فإذا كان مثل هذا يقبل التوريث، والتوريث نقل للملكية فكذا الوصية به، نعم لو كان جلد الميتة قبل الدبغ لا يصح تملكه لكان القول بمنع الوصية به قولًا صحيحًا.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أنه يشترط في الموصى به شرطان:
أحدهما: أن يكون مما يصح أن يتملكه الموصى له، ولم يشترطوا أن يكون هذا التملك بعقد من العقود كالحنفية. والأشياء التي تقبل التملك أعم من أن تكون مالًا:
فكل مال يصح تملكه، وليس كل ما يصح تملكه فهو مال، فالأعيان النجسة يصح تملكها، وليست مالًا عند الجمهور، كما صرحوا أن الوصية تصح في الموجود والمعدوم، والدين وغيره، والعين، والمنفعة، والمقدور على تسليمه وغير المقدور على تسليمه، وتصح بالمجهول والمعلوم، ولا تصح الوصية بما لا يصح تملكه كالخمر.
الثاني: إذا كانت الوصية بالمال فيشترط أن يكون فيما يحل صرفه فيه، فلا تجوز الوصية بالنياحة على الميت، ولا أن يوصي بمال لمن يصوم أو يصلي عنه.
قال ابن عرفة كما في التاج والإكليل: «الموصى به كل ما يملكه من حيث الوصية به، فتخرج الوصية بالخمر وبالمال فيما لا يحل صرفه فيه، وسمع عيسى جواب ابن القاسم عمن أوصى بمناحة ميت أو لهو عرس لا ينفذ ذلك ... لأن النياحة على الميت محرمة.
стр. 8332
وفي الموازية: من أوصى بمال لمن يصوم عنه لم يجز ذلك. ابن عتاب: وكذلك لمن يصلي عنه» (١).
وقال الخرشي: «الموصى به: هو كل ما يصح أن يتملكه الموصى له، فلا تصح بخمر ونحوه» (٢).
وقال أيضًا: «الكافر تصح وصيته لانطباق الحد عليه إذا هو حر مميز، مالك إلا إذا أوصى بشيء لا يملكه المسلم كخمر ونحوه، أما إن أوصى بذلك لكافر فإن وصيته تصح» (٣).
وجاء في شرح ميارة: «الوصية تصح بكل مملوك، حتى الثمر في رؤوس الشجر، والدين في الذمة، والحمل ظاهرًا كان أو لم يظهر، وإن كان في ذلك غرر؛ لأنه تبرع، والغرر فيه جائز قال في الجواهر: وتصح الوصية بكل مملوك يقبل النقل، ولا يشترط كونه موجودًا أو عينًا، بل تصح الوصية بالحمل، وثمرة الشجر، والمنفعة، ولا كونه معلومًا، ولا مقدورًا عليه، بل تصح بالحمل كما تقدم، وتصح بالمغصوب، والمجاهيل، ولا كونه معينًا إذ تصح بأحد العبيد، ولا تصح بما لا تملكه كالخمر» (٤).
وكثير من هذه الأمثلة ستكون محل دراسة مستقلة إن شاء الله تعالى، ولكن أردت من هذا السرد أن نعرف موقف المالكية من اشتراط مالية الموصى به.
стр. 8333
القول الثالث:
ذكر إمام الحرمين ضابطًا لما يصح أن يوصى به، أن كل ما يتعلق به حق الإرث تتعلق الوصية به إذا انتفع الموصى له انتفاع الوارث، فصحح الوصية بالكلب الذي يصح اقتناؤه، وإن كان لا يصح بيعه، قال إمام الحرمين: «وعماد جواز الاقتناء الانتفاع المشروع، ثم البيع وإن كان ممتنعا، فالوصية جائزة؛ فإن البيع يستدعي الملك المطلق التام، والوصية لا تقتضي ذلك، بل أقرب معتبر فيها الوراثة، فكل ما يتعلق به حق الإرث تتعلق الوصية به إذا انتفع الموصى له انتفاع الوارث» (١).
هذا من حيث الإجمال أما من حيث التفصيل:
فذكر الشافعية في الموصى به شروطًا:
أحدها: أن يكون فيه منفعة مقصودة، فالوصية في الأشياء التي لا نفع فيها عبث، وهذا الشرط يشمل الأعيان والمنافع.
الشرط الثاني: أن تكون المنفعة مباحة، فلا تصح الوصية بمنفعة محرمة كآلات اللهو ونحوها.
وإباحة الانتفاع أعم من المال، فكل مالٍ يباح الانتفاع به، وليس كل ما يباح الانتفاع به فهو مال، ولذلك صححوا الوصية بكلب قابل للتعليم، وإن لم يكن الكلب مالًا.
الشرط الثالث: أن يقبل النقل من شخص لآخر، فما لا يقبله لا تصح الوصية
стр. 8334
به، كالقصاص وحد القذف، فإنهما وإن انتقلا بالإرث لا يتمكن مستحقهما من نقلهما.
فهذه الشروط تدل على أن الشافعية لا يشترطون في الموصى به أن يكون مالًا، فصححوا الوصية بنجاسة يحل الانتفاع بها ككلب يقبل التعليم، وزبل، وخمر محترمة: وهي ما عصرت بقصد التخليل، وصححوا الوصية بالمجهول كالحمل الموجود في البطن، وبما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء، والعبد الآبق، وبالمعدوم.
قال الغزالي: «الركن الثالث: في الموصى به، ولا يشترط فيه أن يكون مالًا فيصح الوصية بالزبل، والكلب، والخمر المحرمة، ولا كونه معلومًا فيصح الوصية بالمجهول.
ولا كونه مقدورًا على تسليمه فيصح الوصية بالآبق، والمغصوب، والحمل، وهو مجهول وغير مقدور عليه.
ولا كونه معينًا فتصح الوصية بأحد العبدين» (١).
جاء في أسنى المطالب: «الركن الثالث: الموصى به، وشرطه أن يكون مقصودًا يحل الانتفاع به، فلا تصح الوصية بدم ونحوه مما لا يقصد، ولا بمزمار ونحوه مما لا ينتفع به شرعا؛ لأن المنفعة المحرمة كالمعدومة» (٢).
