تصح تنزيلا على الصرف في عمارته ومصلحته عملا بالعرف؟ وجهان: أصحهما: الثاني» (٣). وقال ابن مفلح: لو أراد الموصي تمليك المسجد لم تصح، وإلا صحت (٤).

стр. 8237

فلم يبطل الوصية في المسجد إلا في حالة واحدة لو أراد الموصي تمليك المسجد، وصحح ما عداها، فيدخل فيه لو أوصى للمسجد، وأطلق. و جاء في المبدع: «وإن وصى لكتب القرآن، أو العلم، أو المسجد، أو لفرس حبيس ينفق عليه صح؛ لأن ذلك قربة، فصح بذل المال فيه كالوصية للفقير، والموصى به للمسجد يصرف في مصالحه عملًا بالعرف .... ولو أراد تمليك الفرس أو المسجد، لم يصح» (١). ° الراجح: أرى أن الوصية للمسجد صحيحة، سواء صرح أنه أراد النفقة على عمارته وإصلاحه أو لم يصرح بذلك؛ لأن المسألة راجعة إلى أنه لا يشترط في الموصى له أن يكون من أهل التملك؛ لأنه إذا صحت الوصية على مصالح المسجد وعمارته، وهو ليس من أهل التملك دل هذا على أنه لا يشترط في الموصى له أن يكون من أهل التملك. قال في بدائع الصنائع: «كونه من أهل الملك ليس بشرط، حتى لو أوصى مسلم بثلث ماله للمسجد ينفق عليه في إصلاحه وعمارته وتجصيصه يجوز؛ لأن قصد المسلم من هذه الوصية التقرب إلى الله بإخراج ماله إلى الله ، لا التمليك إلى أحد» (٢). وقد صحح الحنفية الوقف على بيت المقدس، فلزم منه صحة الوقف على المسجد من غير فرق

стр. 8238

وقال في الفروع: «ولم يعتبر الحارثي أن يملك؛ لحصول معناه، فيصح لعبد، وبهيمة ينفق عليهما» (١). فإذا أوصى ماله للمسجد صحت الوصية حتى لو أراد به تمليك المسجد، ولا مانع من اعتبار المسجد له شخصية اعتبارية كبيت مال المسلمين، فإن له ذمة مستقلة، ويملك، ويستدين، وهكذا سائر أوقاف المسلمين من المساجد والطرق ونحوها، والله أعلم. * * *

стр. 8239

المبحث الثاني الوصية للحيوان الوصية للحيوان صحيحة بشرط أن يكون محترمًا. [م-١٦٦٢] يدخل في اشتراط أن يكون الموصى له أهلًا للتملك الخلاف في الوصية للحيوان، وقد اختلف الفقهاء في الوصية له على قولين: القول الأول: لا تصح الوصية للحيوان إن أراد تمليكها. وإن قال: تصرف في علفه صحت الوصية، وكانت الوصية لصاحبها، وهذا مذهب الجمهور. وإن أطلق الوصية لم تصح الوصية عند الحنفية والشافعية مطلقًا. وصحح الحنابلة الوصية لحيوان حبس للجهاد ما لم يرد تمليكه؛ لأنه جهة قربة، وإذا أوصى بماله لحيوان زيد صحت، ولو لم يقبله صاحبه، ويصرف في علفه، فإن مات فالباقي للورثة (١). جاء في الفتاوى الهندية: «رجل قال: أوصيت بهذا التبن لدواب فلان كان باطلًا، ولو قال: يعلف به دواب فلان كان جائزًا ... » (٢).

