وجه الاستدلال:
أن الله أباح لنا الثلث فما دونه، لم يبح لنا أكثر من ذلك.
° الراجح:
أن الموصي له أن يوصي بماله كله إذا لم يكن هناك وارث، ويكفي في هذا كونه قول ابن مسعود ﵁، ولا يعلم له مخالف من الصحابة، والله أعلم.
* * *
стр. 8403
المبحث الثاني
في الوصية بأكثر من الثلث مع وجود الوارث
[م-١٦٩١] اختلف الفقهاء في الرجل يوصي بأكثر من الثلث وله وارث على قولين:
القول الأول:
تصح الوصية بأكثر من الثلث، وتكون موقوفة على إجازة الورثة، فإن أجازوها صحت، ويكون ذلك تنفيذًا لما أوصى به الميت، وحكمها حكم وصية الميت، وإن لم يجيزوها بطلت.
وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية، والشافعية في الأظهر، والمشهور من مذهب الحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية (١).
قال الباجي: «إذا أوصى الميت بأكثر من الثلث، فأجازته الورثة جاز،
стр. 8404
ويكون ذلك تنفيذًا منهم لفعل الموصي، ولم يكن ابتداء عطية منهم للموصى له خلافًا للشافعي في قوله: إنها ابتداء عطية. قال القاضي أبو محمد: والدليل على ذلك أن المنع إنما هو لحق الورثة، فإذا أجازوا فقد تركوا ما كان لهم من الاعتراض والفسخ لفعل الميت، بمنزلة أن يأذنوا له قبل أن يوصي، وبمنزلة حكم الثلث» (١).
قال النووي: «ينبغي ألا يوصي بأكثر من ثلث ماله، فلو خالف، وله وارث خاص، فرد بطلت الوصية في الزيادة على الثلث.
وإن أجاز دفع المال بالزيادة إلى الموصى له. وهل إجازته تنفيذ لتصرف الموصي، أم ابتداء عطية من الوارث؟ قولان. أظهرهما: تنفيذ» (٢).
وقال ابن قدامة: «ولا يجوز لمن له وارث الوصية بزيادة على الثلث .... فإن فعل وقف الزائد على الثلث على إجازة الورثة. فإن أجازوه جاز. وإن ردوه بطل بغير خلاف؛ ولأن الحق لهم، فجاز بإجازتهم، وبطل بردهم. وظاهر المذهب أن الإجازة صحيحة، وإجازة الورثة تنفيذ، لأن الإجازة تنفيذ في الحقيقة» (٣).
القول الثاني:
لا تصح الوصية بأكثر من الثلث، وإن أجازها الورثة كانت هبة منهم مبتدأة، لا تنفيذًا للوصية، فيشترط فيها ما يشترط في الهبة.
وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، وهو مذهب المدونة، واختاره المزني
стр. 8405
من الشافعية، وبعض الحنابلة، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال عبد الرحمن بن كيسان (١).
جاء في شرح الخرشي: «الوصية تبطل لغير الوارث بما زاد على ثلث الموصي يوم التنفيذ، ولا يعتبر يوم الموت، وإذا أجاز الورثة ما أوصى به الموصي لبعض الورثة، أو ما زاد على الثلث لغير الوارث، فإن ذلك يكون منهم ابتداء عطية، لا أنه تنفيذ للوصية، فلا بد من قبول الموصى له، ولا تتم إلا بالحيازة قبل حصول مانع للمجيز، وأن يكون المجيز من أهل الإجازة ... » (٢).
وقال العمراني: «قال الشيخ أبو حامد: لا تصح الوصية بما زاد على الثلث، قولًا واحدًا.
فإن أجازه الورثة، فهل يكون ذلك تنفيذًا لما فعله الموصي، أو ابتداء عطية من الورثة؟ على قولين: ....
أحدهما: لا تصح؛ لأن النبي ﷺ نهى سعدًا عن الوصية بما زاد على الثلث، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
والثاني: تصح؛ لأن الوصية صادفت ملكه، وإنما يتعلق بها حق الوارث فيما
стр. 8406
بعد، وذلك لا يمنع صحة تصرفه، كما لو اشترى رجل شقصًا فيه شفعة، فباع الشقص قبل أن يأخذه الشفيع» (١).