وجاء في نهاية المحتاج: «وللموصى به شروط منها: كونه قابلًا للنقل بالاختيار، فلا تصح بنحو قود، وحد قذف لغير من هو عليه .... ولا بحق تابع
стр. 8335
للملك كخيار، وشفعة لغير من هي عليه لا يبطلها التأخير لنحو تأجيل الثمن. وكونه مقصودًا بأن يحل الانتفاع به شرعًا.
وتصح بالحمل الموجود، واللبن في الضرع، وبكل مجهول، ومعجوز عن تسليمه وتسلمه .... وبالمنافع المباحة وحدها مؤبدة ومطلقة ولو لغير الموصى له بالعين؛ لأنها أموال تقابل بالعوض كالأعيان (١).
قال الشافعي في الأم: «ولو قال: أعطوا فلانًا كلبًا من كلابي، وكانت له كلاب، كانت الوصية جائزة؛ لأن الموصى له يملكه بغير ثمن، وإن استهلكه الورثة، ولم يعطوه إياه، أو غيرهم لم يكن له ثمن يأخذه؛ لأنه لا ثمن للكلب» (٢).
وقال الشيرازي: «فإن وصى بما تحمله الجارية، أو الشجرة صحت الوصية؛ لأن المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة فجاز أن يملك بالوصية .. » (٣).
وقال الأنصاري: «ولا يشترط في الموصى به أن يكون طاهرًا، نعم الشرط كونه يجوز الانتفاع به، كالزبل، والكلب الذي يجوز اقتناؤه، والزيت النجس؛ لأن هذه الأمور اختصاصات تنتقل إلى الورثة، فيجوز نقلها إلى الموصى له» (٤).
стр. 8336
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
مذهب الحنابلة قريب من مذهب الشافعية، والضابط عندهم: أن كل شيء ينتقل بالإرث فإنه ينتقل بالوصية، ولو لم يكن مالًا.
قال في كشاف القناع: «وتصح الوصية بمجهول كعبد وثوب؛ لأن الموصى له شبيه بالوارث من جهة انتقال شيء من التركة إليه مجانًا، والجهالة لا تمنع الإرث؛ فلا تمنع الوصية» (١).
كما صرح الحنابلة بجواز الوصية بكل ما فيه نفع مباح، ولو لم يكن مالًا، كما صححوا الوصية بما لا يقدر على تسليمه، كالعبد الآبق، والجمل الشارد، والطير في الهواء، والسمك في الماء، وصححوا الوصية بالمعدوم، وبغير المال من الحقوق.
جاء في الإنصاف: وتصح ـ يعني الوصية ـ بما فيه نفع مباح من غير المال، كالكلب، والزيت النجس ... » (٢).
جاء في المحرر: «وتصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه، وبما تحمل أمته أو شجرته أبدًا أو إلى مدة، فإن حصل منه شيء وإلا بطلت فيه الوصية.
وتصح بغير المال مما يباح نفعه، كالكلب المعلم، والزيت النجس ونحوهما» (٣).
وقال ابن قدامة: «وتصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه، كالعبد الآبق،
стр. 8337
والجمل الشارد، والطير في الهواء، والسمك في الماء؛ لأن الوصية إذا صحت بالمعدوم فبذلك أولى؛ ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث، وهذا يورث، فيوصى به؛ فإن قدر عليه أخذه، وسلمه إذا خرج من الثلث، وللوصي السعي في تحصيله، فإن قدر عليه أخذه إذا خرج من الثلث» (١).
° والراجح:
أن كل شيء يمكن انتقاله بالإرث من الأموال وغيرها من الحقوق تصح الوصية به، واشتراط الحنفية أن يكون مالًا بحيث منعوا من الوصية بالجلد قبل الدبغ باعتبار أنه ليس بمال قول ضعيف، والله أعلم.
إذا علم هذا في الجملة فسوف نناقش إن شاء الله تعالى على وجه التفصيل الوصية ببعض الأشياء التي يختلف في صحة الوصية بها في المباحث التالية، والتي قد تكون متفرعة عن هذا الشرط، والله أعلم.
* * *
стр. 8338
المبحث الأول
الوصية بالدين
[م-١٦٧٧] اختلف الفقهاء في مالية الديون على قولين.
أحدهما: يرى أن الدين لا يعتبر مالاً حقيقة، وإنما يعتبر مالاً حكماً باعتبار أنه يتحول إلى المال بالاستيفاء، وهذا مذهب الحنفية، والقديم من قولي الشافعي عليه ﵀.
والثاني: يرى أن الدين يعتبر من الأموال، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة. وسبق لنا ذكر أدلة هذه المسألة في عقد البيع فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وعلى اختلاف الفقهاء في مالية الدين لم يختلفوا في صحة الوصية به، سواء كانت الوصية بالدين لمن عليه الدين، أو كانت الوصية به لغير من هو عليه (١).
جاء في الدر المختار: «قوله لمديونه: إن كان لي عليك دين أبرأتك عنه صح، وكذا إن متُ بضم التاء فأنت بريء منه أو في حل جاز وكان وصية» (٢).
وجاء في لسان الحكام: «إذا قال الطالب لمديونه: إذا مت فأنت بريء من الدين الذي عليك جاز، ويكون وصية من الطالب للمطلوب» (٣).
стр. 8339
وجاء في كشف المخدرات: «وإن قال: إن مت - بضم التاء - فأنت في حل فوصية» (١).
وقال ابن نجيم: «وخرج عن تمليك الدين لغير من هو عليه الحوالة ... وخرج أيضا الوصية به لغير من هو عليه فإنها جائزة» (٢).
* * *
стр. 8340
المبحث الثاني
الوصية بالمجهول
الجهالة لا تمنح صحة الوصية.
