القول الرابع:
ذهب المالكية والحنابلة في رواية إلى أنه يعطى سهمًا من أصل الفريضة، ولو عائلة (١).
فإن لم يكن له فريضة بأن لم يكن له وارث حين الموت، فقيل: له سهم من ستة وهو قول ابن القاسم من المالكية؛ لأنه أقل عدد يخرج منه الفرائض المقدرة لأهل النسب؛ لأن الستة مخرج للسدس وهو أقل سهم مفروض لأهل النسب.
وقيل: له سهم من ثمانية، وهو قول أشهب؛ لأنها مخرج أقل السهام التي فرضها الله واستقر به ابن عبد السلام (٢).
القول الخامس:
ذهب الحنابلة إلى أنه يعطى سهمًا مما تصح منه الفريضة، فينظر كم سهمًا صحت منه الفريضة، ويزاد عليها مثل سهم من سهامها للموصى له. قال القاضي أبو يعلى: هذا ما لم تزد على السدس فإن زاد السهم على السدس فله السدس لأنه متحقق (٣).
стр. 8367
° وجه القول بذلك:
أن قوله سهمًا ينبغي أن ينصرف إلى سهام فريضته؛ لأن وصيته منها، فينصرف السهم إليها فكان واحدًا من سهامها، كما لو قال: فريضتي كذا وكذا سهمًا، لك منها سهم.
القول السادس:
يعطيه الوارث ما شاء، وهذا مذهب الشافعية (١).
جاء في المهذب: «فإن أوصى لرجل بسهم، أو بقسط، أو بنصيب، أو بجزء من ماله فالخيار إلى الوارث في القليل والكثير؛ لأن هذه الألفاظ تستعمل في القليل والكثير» (٢).
وفي الحاوي: «وقال الشافعي السهم اسم عام لا يختص بقدر محدود لانطلاقه على القليل والكثير، كالحظ والنصيب فيرجع إلى بيان الوارث» (٣).
° الراجح:
هذه الألفاظ يفسرها العرف إن وجد، فإن لم يوجد حكمت اللغة، والسهم في اللغة يطلق على النصيب، جاء الصحاح «السهم: واحد السهام. والسهم: النصيب» (٤).
стр. 8368
وفي مقاييس اللغة: «سَهُمَ: السين والهاء والميم أصلان: أحدهما يدل على تغير في لون، والآخر على حظ ونصيب وشيء من أشياء» (١).
وأما قول إياس وما نقله عن العرب من أن السهم يطلق على السدس، فلعله في العرف حينذاك، وأما القول بأن السدس أقل سهم مفروض، فهذا غير دقيق فأقل سهم مفروض هو الثمن، نعم هو أقل سهم مفروض من جهة النسب، وتقديم المفروض بالنسب على المفروض بسبب النكاح لا علاقة له بمسألتنا، لأن الموصى له أجنبي، والله أعلم.
* * *
стр. 8369
المبحث السابع
في الوصية بالمنافع
الفرع الأول
تعريف المنفعة
المراد بالمنافع:
تطلق المنفعة ويراد بها معنيان:
أحدهما: الأعراض التي تقوم بالأعيان كالركوب بالنسبة للسيارة والدابة، والسكنى بالنسبة للدار.
قال السرخسي: «المنفعة عرض يقوم بالعين» (١).
وعرفها في المطلع: «المنفعة والمنافع: الانتفاع بالأعيان كسكنى الدار، وركوب الدواب، واستخدام العبيد» (٢).
وفي مجلة مجمع الفقه الإسلامي: المنفعة كل ما يقوم بالأعيان من أعراض .. (٣).
المعنى الثاني للمنافع:
إطلاق المنفعة على كل ما يمكن استفادته من الأعيان، عرضاً كان مثل سكنى الدار وأجرتها، وركوب السيارة والدواب، ولبس الثياب وقراءة الكتب، أو عيناً: مثل ثمر الأشجار، وحليب الأنعام ونحوها.
والمقصود بالمنافع في باب الوصية هو المعنى الثاني دون الأول.
* * *
стр. 8370
الفرع الثاني
خلاف الفقهاء في الوصية بالمنافع
ما يقبل النقل بالإرث عينًا كان أو منفعة صحت الوصية به.
[م-١٦٨٥] اختلف الفقهاء في الوصية بالمنافع على قولين:
القول الأول:
أن الوصية بالمنافع وحدها دون الرقبة لا تصح، وبه قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأهل الظاهر (١).
ورجحه ابن عبد البر، قال في الاستذكار: «قول ابن ابي ليلى وابن شبرمة ومن تابعهما قول صحيح في النظر والقياس، وإن كان على خلافه أكثر الناس» (٢).
° دليل من قال: لا تصح الوصية بالمنافع:
الدليل الأول:
يشترط في الوصية أن تكون من مالك للمنفعة، والمنفعة التي تحدث بعد موت الموصي تحدث على ملك الوارث، وليس من مال الموصي، وقد أجمعوا على أنه لو أوصى بشيء، ومات، وهو في غير ملكه أن الوصية باطلة، فكذلك الوصية بالمنافع، فقد مات الموصي، والمنفعة ليست في ملكه (٣).