стр. 8240

وقريب من مذهب الحنفية مذهب الشافعية، وملخصه: أن الموصي إن قصد تمليك الدابة، أو أطلق فباطلة، وإن قال: تصرف في علفها صحت الوصية (١). قال إمام الحرمين: «إذا أوصى لدابة زيد بشيء، فأول ما فيه أنا نستفصل الموصي في حياته، فنقول: ما الذي أردت بذلك؟ فإن قال: أردت بذلك تمليك الدابة، فتبطل وفاقًا؛ فإنه قصد بما أطلقه محالًا. وإن قال: قصدت بذلك صرف الموصى به إلى حاجة الدابة في علفها وسقيها، قال الأصحاب: صحت الوصية على تفصيل نذكره. وإن قال: لم أنو شيئا أصلًا، قال الشيخ: تبطل الوصية؛ فإن ظاهرها تمليك الدابة، فلم تصح. فإذا نوى الصرف إلى العلف، كما قلناه أو صرح به، ومات الموصي، قال صاحب التلخيص: إن قبل مالك الدابة الوصية، ثبتت وإن ردها، بطلت، وردت؛ فإن هذه الوصية تتعلق به من حيث إنها تتعلق بمصلحة ملكه، ويستحيل أن نلزمه هذه الوصية حتى نتصرف في دابته بالعلف والسقي. قال الشيخ: رأيت للشيخ أبي زيد أنه قال: تثبت الوصية، وإن لم يقبلها مالك الدابة؛ فإن الموصي قصد بذلك علف الدابة. وذلك حسبة، وفي كل ذات كبد حرى أجر» (٢).

стр. 8241

وقال الزركشي: «ولو أوصى لدابة وقصد تمليكها بطل، أو ليصرف في علفها صح. ومنها: لو قال الموصي: لم تكن لي إرادة بطلت، ويحلف على ذلك، قاله الإمام» (١). وجاء في نهاية المحتاج: «وإن أوصى لدابة، وقصد تمليكها أو أطلق فباطلة؛ لأن مطلق اللفظ للتمليك وهي لا تملك ..... وإن قصد علفها، أو قال: ليصرف في علفها ... فالمنقول صحتها؛ لأن مؤنتها على مالكها فهو المقصود بالوصية». ويناقش من وجهين: الوجه الأول: صحح الشافعية الوصية للمسجد إذا أطلق الوصية، ولم يقل: يصرف في عمارته ومصالحه، مع أن المسجد لا يملك، ولا مالك له، فكان القياس أن تصحح الوصية للدابة إذا أطلق الوصية لها، ولم يقل: أردت تمليك الدابة. الوجه الثاني: أن القول بأن المقصود هو مالك الدابة ينتقض مع القول بأنه يتعين صرف الوصية في مؤنة الدابة، ولو باعها انتقلت الوصية إلى المشتري، فهذا دليل على أن الوصية للدابة، وليست لصاحبها.

стр. 8242

قال في نهاية المحتاج: «يتعين صرفه ـ يعني المال الموصى به ـ في مؤنتها ... فلو باعها مالكها انتقلت الوصية للمشتري» (١). نعم قال القفال من الشافعية: لا يتعين صرف الوصية في مؤنة الدابة، وله إمساكه، وينفق عليها من غيره (٢). وأما النصوص في مذهب الحنابلة: جاء في حاشية الروض: «ولا تصح لبهيمة إن قصد تمليكها؛ لأنه مستحيل، وتصح لنحو فرس حبيس، لأنه جهة قربة، ما لم يرد تمليكها، وينفق الموصى به للفرس الحبيس، لأنه مصلحته، وإن مات رد الموصى به له» (٣). وجاء في الإنصاف: «قوله: ولا لبهيمة. إن وصى لفرس حبيس: صح إذا لم يقصد تمليكه كما صرح به المصنف قبل ذلك، وإن وصى لفرس زيد: صح، ولزم بدون قبول صاحبها. ويصرفها في علفه. ومراد المصنف هنا: تمليك البهيمة» (٤). وفي الإقناع: «ولا تصح الوصية لكنيسة .... ولا لمَلَك، ولا لميت، ولا لجني، ولا لبهيمة إن قصد تمليكها، وتصح لفرس حبيس ما لم يرد تمليكه، وينفق الموصى به إليه فإن مات الفرس رد الموصى به أو باقيه على الورثة، وإن شرد أو سرق ونحوه انتظر عوده، وإن أيس منه رد إلى الورثة» (٥).