[م-١٦٧٨] تكلمنا فيما سبق حكم جهالة الموصى له، وكلام الفقهاء فيها، ونريد في هذا المبحث أن نعرف حكم جهالة الموصى به، وهل يختلف في الحكم عن جهالة الموصى له؟
وللجواب نقول: اختلف الفقهاء في صحة الوصية المجهولة على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى صحة الوصية بالمجهول، كما لو أوصى بثلث ماله، والمال غير معلوم، أو أوصى بجزء من ماله، ولم يبين المقدار، أو أوصى له بشاة من غنمه، أو بثوب من ثيابه، ولم يعين، أو قال: أعطوه ما شئتم، أو ما شاء الوصي (١).
جاء في الهداية: «الجهالة لا تمنع صحة الوصية» (٢).
وجاء في كفاية الطالب الرباني: «الموصى به: وهو كل ما يصح أن يتملكه الموصى له ... ولا يشترط أن يكون معلومًا، بل تصح الوصية بالمجهول» (٣).
стр. 8341
وقال الغزالي: «الركن الثالث: في الموصى به، ولا يشترط فيه أن يكون مالًا ... ولا كونه معلومًا فيصح الوصية بالمجهول» (١).
وفي البيان للعمراني: «وتصح الوصية بالمجهول، كالوصية بالحمل في البطن، واللبن في الضرع، وتصح إذا كانت غير معينة، كعبد من عبيد» (٢).
وجاء في الشرح الكبير على المقنع: «وتصح الوصية بالمجهول، كعبد وشاة؛ لأن الوصية تصح بالمعدوم فالمجهول بطريق الأولى» (٣).
° وجه القول بالصحة:
أن الموصى له يخلف الميت في ثلثه كما يخلفه الوارث في الباقي، فأشبه الوارث، فإذا صح ميراث المجهول صح استحقاقه بالوصية.
وقياسًا على صحة الوصية بالمعدوم، فإذا صحت الوصية بالمعدوم فالمجهول بطريق الأولى.
ولأن الوصية عقد من عقود التبرع لا يقابله عوض، فاحتمل الغرر فيها.
القول الثاني:
أن الوصية بالمجهول المطلق لا تصح، وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 8342
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن أوصى لرجل بثلث ماله، ولا مال له يوم أوصى، ثم أفاد مالا فمات؟
قال: إن علم الميت بما أفاد فللموصى له ثلثه. وهذا قول مالك، وإن لم يعلم فلا شيء له» (١).
قال القرافي: «لا تدخل الوصية إلا فيما علمه الميت؛ لأنه هو الذي توجه إليه القصد في الوصايا .... » (٢).
ونقل القرافي عن الأبهري أنه قال: «إذا أوصى بثلثه، وحدث مال بعد الوصية، فعلم به حصلت الوصية فيه، وإن تقدمت عليه؛ لأن المقصود ثلث المال عند الموت، ولو وهب هبة، فلم تحز عنه حتى مات، لا تدخل فيه الوصية وإن رجعت ميراثًا؛ لأنه أراد الوصية فيما عداها» (٣).
وقال ابن رشد: «إذا أوصى بجزء من ماله، وله مال يعلم به، ومال لا يعلم به، فعند مالك أن الوصية تكون فيما علم به دون ما لم يعلم» (٤).
وقال ابن جزي: «من أوصى وله مال يعلم به ومال لا يعلم به فالوصية فيما علم به دون ما لم يعلم به» (٥).
стр. 8343
° وجه القول بعدم الصحة:
استدل القرافي بقوله ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه (١).
والمجهول لم تطب به نفسه خالفناه في تفاصيل المعلوم للموصي لتوجه القصد إليه من حيث الجملة، فإنه دخل في وصيته على ثلث ما يتجدد، وعلى ما هو الآن في ملكه، ورضي بمقدار ذلك من حيث الجملة. أما المجهول على الإطلاق فلم يخطر له ببال، والأصل استصحاب ملكه، وإعمال ظاهر الحديث، ولا يلزم من إجماعنا على الجهالة التي اشتمل عليها المعلوم، وقصد إليها من حيث الجملة تجويزنا المجهول المطلق، كما أجمعنا على جواز السلم اقتصارًا على الأوصاف المشتملة على الجهالة بخصوص العين، ومنعنا جهالة لم يشملها العلم من وجه فكذلك هاهنا، وأصل نقل الأملاك الرضا بالإجماع، بدليل أنه لو لم يوص لم ينتقل ملك الموصى له إجماعًا فالمجهول مطلقا كما لم يوص فيه» (٢).
° الراجح:
أرى أن القول بجواز الوصية بالمجهول أقوى من القول بالمنع، ويغتفر الغرر في عقود التبرع ما لا يغتفر في عقود المعاوضة، والله أعلم.
* * *
стр. 8344
فرع
في تقدير الوصية إذا أوصى بجزء من ماله
[م-١٦٧٩] اختلف الفقهاء في الرجل يوصي بجزء من ماله، أو بشاة من غنمه، أو عمارة من عماراته، أو بسيارة من سياراته، فكيف تعين الوصية؟
القول الأول:
يعطيه الوارث ما شاء، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية.
واختار الحنابلة بأن يعطيه الورثة ما شاؤوا مما يقع عليه الاسم، فإن اختلف الاسم بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية، فقولان: أحدهما: تغلب الحقيقة اللغوية، وهو المذهب.
واختار ابن قدامة تغليب العرف، ورجحه جماعة من الحنابلة (١).
قال في بدائع الصنائع: «إذا أوصى لرجل بجزء من ماله، أو بنصيب من ماله، أو بطائفة من ماله، أو ببعض، أو بشقص من ماله، فإن بين في حياته شيئًا، وإلا أعطاه الورثة بعد موته ما شاؤوا؛ لأن هذه الألفاظ تحتمل القليل، والكثير، فيصح البيان فيه مادام حيًا، ومن ورثته إذا مات؛ لأنهم قائمون مقامه» (٢).
وقال الشافعي في الأم: «ولو أن رجلًا أوصى لرجل بشاة من ماله، قيل:
стр. 8345
للورثة أعطوه أي شاة شئتم كانت عندكم، أو اشتريتموها له، صغيرة أو كبيرة، ضائنة أو ماعزة» (١).
وقال العمراني في البيان: «إذا قال: أوصيت لفلان بشاة من مالي، أو قال: أعطوا فلانًا شاة من مالي أعطاه الوارث شاة، صغيرة كانت أو كبيرة، ضائنة كانت أو ماعزة، سليمة أو معيبة؛ لأن اسم الشاة يقع عليها» (٢).