стр. 8371
ونوقش هذا:
بأن الموصي لما أفرد ملك المنفعة بالوصية عن ملك الرقبة أصبح ملك المنفعة ليس تابعًا لملك الرقبة، فلا تكون الوصية بها وصية بمال الوارث، فالمنافع تحدث على ملك الموصى له منفصلة عن ملك الرقبة، فإذا صح أن يكون مالك العين غير مالك المنفعة لم تكن المنفعة قد حدثت على ملك الوارث، كالوقف فإن الموقوف عليه يملك المنفعة ولا يملك العين، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن من أوصى بالمنافع لشخص على الدوام لم يترك للورثة ما ينتفعون به، فلا يجوز أن يحسب ذلك عليهم من الميراث، فإنه لا فائدة في رقبة مسلوبة المنافع، بل هو ضرر محض عليهم، وقد شرط الله تعالى لجواز الوصية عدم المضارة، فإذا أراد الوارث أن يبيع عينًا لا نفع فيها لم يصح البيع؛ لأن من شروط البيع أن تكون العين مشتملة على منفعة مقصودة، ولهذا الدابة إذا كانت زمنة لا يصح بيعها؛ لفوات منفعتها، وإن كانت عينها قائمة، فإن قصد الموصي الوصية بالمنافع على الدوام للموصى له فهي وصية بالرقبة، فلا يحتسب على الورثة منها شيء، فإن صرح الموصي بأنه يبقي الرقبة للورثة، أو يوصي بها لآخر بطلت الوصية لامتناع أن تكون المنافع كلها لشخص، والرقبة لآخر، ولا سبيل لترجيح أحد الأمرين فيبطلان، والدليل على أن تمليك جميع المنافع تمليك للعين بالرقبى والعمرى فإنها تمليك للرقبة حيث كانت تمليكًا للمنافع في الحياة (١).
стр. 8372
ويناقش:
هذا الكلام يصح في حال كانت الوصية بالمنفعة على الدوام، وقيل إن المنفعة تنتقل بالإرث إذا مات الموصى له، وهي مسألة خلافية (١).
أما إذا قلنا: إن المنفعة تختص بالموصى له، ولا تنتقل عنه بالإرث، وكذا إذا أوصى بالسكنى مدة معينة، أو مدة حياة الموصى له فإن الدار ترجع إلى الوارث متى ما خربت الدار، أو مات الموصى له.
الدليل الثالث:
أن الوصية بالمنافع في معنى الإعارة، فالإعارة تمليك للمنفعة بغير عوض، فكذلك الوصية بالمنفعة، تمليك للمنفعة بلا عوض، والعارية تبطل بموت المعير، فكذلك الوصية بالمنفعة؛ لأنها في معناها.
стр. 8373
ويناقش:
بأن قياس الوصية على العارية قياس مع الفارق، فالمعير قصد تمليك المنفعة في حال الحياة، فانتهت بالموت، أما الموصي فإنه جعل ملك المنفعة بعد الموت فلا تبطل به، ونظير ذلك التوكيل والإيصاء، فإن كلًا منهما إنابة للغير، إلا أن الأول إنابة حال الحياة فينتهي بموت الموكل، والإيصاء توكيل بعد الوفاة، فلا يبطل بموت الموصي.
القول الثاني:
ذهب عامة الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة إلى جواز الوصية بالمنافع سواء كانت الوصية مؤقتة بمدة معينة، أو مؤبدة (١).
قال الماوردي الشافعي: «الوصية بمنافع الأعيان جائزة، كالوصية بالأعيان لأنه لما صح عقد الإجارة عليها، فأولى أن تصح الوصية بها، وسواء قيدت الوصية بمدة، أو جعلت مؤبدة» (٢).
° دليل من قال: بالجواز:
الدليل الأول:
(ح-١٠٣٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن
стр. 8374
عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (له شيء يوصي فيه) والمنافع شيء، فتدخل في الوصية.
الدليل الثاني:
الأصل جواز الوصية بكل ما ينتقل عن طريق الإرث، ومنها المنافع، ومن منع شيئًا من الوصية فعليه الدليل.
الدليل الثالث:
إذا جاز أن يوصي الإنسان بما ليس مالًا كالوصية بالنجس والكلب، والوصية بالمجهول، والوصية بالمعدوم، فلأن يجوز الوصية بالمنافع التي هي أموال محترمة ولها قيمة من باب أولى.
الدليل الرابع:
المنافع يجوز التصرف فيها وحدها في حال الحياة ببدل وغير بدل عن طريق الإجارة والعارية، والوقف، والأرض الخراجية المقرة في يد من هي يده، ومنافع المبيع المستثناة في العقد مدة معلومة، فإذا جاز كل ذلك جاز التصرف بالمنافع بعد الممات عن طريق الوصية من باب أولى؛ لأن الوصية أوسع من هذه العقود، فهي تحتمل ما لا تحتمله هذه العقود من الوصية بالمجهول، والمعدوم، وغيرهما. والموصي يملك العين كما يملك منفعتها، فإذا جاز له أن
стр. 8375
يوصي بهما، جاز له أن يوصي بأحدهما؛ لأن من يملك الكل يملك البعض، وإذا صح أن يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وإن لم يكن يملك العين، صح أن يستوفي الموصى له المنافع، وإن لم يكن يملك العين.