стр. 8243

ويناقش: إذا كانت الوصية للحيوان لا تصح عندهم بنية تمليك الحيوان، فكأنهم أرادوا بالوصية صاحبها، فكيف لا يشترط قبوله، وهو المقصود بالوصية. القول الثاني: تصح الوصية للحيوان إذا كان فيه منفعة لآدمي، وهذا مذهب المالكية، وقول مرجوح في مذهب الحنابلة (١). قال في منح الجليل: «لا تصح ـ يعني الوصية ـ لكافر بمصحف ... ولا لبهيمة لا منفعة فيها لآدمي، ولا فرق فيمن يصح تملكه بين كونه عامًا كالمساكين، أو خاصًا كزيد، ولا بين من يملك حقيقة أو حكمًا، كمسجد، ورباط، وقنطرة، وخيل جهاد، ونعم محبس لنسله» (٢). وقال في دليل الطالب: «صح الوصية لكل من يصح تمليكه، ولو مرتدًا أو حربيًا، أو لا يملك: كحمل، وبهيمة، ويصرف في علفها» (٣). ° الراجح: أن الوصية للحيوان صحيحة مطلقًا بشرط أن يكون الحيوان محترمًا، والمقصود بالمحترم الحيوان الذي لم نؤمر بقتله، سواء كان فيه منفعة أو لا منفعة فيه، فإن في كل كبد رطبة أجر، وإذا قيل: هذا المال للحيوان فهذه

стр. 8244

الإضافة لا يتصور أنها تعني التمليك، وهذه الجملة صحيحة لغة وعرفًا، وتعني اختصاص الحيوان بهذا الشيء، كما يقال: بيت الكلب، وسرج الدابة. (ح-١٠٢٧) وقد روى الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا، فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر (١). (ح-١٠٢٨) ورواه الشيخان من طريق عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : بينما كلب يطيف بركية، كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها، فسقته، فغفر لها به (٢). * * *

стр. 8245

المبحث الثالث الوصية للميت من لا تصح له الهبة لا تصح له الوصية. [م-١٦٦٣] يدخل في اشتراط أن يكون الموصى له أهلًا للتملك الخلاف في الوصية للميت، وقد اختلف العلماء في الوصية له على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور إلى أن الوصية للميت وصية باطلة مطلقًا (١). ° وجه القول بالبطلان: الوجه الأول: أن الوصية تمليك، والميت ليس من أهل التملك. جاء في الهداية: «ومن أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله، فإذا عمرو ميت، فالثلث كله لزيد؛ لأن الميت ليس بأهل للوصية، فلا يزاحم الحي الذي هو من أهلها» (٢).

стр. 8246

قال العمراني: «ولا تصح الوصية لمن لا يملك، فإن وصى لميت لم تصح الوصية، سواء ظنه حيًا، أو علمه ميتًا. وبه قال أبو حنيفة» (١). وقال النووي: «الوصية للميت باطلة سواء علم الموصي بموته، أم لا» (٢). وقال الشيرازي: «ولا تصح الوصية لمن لا يملك، فإن وصى لميت لم تصح الوصية؛ لأنه تمليك فلم يصح للميت كالهبة» (٣). وفي الإقناع: «ولا تصح الوصية لكنيسة .... ولا لمَلَك، ولا لميت» (٤). الوجه الثاني: قياس الوصية على الهبة، فإذا كانت الهبة لا تصح للميت، لم تصح له الوصية بجامع أن كليهما من عقود التبرع. الوجه الثالث: أن الوصية عقد يفتقر إلى القبول، وهو متعذر من الميت. القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الموصي إن كان لا يعلم بموت الموصى له بطلت الوصية، وإن كان يعلم حين أوصى له أنه ميت صحت الوصية، وصرفت في قضاء دينه، وتجهيزه؛ لأنه مقصود الموصي، فإن لم يكن عليه دين صرفت

стр. 8247

لورثته، فإن لم يكن له وارث بطلت، ولا تعطى لبيت المال بناء على أن بيت المال حائز. وقال الشيخ سالم: تدفع لبيت المال بناء على أنه وارث (١). قال ابن شاس: «وكذلك الوصية للميت، إذا أوصى له بعد العلم بموته فإنه تصح له، فإن كان عليه دين صرفت الوصية فيه، وكذلك إن كانت عليه كفارات، أو زكوات فقد وجبت، فإن لم يكن شيء من ذلك كانت لورثته؛ لأن هذا قصد الموصي بها» (٢). قال الخرشي: «تصح الوصية للميت إن علم الموصي بموته، ويصرف المال الموصى به في دينه، إن كان على الميت دين، وإلا فهو لوارثه، فإن لم يعلم بموته، فإنها لا تصح؛ إذ الميت لا يصح تملكه، فقوله (ولميت) أي وصحت الوصية لكل من تقدم ممن يصح تمليكه، ولميت وظاهره سواء علم الموصي أن على الموصى له دينًا، أو له وارث، أو لا، وهو ظاهر، وبيت المال وارث شرعي فيدفع له حيث لم يكن له وارث، ولا عليه دين» (٣). وعلق العدوي في حاشيته على كلام الخرشي، قائلًا: «(قوله وبيت المال وارث شرعي إلخ) كذا قال الشيخ سالم. وقال علي الأجهوري: فإن لم يكن له وارث خاص، بل بيت المال بطلت، كما إذا لم يعلم بموته.