وقال في الشرح الكبير على المقنع: «ظاهر المذهب أن الوصية للوارث وللأجنبي بالزيادة على الثلث صحيحة موقوفة على إجازة الورثة، فعلى هذا تكون إجازته تنفيذاً وإجازة محضة يكفي فيها قول الوارث: أجزت، أو أمضيت، أو نفذت، فإذا قال ذلك لزمت الوصية ... فعلى هذا لا تفتقر إلى شروط الهبة، ولا تثبت فيها أحكام الهبة؛ لأنها ليست هبة.
وقال بعض أصحابنا: الوصية باطلة، فعلى هذا تكون هبة تفتقر إلى شروط الهبة، وتثبت فيها أحكامها» (٢).
° دليل من قال: لا تصح الوصية بأكثر من الثلث:
الدليل الأول:
(ح-١٠٤١) من السنة: حديث سعد بن أبي وقاص، قال:
مرضت فعادني النبي ﷺ ... قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، قلت: أوصي بالنصف، قال: النصف كثير، قالت: فالثلث، قال: (الثلث والثلث كثير .... (٣).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ منع سعدًا من الوصية بأكثر من الثلث، ولم يعلق على ذلك على إجازة الوارث، فدل على أن الوصية بأكثر من ذلك لا تصح مطلقًا.
стр. 8407
الدليل الثاني:
(ح-١٠٤٢) ما رواه ابن ماجه من طريق وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم (١).
[إسناده ضعيف جدًا، وله شواهد كلها ضعيفة، ويرجى أن يقوي بعضها بعضًا] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الله أباح لنا الثلث فما دونه، ولم يبح لنا أكثر من ذلك.
الدليل الثالث:
(ح-١٠٤٣) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل وهو ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
عن عمران بن حصين، أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدًا (٣).
قوله: (وقال له قولاً شديدًا): أي قال عنه، ففي مصنف عبد الرزاق: عن معمر، عن أيوب، وفيه: لو أدركته ما دفن مع المسلمين (٤).
стр. 8408
وفي مسند أحمد وسنن النسائي من طريق الحسن، عن عمران: لقد هممت أن لا أصلي عليه (١).
فدل هذا الحديث على أن الوصية بأكثر من الثلث باطلة، ولا تنفذ وصية، ولو كانت الوصية صحيحة لما غضب منه المصطفى ﷺ ، ولما قال فيه ما قال؛ لأن مثل هذا لا يقال إلا لمن فعل محرمًا.
قلت: محل الاتفاق بين القولين: أن الوصية بأكثر من الثلث إذا ردها الورثة بطلت، وإن أجازوها صحت، وهذا لا يختلف فيه الفقهاء.
ومحل الخلاف في توصيف إجازة الورثة، هل الإجازة تمليك من الورثة فتكون هبة، وتطبق عليها أحكام الهبة، أو بمنزلة إسقاط الحق، فتكون تنفيذًا للوصية.
والخلاف في هذه المسألة قولًا وأدلة هو نفس الخلاف في مسألة الوصية للوارث، هل تصح الوصية له، وتكون موقوفة على إجازة الورثة، أو لا تصح الوصية للوارث، وإذا أجازها الورثة فهل الإجازة هبة، أو وصية، وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في مسألة سابقة فلم نستقص ذكر الأدلة هنا اقتصارًا على ما ذكرناه هناك، وما لم نذكره هناك استوفيته هنا، ولله الحمد.
قال ابن قدامة: «والقول في بطلان الوصية بالزائد عن الثلث، كالقول في الوصية للوارث، على ما ذكرنا، وهل إجازتهم تنفيذ أو عطية مبتدأة؟ فيه اختلاف ذكرناه في الوصية للوارث» (٢).
стр. 8409
° والراجح:
أن ما زاد على الثلث فهو هبة من الورثة للموصى له، وذلك لأن المعروف في الوصية أنها هي التي يملكها الموصي، وتقدم على الميراث، وتلزم بموته، ولا يحق للوارث الاعتراض عليها، أما التي لا يملكها الموصي ابتداء، ولا تقدم على الميراث، ولا تلزم بموت الموصي إلا أن يأذن الوارث فهذه لا يمكن أن يقال: إنها هي الوصية التي قال الله فيها: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فتعلق حق الوارث بها يمنع انعقادها من قبل الموصي، ويجعل العاقد الحقيقي هو الوارث، وليس الموصي، والموصي تصرف تصرفًا فضوليًا موقوفًا على إجازة المالك الحقيقي، وهو الوارث، ولذلك كان يملك أن يبطله، ويملك أن يجيزه، والله أعلم.
