الشرط الخامس
في اشتراط إسلام الموصى له
المبحث الأول
وصية المسلم للذمي
[م-١٦٧١] علمنا في بحث سابق أن الإسلام ليس شرطًا في صحة الوصية، وأن وصية الذمي صحيحة، سواء أوصى بها إلى ذمي مثله، أو أوصى بها إلى مسلم معين.
والبحث هنا في صحة وصية المسلم لغير المسلم، وغير المسلم إما أن يكون ذميًا، أو مستأمنًا أو حربيًا.
فأما الوصية للذمي فللفقهاء فيها قولان:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء، وهو رواية ابن وهب عن مالك إلى جواز وصية المسلم للذمي المعين، وحكي ذلك إجماعًا.
قال ابن الهمام: «ويجوز أن يوصي المسلم للكافر والكافر للمسلم، فالأولى؛ لقوله تعالى ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية.
والثاني: لأنهم بعقد الذمة ساووا المسلمين في المعاملات، ولهذا جاز التبرع من الجانبين في حالة الحياة فكذا بعد الممات» (١).
стр. 8297
وقال ابن المنذر: «ووصية المسلم للذمي جائزة في قول مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقد روينا إجازة ذلك عن جماعة منهم شريح، والشعبي، وعطاء، وابن سيرين» (١).
وقال ابن قدامة: «تصح وصية المسلم للذمي، والذمي للمسلم، والذمي للذمي» (٢).
وفي مطالب أولي النهى: «ولا تصح الوصية لعامة اليهود ولا النصارى بخلاف المعين، فإنها تصح له ... ولا يصح جعل الكفر أو الجهل شرطًا في الاستحقاق» (٣).
ومعنى ذلك: أن الوصية إن كانت لذمي معين صحت، ولا يشترط فيها القربة، وإن كانت على جهة، كما لو أوصى لعموم اليهود والنصارى فلا تصح؛ لأن معنى ذلك أن يكون الكفر والجهل شرطًا في الاستحقاق.
وقد ناقشت ذلك بتوسع في عقد الوقف فارجع إليه.
° والدليل على صحة وصية المسلم للذمي:
الدليل الأول:
الإجماع. قال ابن عبد البر: «لا خلاف علمته بين العلماء في جواز وصية
стр. 8298
المسلم لقرابته الكفار؛ لأنهم لا يرثونه، وقد أوصت صفية بنت حيي لأخ لها يهودي» (١).
الدليل الثاني:
قال ابن المنذر: «قال ابن الحنفية، وعطاء، وقتادة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] الآية، قالوا: في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني» (٢).
الدليل الثالث:
أن الله لم ينهنا عن صلتهم، قال تعالى:
﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
الدليل الرابع:
(ث-٢٢٩) روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن الثوري، عن ليث، عن نافع،
عن ابن عمر، أن صفية ابنة حيي أوصت لابن أخ لها يهودي (٣).
[حسن لغيره] (٤).
стр. 8299
فتبين بكل ما سبق أن اتحاد الدين بين الموصي والموصى له ليس بشرط، فتصح وصية الذمي للمسلم فيما يصح أن يتملكه المسلم، وتصح وصية المسلم للذمي فيما يصح أن يتملكه الذمي، فلا يصح أن يوصي له بالمصحف،، وإن أوصى له بعبد مسلم صحت الوصية وأمر بإخراجه من ملكه ببيع ونحوه،، والله أعلم.
القول الثاني:
كره ملك في أحد قوليه الوصية للكافر إلا على وجه الصلة كأن يكون قريبًا أو جارًا، أو سبقت له يد.
стр. 8300
جاء في التحصيل: «كره مالك الوصية لليهود والنصارى، قال سحنون: قال ابن القاسم: وكان قبل ذلك يجيزه ولست أرى به بأسًا إذا كان ذلك على وجه الصلة، مثل أن يكون أبوه نصرانيًا، أو يهوديًا، أو أخوه، أو أخته، فيصلهم على وجه صلة الرحم فلا أرى به بأسًا، وأراه حسنا، وأما بغير هذا فلا.
وفي رواية عيسى بن دينار: وسئل ابن القاسم عن هذا، فقال: لا أرى به بأسًا لمثل أمه وأبيه وإخوته وما أشبه ذلك القرابة، وأما الأباعد فلا يعجبني ذلك وَلْيَعْطِفْ به على أهل الإِسلام.
قال محمد بن رشد: حَدُّ الكراهة ما في تركه ثواب، وليس في فعله عقاب، فمعنى كراهية مالك الوصية لليهود والنصارى هو أن يؤثرهم بالوصية لقرابته منهم على المسلمين الأجنبيين، فرأى الوصية للمسلمين الأجنبيين أفضل من الوصية لقرابته الذميين.
وقوله: وكان قبل ذلك يجيزه: معناه من غير كراهة؛ لما جاء في صلة الرحم من الأجر، والوجه في ذلك: أنه لم يترجح عنده على هذا القول الأفضل من الوجهين، فأجازه من غير كراهة، وهي رواية ابن وهب عنه، أن الوصية للكافر جائزة، واحتج بالحُلّةِ التي كساها عمَرُ أخا له مشركا بمكة، وهو الذي ذهب إليه ابن القاسم في رواية عيسى عنه، وقوله قبل ذلك: وأراه حسنًا قول ثالث في المسألة، وأنه رأى الأجر في الوصية لصلة رحمه، وإن كانوا ذميين أكثر من الأجر في المسلمين الأجنبيين» (١).
والاحتجاج بجواز صلة الكافر على جواز الوصية له قياس مع الفارق؛ لأن
стр. 8301
الصلة ثبت جوازها للكافر الحربي، بخلاف الوصية له على الصحيح المعتمد من مذهب المالكية، والله أعلم.
وجاء في حاشية الدسوقي: «وحاصله أن ابن القاسم يقول بالجواز إذا كانت على وجه الصلة، بأن كانت لأجل قرابة، وإلا كرهت.
وأجازها أشهب مطلقًا، لكن في التوضيح ما نصه: وقيد ابن رشد إطلاق قول أشهب بجوازها للذمي بكونه ذا سبب من جوار، أو قرابة، أو يد سبقت لهم، فإن لم يكن ذا سبب فالوصية لهم محظور؛ إذ لا يوصى للكافر من غير سبب، ويترك المسلم إلا مسلم مريض الإيمان» (١).