° الراجح:
جواز الوصية بالمنافع كالأعيان؛ لأنها من الأشياء التي تنتقل بالموت، فيصح انتقالها بالوصية، والله أعلم.
* * *
стр. 8376
الفرع الثالث
في كيفية تقدير المنفعة
[م-١٦٨٦] اختلف الفقهاء في كيفية تقدير المنفعة:
القول الأول:
أن تقدير المنفعة الموصى بها يكون بتقدير المنفعة مع رقبتها الموصى بها مطلقًا، سواء كانت المدة مؤبدة أو مؤقتة، فإن خرجت العين من ثلث التركة نفذت، وإن زدات الرقبة على الثلث توقف ذلك على إجازة الورثة، وإلا صح منها مقدار الثلث (١).
جاء في بدائع الصنائع: «إذا جازت الوصية بالمنافع يعتبر فيها خروج العين التي أوصى بمنفعتها من الثلث» (٢).
° وجه القول بذلك:
أن الوصية بالمنفعة يؤدي إلى حبس العين عن الوارث، والموصي لا يملك منع ما زاد عن الثلث على الوارث، لذلك اعتبر خروج الثلث من الرقبة.
القول الثاني:
إذا أوصى بمنفعة معين كالخدمة والسكنى لشخص معين مدة معينة، والحال أن ثلثه لا يحمل ذلك كله: أي لا يحمل قيمة رقبة الدار، أو العبد: خير الوراث
стр. 8377
بين أن يجيز وصية مورثه، أو يخلع ثلث جميع التركة من الحاضر، والغائب، والعرض والعين، فيعطى الموصى له من كل شيء ثلثه.
وإن أوصى بمنفعة معين لغير معين كالمساكين، فإن الوراث يخير بين الإجازة وبين القطع لهم بالثلث في ذلك الشيء بعينه، لا في كل التركة. وهذا مذهب المالكية (١).
والفرق بين المعين وغير المعين:
أنه في غير المعين لا يرجى رجوعه، بخلاف الموصى له المعين فيرجى إذا هلك رجوع الموصى به للوارث.
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن أوصى رجل بخدمة عبده لرجل سنة، وليس له مال غيره، أو له مال لا يخرج العبد من الثلث؟
قال: قال مالك: الورثة بالخيار إن أحبوا أن يسلموا خدمته سنة، ثم يدفع إليهم العبد بعد السنة، وإلا أسلموا إليه ثلث مال الميت بتلا.
قلت: وكذلك لو أوصى لرجل بسكنى داره سنة؟
قال: وهذا وخدمة العبد سواء، وكذلك قال مالك: إما أسلموا إليه سكنى داره سنة وإما قطعوا له بثلث الميت، وهذا مخالف إذا أوصى له برقبة العبد والدار، وكذلك إذا لم يحمله الثلث قطع له فيهما، وإذا كان خدمة أو سكنى فلم يجيزوا قطعنا له بثلث الميت وهذا قول مالك. قال سحنون. وهذا قول الرواة
стр. 8378
كلهم، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا إذا أوصى بخدمة العبد أو سكنى الدار، وليس له مال غير ما أوصى فيه، أو له مال لا يخرج ما أوصى له به من الثلث، وهذا أصل من أصول قولهم» (١).
ونوقش هذا:
بأن الوصية بالمنفعة وصية صحيحة، فوجب تنفيذها على صفتها إن خرجت من الثلث، أو بقدر ما يخرج من الثلث منها كسائر الوصايا، أو كالأعيان (٢).
القول الثالث:
ذهب الحنابلة والشافعية في كيفية تقدير المنفعة إلى التفريق بين أن تكون الوصية مقيدة بمدة معلومة، أو لا، كما لو كانت مطلقة، أو مؤبدة، أو مجهولة المدة، كما لو أوصى له بالمنفعة مدة حياته.
فإن كانت الوصية مقيدة بمدة معينة، فيمكن تقدير المنفعة بمعرفة الفرق ما بين قيمة العين بمنافعها في تلك المدة، وقيمة العين مسلوبة المنافع في تلك المدة، فإذا قومت العين بمنفعتها بخمسين تلك المدة، وقومت العين بدون المنفعة في تلك المدة بعشرة، تكون قيمة المنفعة أربعين.
فإن كانت الوصية مدتها غير معلومة، ففي تقدير المنفعة قولان:
القول الأول: أن الثلث يقدر بمجموع الرقبة والمنفعة كما هو مذهب الحنفية.
стр. 8379
° وجه هذا القول:
أن العين إذا سلبت منفعتها بشكل دائم تبقى العين لا قيمة لها، فالأعيان إنما قيمتها بمنفعتها.
ولأن المنفعة المؤبدة لا يمكن تقويمها؛ لأن مدة عمره غير معلومة، وإذا تعذر تقويم المنافع تعين تقويم الرقبة
القول الثاني: تقوم الرقبة على ملك الورثة، وتقوم المنفعة على ملك الموصى له، فإذا كانت الرقبة قيمتها بمنافعها مائة، وقيمة العين وحدها عشرة، تكون قيمة المنفعة تسعين (١).
قال إمام الحرمين: «اختلف أئمتنا فيما يعتبر خروجه من الثلث:
فمنهم من قال: المعتبر خروج قيمة العين من الثلث؛ فإنها مسلوبة المنفعة في جهة الوصية، والتصرفات ممتنعة على الورثة بحيلولة دائمة، وكأن العين مستهلكة من حقوقهم، وكأن الوصية واقعة بالرقبة.