* * *
стр. 8410
فرع
في وقت تقدير الثلث
[م-١٦٩٢] إذا كان الموصي يملك أن يوصي بالثلث من ماله، فمتى يقدر الثلث، هل يقدر الثلث يوم موت الموصي، أو يقدر الثلث يوم عقد الوصية، فكل مال استفاده بعد عقد الوصية لا يدخل في الثلث؟
وللجواب على ذلك نقول:
المال الموصى به إن كان معينًا تعلقت الوصية بعينه، فإن هلك بطلت الوصية، وإن بقي إلى حين موت الموصي استحقها الموصى له إن كانت من ثلث المال فأقل، وإن كان المال الموصى به مالًا شائعًا غير معين، كأن يقول: أوصيت لفلان بثلث مالي، فقد اختلف الفقهاء في وقت تقدير الثلث (١).
стр. 8411
القول الأول:
له ثلث المال يوم موت الموصي، لا يوم الوصية. وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الشافعية والحنابلة (١).
إلا أن الحنفية خالفوا في النماء، كالولد والكسب، فالنماء عندهم يختلف حكمه قبل قسمة التركة وبعدها:
فإن حدث النماء بعد القبول وبعد قسمة التركة كان النماء للموصى له؛ لأنه نماء ملكه.
وأما إن حدث النماء قبل القسمة، ولو كان بعد القبول فالمال كله على ملك الميت، بدليل أن ينفذ وصاياه من المال، وتقضى منه ديونه، وهذا دليل على بقاء ملك الميت للمال.
ولأن المال إذا هلك قبل القسمة لا يهلك من مال الموصى له وحده، بل يهلك على الجميع، فدل على أن الموصى به لا يختص بالمال إلا بعد القسمة.
وقال القدوري: جميع النماء للموصى له كما لو حدث بعد القسمة (٢).
جاء في بدائع الصنائع: «إذا أوصى بثلث ماله، أو ربعه، وقد ذكر قدرًا من ماله مشاعًا، أو معينًا أن قدر ما يستحقه الموصى له من مال هو: ماله الذي عند
стр. 8412
الموت، لا ما كان عند الوصية، حتى لو أوصى بثلث ماله، وماله يوم أوصى ثلاثة آلاف، ويوم مات ثلثمائة لا يستحق الموصى له إلا مائة، ولو لم يكن له مال يوم أوصى، ثم اكتسب مالًا، ثم مات، فله ثلث المال يوم مات، ولو كان له مال يوم أوصى فمات، وليس له مال بطلت، وصيته» (١).
وجاء في الفتاوى الهندية: «الزيادة الحادثة من الموصى به، كالولد، والغلة، والكسب، والأرش بعد موت الموصي، قبل قبول الموصى له الوصية، تصير موصى بها، حتى تعتبر من الثلث، أما إذا أحدثت الزيادة بعد قبول الموصى له، قبل القسمة، هل تصير موصى بها؟
لم يذكره محمد رحمه الله تعالى، وذكر القدوري أنه لا تصير موصى بها، حتى كانت للموصى له من جميع المال، كما لو حدثت بعد القسمة.
وقال مشايخنا: تصير موصى بها حتى يعتبر خروجها من الثلث، كذا في محيط السرخسي» (٢).
стр. 8413
وفي مذهب الشافعية، جاء في حاشية الجمل: «ويعتبر المال الموصى بثلثه مثلًا وقت الموت، لا وقت الوصية؛ لأن الوصية تمليك بعد الموت، فلو أوصى برقيق، ولا رقيق له، ثم ملك عند الموت رقيقًا تعلقت الوصية به ولو زاد ماله تعلقت الوصية به» (١).
وقال الشيرازي في المهذب: «الاعتبار بقدر المال عند الموت، وهو المذهب؛ لأنه وقت لزوم الوصية واستحقاقها» (٢).
وجاء في كشاف القناع: «وأما اعتبار قيمة الموصى به عند تقويمه فتعتبر يوم الموت؛ لأن حق الموصى له تعلق بالموصى به تعلقًا قطع تصرف الورثة فيه، فيكون ضمانه عليه، كالعبد الجاني، وزيادته المتصلة تابعة له كسائر العقود والفسوخ» (٣).
стр. 8414
° وجه القول بأن المعتبر في الثلث يوم موت الموصي:
الوجه الأول:
أن الوصية إيجاب معلق بالموت فاعتبر الثلث وقت وقوع الإيجاب.
الوجه الثاني:
أن حق الموصى له لا يثبت إلا بموت الموصي، فاعتبر الثلث به.