° الراجح من الخلاف:
أرى أن الراجح جواز الوصية لأهل الذمة الملتزمين العهد، لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإذا كنا نعرض نفوسنا للهلاك في الذب عنهم فشأن المال أهون.
قال إمام الحرمين: «والوصية للذمي منفذة؛ فإنهم في عوننا ونصرتنا، ويتعين علينا الذب عنهم، فالوصية حمل على إعانتهم بطائفة من المال؛ فإن المال أهون من تعريض النفوس للهلاك بسبب الذب عنهم». (٢)
* * *
стр. 8302
المبحث الثاني
في وصية المسلم للكافر الحربي
[م-١٦٧٢] علمنا في المبحث السابق في صحة وصية الذمي للمسلم وللذمي، وصحة وصية المسلم للذمي، وحكي ذلك إجماعًا.
واختلف الفقهاء في صحة وصية المسلم للكافر الحربي، ومحل الخلاف فيه إذا أوصى له بغير سلاح:
القول الأول:
أن الوصية لا تصح للحربي، وهذا مذهب الحنفية، وقول أصبغ من المالكية، وهو المعتمد، واختاره بعض الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة، وبه قال سفيان الثوري (١).
стр. 8303
(ث-٢٣٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف: قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: قال سفيان: لا تجوز وصية لأهل الحرب (١).
وجاء في حاشية تبيين الحقائق: «إذا أوصى المسلم للحربي لم تصح الوصية ... » (٢).
وفي منح الجليل: قال «أصبغ: تجوز لذمي، ولا تجوز لحربي ـ يعني الوصية ـ لأنها تقوية له، وترجع ميراثًا لا صدقة» (٣).
وفي حاشية الصاوي: «وخرج بالذمي الحربي، فلا تصح له الوصية على ما قاله أصبغ، وهو المعتمد، خلافًا لما يقتضيه كلام عبد الوهاب من صحتها له» (٤).
стр. 8304
وقال الشيرازي: «فإن وصى لحربي ففيه وجهان، أحدهما: أنه لا تصح الوصية، وهو قول أبي العباس بن القاص؛ لأن القصد بالوصية نفع الموصى له، وقد أمرنا بقتل الحربي، وأخذ ماله فلا معنى للوصية له .... » (١).
° دليل من قال: لا تصح الوصية للحربي:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩]
جاء في مجمع الأنهر نقلًا من الجامع الصغير: «الوصية لحربي وهو في دارهم باطلة؛ لأنها بر وصلة وقد نهينا عن بر من يقاتلنا، ثم ذكر الآية ... » (٢).
ويجاب:
بأن الآية ليس فيها النهي عن بر المشركين، بل فيها النهي عن تولي المحاربين، وليست الوصية من الموالاة، وإلا لما جازت للذمي.
قال فخر الرازي: قوله: (أن تولوهم) بدل من (الذين قاتلوكم)، والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء .... وقال أهل التأويل هذه الآية: تدل على جواز البر بين المشركين والمسلمين، وإن كانت الموالاة منقطعة» (٣).
وقال إمام الحرمين: «الوصية لا تقتضي الموالاة، ولا تعتمدها، ولست أدري ماذا كان يقول في الهبة من الحربي، وظاهر قياسه أنها كالوصية» (٤).
стр. 8305
الدليل الثاني:
أن في الوصية للحربي تقوية لهم على حربنا، وفي تكثير أموالهم إضرار للمسلمين، فصار كما لو أوصى بالسلاح لهم.
القول الثاني:
تصح الوصية للحربي، ويستثنى من ذلك آلة الحرب فلا يوصى له بها، واختاره عبد الوهاب البغدادي المالكية،، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
جاء في منح الجليل: قال «عبد الوهاب: تجوز للمشركين ـ يعني الوصية ـ ولو أهل حرب» (٢).
قال الماوردي: «وأما الوصية للكافر فجائزة، ذميًا كان أو حربيًا» (٣).
وقال الشيرازي: «فإن وصى لحربي ففيه وجهان .... الثاني: يصح، وهو المذهب؛ لأنه تمليك يصح للذمي فصح للحربي» (٤).
стр. 8306
وقال ابن قدامة: «وتصح الوصية للحربي في دار الحرب، نص عليه أحمد» (١).
وقال الحارثي من الحنابلة: إذا لم يتصف بالقتال والمظاهرة صحت، وإلا لم تصح (٢).
° دليل من قال: تصح الوصية للحربي:
الدليل الأول:
صحة الهبة للحربي بالإجماع، والوصية في معناها (٣).
وسيأتي في الأدلة ما يدل على صحة صلة الكافر الحربي.
قال الماوردي: «لما جازت الهبة للحربي، وهو أمضى عطية من الوصية، كان أولى أن تجوز له الوصية» (٤).
الدليل الثاني:
(ح-١٠٣٦) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر،
أن عمر بن الخطاب، رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه، فلبستها للناس يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﷺ : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة، ثم جاءت رسول الله ﷺ منها حلل، فأعطى عمر منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله،
стр. 8307
كسوتنيها، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت، فقال رسول الله ﷺ : إني لم أكسكها لتلبسها، فكساها عمر أخًا له مشركا بمكة (١).
فدل الحديث على جواز الهدية والصلة للأقارب وإن كانوا كفارًا محاربين لقوله فكساها أخًا له مشركًا بمكة.
قال ابن عبد البر: «وفيه صلة القريب المشرك ذميًا كان أو حربيًا؛ لأن مكة لم يبق فيها بعد الفتح مشرك، وكانت قبل ذلك حربًا، ولم يختلف العلماء في الصدقة التطوع أنها جائزة من المسلم على المشرك قريبًا كان أو غيره، والقريب أولى ممن سواه، والحسنة فيه أتم وأفضل ........ وأما التطوع بالصدقة فجائز على أهل الكفر من القربات وغيرهم لا أعلم في ذلك خلافًا» (٢).
الدليل الثالث:
(ح-١٠٣٧) ما رواه البخاري من طريق هشام، عن أبيه،
عن أسماء بنت أبي بكر ﵂، قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ ، قلت: وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك (٣).