ومن أصحابنا من قال: تعتبر قيمة المنافع وخروجها من الثلث؛ فإنها الموصى بها، والسبيل في اعتبارها أن نقول: هذا العبد كم يساوي مع وفور المنفعة؟ فيقال: مائة، فنقول: كم قيمته، وهو مستحق المنافع؟ فيقال: عشرة، فنتبين أن قيمة المنفعة تسعون.
فهذا وجه الوصول إلى معرفة قيمة المنفعة، ومعنى اعتبارها من الثلث» (٢).
стр. 8380
وقال ابن قدامة: «متى أريد تقويمها ـ يعني تقويم المنفعة الموصى بها ـ فإن كانت الوصية مقيدة بمدة، قوم الموصى بمنفعته مسلوب المنفعة تلك المدة، ثم تقوم المنفعة في تلك المدة فينظر كم قيمتها، وإن كانت الوصية مطلقة في الزمان كله: فقد قيل: تقوم الرقبة بمنفعتها جميعًا، ويعتبر خروجها من الثلث؛ لأن عبدًا لا منفعة له، وشجرًا لا ثمر له، لا قيمة له غالبًا.
وقيل: تقوم الرقبة على الورثة، والمنفعة على الموصى له.
وصفة ذلك: أن يقوم العبد بمنفعته، فإذا قيل: قيمته مائة. قيل: كم قيمته لا منفعة فيه؟ فإذا قيل: عشرة. علمنا أن قيمة المنفعة تسعون» (١).
° الراجح:
أن الوصية بالمنفعة صحيحة، وأنها معتبرة بالثلث كالوصية بالأعيان، فإن كانت مؤبدة أو مطلقة، استحق الموصى له الوصية ما بقيت المنفعة، وتورث عنه، وإن كانت مؤقتة بمدة استحق تلك المنفعة تلك المدة، وتورث عنه إن بقي في المدة بقية، وفي تقييم المدة أرى أن تفصيل الشافعية والحنابلة أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
* * *
стр. 8381
الفرع الرابع
في نفقات العين الموصى بمنفعتها
[م-١٦٨٧] إذا أوصى الرجل بمنفعة دابة أو سكنى الدار لرجل، وكانت العين ملكًا للورثة أو أوصى بها لآخر فعلى من تجب النفقة، هل تجب على من يملك العين، أو تجب على من يملك المنفعة.
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن النفقة تجب على صاحب المنفعة. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وقول الإصطخري من الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، ورجحه ابن قدامة في المغني (١).
قال الشلبي: «ونفقة العبد الموصى بخدمته وكسوته على صاحب الخدمة، وبه قال الإصطخري وأحمد في رواية» (٢).
стр. 8382
وجاء في المدونة: «سألت مالكًا عن الرجل يوصي بخدمة جاريته أو عبده لأم ولده أو لأجنبي من الناس، على من نفقته؟ قال: على الذي أخدم» (١).
وقال ابن قدامة: «ويحتمل أن يجب على صاحب المنفعة. وهو قول أصحاب الرأي، والإصطخري، وهو أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأنه يملك نفعه على التأبيد، فكانت النفقة عليه، كالزوج، ولأن نفعه له، فكان عليه ضره، كالمالك لهما جميعًا، يحققه أن إيجاب النفقة على من لا نفع له ضرر مجرد، فيصير معنى الوصية: أوصيت لك بنفع عبدي، وأبقيت على ورثتي ضره» (٢).
وجه هذا القول:
تشبيه استحقاق المنفعة باستحقاق الزوج منفعة البضع، والنفقة واجبة على الزوج فكذلك النفقة على مالك المنفعة.
ويناقش:
بأن هذا القول يمكن التسليم به في حال كانت الخدمة الموصى بها مؤبدة، أما إذا كانت مؤقتة فإن القول ضعيف.
القول الثاني:
أنها تجب على مالك العين، وبه قال أبو ثور من الحنفية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وذكره الشريف أبو جعفر مذهبًا لأحمد (٣).
стр. 8383
قال إمام الحرمين: «القول في نفقة العبد الموصى بمنفعته: حاصل ما ذكره الأصحاب أوجه: أصحها، أن نفقة العبد تجب على الورثة؛ فإن ملك الرقبة لهم» (١).
وقال النووي: «إذا كانت الوصية بمنفعة مدة معلومة، فنفقته على الوارث، كالمستأجر.
وإن كانت على التأبيد، فثلاثة أوجه: أصحها: كذلك.
والثاني: على الموصى له.
والثالث: في كسبه.
فإن لم يكن كسب، أو لم يف بها، ففي بيت المال» (٢).
وجاء في الشرح الكبير على المقنع: «وفي نفقتها ثلاثة أوجه:
أحدها: تجب على مالك الرقبة، وهو الذي ذكره الشريف أبو جعفر مذهباً لأحمد، وبه قال أبو ثور .... » (٣).
° وجه هذا القول:
قياس نفقة العبد الموصى بمنفعته على العبد المستأجر، فإذا كانت نفقة العبد المستأجر على المالك فكذا نفقة الموصى بخدمته، وكما لو لم يكن له منفعة.