جاء في الشرح الكبير على المقنع: «وتصح الوصية بالمجهول، كعبد وشاة .... ويعطيه الورثة ما شاؤوا مما يقع عليه الاسم؛ لأنه اليقين، كما لو أقر له بعبد، فإن لم يكن له عبيد اشترى له ما سمي عبداً، وإن كان له عبيد أعطاه الورثة ما شاؤوا» (٣).
وجاء في شرح الزركشي: «وقول: من عبيده يخرج ما إذا قال بعبد، وأطلق، فإنه يصح ويعطى أي عبد كان، لكن يشترط كونه ذكرًا، هذا عند أبي محمد، نظرًا للعرف، وعند القاضي لا يشترط نظرًا للحقيقة» (٤).
فابن قدامة رأى أن لفظ عبد اشتهر عرفًا إطلاقه على الذكر، واشتهر إطلاق الإماء على الإناث، فتعين العمل بالعرف.
ونظر القاضي إلى الحقيقة اللغوية: وهو إطلاق اللفظ على الذكر والأنثى.
стр. 8346
وجاء في الإنصاف: «قوله وتصح الوصية بالمجهول كعبد وشاة بلا نزاع، ويعطى ما يقع عليه الاسم. فإن اختلف الاسم بالحقيقة والعرف، كالشاة. هي في العرف للأنثى ... وفي الحقيقة للذكر، والأنثى: غلب العرف. هذا اختيار المصنف (يعني ابن قدامة). وصححه الناظم. وجزم به في الوجيز. وقدم في الرعايتين: أن «الشاة «للأنثى .... وقال أصحابنا: تغلب الحقيقة. وهو المذهب، فيتناول الذكور والإناث، والصغار والكبار ..... » (١).
القول الثاني:
إذا أوصى له بشاة من غنمه أو بعبد من عبيده شارك الموصى له ورثة الميت بالقيمة لا بالعدد، فيأخذه بالقرعة بعد التقويم (٢).
قال الدردير: «وإن أوصى بشاة من غنمه، أو بعبد من عبيده أو أوصى بعدد من ماله غنمًا أو غيرها، كأعطوه عشرة من غنمي أو من عبيدي أو من إبلي شارك الموصى له ورثة الميت وبالجزء: أي بنسبة الجزء الذي أوصى به إلى الموصى له من غنم أو غيرها، فإذا أوصى بشاة وله يوم التنفيذ ثلاث شياه كان شريكًا بالثلث، ولو كان له عشرة كان شريكًا بالعشر، وإذا أوصى له بعشرة، وله عشرون كان شريكًا بالنصف» (٣).
وفي حاشية الدسوقي: «(قوله (كان شريكًا بالثلث): أي سواء كانت غنم الموصي ضأنا، أو معزًا، أو ضأنًا و معزًا كله ذكورًا أو إناثًا، أو منهما، كانت
стр. 8347
كلها صغارًا أو كبارًا، أو مختلفة: أي ويعتبر الثلث بالقيمة، لا بالعدد، فيأخذه بالقرعة بعد التقويم» (١).
القول الثالث:
إذا أوصى له بعبد من عبيده ولم يسم العبد كان له أحدهم بالقرعة، وهو وجه مذهب الحنابلة.
جاء في المغني: «(وإذا أوصى بعبد من عبيده لرجل، ولم يسم العبد، كان له أحدهم بالقرعة، إذا كان يخرج من الثلث، وإلا ملك منه بقدر الثلث» (٢).
وجاء فيه أيضًا: «وإن قال: أعتقوا أحد عبيدي احتمل أن نقول بإخراجه بالقرعة ... واحتمل أن يرجع فيه إلى اختيار الورثة. وأصل الوجهين: ما لو وصى لرجل بعبد من عبيده، هل يعطى أحدهم بالقرعة، أو يرجع فيه إلى اختيار الورثة» (٣).
° وجه القول بذلك:
إذا أوصى له بسيارة من سياراته، أو بعمارة من عماراته استحق واحدًا منها غير معين، فكان القرعة هي الطريق للتعيين، والقرعة طريق شرعي إذا تزاحمت الحقوق، ولم يكن هناك تعيين.
قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].
стр. 8348
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم﴾ [آل عمران: ٤٤].
وهذا القول قريب من قول المالكية فهما يتفقان على تحكيم القرعة، ويختلفون هل القرعة على العدد كما هو هذا القول في مذهب الحنابلة، أو على القيمة كما هو مذهب المالكية.
جاء في المغني: «قال مالك قولاً يقتضي أنه إذا أوصى بعبد، وله ثلاثة أعبد، فله ثلثهم. وإن كانوا أربعة فله ربعهم، فإنه قال: إذا أوصى بعشر من إبله، وهي مائة، يعطى عشرها، والنخل، والرقيق، والدواب على ذلك.
والصحيح: أنه يعطى عشرة بالعدد؛ لأنه الذي تناوله لفظه، ولفظه هو المقتضي، فلا يعدل عنه، ولكن يعطى واحدًا بالقرعة؛ لأنه يستحق واحدًا غير معين، فليس واحد بأولى من واحد، فوجب المصير إلى القرعة، كما لو أعتق واحدا منهم» (١).
° الراجح:
أن الرجل إذا أوصى بسيارة من سياراته أو بعمارة من عماراته أن التعيين لا يترك للورثة؛ لأنه لم يتلق الوصية منهم، وإنما تلقاها من الموصي، وقد تعلق حقه بواحدة لا بعينها، فلا يختار هو؛ لأنه قد يختار أفضلها، ولا يترك ذلك للورثة؛ لأنهم قد يختارون له أقلها، وحقه مقدم على حق الورثة، فكانت القرعة هي الطريق العادل لا يظلم الورثة، ولا يظلم الموصى له، والقرعة على العدد أيسر من القرعة على القيمة، والله أعلم.