ونوقش هذا الحديث والحديث الذي قبله:
أن هذا كان قبل أن يؤمر بقتال المشركين، ولا يجوز اليوم مهاداة المشركين ولا متاحفتهم إلا للأبوين خاصة؛ لأن الهدية فيها تأنيس للمهدى إليه، وإلطاف
стр. 8308
له، وتثبيت لمودته، وقد نهى الله عن التودد للمشركين بقوله: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] الآية. وإنما بعث عمر بالحلة إلى أخيه المشرك بمكة على وجه التأليف له على الإسلام؛ لأنه كان طمع بإسلامه، وكان التألف على الإسلام حينئذ مباحًا، وقد تألف رسول الله ﷺ صناديد قريش، وجعل الله للمؤلفة قلوبهم سهمًا فى الصدقات، وكذلك فعلت أسماء فى أمها» (١).
ويجاب:
بأن القول بأن صلة الكفار كانت مشروعة ونسخت، وأن الناسخ النهي عن موالاة الكافر وموادته قول ضعيف جدًا؛ لأن الهبة لا تعني الموالاة، وإلا لما جازت الوصية للذمي؛ لأن الذمي كافر، من جملة الكفار الذين تجب البراءة منهم، وعدم موالاتهم، وأما محبة الكافر، فإن كانت لكفره فهذه منافية للإيمان، وإن كانت محبة طبيعة كمحبة الولد والوالد والقريب، والزوجة الكافرة، ونحو هذا فإنه لا ينافي الإيمان، والله أعلم.
نعم لو قيل: إن هذه الأدلة تدل على جواز الصلة، ولا تدل على جواز الوصية، والمخالف قد يوجد فارقًا بينهما يمنع من الاحتجاج بالقياس لكان أولى من القول بالنسخ، مع أني أرى أن قياس الوصية على الهبة قياس صحيح بجامع أن كلا منهما من عقود التبرع، والله أعلم.
стр. 8309
° الراجح:
القول بصحة الوصية للحربي بشرطين:
أحدها: أن يكون ذلك لشخص بعينه، وليس جهة؛ لأنه لا يتصور أن يوصي المسلم لجهة تكون حربًا على المسلمين.
الثاني: أن يكون ذلك الشخص، وإن كان في دار الحرب إلا أنه لم يتصف بالقتال والمظاهرة على ما قال الحارث من الحنابلة، والله أعلم.
وكل من أجاز الوصية للكافر الحربي فهو يجيز الوصية للكافر المستأمن إن لم يكن أولى؛ كالشافعية والحنابلة؛ والقاضي عبد الوهاب من المالكية؛ لأن المستأمن هو محارب دخل دارنا، وطلب الأمان، فأعطي الأمان مؤقتًا.
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في كتابه الإشراف: «كل من صح تمليكه بغير الوصية صح أن يملك بالوصية كالمعاهد والمستأمن» (١).
وأما من منع الوصية للكافر الحربي فلهم قولان في الوصية للكافر المستأمن
فالحنفية الذين منعوا الوصية للكافر الحربي أجازوا الوصية للمستأمن:
قال الكاساني: «وإن كان مستأمنًا فأوصى له مسلم أو ذمي، ذكر في الأصل أنه يجوز؛ لأنه في عهدنا، فأشبه الذمي الذي هو في عهدنا» (٢).
ومنشأ ذلك: أن المستأمن فيه شبه من الذمي من جهتين:
стр. 8310
أحدهما: أنه في دار الإسلام، وليس في دار الحرب.
الثاني: أنه قد تم إعطاؤه الأمان، فلم يكن محاربًا بضم الميم وفتح الراء.
وأما من منع الوصية له فقد ألحقه بالحربي من جهة أن أمانه عارض ومؤقت، قال تعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:١٠].
وأن المستأمن وإن كان في دارنا صورة إلا أنه من أهل الحرب حكمًا.
* * *
стр. 8311
المبحث الثالث
الوصية للمرتد
[م-١٦٧٣] اختلف العلماء في الوصية للمرتد على قولين:
القول الأول:
لا تصح الوصية للمرتد، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «ولا تجوز وصية المسلم للمرتد، كذا في فتاوى قاضي خان» (٢).
وجاء في منح الجليل: «فلا تصح ـ يعني الوصية ـ لكافر بمصحف ... ولا لمرتد وحربي» (٣).
وفي المحرر: «وتصح الوصية للحربي، وفي المرتد وجهان» (٤).
° وجه القول بعدم الصحة:
أن المرتد يجب قتله، فلا معنى للوصية له، وعلل المالكية بأن أموال المرتد ليست له، وإنما هي للمسلمين.
стр. 8312
القول الثاني:
تصح الوصية للمرتد إذا كان معينًا، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
قال إمام الحرمين: «و مما أجراه الشارحون الوصية للمرتد، قالوا: هي بمثابة الوصية للحربي؛ فإنه لا عاصم للمرتد من سيف الإسلام، كما لا عاصم للحربي، وقد ذكرنا أن الوصية للحربي جائزة في ظاهر القياس» (٢).
وقال أبو الخطاب الحنبلي في الهداية: «فإن أوصى لحربي أو مرتد صحت» (٣).
وفي الإنصاف: «تصح الوصية لكل من يصح تمليكه، من مسلم، وذمي، ومرتد وحربي» (٤).
وإنما اشترطوا أن تكون الوصية لمعين؛ لأنه لا يتصور أن يوصي لمن يرتد، فيكون شرط الاستحقاق الاتصاف بالردة، فهذا من الدعوة إلى الكفر.
قال الماوردي: «فأما وصية المرتد. فعلى ثلاثة أقسام .... :
أحدها: أن يوصي لمن يرتد عن الإسلام، فالوصية باطلة؛ لعقدها على معصية.
стр. 8313
والثاني: أن يوصي بها لمسلم، فيرتد عن الإسلام بعد الوصية له، الوصية جائزة؛ لأنها وصية صادفت حال الإسلام.
والثالث: أن يوصي بها لمرتد معين ففي الوصية وجهان:
أحدها: باطلة.
والثاني: جائزة» (١).
وقال العمراني: «ولا تصح الوصية بما لا قربة فيه، كالوصية لمن يرتد عن الدين ويقطع» (٢).