стр. 8248

أقول ـ القائل العدوي ـ وكلام علي الأجهوري ظاهر حيث كان بيت المال غير منتظم؛ لأن الراجح أن بيت المال إذا لم يكن منتظما لا يرث» (١). ° الراجح: أن الموصي إذا أوصى لميت، هو يعلم أنه ميت فإن الوصية صحيحة؛ لأنه لم يرد تمليكه، وإنما أراد أن تصرف في الحقوق الواجبة عليه من دين وزكاة وكفارات، والقيام بتجهيزه، وما بقي من ذلك صرف لورثته كما أن الوصية على المساجد والقناطر والدواب تصرف في مصالحها، فإن كان لا يعلم أنه ميت بطلت الوصية؛ لأن الظاهر أنه أراد تمليكه، وذمته خربت بموته، والله أعلم. * * *

стр. 8249

الشرط الثاني أن يكون الموصى له موجودًا [م-١٦٦٤] هل يشترط أن يكون الموصى له موجودًا حين الوصية، أو تصح الوصية للمعدوم حين الوصية على رجاء أن يوجد في المستقبل؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا تصح الوصية للمعدوم في الجملة، وهذا مذهب الحنفية والأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. واستثنى الحنفية إذا كان الموصى له غير معين، فإنه يدخل الموصى له وإن لم يكن موجودًا وقت الوصية إذا وجد عند موت الموصي. وصحح الشافعية الوصية للمعدوم إذا كان تبعًا للموجود. وفي دخول المتجدد بعد الوصية، وقبل موت الموصي عند الحنابلة روايتان (١).

стр. 8250

جاء في تبيين الحقائق: «إذا أوصى لأولاد فلان، وله أولاد، وولد له بعد ذلك أولاد دخل الكل في الوصية» (١). وجاء في تكملة رد المحتار نقلًا من التاترخانية: «الموصى له إذا كان معينًا من أهل الاستحقاق يعتبر صحة الإيجاب يوم أوصى. ومتى كان غير معين يعتبر صحة الإيجاب يوم موت الموصي. فلو أوصى بالثلث لبني فلان، ولم يسمهم، ولم يشر إليهم فهي للموجودين عند موت الموصي، وإن سماهم أو أشار إليهم فالوصية لهم، حتى لو ماتوا بطلت الوصية؛ لأن الموصى له معين، فتعتبر صحة الإيجاب يوم الوصية اهـ ملخصا» (٢). وجاء في نهاية المحتاج للرملي: « .... نعم يقاس ما مر في الوقف أنه لو جعل المعدوم تبعًا للموجود كأن أوصى لأولاد زيد الموجودين ومن سيحدث له من الأولاد صحت تبعًا لهم» (٣).

стр. 8251

قال في حاشية الجمل: وهذا هو المعتمد (١). وقال ابن رجب: «وأما حكم الوصية فإنها لا تصح لمعدوم بالأصالة، كمن أوصى لحمل هذه الجارية صرح به القاضي وابن عقيل، وفي دخول المتجدد بعد الوصية، وقبل موت الموصي روايتان» (٢). ° وجه القول بعدم صحة الوصية للمعدوم: الوجه الأول: أن الوصية تمليك، وتمليك المعدوم ممتنع. ونوقش هذا: بأنه استدلال بمحل النزاع، إذ التمليك في الوصية متراخ، وليس في الحال، بدليل صحتها للحمل، وملكه لها معلق على ولادته حيًا، فكذلك الموصى له وإن كان معدومًا وقت الوصية إلا أن تمليكه الموصى به معلق على وجوده، وهو يملك عند وجوده، فصحت الوصية له. الوجه الثاني: قياس الوصية على الميراث، فالميراث لا يثبت إلا لمن كان موجودًا وقت موت المورث، فكذلك الوصية. ونوقش هذا: بأن القياس غير صحيح لوجود الفرق بين الملك بالميراث والملك بالوصية،