* * *
стр. 8349
المبحث الثالث
الوصية بالمعدوم
[م-١٦٨٠] اختلف الفقهاء في الوصية بالمعدوم على قولين:
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى صحة الوصية بالمعدوم مطلقًا، كأن يوصي بما يثمره بستانه أبدًا أو مدة معلومة، أو بما تحمله دابته أبدًا أو مدة معلومة إن حملها الثلث (١).
جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «ومن أوصى بغلة داره، أو بغلة جنانه للمساكين، جاز ذلك» (٢).
جاء في مغني المحتاج: «وكذا تصح بثمرة أو حمل سيحدثان في الأصح؛ لأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر رفقًا بالناس وتوسعة، فتصح بالمعدوم كما تصح بالمجهول؛ ولأن المعدوم يصح تملكه بعقد السلم، والمساقاة والإجارة فكذا بالوصية» (٣).
جاء في الإنصاف: «تصح الوصية بالمعدوم، كالذي تحمل أمته، أو شجرته
стр. 8350
أبدًا، أو مدة معينة. هذا المذهب، وعليه الأصحاب، فإن حصل شيء: فهو له، وإلا بطلت» (١).
وقال ابن قدامة: «وإن أوصى بثمرة شجرة، أو بستان، أو غلة دار، أو خدمة عبد، صح، سواء وصى بذلك في مدة معلومة، أو بجميع الثمرة والمنفعة في الزمان كله. هذا قول الجمهور، منهم؛ مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي ... ويعتبر خروج ذلك من ثلث المال. نص عليه أحمد في سكنى الدار. وهو قول كل من قال بصحة الوصية بها. فإن لم تخرج من الثلث، أجيز منها بقدر الثلث» (٢).
° وجه القول بالصحة:
الوجه الأول:
أن الوصية يحتمل فيها وجوه من الغرر رفقًا بالناس وتوسعة فتصح بالمعدوم كما تصح بالمجهول.
الوجه الثاني:
أن المعدوم يصح تملكه بعقد السلم والمساقاة والإجارة فكذا بالوصية.
الوجه الثالث:
أن الوصية أجريت مجرى الميراث، وهذا يورث فصحت الوصية به.
стр. 8351
القول الثاني:
لا تصح الوصية بالمعدوم مطلقًا، من غير فرق بين غلة البستان وبين نتاج البهائم. وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية (١).
قال الأنصاري: «كما تجوز الوصية بالمجهول تجوز أيضا بالمعدوم كالوصية بما تحمله هذه الناقة ونحوها أو بما تحمله هذه الأشجار ونحو ذلك ....
وقيل: لا تصح مطلقًا.
وقيل: تصح بالثمرة دون الولد .... » (٢).
° وجه القول بعدم الصحة:
أن التصرف يستدعي متصرفًا فيه، ولم يوجد.
القول الثالث:
إن أوصى بما يثمره بستانه أبدًا صحت الوصية في الثمرة الحاضرة والمستقبلة، وإن أوصى بنتاج دوابه أو صوف غنمه أبدًا فليس له إلا ما كان موجودًا يوم موت الموصي، ولا يدخل المعدوم في الوصية، وهذا مذهب الحنفية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية.
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ولو أوصى بغلة بستانه أبدًا، فله الحاضرة والمستقبلة، وإن أوصى بصوف غنمه أو بأولادها أو بلبنها فله الموجود عند موته، قال أبدا أو لم يقل» (٣).
стр. 8352
° وجه التفريق بين المسألتين:
الفرق أن القياس يأبى تمليك المعدوم إلا أن في الثمرة، والغلة المعدومة جاء الشرع بورود العقد عليها حال حياة الموصي بعقد المساقاة والإجارة فاقتضى ذلك جوازه في الوصية بطريق الأولى؛ لأن بابها أوسع.
أما الولد، والصوف، واللبن فلا يجوز إيراد العقد عليها أصلا ولا تقبل التمليك في حياة الموصي فلا تدخل تحت الوصية بخلاف الموجود منها؛ لأنه يجوز استحقاقها بعقد البيع تبعًا.
° الراجح:
هذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى: هل يشترط في الموصى به أن يكون قابلًا للتمليك بعقد من العقود، أو لا يشترط ذلك بحيث تصحة الوصية بما لا يصح العقد عليه، كالوصية بالنجس، والوصية بالمعدوم، والمجهول، والكلب، وبما ينطوي على غرر كثير، وقد بحثت هذه المسألة في أول شروط الموصى به، ورجحت أن الوصية نقل للملك بلا عوض، فما ينتقل بالإرث ينتقل بالوصية، سواء صح العقد عليه بالمعاوضة، أو لم يصح العقد عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 8353
المبحث الرابع
في الموصي يوصي بنصيب وارث معين
[م-١٦٨١] إذا أوصى الرجل بنصيب وارث معين فهذا يقع على طريقتين:
الطريقة الأولى:
أن يوصي بمثل نصيب هذا الوارث، كأن يوصي بمثل نصيب ابنه، وهذا لا إشكال فيه من حيث الجواز؛ لأن الرجوع إلى نصيب الوارث لمعرفة قدر الوصية، وليس وصية بنصيبه.
(ث-٢٣١) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عمارة الصيدلاني، عن ثابت، عن أنس أنه أوصى بمثل نصيب أحد ولده (١).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٢).
стр. 8354
ومع اتفاق الفقهاء على الجواز إلا أنهم اختلفوا فيما يستحقه الموصى له على قولين:
القول الأول:
أنه يستحق نصيب الوارث المعين مضمومًا إلى المسألة، فإذا وصى له بمثل نصيب ابنه جعل الموصى له كأنه ابن آخر، فله مع الابن الواحد النصف، فإن أجاز الوارث الوصية وإلا صح له الثلث منها، ومع الابنين كأنهم ثلاثة فيكون له الثلث، ومع الثلاثة كأنهم أربعة فيكون له الربع، فيجعل الموصى له كواحد منهم، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة على خلاف بينهم هل يشترط وجود الابن الوارث، أو لا يشترط؟
فذهب الحنفية إلى صحة الوصية سواء كان له ابن أو لم يكن.