والمقصود بقوله: (ولا تصح بما لا قربة فيه) أي يشترط انتفاء المعصية، وليس معناه وجود القربة في الوصية، ولهذا صحح الوصية للمعين، ولو كان حربيًا أو مرتدًا.
° وجه القول بصحة الوصية للمرتد:
الوجه الأول:
القياس على صحة الوصية للحربي، فإذا جازت الوصية للحربي على الصحيح مع أنه مستحق للقتل، جازت الوصية للمرتد كذلك.
الوجه الثاني:
القياس على صحة الهبة له، والبيع منه وعليه.
° الراجح:
أهلية المرتد أهلية كاملة، فإذا كان يصح تمليكه صح أن يوصى له، والله أعلم.
* * *
стр. 8314
الشرط السادس
ألا يكون الموصى له قاتلًا للموصي
[م-١٦٧٤] اختلف الفقهاء في اشتراط كون الموصى له غير قاتل للموصي، ونظرًا لكثرة الأقوال والتفاصيل في كل مذهب أرى أنني بحاجة أولًا إلى تحرير المسألة في كل مذهب على حدة، ثم استخلص الأقوال في المسألة، وبعد ذلك نأتي على ذكر الأدلة، وبيان الراجح.
تحرير مذهب الحنفية .
لا تصح الوصية للقاتل إن كان مكلفًا، سواء كانت الوصية قبل الجناية أو بعدها، وسواء كان القتل عمدًا أو خطأ إذا كان على سبيل المباشرة، بخلاف المتسبب؛ لأنه غير قاتل حقيقة، وإن أجاز الورثة الوصية جازت خلافًا لأبي يوسف، وكذا تصح الوصية إن لم يكن هناك وارث، أو كان القاتل صبيًا أو مجنونًا (١).
جاء في الهداية: «ولا تجوز ـ يعني الوصية ـ للقاتل عامدًا كان أو خاطئًا بعد أن كان مباشرًا .... ولو أجازتها الورثة جاز عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا تجوز» (٢).
وقال ابن عابدين: «قوله (ولا قاتل) أي مباشرة كالخاطئ والعامد بخلاف
стр. 8315
المتسبب، لأنه غير قاتل حقيقة، وهذا إذا كان ثمة وارث وإلا صحت، وكان القاتل مكلفًا، وإلا فتصح للقاتل لو صبيًا أو مجنونًا» (١).
تحرير مذهب المالكية:
إن كان القتل بعد الوصية، فإن كان القتل خطأ صحت الوصية مطلقًا في مال الموصي دون ديته، من غير فرق بين كون الجناية قبل الوصية أو بعدها.
وإن قتله عمدًا فإن كانت الجناية بعد الوصية لم تصح الوصية مطلقًا، لا في مال ولا في دية.
وإن كانت الوصية بعد الجناية، فإما أن يعلم أن الموصى له هو الجاني أو لا يعلم.
فإن علم الموصي صحت الوصية للقاتل عمدًا كان أو خطأً، وتكون الوصية في المال والدية في جناية الخطأ؛ لعلم الموصي بالدية في جناية الخطأ قبل موته، كما تكون الوصية في المال فقط في جناية العمد دون الدية؛ لأنه مال لم يعلم به الموصي، لأن دية قتل العمد لا تجب إلا بعد الموت، وبعد اختيار أولياء الدم الدية، وهذا لم يعلم به الموصي، إلا أن ينفذ قاتله مقاتله مثل أن يقطع نخاعه، أو مصرانه، ويبقي حيًا فترة يتكلم، فقبل أولاده الدية وعلمها الموصي، فأوصى دخلت الدية في الوصية.
وإن لم يعلم الموصي بالجاني، فقال ابن القاسم: لا شيء له.
وقال محمد هي نافذة له علم أو لم يعلم، هذا ملخص مذهب المالكية (٢).
стр. 8316
جاء في التاج والإكليل: «إن أوصى له بعد ضربه وعلم به، فإن كانت الضربة خطأ جازت الوصية في المال والدية، وأما في العمد فتجوز في ماله دون الدية لأن قبول الدية كمَالٍ لم يعلم به. (وإلا فتأويلان). اللخمي: إن أوصى بعد الجناية عمدًا، ولم يعلم أنه قاتله، فقال ابن القاسم: لا شيء له. وقال محمد: هي نافذة له علم أو لم يعلم» (١).
وفيه أيضًا: «لو أنفذ قاتله مقاتله، مثل أن يقطع نخاعه، أو مصرانه، وبقي حيًا يتكلم، فقبل أولاده الدية، وعلمها، فأوصى فيها، لدخلت فيها وصاياه؛ لأنه مال طرأ له، وعلمه قبل زهوق نفسه، فوجب أن تجوز فيه وصاياه» (٢).
تحرير مذهب الشافعية:
في جواز الوصية للقاتل قولان عند الشافعية، أظهرهما صحة الوصية للقاتل مطلقًا، ولو كان متعديًا (٣).
قال النووي في الروضة: «في صحة الوصية للقاتل قولان. أظهرهما عند العراقيين والإمام والروياني: الصحة، كالهبة. وسواء كان القتل عمدًا أو خطأ، بحق أم بغيره. وقيل: القولان في القتل ظلمًا .... والمذهب الصحة مطلقًا» (٤).
стр. 8317
وقال إمام الحرمين: «الوصية للقاتل، وفيها قولان مشهوران: أحد القولين - أنها تصح، وهو القياس ... » (١).
وجاء في أسنى المطالب: «وكذا القاتل، ولو تعديا تصح الوصية له، بأن أوصى لجارحه ثم مات بالجرح، أو لإنسان فقتله؛ لعموم الأدلة؛ ولأنها تمليك بصيغة كالهبة والبيع بخلاف الإرث، وأما خبر (ليس للقاتل وصية) فضعيف، ولو صح حمل على وصيته لمن يقتله فإنها باطلة» (٢).
تحرير مذهب الحنابلة .
في الوصية للقاتل إذا كان القتل مضمونًا بقصاص أو دية أو كفارة ولو كان خطأ ثلاثة أوجه في مذهب الحنابلة:
أحدها: أن الوصية صحيحة مطلقًا، سواء أوصى قبل الجناية أو بعدها، وبه قال ابن حامد.