стр. 8384
ويناقش:
هذا يصح فيما إذا كانت الخدمة مؤقتة، أما إذا كانت مؤبدة فالقياس فيه نظر.
القول الثالث:
إن كان له كسب وجبت النفقة في كسبه، وإن لم يكن له كسب وجبت نفقته في بيت المال، وهذا وجه في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
قال إمام الحرمين: «ذكر العراقيون وجهًا ثالثًا في النفقة، فقالوا: نفقة العبد تتعلق بكسبه وحق الموصى له وراء عمل العبد في تحصيل مؤنته، ثم قالوا: إن عجز العبد عن الكسب، فصاحب هذا الوجه لا يوجب نفقته على الورثة، ولا على الموصى له، بل يوجبها في بيت المال.
وهذا فيه ضعف؛ من جهة أن صرف نفقة المملوك على بيت المال مع استظهار المالك وبقائه بعيد، وكان لا يبعد في قياس هذا الوجه أن يقال: النفقة تتعلق بالكسب، فإن لم يكن، انقلب وجوبها إلى الوارث، أو إلى الموصى له» (٢).
° الراجح:
أن المنفعة إن كانت مؤبدة للموصى له وجبت عليه نفقته، وإن كانت مؤقتة كانت نفقته على المالك، والله أعلم.
* * *
стр. 8385
الفرع الخامس
في بيع العين الموصى بمنفعتها
[م-١٦٨٨] إذا أراد مالك الرقبة الموصى بمنفعتها لآخر، إذا أراد بيعها، فإما أن يبيعها للموصى له بالمنفعة، أو يبيعها لغيره.
فإن باعها للموصى له بالمنفعة صح البيع، وبطلت الوصية.
° وجه ذلك:
أن المشتري لما ملك الرقبة ملك المنفعة من جهتين من جهة الوصية، ومن جهة ملك العين، وملك المنفعة بملك العين أقوى وأبقى، فبطلت الوصية.
فإن باعها لغير الموصى له بالمنفعة، فقد اختلف الفقهاء في ذلك:
القول الأول:
ليس للورثة أن يبيعوا العين، وليس للموصى له بسكنى الدار أن يؤجرها. وهذا مذهب الحنفية، ووافقهم الشافعية في وجه منع المالك من بيع العين (١).
قال الماوردي: «إن أراد ورثة الموصي بيعه، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز لثبوت الملك.
стр. 8386
والثاني: لا يجوز؛ لعدم المنفعة.
والثالث: يجوز بيعه من الموصى له بالمنفعة، ولا يجوز من غيره، لأن الموصى له ينتفع به، دون غيره» (١).
° وجه القول بذلك:
البيع يشترط لصحته: الملك، واشتماله على منفعة مباحة مقصودة، فإن وجد شرط الملك، فلم توجد المنفعة لأن المنفعة مملوكة لآخر، فلا فائدة من بيع عين مسلوبة المنفعة.
وأما منع الموصى له من الإجارة: فلأن الوصية تمليك بغير بدل مضاف إلى ما بعد الموت، فلا يملك تمليكه ببدل اعتبارًا بالإعارة، فإنها تمليك بغير بدل.
ويجاب:
بأن الإعارة ليس فيها تمليك للمنفعة، وإنما يملك فيها المستعير الانتفاع، وبينهما فرق، فمن ملك المنفعة ملك تمليكها ببدل وبغيره كالمستأجر، ومن ملك الانتفاع لم يملك تمليك غيره كالعارية، والله أعلم.
القول الثاني:
يجوز لمالك العين الموصى بمنفعتها أن يبيع العين، وينتقل الملك إلى المشتري الجديد مع بقاء حق الموصى له في المنفعة، وهذا مذهب الجمهور، وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٢).
стр. 8387
° وجه القول بذلك:
قياس الوصية بالمنفعة على الوصية بالأعيان، فمن ملك المنفعة فيملك تمليكها من غيره ببدل ومن غير بدل.
وقياس الوصية بالمنافع على العين المستأجرة، فإن للمؤجر أن يبيع العين، وللمستأجر أن يؤجر العين المستأجره، فكذلك هنا.
° الراجح:
صحة بيع العين من مالكها، وصحة تأجير المنفعة من الموصى له، لأن التصرف صادر من مالك، ومن ملك شيئًا ملك التصرف فيه، والله أعلم.
* * *
стр. 8388
الشرط الثاني
أن يكون الموصى به مملوكًا للموصي
[م-١٦٨٩] هل يشترط في الموصى به أن يكون مملوكًا للموصي؟
للجواب على ذلك نقول: الموصى به إذا كان غير مملوك فإنه ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يكون الموصى به موصوفًا غير معين، فهذا يدخل في الوصية بالمعدوم، وقد تكلمت عليه في مبحث مستقل.
الثاني: أن يكون الموصى به معينًا مملوكًا للغير، فهذا قد اختلف فيه الفقهاء على قولين:
القول الأول:
يشترط لصحة الوصية إذا كان الموصى به معينًا أن يكون مملوكًا للموصي وقت الوصية.
وهذا مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال بعض الحنفية (١).
ذكر الدردير من شروط الوصية: أن يكون من «مالك للموصى به ملكًا تامًا، فمستغرق الذمة، وغير المالك لا تصح وصيتهما» (٢).