стр. 8252

منها: أن الميراث يملك قهرًا بدون اختيار، والوصية لا تملك إلا بقبول الموصى له، ويتفرع على هذا أن الوصية من باب التبرعات فيتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها، وليس الميراث كذلك فليس لأحد إسقاطه، والملك بالوصية أوسع من الملك بالميراث، فتصح الوصية للذمي، ولمن لا يملك كالمسجد بخلاف الميراث. القول الثاني: أن الوصية للمعدوم صحيحة، وبه قالت المالكية، والشافعية في مقابل الأصح، وقول في مذهب الحنابلة، اختاره ابن تيمية (١). قال الخرشي: «الركن الثاني: وهو الموصى له، وشرطه أن يكون يصح تملكه للموصى به شرعًا، سواء كان بالغًا عاقلًا مسلمًا موجودًا أم لا» (٢). وجاء في حاشية الدسوقي: «إذا قال أوصيت لمن سيكون من ولد فلان، فيكون لمن يولد له، سواء كان موجودًا بأن كان حملًا، أو كان غير موجود من أصله، فيؤخر الموصى به للحمل والوضع، أو للوضع، فإذا وضع واستهل أخذ ذلك الشيء الموصى به، ومثله: أوصيت لمن يولد لفلان، فيكون لمن يولد له، لا لولده الموجود بالفعل، سواء علم أن له حين الوصية ولدًا أم لا، وحيث تعلقت الوصية بمن يولد في المستقبل كما في المثالين المذكورين، فإن كان حملًا فإنه يؤخر الموصى به لوضعه، فإن وضع واستهل أخذه، وإلا رد لورثة

стр. 8253

الموصي، وإن كان غير موجود من أصله انتظر بالوصية إلى اليأس من الولادة ثم بعده ترد لورثة الموصي» (١). وقال العمراني: «وإن وصى لما تحمل هذه المرأة، ففيه وجهان: أحدهما: قال أبو إسحاق: تصح الوصية له وإن كان معدومًا حال الوصية، فعلى هذا: إذا حملت بعد الوصية له صحت الوصية» (٢). وسوف أبحث الوصية للحمل في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى وجاء في مجموع الفتاوى: «وسئل: عن رجل له زرع ونخل، فقال عند موته لأهله: أنفقوا من ثلثي على الفقراء والمساكين إلى أن يولد لولدي ولد، فيكون لهم. فهل تصح هذه الوصية أم لا؟ فأجاب: نعم تصح هذه الوصية؛ فإن الوصية لولد الولد الذين لا يرثون جائزة، كما وصى الزبير بن العوام لولد عبد الله بن الزبير، والوصية تصح للمعدوم بالمعدوم، فيكون الريع للفقراء إلى أن يحدث ولد الولد فيكون لهم. والله أعلم» (٣). ° دليل من قال: تصح الوصية للمعدوم: الدليل الأول: قياس الوصية على الوقف، فإذا صح الوقف على من سيولد من آل فلان، وهو معدوم، صحت الوصية للمعدوم.

стр. 8254

ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الوصية أجريت مجرى الميراث، والميراث لا يثبت إلا لمن كان موجودًا عند وفاة الموصي. ورد هذا: بأن الوصية أوسع من الميراث، لصحة الوصية للذمي، ولمن لا يعقل كالمساجد والقناطر، والحيوان ونحوها، ولا ميراث لهذه الأشياء. الوجه الثاني: أن الوقف يراد للدوام؛ لأنه قائم على تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فصح للموجود والمعدوم، بخلاف الوصية (١). ويجاب: لا يمنع أن يراد بالوصية الدوام، وإن كان ذلك ليس شرطًا في صحة الوصية. الدليل الثاني: أن الوصية تمليك مضاف لما بعد الموت، فالملك فيها متراخ فلا مانع من صحة الوصية للموجود ولمن سيوجد، بخلاف الهبة فإنها تمليك للحال، فلم تصح للمعدوم. الدليل الثالث: أن الشارع اعتبر المعدوم كالموجود في بعض الأحكام، فيلحق بها الوصية،