الثاني: ليست صحيحة مطلقًا، وبه قال أبو بكر.
الثالث: إن كانت الوصية بعد الجنابة صحت، وإن كانت قبلها لم تصح، وبه قال أبو الخطاب، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
قال في الإنصاف: «تلخص لنا في صحة الوصية للقاتل ثلاثة أوجه: الصحة مطلقا. اختاره ابن حامد.
стр. 8318
وعدمها مطلقا. اختاره أبو بكر. والفرق بين أن يوصى له بعد الجرح: فيصح، وقبله: لا يصح. وهو الصحيح من المذهب» (١).
وقال ابن قدامة: «واختلف أصحابنا في الوصية للقاتل على ثلاثة أوجه:
فقال ابن حامد: تجوز الوصية له. واحتج بقول أحمد، في من جرح رجلًا خطأ، فعفا المجروح. فقال أحمد: يعتبر من ثلثه. قال: وهذه وصية لقاتل .... ولأن الهبة له تصح، فصحت الوصية له، كالذمي.
وقال أبو بكر: لا تصح الوصية له؛ فإن أحمد قد نص على أن المدبر إذا قتل سيده، بطل تدبيره، والتدبير وصية .... لأن القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية، فالوصية أولى، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث، فيمنعها ما يمنعه.
وقال أبو الخطاب: إن وصى له بعد جرحه، صح، وإن وصى له قبله، ثم طرأ القتل على الوصية، أبطلها جمعًا بين نصي أحمد في الموضعين ..... ولأن الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها، ولم يطرأ عليها ما يبطلها، بخلاف ما إذا تقدمت، فإن القتل طرأ عليها فأبطلها .... » (٢).
إذا وقفت على الروايات في كل مذهب، نأتي على خلاصة الأقوال في المسألة.
стр. 8319
القول الأول:
لا تصح الوصية للقاتل مطلقًا، عمدًا كان أو خطأ. وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، واختيار أبي بكر من الحنابلة.
القول الثاني:
تصح الوصية للقاتل مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية، واختيار ابن حامد من الحنابلة.
القول الثالث:
إن كانت الوصية بعد الجناية صحت الوصية، وإن كانت الوصية قبل الجناية لم تصح، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
القول الرابع:
إن كان القتل خطأ صحت الوصية مطلقًا، تقدمت الوصية أو تأخرت، وكانت الوصية في المال والدية؛ لأن القاتل لم يتعمد الجناية.
وإن كانت الجناية عمدًا كان في ذلك تفصيل:
إن كانت الوصية قبل الجناية بطلت الوصية، وإن كانت الوصية بعد الجناية، فإن علم الموصي بالجاني صحت الوصية، وكانت في المال دون الدية، وإن لم يعلم ففي المسألة قولان. وهذا مذهب المالكية في الجملة.
° دليل من قال ببطلان الوصية للقاتل:
الدليل الأول:
(ح-١٠٣٨) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن مصفى، حدثنا
стр. 8320
بقية، عن مبشر بن عبيد، عن حجاج بن أرطأة، عن عاصم، عن زر،
عن علي قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: ليس لقاتل وصية (١).
[موضوع] (٢).
стр. 8321
الدليل الثاني:
قياس الوصية على الميراث، لكونهما تمليكًا مضافًا إلى ما بعد الموت، فالوصية والقرابة سببان للتملك، إلا أن أحدهما استخلاف شرعي، والآخر بفعل العبد، فإذا كان الوارث لو قتل مورثه حرم من الميراث باعتبار القتل جناية عظيمة تستدعي الزجر، فكذا الموصى له لو قتل الموصي حرم من الوصية زجرًا له ...
ولأن المعنى في بطلان الوصية للوارث القاتل أن الورثة تتأذى من مشاركة القاتل تركة أبيهم، وهذا المعنى موجود في الوصية للقاتل، ولا فرق في هذا بين أن تتقدم الوصية على الجرح أو تتأخر عنه؛ لأن الوصية إنما تقع تمليكًا بعد الموت، فتقع وصية للقاتل تقدمت الجناية أو تأخرت (١).
ويناقش:
هناك فرق بين الوصية والميراث، فالميراث الملك فيه قهري، ولا يفتقر إلى قبول بخلاف الوصية، فإن الملك فيها يفتقر إلى قبول، والملك فيها اختياري، والميراث لا يصح مع اختلاف الدين بخلاف الوصية، ويمنع القاتل من الميراث حتى ولو عفى المقتول عن القاتل، ولو عفى الموصي عن الجاني، وأوصى له بعد الجناية صحت عند أكثر الفقهاء؛ وعللوا ذلك بأن الوصية لم يطرأ عليها ما يبطلها، وليس متهمًا باستعجال الوصية، بخلاف ما إذا تقدمت، ولو عفى الوارث عن القاتل لم يرث، ولو أجاز الوارث الوصية للقاتل صحت الوصية عند الحنفية.
стр. 8322
° دليل من قال: تصح الوصية للقاتل:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾. [النساء: ١١].
وجه الاستدلال:
أن الآية مطلقة، والأصل في الدليل المطلق والعام أن يبقى على إطلاقه وعمومه، ولا يقيد المطلق ولا يخصص العام إلا دليل مثله متلقى من الشارع، ولا يوجد دليل على إخراج القاتل، والحديث الوراد في إخراج القاتل قد تبين فيما سبق أنه حديث موضوع، فلا يصح مقيدًا للآية الكريمة.
الدليل الثاني:
أن الوصية عقد تمليك يفتقر إلى القبول، فإن كان القتل بعد الوصية لم يمنع القتل من صحة الوصية كسائر التمليكات من بيع وهبة ونحوها، وإن كانت الوصية بعد القتل اعتبر ذلك من دفع السيئة بالحسنة، وهو أمر محمود.
الدليل الثالث:
قياس الوصية على الهبة، فإذا كان القتل لا يبطل الهبة فلا يبطل الوصية.
° دليل الحنابلة في التفريق بين الوصية قبل الجناية وبعدها:
الدليل الأول:
أن الوصية بعد الجناية لم يطرأ عليها ما يبطلها، أما قبلها فقد طرأ القتل عليها فأبطلها؛ لأنه يبطل ما هو آكد منها، وهو الميراث.