стр. 8389
وجاء في منح الجليل: «تصح من كل حر مميز، ولا تصح من العبد ولا من المجنون، مالك للموصى به، فلا يصح بمال الغير فضوليا، أو مستغرق الذمة بالتبعات» (١).
وقال في إعانة الطالبين: «وشرط في الموصي ... من كونه مالكًا بالغًا عاقلًا حرًا مختارًا» (٢).
وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «يؤخذ من اعتبار تصور الملك اشتراط كون الموصى به مملوكًا للموصي، فتمتنع الوصية بمال الغير» (٣).
جاء في كشاف القناع: «لا تصح الوصية بمال الغير، ولو ملكه بعد، بأن قال: وصيت بمال زيد، فلا تصح الوصية، ولو ملك الموصي مال زيد بعد الوصية؛ لفساد الصيغة بإضافة المال إلى غيره» (٤).
وقال ابن الهمام الحنفي: «الموصى به إذا كان معينًا يعتبر لصحة الإيجاب وجوده يوم الوصية، حتى إن من أوصى لإنسان بعين لا يملكه، ثم ملكه يومًا من الدهر، لا تصح الوصية» (٥).
° وجه القول بعدم الصحة:
الوجه الأول:
أن مالكه يملك الوصية به، والشيء الواحد لا يكون محلًا لتصرف شخصين.
стр. 8390
الوجه الثاني:
أن الوصية عقد تبرع، فيشترط في عاقده أن يكون مالكًا لصحة الوصية.
القول الثاني:
تصح الوصية بمال معين ليس مملوكًا له، وتكون موقوفة على إجازة المالك، وهو مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، قال عنه النووي: وهو أفقه، وأجرى على قواعد الباب، وقول في مذهب الحنابلة (١).
جاء في تبيين الحقائق «إذا أوصى رجل بألف درهم بعينها من مال غيره، فأجاز صاحب المال بعد موت الموصي، ودفعه إليه جاز، وله الامتناع من التسليم بعد الإجازة؛ لأنه تبرع بمال الغير فيتوقف على إجازة صاحبه فإذا أجاز كان منه هذا ابتداء تبرع فله أن يمتنع من التسليم كسائر التبرعات» (٢).
وقال النووي: «إن أوصى بمال الغير، فقال: أوصيت بهذا العبد، وهو ملك غيره، أو بهذا العبد إن ملكته، فوجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنها تصح بالمعدوم، فذا أولى.
والثاني: لا؛ لأن مالكه يملك الوصية به، والشيء الواحد لا يكون محلًا لتصرف شخصين، وبهذا قطع الغزالي.
قلت: الأول أفقه وأجرى على قواعد الباب، والله أعلم» (٣).
стр. 8391
° الراجح:
أن الوصية بغير المملوك إما أن يكون معينًا أو موصوفًا، فإن كان موصوفًا غير معين، دخل في الوصية بالمعدوم، وقد ذهب أكثر الفقهاء على صحة الوصية بالمعدوم، سواء كان المعدوم أصالة أو تبعًا، وسبق بحث هذه المسألة، ولله الحمد.
وإن كان الموصى به معينًا مملوكًا للغير صحت الوصية به، فإن ملكه قبل موته صح، وإن مات ولم يملكه صار تنفيذ الوصية موقوفًا على إجازة المالك.
وهل إجازة المالك تنفيذ للوصية، أم هي هبة مبتدأة؟ الأقرب عندي أنها هبة، والله أعلم.
* * *
стр. 8392
الشرط الثالث
أن يكون الموصى به في حدود الثلث
المبحث الأول
إذا لم يكن للموصي وارث
[م-١٦٩٠] إذا أوصى بأكثر من الثلث، فإما أن يكون الموصي قد خلف وارثًا، أو لا.
فإن كان الموصي لم يترك وارثًا فقد اختلف العلماء في صحة الوصية إذا جاوزت الثلث على قولين:
القول الأول:
إذا لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كله، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وأحد القولين عند المالكية، واختيار إسحاق بن راهوية، وهو قول عبيدة ومسروق (١).
قال في بدائع الصنائع: «ولو أوصى بما زاد على الثلث، ولا وارث له تجوز
стр. 8393
من جميع المال عندنا، وعند الشافعي لا تجوز إلا من الثلث» (١).
وجاء في الإنصاف: «أما من لا وارث له، فتجوز وصيته بجميع ماله، هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب .. » (٢).
° دليل من قال: له أن يوصي بماله كله:
الدليل الأول:
أن الرسول لما منع سعدًا من الوصية بأكثر من الثلث علل ذلك بقوله ﷺ : إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.
فجعل المنع من الزيادة حقًا للورثة، ولذلك لو كان هناك ورثة وأجازوا الوصية بالمال كله صحت، ونفذت بجميع ماله، ولو كان المنع لحق الله لما نفذت بالإجازة.
ونوقش هذا الكلام من وجهين:
الوجه الأول:
قال ابن حزم: «أما قولهم: إن رسول الله ﷺ جعل العلة في أن لا يتجاوز الثلث غنى الورثة فباطل من قولهم، ما قال ﵊ قط: إن أمري بأن لا يتجاوز الثلث في الوصية؟ إنما هو لغنى الورثة، إنما قال ﵊: «الثلث والثلث كثير»؟ فهذه قضية قائمة بنفسها، وحكم فصل غير متعلق بما بعده ثم ابتدأ ﵊ قضية أخرى مبتدأة قائمة بنفسها،
стр. 8394
غير متعلقة بما قبلها، فقال: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».