стр. 8255

من ذلك: دية القتيل تورث عنه، وهي لا تجب له إلا بموته، فالتركة لا تورث عن الإنسان إلا إذا دخلت في ملكه قبل موته، فيقدر دخولها قبل موته. ومنها أن الجنين تنفخ فيه الروح بعد ستة أسابيع على حديث جابر في مسلم، أو بعد ستة عشر أسبوعاً على حديث ابن مسعود في الصحيحين، وقبل ذلك لا توجد فيه روح، ومع ذلك يعتبر الجنين بحكم الحي في الوصية له، والوقف عليه ولو كان نطفة إذا انفصل حيًا، وإن كان حين الوصية له والوقف عليه لا يوصف بالحياة البشرية، أو أن حياته كحياة النبات؛ لعدم نفخ الروح فيه. ° الراجح: بعد ذكر الخلاف أرى صحة الوصية للمعدوم إذا كان يغلب على الظن وجوده. * * *

стр. 8256

المبحث الرابع الوصية للحمل [م-١٦٦٥] الوصية للحمل إما أن يكون الحمل موجودًا وقت الوصية، فالبحث فيه يدخل تحت مسألة: اشتراط أن يكون الموصى له أهلًا للتملك. وإما أن يكون الحمل غير موجود وقت الوصية، فالبحث فيه يدخل تحت مسألة: الوصية للمعدوم. فإن كان الحمل موجودًا وقت الوصية صحت الوصية له بالاتفاق بشرط أن ينفصل الحمل حيًا، وعلامته عند الجمهور أن يستهل صارخًا. وعند الحنفية أن يولد أكثره حياً. فإن انفصل ميتًا لم تصح الوصية عند الأئمة الأربعة؛ لأن الوصية للميت لا تصح، كما أنه لو ولد ميتًا لم يستحق الميراث. ° الدليل على صحة الوصية للحمل الموجود: الدليل الأول: الإجماع، قال ابن قدامة: «وأما الوصية للحمل فصحيحة أيضًا، لا نعلم فيه خلافًا» (١). الدليل الثاني: أن الحمل يملك بالإرث، والوصية كالميراث إن لم تكن أوسع فالوصية للذمي صحيحة بخلاف الإرث (٢).

стр. 8257

قال ابن قدامة: «الوصية جرت مجرى الميراث من حيث كونها انتقال المال من الإنسان بعد موته إلى الموصى له بغير عوض كانتقاله إلى وارثه، وقد سمى الله تعالى الميراث وصية، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]» (١). فإن كان الحمل غير موجود وقت الوصية فقد وقع خلاف في صحة الوصية له على قولين: القول الأول: تصح له الوصية، ولو لم يكن موجودًا حين الوصية، ويستحق الوصية إذا ولد حيًا، واستهل صارخًا، ويقوم مقام الاستهلال كثرة رضعه ونحوه مما يدل على تحقق حياته. وهذا مذهب المالكية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة، اختاره ابن تيمية (٢). جاء في الشرح الصغير: «إذا قال: أوصيت لمن سيكون من ولد فلان، فيكون لمن يولد له، سواء كان موجودًا بأن كان حملًا حين الوصية، أو غير موجود» (٣).

стр. 8258

وقال الخرشي: «يصح لحمل سيكون في المستقبل، ويستحق الوصية إن استهل صارخًا» (١). وجاء في مجموع الفتاوى: «وسئل: عن رجل له زرع ونخل، فقال عند موته لأهله: أنفقوا من ثلثي على الفقراء والمساكين إلى أن يولد لولدي ولد، فيكون لهم. فهل تصح هذه الوصية أم لا؟ فأجاب: نعم تصح هذه الوصية؛ فإن الوصية لولد الولد الذين لا يرثون جائزة، كما وصى الزبير بن العوام لولد عبد الله بن الزبير، والوصية تصح للمعدوم بالمعدوم، فيكون الريع للفقراء إلى أن يحدث ولد الولد فيكون لهم. والله أعلم» (٢). ° دليل من قال: تصح الوصية للولد ولو لم يكن موجودًا: الدليل الأول: أن الوصية كالوقف، فإذا صح الوقف على من سيولد من آل فلان، صحت الوصية كذلك. الدليل الثاني: أن المعتبر في الوصية ليس وقت إيجاب الوصية؛ فلو قال: أوصيت بثلث مالي، وليس له مال، ثم استفاد مالًا صحت الوصية. ولو أوصى لأخيه، وكان أخوه وقت إنشاء الوصية وارثًا، ثم ولد ذكر صحت الوصية لأخيه؛ ولم يعتبر في الصحة وقت إيجاب الوصية.