стр. 8323
الدليل الثاني:
أن الجناية إذا سبقت الوصية لم يتهم باستعجالها بقتل الموصي، بخلاف ما إذا كانت الجناية بعد الوصية فإنه مظنة التهمة باستعجال الوصية عن طريق القتل، فيعامل بنقيض قصده.
° دليل المالكية على مذهبهم:
أن الوصية إن كانت قبل الجناية، وكان القتل عمدًا بطلت الوصية؛ لأن الموصى له متهم باستعجال الوصية عن طريق القتل.
وأما إن كانت الوصية بعد الجناية وعلم الموصي بالجاني صحت الوصية عمدًا كانت الجناية أو خطأ؛ لأن الموصى له لا يتهم باستعجال الوصية، فهو أراد دفع الإساءة بالإحسان، وهو أمر محمود.
فإن كان القتل خطأ كانت الوصية في المال والدية؛ لعلم الموصي بالدية في جناية الخطأ قبل موته.
وتكون الوصية في المال فقط في جناية العمد دون الدية؛ لأن الدية مال لم يعلم به الموصي، لأن دية قتل العمد لا تجب إلا بعد الموت، وبعد اختيار أولياء الدم الدية، وهذا لم يعلم به الموصي، ولهذا لو أن القاتل أنفذ مقاتله، وعلم أنه ميت لا محالة، وبقي حيًا فترة يتكلم، فقبل أولاده الدية وعلمها الموصي قبل موته، فأوصى دخلت الدية في الوصية (١).
стр. 8324
وقال ابن رشد: مما لا اختلاف فيه أعلمه في المذهب أن وصية المقتول عمدًا لا تدخل في ديته إن قبلها ولاته؛ لأنه مال لم يعلم به» (١).
وجاء في التاج والإكليل: «لو أنفذ قاتله مقاتله، مثل أن يقطع نخاعه، أو مصرانه، وبقي حيًا يتكلم، فقبل أولاده الدية، وعلمها، فأوصى فيها، لدخلت فيها وصاياه؛ لأنه مال طرأ له، وعلمه قبل زهوق نفسه، فوجب أن تجوز فيه وصاياه» (٢).
ولأن عمر ﵁ أوصى حين طعن، وعلم أنه ميت، فجازت وصيته، قال ابن رشد: «ولا اختلاف في إجازة وصية من أنفذت مقاتله؛ لما ثبت من فعل عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة جماعة الصحابة، وبالله التوفيق» (٣).
° الراجح:
أن الوصية إن كانت بعد الجناية صحت مطلقًا عمدًا كانت الجناية أو خطأ، في المال والدية؛ لأن الجميع مال للموصي، والعلم ليس شرطًا في نفاذ الوصية، ولذلك لو كان للموصي مال ضائع، ثم وجد بعد وفاته دخل في الوصية.
وإن كانت الوصية قبل الجناية، فإن كانت عمدًا بطلت الوصية، وإن كانت خطأ صحت، وكون القتل مضمونًا في الخطأ لا يلحقه في العمد لغياب قصد الجناية، والله أعلم.
* * *
стр. 8325
الشرط السابع
ألا يكون الموصى له جهة معصية
[م-١٦٧٥] اختلف الفقهاء في اشتراط ألا يكون الموصى له جهة معصية على قولين:
القول الأول:
التفريق بين وصية المسلم ووصية الذمي:
فإذا أوصى الذمي بما ليس معصية عنده، وإن كان معصية في حكم الإسلام صحت الوصية كأن يوصي ببناء الكنائس، وطبع كتب التوراة والإنجيل، وهذا قول أبي حنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
جاء في مواهب الجليل: «لابن القاسم في العتبية في نصراني أوصى بجميع ماله للكنيسة، ولا وارث له، قال: يدفع إلى أساقفتهم ثلث ماله، وثلثاه للمسلمين» (٢).
وقال الزيلعي: «إذا أوصى بما هو قربة عندهم وليس بقربة عندنا كبناء الكنيسة لقوم غير معينين فعند أبي حنيفة ﵀ يجوز، وعندهما لا يجوز وإن كان لقوم معينين يجوز بالإجماع» (٣).
«وجه قول أبي حنيفة ﵀: أن المعتبر في وصيتهم ما هو قربة عندهم، لا ما هو قربة حقيقة؛ لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقة» (٤).
стр. 8326
وجاء في الإنصاف: «وروي عن الإمام أحمد ﵀ ما يدل على صحة الوصية من الذمي لخدمة الكنيسة .... وقال في الرعاية: ولا تصح لكتب توراة وإنجيل على الأصح، وقيل: إن كان الموصي بذلك كافرا: صح، وإلا فلا» (١).
القول الثاني:
لا يصح، وهذا قول الجمهور، وبه قال صاحبا أبي حنيفة (٢).
جاء في الحاوي الكبير: «وأما الوصية للبيع، والكنائس، فباطلة، لأنها مجمع معاصيهم. وكذلك الوصية بكتب التوراة والإنجيل، لتبديلها وتغييرها. وسواء كان الموصي مسلما أو كافرًا» (٣).
وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «ولا يصح ـ يعني الوقف ـ على كنائس وبيوت نار وبيع وصوامع وديورة ومصالحها، ولو من ذمي، بل على من ينزلها من مار ومجتاز بها فقط، ولو كان من أهل الذمة، ولا على كتابة التوراة والإنجيل ولو من ذمي، ووصية كوقف» (٤).
فقوله: ووصية كوقف: أي لا يصح أن يوصي على الكنائس وكتابة التوراة والإنجيل، ولو كان الموصي ذميًا.
стр. 8327
وقال في كشاف القناع: «(ووصية كوقف في ذلك) المذكور مما تقدم، فتصح فيما يصح الوقف عليه، وتبطل فيما لا يصح عليه» (١).
وجاء في بدائع الصنائع: «وإن كان شيئًا هو قربة عندهم لا عندنا، بأن أوصى بأرض له تبنى بيعة أو كنيسة، أو بيت نار أو بعمارة البيعة، أو الكنيسة، أو بيت النار، أو بالذبح لعيدهم ... فهو على الاختلاف الذي ذكرنا: إن عند أبي حنيفة ﵀ يجوز، وعندهما لا يجوز.
وجه قولهما: أن الوصية بهذه الأشياء وصية بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح» (٢).