برهان صحة هذا القول: أنه لا يحل أن ينسب إلى رسول الله ﷺ أنه علل علة فاسدة منكرة حاش له من ذلك، ونحن نجد من له عشرة من الورثة فقراء ولم يترك إلا درهمًا واحدًا فإن له بإقرارهم أن يوصي بثلثه، ولا يترك لهم ما يغنيهم من جوع غداء واحدًا، ولا عشاءً واحدًا.
ونحن نجد من لا يترك وارثًا إلا واحدًا غنيًا موسرًا مكثرًا، ولا يخلف إلا درهمًا واحدًا، فليس له عندهم ولا عندنا أن يوصي إلا بثلثه، وليس له غنى فيما يدع له؟ ولو كانت العلة ما ذكروا لكان من ترك ابنًا واحدًا، وترك ثلاثمائة ألف دينار يكون له أن يوصي بالنصف؛ لأن له فيما يبقى غنى الأبد، فلو كانت العلة غنى الورثة لروعي ما يغنيهم على حسب كثرة المال وقلته وهذا باطل عند الجميع.
فصح أن الذي قالوا باطل، وأن الشريعة في ذلك إنما هو تحديد الثلث فما دونه فقط قل المال أو كثر، كان فيه للورثة غنى أو لم يكن» (١).
ويناقش:
بأنه إنما جاز أن يوصي بماله كله مع عدم الوارث، ولم يجز أن يوصي بأكثر من الثلث مع الوارث، وإن كان الوارث غنيًا؛ لأن الوارث له حق شرعًا في مال الموصي، فحقه لا يسقط بغناه، فإذا لم يكن هناك وارث فليس هناك صاحب حق، ولهذا جازت الوصية بماله كله.
стр. 8395
الوجه الثاني:
أن الورثة إذا أجازوا الوصية بالمال كله جازت ليس هذا دليلًا على أن المنع من الوصية بأكثر من الثلث كان حقًا للورثة، فإذا لم يكن هناك وارث صحت بالمال كله، وإنما تجوز بالإجازة على أنها هبة من الورثة، وليست وصية من الميت، وبينهما فارق كبير، وقد تكلمنا على هذه المسألة في بحث مستقل، ولله الحمد.
الدليل الثاني:
(ث-٢٣٤) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، قال: عن الثوري، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي ميسرة، عمرو بن شرحبيل قال:
قال لي عبد الله بن مسعود: إنكم من أحرى حي بالكوفة، أن يموت أحدكم، ولا يدع عصبة، ولا رحمًا فما يمنعه إذا كان كذلك، أن يضع ماله في الفقراء والمساكين (١).
[صحيح] (٢).
стр. 8396
الدليل الثالث:
المسلمون يستحقون هذا المال لا على سبيل الميراث، وإنما باعتبار أنه مال لا مالك له، وإذا كان كذلك فلمالكه أن يضعه حيث يشاء، وإذا كان للإمام أن يضعه حيث يشاء فإن صاحبه أولى من الإمام.
стр. 8397
قال الطحاوي: «إن المسلمين لا يستحقون ماله بعد موته على سبيل الميراث؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يستحقه الرجل مع أبيه؛ لأن الأب والجد لا يجتمعان في ميراث واحد، فعلمنا أنهم لا يستحقونه على جهة الميراث، وإنما يعطيهم الإمام من جهة أنه مال لا مالك له، وكان للإمام أن يضعه حيث يرى، فمالكه أولى بذلك من الإمام؛ لأنه كان مالكًا له إلى أن توفي، ألا ترى أنه إذا كان له وارث فأوصى بأكثر من الثلث أنه إذا لم تجزه الورثة رد إليه ما زاد؛ لأنه يأخذه ميراثًا، فإذا لم يكن ميراث، فالوصية جائزة كالثلث الذي لا يورث إذا أوصى به.
وأيضا فللإمام أن يجعله لرجل من المسلمين فالموصي بذلك أولى منه كما كان في حال الحياة» (١).
ونوقش هذا:
قال ابن حزم: «وأما قولهم كما للإمام أن يضعه حيث يشاء فصاحبه أولى فكلام بارد، وقياس فاسد، وهم يقولون فيمن ترك زوجة، ولم يترك ذا رحم، ولا مولى ولا عاصبًا: أن الربع للزوجة، وأن الثلاثة الأرباع يضعها الإمام حيث يشاء، وأنه ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث.
فهلا قاسوا هاهنا كما للإمام أن يضع الثلاثة الأرباع حيث يشاء، فكذلك صاحب المال ولكن هذا مقدار قياسهم فتأملوه» (٢).
стр. 8398
القول الثاني:
إن أوصى بأكثر من الثلث، ولا وارث له صح في الثلث فقط، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة، واختيار الظاهرية، وبه قال الأوزاعي (١).
قال ابن رشد: «وأما اختلافهم في جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له، فإن مالكًا لا يجيز ذلك» (٢).
جاء في الحاوي الكبير: «وإن لم يكن للميت وارث، فأوصى بجميع ماله ردت الوصية إلى الثلث، والباقي لبيت المال» (٣).