القول الثاني:
أن المعتبر في الثلث وقت الموت بشرط أن يعلم به الموصي، فإن أفاد الموصي مالًا قبل موته، ولم يعلم به لم يدخل في الوصية، وهذا قول المالكية.
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن أوصى لرجل بثلث ماله، ولا مال له يوم أوصى، ثم أفاد مالا فمات؟
قال: إن علم الميت بما أفاد فللموصى له ثلثه. وهذا قول مالك، وإن لم يعلم فلا شيء له» (١).
قال القرافي: «لا تدخل الوصية إلا فيما علمه الميت؛ لأنه هو الذي توجه إليه القصد في الوصايا .... » (٢).
ونقل القرافي عن الأبهري أنه قال: «إذا أوصى بثلثه، وحدث مال بعد الوصية، فعلم به حصلت الوصية فيه، وإن تقدمت عليه؛ لأن المقصود ثلث
стр. 8415
المال عند الموت، ولو وهب هبة، فلم تحز عنه حتى مات، لا تدخل فيه الوصية وإن رجعت ميراثًا؛ لأنه أراد الوصية فيما عداها» (١).
وقال ابن رشد: «إذا أوصى بجزء من ماله، وله مال يعلم به، ومال لا يعلم به، فعند مالك أن الوصية تكون فيما علم به دون ما لم يعلم» (٢).
وقال ابن جزي: «من أوصى وله مال يعلم به ومال لا يعلم به فالوصية فيما علم به دون ما لم يعلم به» (٣).
° وجه القول باشتراط العلم:
قوله ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه منه (٤).
والذي لم يعلم به الموصي لا يمكن الجزم بأن الموصي قد طاب نفسًا به.
القول الثالث:
أن المعتبر في الثلث وقت الوصية، وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٥).
قال الماوردي: «وتجوز الوصية بثلث ماله، وإن لم يعلم قدره.
واختلف أصحابنا: هل يراعى ثلث ماله وقت الوصية أو عند الوفاة؟
على وجهين:
стр. 8416
أحدهما: وهو قول ... أكثر البغداديين، أنه يراعى ثلثه وقت الوصية، ولا يدخل فيه ما حدث بعده من زيادة؛ لأنها عقد والعقود لا يعتبر بها ما بعد.
والوجه الثاني: وهو قول ... أكثر البصريين أنه يراعى ثلث ماله وقت الموت، ويدخل فيه ما حدث قبله من زيادة؛ لأن الوصايا تملك بالموت فاعتبر بها وقت ملكها.
فعلى هذين الوجهين: إن وصى بثلث ماله، ولا مال له، ثم أفاد مالا قبل الموت، فعلى الوجه الأول تكون الوصية باطلة اعتبارًا بحال الوصية.
وعلى الوجه الثاني: تكون الوصية صحيحة اعتبارًا بحال الموت.
وعلى هذين الوجهين: لو وصى بعبد من عبيده، وهو لا يملك عبدًا، ثم ملك قبل الموت عبدًا صحت الوصية إن اعتبر بها حال الموت، وبطلت: إن اعتبر بها حال القول.
وعلى هذين الوجهين: لو وصى بثلث ماله، وله مال، فهلك ماله، وأفاد غيره، صحت الوصية في المال المستفاد إن اعتبر بها حال الموت، وبطلت إن اعتبر بها حال الوصية» (١).
° وجه القول بأن المعتبر وقت الوصية:
أن الوصية عقد، والمعتبر في العقود هو يوم عقدها.
ونوقش هذا:
بأن التمليك في الوصية مضاف إلى ما بعد الموت، فهو وقت لزومها، ولأننا
стр. 8417
إذا قلنا: إن المعتبر هو وقت الوصية منعنا الموصي من الوصية بثلث ماله؛ لأن المال معرض للزيادة والنقص، وقد أعطاه الشرع هذا الحق، فكان المعتبر هو يوم الموت.
° الراجح:
أن المعتبر في تقويم مال الميت هو يوم الموت، وهو وقت تنفيذ الوصية وانتقال المال من الميت إلى الورثة والموصى له، إلا أن تتعلق الوصية بشيء معين، فإن الحق يتعلق بعينه بشرطين: أن يبقى إلى الموت. وأن تكون قيمته من الثلث فأقل، والله أعلم.
* * *
стр. 8418
الباب الخامس
في مبطلات الوصية
الفصل الأول
إبطال الوصية من جهة الموصي
المبحث الأول
إبطال الوصية بجنون الموصي
[م-١٦٩٣] اختلف العلماء في إبطال الوصية بالجنون:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجنون الطارئ بعد إيجاب الوصية لا يبطلها، وكذلك تصح وصية من يجن أحيانًا إذا أوصى في حال إفاقته.