وتعقب هذا:
القول بأن هذه الوصية معصية فلا تصح: هل المقصود بأنه معصية باعتقادهم أو معصية باعتقادنا؟
فإن كان المقصود باعتقادهم فالكنائس قربة عندهم، وإن كان المقصود معصية باعتقادنا فهذا ليس بشيء؛ لأن هذا لو كان مانعًا لما جاز قبول الجزية منهم؛ لأنه تقرير لكفرهم، وبقائهم عليه (٣).
ولأن الكافر ليس من أهل الثواب حتى نشترط القربة، وهو لم يوص لمن يعتقد حرمته، وإنما أوصى به لأهل الذمة، فيجب تنفيذ وصاياهم بحسب اعتقادهم، ولذلك نصحح التصرف فيما بينهم من بيع الخمر والخنزير بناء على
стр. 8328
اعتقادهم، وليس بناء على حكمنا (١).
نعم لو طلبوا حكمنا حكمنا بينهم بما أنزل الله، وليس بمقتضى اعتقادهم.
قال إمام الحرمين: «ولو أوصى بما يكون قربة عندهم، معصية عندنا كعمارة الكنائس والبيع وبيت النيران، فالوصية إذا رفعت إلينا، أبطلناها» (٢).
واستثنى صاحبا أبي حنيفة أن تكون الوصية لأقوام بأعيانهم فتصح؛ لأن هذا من باب التمليك (٣).
وسبق لنا الكلام على هذه المسألة باستكمال أقسامها بشيء من التفصيل، والله أعلم.
* * *
стр. 8329
الباب الرابع
في شروط الموصى به
الشرط الأول
في اشتراط مالية الموصى به
سبق لنا في عقد البيع أن تكلمنا عن المال، وعن الخلاف بين الجمهور والحنفية في حقيقته، فالمنافع والديون لا تعتبر مالًا عند الحنفية خلافًا للجمهور، واشتراط الطهورية في الأعيان المبيعة ليست شرطًا عند الحنفية خلافًا للجمهور، والكلب مال متقوم عند الحنفية مطلقًا معلمًا كان أو غير معلم، وليس مالًا عند الشافعية والحنابلة مطلقًا، والمالكية على التفريق بين المعلم وغيره.
لهذا ونحن نبحث اشتراط مالية الموصى به ينبغي أن نتصور كل هذا الخلافات بين الفقهاء.
ولما كان في عقد البيع تشترط مالية العوضين؛ لأنه من عقود المعاوضة، فهل تشترط المالية في عقود التبرعات كالوصية، فعقد التبرع أوسع من عقد المعاوضة، فإذا أوصى بما ليس مالًا كالوصية بالكلب، أو الوصية بشيء نجس، أو أوصى بما لا يصح بيعه كالوصية بمجهول أو معدوم، فهل تصح هذه الوصية؟
وقبل الجواب على هذا السؤال كان علينا البحث في اشتراط مالية الموصى به، ثم نفرع على هذا البحث الدخول في فروع هذه المسألة، والله أعلم.
стр. 8330
[م-١٦٧٦] وقد اختلف الفقهاء في اعتبار اشتراط المالية للموصى به.
القول الأول:
اشترط الحنفية أن يكون الموصى به قابلًا للتملك بعقد من العقود، ومحل الملك هو المال المتقوم عندهم، فلا تصح الوصية بما لا يملك، كالخمر، والميتة، والدم، ولا تصح الوصية بما ليس مالًا كالجلد قبل الدبغ.
قال ابن نجيم: «وكون الموصى به شيئًا قابلًا للتمليك من الغير بعقد من العقود حال حياة الموصي سواء كان موجودا في الحال أو معدوما» (١).
وفي رد المحتار: وكون الموصى به قابلًا للتملك بعد موت الموصي بعقد من العقود مالا أو نفعًا موجودًا للحال أم معدومًا» (٢).
وجاء في بدائع الصنائع: «وأما الذي يرجع إلى الموصى به، فأنواع منها: أن يكون مالًا، أو متعلقًا بالمال؛ لأن الوصية إيجاب الملك، أو إيجاب ما يتعلق بالملك من البيع، والهبة، والصدقة، والإعتاق، ومحل الملك هو المال، فلا تصح الوصية بالميتة، والدم من أحد ولأحد؛ لأنهما ليس بمال في حق أحد، ولا بجلد الميتة قبل الدباغ، وكل ما ليس بمال» (٣).
ويناقش:
بأن حقيقة الوصية: هي نقل ملكية الأشياء من الموصي إلى الموصى له عن طريق التبرع، فإذا كان يصح تملك الجلد قبل الدبغ، فلماذا يمنع من الوصية به،
стр. 8331
فإذا كان مثل هذا يقبل التوريث، والتوريث نقل للملكية فكذا الوصية به، نعم لو كان جلد الميتة قبل الدبغ لا يصح تملكه لكان القول بمنع الوصية به قولًا صحيحًا.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أنه يشترط في الموصى به شرطان:
أحدهما: أن يكون مما يصح أن يتملكه الموصى له، ولم يشترطوا أن يكون هذا التملك بعقد من العقود كالحنفية. والأشياء التي تقبل التملك أعم من أن تكون مالًا:
فكل مال يصح تملكه، وليس كل ما يصح تملكه فهو مال، فالأعيان النجسة يصح تملكها، وليست مالًا عند الجمهور، كما صرحوا أن الوصية تصح في الموجود والمعدوم، والدين وغيره، والعين، والمنفعة، والمقدور على تسليمه وغير المقدور على تسليمه، وتصح بالمجهول والمعلوم، ولا تصح الوصية بما لا يصح تملكه كالخمر.
الثاني: إذا كانت الوصية بالمال فيشترط أن يكون فيما يحل صرفه فيه، فلا تجوز الوصية بالنياحة على الميت، ولا أن يوصي بمال لمن يصوم أو يصلي عنه.
قال ابن عرفة كما في التاج والإكليل: «الموصى به كل ما يملكه من حيث الوصية به، فتخرج الوصية بالخمر وبالمال فيما لا يحل صرفه فيه، وسمع عيسى جواب ابن القاسم عمن أوصى بمناحة ميت أو لهو عرس لا ينفذ ذلك ... لأن النياحة على الميت محرمة.