وصرح الشافعية إلى أنه لو أوصى بمثل نصيب ابنه، ولا ابن له وارث بطلت الوصية، بخلاف ما لو أوصى بمثل نصيب ابن، ولا ابن له فتصح الوصية، فكأنه قال: بمثل نصيب ابن لي لو كان (١).
القول الثاني:
أنه إن أوصى لشخص بمثل نصيب ابنه، وله ابن واحد فقد أوصى له بجميع المال إن أجاز الابن الوصية، وإلا فله الثلث، فإن قال ذلك، وله ابنان فيأخذ الموصى له نصف التركة، واشترط المالكية وجود الابن إلا أن يقول الموصي:
стр. 8355
لو كان موجودًا، أو يحدث له ابن بعد الوصية فتصح، وهذا القول هو مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة، وقال به زفر من الحنفية، وداود بن علي من الظاهرية (١).
قال الباجي: «ومن أوصى لرجل بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد فقد أوصى له بجميع المال، ولو كان ابنان فقد أوصى له بالنصف» (٢).
وجهه:
أن من ترك ابنًا فإنه يرث جميع المال، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه فقد أوصى له بجميع المال.
قال الماوردي: «وهذا فاسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن نصيب الابن أصل، والوصية بمثله فرع، فلم يجز أن يكون الفرع رافعًا لحكم الأصل.
والثاني: أنه لو جعلنا الوصية بجميع المال لخرج أن يكون للابن نصيب، وإذا لم يكن للابن بطلت الوصية التي هي بمثله.
والثالث: أن الوصية بمثل نصيب الابن فوجب التسوية بين الموصى له وبين ابنه فإذا وجب ذلك كانا فيه نصفين، وفي إعطائه الكل إبطال للتسوية بين الموصى له وبين الابن.
стр. 8356
وأما الجواب عن قولهم: إن نصيب الابن كل المال. فهو أن له الكل مع عدم الوصية، وأما مع الوصية فلا يستحق الكل» (١).
وقول الجمهور أقوى من قول مالك ومن معه، والله أعلم.
الطريقة الثانية:
[م-١٦٨٢] أن يوصي بنصيب ابنه، فهذا يدخل في الوصية بمال الغير، ولولا أن بعض الفقهاء كالحنفية خالف في حكمه بين الوصية بمال الغير، وبين الوصية بنصيب الوارث لاعتبرتها مسألة واحدة، وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول:
لا تصح الوصية، وهذا مذهب الحنفية، وأكثر الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (٢).
إلا أن الحنفية قالوا: إذا أوصى بنصيب ابنه، وليس له ابن صحت.
جاء في الهداية: «وإذا أوصى بنصيب ابنه فالوصية باطلة، ولو أوصى بمثل نصيب ابنه جاز؛ لأن الأول وصية بمال الغير؛ لأن نصيب الابن ما يصيبه بعد الموت، والثاني: وصية بمثل نصيب الابن، ومثل الشيء غيره» (٣).
стр. 8357
وهذا لا يتفق مع قواعد مذهب الحنفية القائلين بأن تصرف الفضولي يكون موقوفًا على الإجازة.
وجاء في المهذب: «وإن وصى له بنصيب ابنه بطلت الوصية؛ لأن نصيب الابن للابن فلا تصح الوصية به كما لو أوصى له بمال ابنه من غير الميراث ومن أصحابنا من قال يصح ويجعل المال بينهما كما لو أوصى له بمثل نصيب ابنه».
وقال النووي: «ولو قال: أوصيت له بنصيب ابني، فوجهان.
أصحهما عند العراقيين، والبغوي: بطلان الوصية.
وأصحهما عند الإمام، والروياني، وغيرهما، وبه قطع أبو منصور: صحتها، والمعنى: بمثل نصيب ابني» (١).
° وجه القول بعدم الصحة:
أن الوصية بنصيب ابنه يعتبر وصية بمال الغير، ومن شروط التبرع أن يكون المتبرع مالكًا للمتبرع به.
القول الثاني:
إذا أوصى بنصيب ابنه، وكان له ابن واحد صحت الوصية بالإجازة، وهو رأي زفر من الحنفية، ومذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، رجحه إمام الحرمين، والغزالي، والمذهب عند الحنابلة على خلاف بينهم بمقدار ما يستحقه بهذا اللفظ:
فقيل: تجعل الوصية بكل المال، وهو رأي المالكية.
стр. 8358
وقيل: يستحق نصف المال كما لو أوصى بمثل نصيب ابنه، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١).
قال الخرشي: «إذا أوصى له بنصيب ابنه، أو بمثل نصيب ابنه، وأجاز الابن الوصية فإن الموصى له يأخذ جميع التركة، فإن ردها نفذت في الثلث» (٢).
وقال إمام الحرمين: «ولو قال الموصي: أوصيت لفلان بنصيب ابني، وله ابن واحد، فالذي نقله الأئمة المعتبرون من أصحاب الشافعي أن الوصية بنصيب الابن بمثابة الوصية بمثل نصيب الابن، وهذا هو الذي نقله الفرضيون المتظاهرون بعلم الحساب، منهم الأستاذ أبو منصور وغيره» (٣).
قال الغزالي: «ولو أوصى بنصيب ولده، كان كما لو أوصى بمثل نصيب ولده» (٤).
وقال العمراني في البيان: «فقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: هو كما قال أبو حنيفة؛ لأنه أوصى له بنصيب ابنه، ونصيبه ما استحقه بوفاة أبيه، فلا تصح الوصية به، كما لو وصى بمال لابنه من غير الميراث. ويفارق إذا أوصى له بمثل نصيب ابنه؛ لأنه أوصى له بقدر نصيب ابنه.
стр. 8359
ومنهم من قال: هو كما لو أوصى له بمثل نصيب ابنه، فيكون موصيًا له بالنصف؛ لأن معناه يؤول إلى معنى مثل نصيب ابنه، كما يقال للزوجة: لها مهر مثلها، ولا يكون ذلك لها، وإنما يكون لها مثل مهر مثلها» (١).
وجاء في الإنصاف: «إذا وصى بمثل نصيب ابنه، وله ابنان. فله الثلث. على المذهب ... وإن وصى له بنصيب ابنه. فكذلك، في أحد الوجهين، يعني: له مثل نصيبه في أحد الوجهين. وهو المذهب .... قال في المذهب، وغيره: صحت الوصية في ظاهر المذهب.