стр. 8259

القول الثاني: يشترط أن يكون الحمل موجودًا حين الوصية، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة على خلاف بينهم في كيفة التحقق من وجود الحمل وقت إنشاء الوصية (١). ° وجه القول بعدم الصحة: أن الوصية تمليك، وتمليك المعدوم لا يصح. وكيفية التحقق من وجود الحمل يرجع إلى وقت ولادته على النحو التالي: (١) ـ أن يولد حيًا لأقل من ستة أشهر من حين تكلم بالوصية؛ سواء كانت فراشًا لزوج أو سيد أو بائنًا؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا وضعته حيًا لأقل منها، وعاش لزم أن يكون موجودًا حين الوصية. (٢) ـ أن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، ولم تتجاوز به أكثر مدة الحمل: فإن كانت فراشًا لزوج أو سيد لم تصح الوصية؛ لاحتمال أن تكون حملت به بعد الوصية. وإن لم تكن ذات زوج أو سيد صحت الوصية؛ إذا لم تتجاوز أكثر مدة الحمل من حين الوفاة أو الفرقة؛ لأنه يملك بالإرث فملك بالوصية، ولثبوت نسبه من أبيه إذا جاءت به في تلك المدة.

стр. 8260

(٣) ـ أن تأتي به حيًا بعد أن تجاوزت أكثر مدة الحمل من الوفاة أو الفرقة فالوصية باطلة؛ لأننا نقطع أن الحمل لم يكن موجودًا حين الوصية. إلا أن هؤلاء الفقهاء قد اختلفوا في أكثر مدة الحمل: فالحنفية أكثر مدة الحمل سنتان، فإن جاءت به لأقل من سنتين من الوفاة أو الفرقة صحت له الوصية، وإن جاءت به لأكثر من سنتين من الوفاة أو الفرقة لم تصح الوصية؛ لأنه حينئذ لم يكن موجودًا عند الوصية. وأما الحنابلة والشافعية فأكثر مدة الحمل عندهم أربع سنوات، فإن ولدته لأقل من أربع سنين من الوفاة والفرقة صحت له الوصية، وإن ولدته لأكثر من أربع سنين من الوفاة أو الفرقة لم تصح له الوصية؛ لأن الحمل لم يكن موجودًا عند الوصية. واستثنى الحنفية أن يقر الموصي بوجود الحمل فإن الوصية تصح له إذا جاءت به لأقل من سنتين من حين أوصى، حتى ولو كانت ذات زوج أو سيد؛ لأن وجوده في البطن عند الوصية ثبت بإقرار الموصي، وهو غير متهم فيه؛ لأنه موجب له ما هو خالص حقه، فيلحق بما لو صار معلومًا يقينًا بأن وضعته لأقل من ستة أشهر. قال في الحاوي الكبير: «إن وضعته لأقل من ستة أشهر من حين تكلم بالوصية لا من حين الموت صحت له الوصية لعلمنا أن الحمل كان موجودًا وقت الوصية. وإن وضعته لأكثر من أربع سنين من حين الوصية فالوصية باطلة؛ لحدوثه بعدها، وأنه لم يكن موجودًا وقت تكلمه بها.

стр. 8261

وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأقل من أربع سنين، فإن كانت ذات زوج أو سيد يمكن أن يطأها فيحدث ذلك منه: فالوصية باطلة؛ لإمكان حدوثه، فلم يستحق بالشك. وإن كانت غير ذات زوج أو سيد يطأ، فالوصية صحيحة؛ لأن الظاهر تقدمه، والحمل يجري عليه حكم الظاهر في اللحوق فكذلك في الوصية» (١). وقال ابن قدامة: «إن كانت المرأة فراشًا لزوج، أو سيد يطؤها، فأتت به لستة أشهر فما دون، علمنا وجوده حين الوصية، وإن أتت به لأكثر منها، لم تصح الوصية له؛ لاحتمال حدوثه بعد الوصية. وإن كانت بائنًا، فأتت به لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، لم تصح الوصية له، وإن أتت به لأقل من ذلك، صحت الوصية له؛ لأن الولد يعلم وجوده إذا كان لستة أشهر، ويحكم بوجوده إذا أتت به لأقل من أربع سنين من حين الفرقة. وهذا مذهب الشافعي» (٢). ° الراجح: صحة الوصية للحمل مطلقًا، سواء كان موجودًا وقت الوصية، أو وجد بعد ذلك، ولا يوجد دليل على اشتراط وجود الموصى له وقت إيجاب الوصية، والله أعلم. وإذا صححنا الوصية للحمل فإنه يستحق الوصية بغض النظر عن جنسه وعدده.