стр. 8332
وفي الموازية: من أوصى بمال لمن يصوم عنه لم يجز ذلك. ابن عتاب: وكذلك لمن يصلي عنه» (١).
وقال الخرشي: «الموصى به: هو كل ما يصح أن يتملكه الموصى له، فلا تصح بخمر ونحوه» (٢).
وقال أيضًا: «الكافر تصح وصيته لانطباق الحد عليه إذا هو حر مميز، مالك إلا إذا أوصى بشيء لا يملكه المسلم كخمر ونحوه، أما إن أوصى بذلك لكافر فإن وصيته تصح» (٣).
وجاء في شرح ميارة: «الوصية تصح بكل مملوك، حتى الثمر في رؤوس الشجر، والدين في الذمة، والحمل ظاهرًا كان أو لم يظهر، وإن كان في ذلك غرر؛ لأنه تبرع، والغرر فيه جائز قال في الجواهر: وتصح الوصية بكل مملوك يقبل النقل، ولا يشترط كونه موجودًا أو عينًا، بل تصح الوصية بالحمل، وثمرة الشجر، والمنفعة، ولا كونه معلومًا، ولا مقدورًا عليه، بل تصح بالحمل كما تقدم، وتصح بالمغصوب، والمجاهيل، ولا كونه معينًا إذ تصح بأحد العبيد، ولا تصح بما لا تملكه كالخمر» (٤).
وكثير من هذه الأمثلة ستكون محل دراسة مستقلة إن شاء الله تعالى، ولكن أردت من هذا السرد أن نعرف موقف المالكية من اشتراط مالية الموصى به.
стр. 8333
القول الثالث:
ذكر إمام الحرمين ضابطًا لما يصح أن يوصى به، أن كل ما يتعلق به حق الإرث تتعلق الوصية به إذا انتفع الموصى له انتفاع الوارث، فصحح الوصية بالكلب الذي يصح اقتناؤه، وإن كان لا يصح بيعه، قال إمام الحرمين: «وعماد جواز الاقتناء الانتفاع المشروع، ثم البيع وإن كان ممتنعا، فالوصية جائزة؛ فإن البيع يستدعي الملك المطلق التام، والوصية لا تقتضي ذلك، بل أقرب معتبر فيها الوراثة، فكل ما يتعلق به حق الإرث تتعلق الوصية به إذا انتفع الموصى له انتفاع الوارث» (١).
هذا من حيث الإجمال أما من حيث التفصيل:
فذكر الشافعية في الموصى به شروطًا:
أحدها: أن يكون فيه منفعة مقصودة، فالوصية في الأشياء التي لا نفع فيها عبث، وهذا الشرط يشمل الأعيان والمنافع.
الشرط الثاني: أن تكون المنفعة مباحة، فلا تصح الوصية بمنفعة محرمة كآلات اللهو ونحوها.
وإباحة الانتفاع أعم من المال، فكل مالٍ يباح الانتفاع به، وليس كل ما يباح الانتفاع به فهو مال، ولذلك صححوا الوصية بكلب قابل للتعليم، وإن لم يكن الكلب مالًا.
الشرط الثالث: أن يقبل النقل من شخص لآخر، فما لا يقبله لا تصح الوصية
стр. 8334
به، كالقصاص وحد القذف، فإنهما وإن انتقلا بالإرث لا يتمكن مستحقهما من نقلهما.
فهذه الشروط تدل على أن الشافعية لا يشترطون في الموصى به أن يكون مالًا، فصححوا الوصية بنجاسة يحل الانتفاع بها ككلب يقبل التعليم، وزبل، وخمر محترمة: وهي ما عصرت بقصد التخليل، وصححوا الوصية بالمجهول كالحمل الموجود في البطن، وبما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء، والعبد الآبق، وبالمعدوم.
قال الغزالي: «الركن الثالث: في الموصى به، ولا يشترط فيه أن يكون مالًا فيصح الوصية بالزبل، والكلب، والخمر المحرمة، ولا كونه معلومًا فيصح الوصية بالمجهول.
ولا كونه مقدورًا على تسليمه فيصح الوصية بالآبق، والمغصوب، والحمل، وهو مجهول وغير مقدور عليه.
ولا كونه معينًا فتصح الوصية بأحد العبدين» (١).
جاء في أسنى المطالب: «الركن الثالث: الموصى به، وشرطه أن يكون مقصودًا يحل الانتفاع به، فلا تصح الوصية بدم ونحوه مما لا يقصد، ولا بمزمار ونحوه مما لا ينتفع به شرعا؛ لأن المنفعة المحرمة كالمعدومة» (٢).
وجاء في نهاية المحتاج: «وللموصى به شروط منها: كونه قابلًا للنقل بالاختيار، فلا تصح بنحو قود، وحد قذف لغير من هو عليه .... ولا بحق تابع
стр. 8335
للملك كخيار، وشفعة لغير من هي عليه لا يبطلها التأخير لنحو تأجيل الثمن. وكونه مقصودًا بأن يحل الانتفاع به شرعًا.
وتصح بالحمل الموجود، واللبن في الضرع، وبكل مجهول، ومعجوز عن تسليمه وتسلمه .... وبالمنافع المباحة وحدها مؤبدة ومطلقة ولو لغير الموصى له بالعين؛ لأنها أموال تقابل بالعوض كالأعيان (١).
قال الشافعي في الأم: «ولو قال: أعطوا فلانًا كلبًا من كلابي، وكانت له كلاب، كانت الوصية جائزة؛ لأن الموصى له يملكه بغير ثمن، وإن استهلكه الورثة، ولم يعطوه إياه، أو غيرهم لم يكن له ثمن يأخذه؛ لأنه لا ثمن للكلب» (٢).
وقال الشيرازي: «فإن وصى بما تحمله الجارية، أو الشجرة صحت الوصية؛ لأن المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة فجاز أن يملك بالوصية .. » (٣).
وقال الأنصاري: «ولا يشترط في الموصى به أن يكون طاهرًا، نعم الشرط كونه يجوز الانتفاع به، كالزبل، والكلب الذي يجوز اقتناؤه، والزيت النجس؛ لأن هذه الأمور اختصاصات تنتقل إلى الورثة، فيجوز نقلها إلى الموصى له» (٤).