قال الباجي في المنتقى نقلًا عن عبد الملك «تجوز وصية المجنون في حال إفاقته، كما تجوز شهادته في حال إفاقته إن كان عدلًا» (١).
وقال ابن عبد البر: «وتجوز وصية المجنون اذا أوصى في حال إفاقته» (٢).
وقال ابن قدامة: «وأما الذي يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا، فإن أوصى في حال
стр. 8419
جنونه لم تصح، وإن أوصى في حال عقله صحت وصيته؛ لأنه بمنزلة العقلاء في شهادته، ووجوب العبادة عليه، فكذلك في وصيته وتصرفاته» (١).
وقال في كشاف القناع: «وتصح الوصية في إفاقة من يخنق في بعض الأحيان؛ لأنه في إفاقته عاقل» (٢).
القول الثاني:
فرق الحنفية بين الجنون المطبق وبين الجنون غير المطبق، فالأول يبطل الوصية دون الثاني على خلاف بين الحنفية في تقدير مدة الجنون المطبق (٣).
فقيل: سنة، وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقيل: شهر، وقيل: التفويض لرأي القاضي، وعليه الفتوى (٤).
وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصي فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا.
وقد رجحت أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا كان عقد الوصية حين عقده قد توفرت فيه أهلية العاقد لم يبطله تعرض صاحبه لجنون، كما لا يبطله تعرضه لغيبوبة مطبقة، فإن الإغماء يغطي العقل، وهو نوع من المرض، وكما أن الجنون الطارئ لا يلغي كل عباداته وعقوده السابقة من بيع، وإجارة ونحوهما، فكذلك الوصية، والله أعلم ..
* * *
стр. 8420
المبحث الثاني
في إبطال الوصية بردة الموصي
[م-١٦٩٤] اختلف العلماء في بطلان الوصية بردة الموصي، وخلافهم راجع إلى اختلافهم في حكم تصرفه في ماله بعد ردته، فمن قال: إن ملك المرتد لماله يزول بردته أبطل وصيته كالمالكية.
ومن قال: إن ملكه لا يزول عنه بردته، فاختلفوا:
فقيل: لا تبطل وصيته بردته كأبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية؛ لأن وجوب قتله لا يمنع من صحة وصيته كالحربي.
وقيل: بل ماله موقوف، فإن مات على ردته بطلت، وإن رجع إلى الإسلام قبل موته نفذت وصيته، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال أبو حنيفة في المرتد فقط دون المرتدة، والفرق عنده راجع إلى أن المرتد يجب قتله إلا أن يرجع إلى الإسلام بخلاف المرتدة.
إذا علم ذلك من حيث الإجمال، نأتي إلى تفصيل أقوال أهل العلم فنقول:
القول الأول:
تبطل الوصية بالردة مطلقًا حال ردته ولو رجع المرتد للإسلام لم تصح وصيته وهذا مذهب المالكية، وهو قول في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
стр. 8421
واستثنى المالكية ما إذا رجع إلى الإسلام، وكانت وصيته مكتوبة، فإنها تصح.
قال الخرشي: «الوصية تبطل بردة الموصي أو الموصى له ولذا نكر الردة، ما لم يرجع للإسلام، وإلا جازت إن كانت مكتوبة، وإلا فلا» (١).
وقال أيضًا: «وإذا أوصى بوصايا، ثم ارتد عن الإسلام، فإن توبته تسقط ما أوصى به» (٢).
وقال القرافي: «ولا تنفذ وصية المرتد، وإن تقدمت ردته الوصية؛ لأن الوصية إنما تعتبر زمن التمليك، وهو زمن الموت» (٣).
وجاء في الفواكه الدواني: «تبطل أيضًا بارتداد الموصي أو الموصى له، ولو رجع المرتد للإسلام» (٤).
وفي حاشية العدوي: «وأما وصايا المرتد فباطلة وإن تقدمت حال إسلامه» (٥).
القول الثاني:
لا تبطل الوصية بالردة، ويكون حكم وصيته حكم من انتقل إليهم، فما صح منهم صح منه، وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٦).
стр. 8422
فلو أنه ارتد إلى اليهودية أو النصرانية، وأوصى بما هو قربة عند المرتد وقربة عند الموصى لهم صحت، أو بما هو معصية عندهما لم تصح، وإن أوصى بما هو قربة عند المرتد، ومعصية عند الموصى لهم، ولم يقصد في الوصية نفع قوم بأعيانهم لم تصح الوصية عندهما.