وجاء في الإنصاف: «وعنه ـ أي عن الإمام أحمد ـ لا تجوز إلا بالثلث. نص عليه في رواية ابن منصور. قال أبو الخطاب في الانتصار: هذه الرواية صريحة في منع الرد، وتوريث ذوي الأرحام. وأطلقهما في الهداية، والمستوعب» (٤).
стр. 8399
° وسبب الخلاف:
قال ابن رشد: «هل هذا الحكم خاص بالعلة التي علله بها الشارع أم ليس بخاص: وهو أن لا يترك ورثته عالة يتكففون الناس، كما قال ﵊: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) فمن جعل هذا السبب خاصًا وجب أن يرتفع الحكم بارتفاع هذه العلة.
ومن جعل الحكم عبادة، وإن كان قد علل بعلة، أو جعل جميع المسلمين في هذا المعنى بمنزلة الورثة، قال: لا تجوز الوصية بإطلاق بأكثر من الثلث» (١).
° دليل من قال بالمنع:
(ح-١٠٤٠) ما رواه ابن ماجه من طريق وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم (٢).
[إسناده ضعيف جدًا، وله شواهد كلها ضعيفة، ويرجى أن يقوي بعضها بعضًا] (٣).
وجه الاستدلال:
أن الله أباح لنا الثلث فما دونه، لم يبح لنا أكثر من ذلك.
° الراجح:
أن الموصي له أن يوصي بماله كله إذا لم يكن هناك وارث، ويكفي في هذا كونه قول ابن مسعود ﵁، ولا يعلم له مخالف من الصحابة، والله أعلم.
* * *
стр. 8403
المبحث الثاني
في الوصية بأكثر من الثلث مع وجود الوارث
[م-١٦٩١] اختلف الفقهاء في الرجل يوصي بأكثر من الثلث وله وارث على قولين:
القول الأول:
تصح الوصية بأكثر من الثلث، وتكون موقوفة على إجازة الورثة، فإن أجازوها صحت، ويكون ذلك تنفيذًا لما أوصى به الميت، وحكمها حكم وصية الميت، وإن لم يجيزوها بطلت.
وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية، والشافعية في الأظهر، والمشهور من مذهب الحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية (١).
قال الباجي: «إذا أوصى الميت بأكثر من الثلث، فأجازته الورثة جاز،
стр. 8404
ويكون ذلك تنفيذًا منهم لفعل الموصي، ولم يكن ابتداء عطية منهم للموصى له خلافًا للشافعي في قوله: إنها ابتداء عطية. قال القاضي أبو محمد: والدليل على ذلك أن المنع إنما هو لحق الورثة، فإذا أجازوا فقد تركوا ما كان لهم من الاعتراض والفسخ لفعل الميت، بمنزلة أن يأذنوا له قبل أن يوصي، وبمنزلة حكم الثلث» (١).
قال النووي: «ينبغي ألا يوصي بأكثر من ثلث ماله، فلو خالف، وله وارث خاص، فرد بطلت الوصية في الزيادة على الثلث.
وإن أجاز دفع المال بالزيادة إلى الموصى له. وهل إجازته تنفيذ لتصرف الموصي، أم ابتداء عطية من الوارث؟ قولان. أظهرهما: تنفيذ» (٢).
وقال ابن قدامة: «ولا يجوز لمن له وارث الوصية بزيادة على الثلث .... فإن فعل وقف الزائد على الثلث على إجازة الورثة. فإن أجازوه جاز. وإن ردوه بطل بغير خلاف؛ ولأن الحق لهم، فجاز بإجازتهم، وبطل بردهم. وظاهر المذهب أن الإجازة صحيحة، وإجازة الورثة تنفيذ، لأن الإجازة تنفيذ في الحقيقة» (٣).
القول الثاني:
لا تصح الوصية بأكثر من الثلث، وإن أجازها الورثة كانت هبة منهم مبتدأة، لا تنفيذًا للوصية، فيشترط فيها ما يشترط في الهبة.
وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، وهو مذهب المدونة، واختاره المزني
стр. 8405
من الشافعية، وبعض الحنابلة، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال عبد الرحمن بن كيسان (١).
جاء في شرح الخرشي: «الوصية تبطل لغير الوارث بما زاد على ثلث الموصي يوم التنفيذ، ولا يعتبر يوم الموت، وإذا أجاز الورثة ما أوصى به الموصي لبعض الورثة، أو ما زاد على الثلث لغير الوارث، فإن ذلك يكون منهم ابتداء عطية، لا أنه تنفيذ للوصية، فلا بد من قبول الموصى له، ولا تتم إلا بالحيازة قبل حصول مانع للمجيز، وأن يكون المجيز من أهل الإجازة ... » (٢).
وقال العمراني: «قال الشيخ أبو حامد: لا تصح الوصية بما زاد على الثلث، قولًا واحدًا.
فإن أجازه الورثة، فهل يكون ذلك تنفيذًا لما فعله الموصي، أو ابتداء عطية من الورثة؟ على قولين: ....
أحدهما: لا تصح؛ لأن النبي ﷺ نهى سعدًا عن الوصية بما زاد على الثلث، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
والثاني: تصح؛ لأن الوصية صادفت ملكه، وإنما يتعلق بها حق الوارث فيما