قال الحارثي: هو الصحيح عندهم.
وفي الآخر: لا تصح الوصية. وهو الذي ذكره القاضي. قال الزركشي: قاله القاضي في المجرد. قال الحارثي: لكن رجع عنه» (٢).
° وجه القول بالصحة:
أن المراد من قول الموصي: أوصيت بنصيب ابني على تقدير مضاف محذوف، كقوله: أوصيت له بمثل نصيب ابني، وهذا معروف في اللغة، قال تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وكما يقال للزوجة: لها مهر مثلها، ويكون المراد لها مثل مهر مثلها.
° الراجح:
الأصل في الكلام أن يحمل على ما يتعارف عليه الناس، فإن كان هناك عرف
стр. 8360
أن الرجل إذا أوصى بنصيب ابنه أنه يريد بذلك مثل نصيب ابنه اتبع هذا العرف، وإلا أخذ اللفظ على ظاهره، وأنه وصية بمال الغير، فيكون صحيحًا موقوفاً على إجازة المالك، والله أعلم.
* * *
стр. 8361
المبحث الخامس
في الموصي يوصي بمثل نصيب وارث غير معين
[م-١٦٨٣] إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته ولم يعين الوارث، فقد اختلف الفقهاء فيما يستحقه الموصى له:
القول الأول:
إذا أوصى الرجل بمثل نصيب أحد الورثة، ولم يعين الوارث، فإن كان ورثة الموصي متساويين في نصيبهم، كما لو كانوا أبناء مثلًا فللموصي له مثل نصيب أحدهم زائدًا على الفريضة، فيجعل الموصى له كواحد منهم، فللموصى له مع الاثنين الثلث؛ لأنه يصير كابن ثالث، ومع الثلاثة الربع؛ لأنه يصير كابن رابع، ومع الأربعة الخمس؛ لأنه يصير كابن خامس، ومع الخمسة السدس لأنه يصير كابن سادس، وهكذا.
وإن كان الورثة متفاضلين في الميراث أعطي الموصى له مثل نصيب أقلهم ميراثًا زائدًا على فريضتهم، كما لو كان يرث الموصي بنون وبنات، فيستحق الموصى له مثل نصيب بنت. وهذا مذهب الجمهور (١).
قال ابن قدامة: «إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته، غير مسمى، فإن كان الورثة يتساوون في الميراث كالبنين، فله مثل نصيب أحدهم، مزادًا على
стр. 8362
الفريضة، ويجعل كواحد منهم زاد فيهم. وإن كانوا يتفاضلون ... فله مثل نصيب أقلهم ميراثًا، يزاد على فريضتهم» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أنه إذا أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته، وترك رجالًا ونساء، فإن المال يقسم على الورثة على عدد رؤوسهم من غير فرق بين الذكر والأنثى، فإن كان الورثة ثلاثة كان للموصى له الثلث، أو كانوا أربعة فله الربع، أو كانوا خمسة فله الخمس، وهكذا، ولا نظر لما يستحقه كل وارث، بل يجعل الذكر رأسا والأنثى رأسا كذلك، ثم يقسم ما بقي بين الورثة على الفريضة الشرعية للذكر مثل حظ الأنثيين (٢).
جاء في المدونة: «سمعت مالكًا، وسئل عن رجل يقول عند موته: لفلان مثل نصيب أحد ورثتي، ويترك رجالًا ونساءً. قال: قال مالك: أرى أن يقسم ماله على عدة من ترك من الورثة الرجال والنساء، لا فضل بينهم، الذكر والأنثى فيه سواء، ثم يؤخذ حظ واحد منهم، ثم يدفع إلى الذي أوصى له به، ثم يرجع من بقي من الورثة، فيجمعون ما ترك الميت بعد الذي أخذ الموصى له، فيقتسمون ذلك على فرائض الله : للذكر مثل حظ الأنثيين» (٣).
° الراجح:
أرى أن تفصيل الجمهور أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
* * *
стр. 8363
المبحث السادس
الوصية بالسهم
[م-١٦٨٤] اختلف العلماء في الرجل يوصي بسهم من ماله، كيف يقدر ذلك؟
القول الأول:
يكون للموصى له أخس الأنصباء إلا أن ينقص عن السدس فيتم له السدس، ولا يزاد عليه، وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية في مذهب الحنابلة (١).
جاء في الهداية شرح البداية: «ومن أوصى بسهم من ماله فله أخس سهام الورثة إلا أن ينقص عن السدس فيتم له السدس ولا يزاد عليه، وهذا عند أبي حنيفة» (٢).
وجاء في المغني: «قال الخلال وصاحبه: له أقل سهم من سهام الورثة؛ لأن أحمد قال، في رواية أبي طالب والأثرم: إذا أوصى له بسهم من ماله، يعطى سهمًا من الفريضة. قيل: له نصيب رجل، أو نصيب امرأة؟ قال: أقل ما يكون من السهام. قال القاضي: ما لم يزد على السدس» (٣).
стр. 8364
° وجه هذا القول:
أن سهام الورثة أنصباؤهم، فيكون له أقلها؛ لأنه اليقين، فإن زاد على السدس دفع إليه السدس؛ لأنه أقل سهم يرثه ذو قرابة.
القول الثاني:
ذهب الحنابلة في المشهور أن له سدسًا مفروضًا (١).
جاء في الوقوف والترجل للخلال: «أخبرني حرب بن إسماعيل قال: سألت أحمد قلت:
رجل أوصى بسهم من ماله لرجل كم يعطى؟
قال: السهام عندنا على ستة. قلت: يعطى السدس؟ قال: نعم» (٢).
واستدلوا بأدلة منها:
أن مطلق لفظ السهم في الوصية والإقرار ينصرف إلى السدس، وهو مروي عن ابن مسعود، وعن جماعة من أهل اللغة منهم إياس بن معاوية.