стр. 8262

قال العمراني: «وكل موضع صححنا الوصية فيه للحمل: فإن ولدت ذكرًا أو أنثى أعطي ذلك كله. وإن ولدت ذكرين، أو أنثيين، أو ذكرا وأنثى صرف إليهما بالسوية؛ لأنها عطية فلم يفضل الذكر فيها على الأنثى، كما لو وهب لهما. وهكذا: إن ولدت ذكرًا وأنثى وخنثى صرفت اليهم أثلاثًا» (١). * * *

стр. 8263

الشرط الثالث أن يكون الموصى له معلوما [م-١٦٦٦] يشترط في الموصى له أن يكون معلومًا غير مجهول، وعليه فلا تصح الوصية إذا قال: أوصيت لرجل من الناس؛ لأن تنفيذها متعذر مع جهالة الموصى له. والعلم به بالموصى له يكون إما بالتعيين بذكر اسمه كزيد، أو بالإشارة إليه كهذا الرجل، وإما بالوصف كالفقراء وطلبة العلم، ونحو ذلك. وهذا الشرط محل وفاق بين الفقهاء في الجملة وإن اختلفوا في بعض المسائل، هل هي من الوصية بمعلوم أو لا؟ من ذلك: اختلف العلماء في الرجل يوصي بثلث ماله لأحد هذين الرجلين على ثلاثة أقوال: القول الأول: الوصية باطلة، وهذا قول أبي حنيفة، وزفر، وهو مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (١). جاء في كشاف القناع: «أو قال: أوصيت بكذا لجاري فلان أو لقريبي فلان

стр. 8264

باسم مشترك؛ لأن تعيين الموصى له شرط، فإذا قال: لأحد هذين فقد أبهم الموصى له» (١). ° وجه القول بالبطلان: أن الوصية تمليك، والمجهول لا يمكن تمليكه. القول الثاني: أن الوصية صحيحة، وتكون لهما، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية. ° وجه قول أبي يوسف: «لما مات قبل التعيين شاعت الوصية لهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، كمن أعتق أحد عبديه، ثم مات قبل البيان أن العتق يشيع فيهما جميعًا، فيعتق من كل واحد منهما نصفه، كذا ههنا يكون لكل واحد منهما نصف الوصية» (٢). القول الثالث: أن الوصية صحيحة، وللورثة تعيين أحدهما. وبه قال محمد بن الحسن. ° توجيه هذا القول: «أن الإيجاب وقع صحيحًا؛ لأن أحدهما وإن كان مجهولًا، لكن هذه جهالة تمكن إزالتها ألا ترى أن الموصي لو عين أحدهما حال حياته لتعين، ثم إن محمدًا يقول: لما مات عجز عن التعيين بنفسه، فيقوم وارثه مقامه في التعيين» (٣).

стр. 8265

جاء في حاشية ابن عابدين: «قال: أوصيت بثلثي لفلان أو فلان بطلت عند أبي حنيفة، لجهالة الموصى له. وعند أبي يوسف لهما أن يصطلحا على أخذ الثلث، وعند محمد يخير الورثة فأيهما شاؤوا أعطوا» (١). ° الراجح: لا أرى أي قول من هذه الأقوال صحيحًا، فالقول بإبطال الوصية وإن كان أقواها إلا أن الجهالة في عقد التبرع مغتفر على الصحيح. ومن قال: إن الوصية لهما فهذا خلاف إرادة الموصي؛ لأنه قال: لأحدهما. ومن قال: التعيين للورثة فهذا ضعيف أيضًا؛ لأن الوصية لم يتلقها الموصى له من جهتهم، فأقرب الأقوال عندي لو قيل: يقرع بينهما، فالتعيين بالقرعة إذا تزاحمت الحقوق، ولم يكن هناك سبب لتفضيل أحدهما على الآخر، أمر مشروع. قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. وقال تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. (ح-١٠٢٩) ومن السنة ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، ولم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة (٢).
следующие страницы →