(ث-٢٣٢) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع قال: ثنا محمد، عن أبي قيس،
عن الهزيل، أن رجلًا جعل لرجل سهمًا من ماله ولم يسم، فقال عبد الله: له السدس (٣).
стр. 8365
[لم ينسب محمد، ولم يتبين لي من هو] (١).
(ث-٢٣٣) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن حماد بن زيد، عن أيوب،
عن إياس بن معاوية، قال: كانت العرب تقول: له السدس (٢).
[صحيح].
لأن السدس أقل سهم مفروض يرثه ذو قرابة من النسب، فتنصرف الوصية إليه.
القول الثالث:
للموصى له كأقل سهام الورثة ما لم يزد على الثلث، فإن زاد أعطي الثلث، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني من الحنفية (٣).
° وجه القول بذلك:
أن السهم يراد به أحد سهام الورثة عرفًا، لا سيما في الوصية، والأقل متيقن به فيصرف إليه، إلا إذا زاد على الثلث فيرد عليه؛ لأنه لا مزيد عليه عند عدم إجازة الورثة.
стр. 8366
القول الرابع:
ذهب المالكية والحنابلة في رواية إلى أنه يعطى سهمًا من أصل الفريضة، ولو عائلة (١).
فإن لم يكن له فريضة بأن لم يكن له وارث حين الموت، فقيل: له سهم من ستة وهو قول ابن القاسم من المالكية؛ لأنه أقل عدد يخرج منه الفرائض المقدرة لأهل النسب؛ لأن الستة مخرج للسدس وهو أقل سهم مفروض لأهل النسب.
وقيل: له سهم من ثمانية، وهو قول أشهب؛ لأنها مخرج أقل السهام التي فرضها الله واستقر به ابن عبد السلام (٢).
القول الخامس:
ذهب الحنابلة إلى أنه يعطى سهمًا مما تصح منه الفريضة، فينظر كم سهمًا صحت منه الفريضة، ويزاد عليها مثل سهم من سهامها للموصى له. قال القاضي أبو يعلى: هذا ما لم تزد على السدس فإن زاد السهم على السدس فله السدس لأنه متحقق (٣).
стр. 8367
° وجه القول بذلك:
أن قوله سهمًا ينبغي أن ينصرف إلى سهام فريضته؛ لأن وصيته منها، فينصرف السهم إليها فكان واحدًا من سهامها، كما لو قال: فريضتي كذا وكذا سهمًا، لك منها سهم.
القول السادس:
يعطيه الوارث ما شاء، وهذا مذهب الشافعية (١).
جاء في المهذب: «فإن أوصى لرجل بسهم، أو بقسط، أو بنصيب، أو بجزء من ماله فالخيار إلى الوارث في القليل والكثير؛ لأن هذه الألفاظ تستعمل في القليل والكثير» (٢).
وفي الحاوي: «وقال الشافعي السهم اسم عام لا يختص بقدر محدود لانطلاقه على القليل والكثير، كالحظ والنصيب فيرجع إلى بيان الوارث» (٣).
° الراجح:
هذه الألفاظ يفسرها العرف إن وجد، فإن لم يوجد حكمت اللغة، والسهم في اللغة يطلق على النصيب، جاء الصحاح «السهم: واحد السهام. والسهم: النصيب» (٤).
стр. 8368
وفي مقاييس اللغة: «سَهُمَ: السين والهاء والميم أصلان: أحدهما يدل على تغير في لون، والآخر على حظ ونصيب وشيء من أشياء» (١).
وأما قول إياس وما نقله عن العرب من أن السهم يطلق على السدس، فلعله في العرف حينذاك، وأما القول بأن السدس أقل سهم مفروض، فهذا غير دقيق فأقل سهم مفروض هو الثمن، نعم هو أقل سهم مفروض من جهة النسب، وتقديم المفروض بالنسب على المفروض بسبب النكاح لا علاقة له بمسألتنا، لأن الموصى له أجنبي، والله أعلم.
* * *
стр. 8369
المبحث السابع
في الوصية بالمنافع
الفرع الأول
تعريف المنفعة
المراد بالمنافع:
تطلق المنفعة ويراد بها معنيان:
أحدهما: الأعراض التي تقوم بالأعيان كالركوب بالنسبة للسيارة والدابة، والسكنى بالنسبة للدار.
قال السرخسي: «المنفعة عرض يقوم بالعين» (١).
وعرفها في المطلع: «المنفعة والمنافع: الانتفاع بالأعيان كسكنى الدار، وركوب الدواب، واستخدام العبيد» (٢).
وفي مجلة مجمع الفقه الإسلامي: المنفعة كل ما يقوم بالأعيان من أعراض .. (٣).
المعنى الثاني للمنافع:
إطلاق المنفعة على كل ما يمكن استفادته من الأعيان، عرضاً كان مثل سكنى الدار وأجرتها، وركوب السيارة والدواب، ولبس الثياب وقراءة الكتب، أو عيناً: مثل ثمر الأشجار، وحليب الأنعام ونحوها.
والمقصود بالمنافع في باب الوصية هو المعنى الثاني دون الأول.
* * *
стр. 8370
الفرع الثاني
خلاف الفقهاء في الوصية بالمنافع
ما يقبل النقل بالإرث عينًا كان أو منفعة صحت الوصية به.
[م-١٦٨٥] اختلف الفقهاء في الوصية بالمنافع على قولين:
القول الأول:
أن الوصية بالمنافع وحدها دون الرقبة لا تصح، وبه قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأهل الظاهر (١).
ورجحه ابن عبد البر، قال في الاستذكار: «قول ابن ابي ليلى وابن شبرمة ومن تابعهما قول صحيح في النظر والقياس، وإن كان على خلافه أكثر الناس» (٢).
° دليل من قال: لا تصح الوصية بالمنافع:
الدليل الأول:
يشترط في الوصية أن تكون من مالك للمنفعة، والمنفعة التي تحدث بعد موت الموصي تحدث على ملك الوارث، وليس من مال الموصي، وقد أجمعوا على أنه لو أوصى بشيء، ومات، وهو في غير ملكه أن الوصية باطلة، فكذلك الوصية بالمنافع، فقد مات الموصي، والمنفعة ليست في ملكه (٣).