قال الزيلعي: «ذكر العتابي في الزيادات: أن من ارتد عن الإسلام إلى النصرانية أو اليهودية أو المجوسية، فحكم وصاياه حكم من انتقل إليهم، فما صح منهم صح منه، وهذا عندهما» (١).
وجاء في الفتاوى الهندية: «لو ارتد مسلم إلى اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، ثم أوصى ببعض هذه الوصايا فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يتوقف ... وعندهما تصرفات المرتد نافذة للحال، فيصح منه ما يصح من القوم الذين انتقل إليهم، حتى لو أوصى بما هو قربة عندهم معصية عندنا، وكان ذلك لقوم غير معينين لا يصح عندهما» (٢).
القول الثالث:
المرتد ملكه موقوف، فإن مات أو قتل كافرًا بطلت الوصية، وإن أسلم نفذ كسائر تصرفاته، وهذا قول أبي حنيفة، والمذهب عند الشافعية، والحنابلة (٣).
جاء في حاشية الجمل: «والمعتمد أن وصيته موقوفة كسائر تصرفاته» (٤).
стр. 8423
وقال النووي: «وفي زوال ملكه عن ماله بها أقوال، أظهرها: إن هلك مرتدًا بان زواله بها، وإن أسلم بان أنه لم يزل .... وإذا وقفنا ملكه فتصرفه إن احتمل الوقف، كعتق، وتدبير، ووصية موقوف إن أسلم نفذ وإلا فلا» (١).
وقال في الإنصاف: «ومن ارتد عن الإسلام لم يزل ملكه بل يكون موقوفًا، وتصرفاته موقوفة، فإن أسلم: ثبت ملكه وتصرفاته، وإلا بطلت» (٢).
وفي كشاف القناع: «ويكون ملكه موقوفًا، فإن أسلم ثبت ملكه، وإن قتل أو مات كان ماله فيئًا» (٣).
وقال أبو الخطاب الحنبلي: «ولا يزول ملك المرتد عن ماله بنفس الردة، بل يكون موقوفًا، وإن تصرف وقع تصرفه موقوفًا، فإن عاد الى الإسلام نفذ تصرفه، وإن قتل على كفره لم ينفذ تصرفه» (٤).
وهذا قول أبي حنيفة في المرتد فقط دون المرتدة؛ لأن الردة من المرأة لا يوجب قتلها عنده، بل تستتاب، فإن تابت خلي سبيلها، وإلا أجبرت على الإسلام بالحبس، بخلاف المرتد، فإنه إما أن يقتل أو يسلم، ولهذا تكون وصاياه موقوفة، إن أسلم نفذ كسائر تصرفاته وإلا فلا (٥).
стр. 8424
وقال في العناية عن وصية المرتد: «جائزة عندهما موقوفة عند أبي حنيفة، إن أسلم نفذ كسائر تصرفاته، وإلا فلا» (١).
وقال ابن الهمام: «وفي المرتدة الأصح أنه تصح وصاياها؛ لأنها تبقى على الردة، بخلاف المرتد لأنه يقتل أو يسلم» (٢).
وجاء في البحر الرائق: «من ارتد عن الإسلام إلى النصرانية أو اليهودية أو المجوسية فحكم وصاياه حكم من انتقل إليهم، فما صح منهم صح منه، وهذا عندهما، وأما عند أبي حنيفة فوصيته موقوفة، ووصايا المرتدة نافذة بالإجماع؛ لأنها لا تقتل عندنا» (٣).
وقوله: (بالإجماع) أي إجماع الحنفية.
وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصي فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا.
وقد رجحت أن الوصية لا تبطل بالردة، وكونها صحيحة لا يعني القول بصحة نفاذها، فهي تبقى صحيحة؛ لأنه يملك، وملكه باق على ماله كسائر تصرفاته، ويقضى من ماله ديونه، وكسبه بعد ردته كسب صحيح، فإن رجع إلى الإسلام قبل قتله نفذت وصيته، وإن قتل عقوبة له على ردته، أو مات بطلت وصاياه كسائر عمله، وهل يكون ماله لأقاربه المسلمين، أو يشاركهم فيه عموم المسلمين، حيث يصرف إلى بيت المال، والذي هو ملك لجميع المسلمين، قولان في هذه المسألة، وليس هذا موضع بحثها، والله أعلم.
* * *
стр. 8425
المبحث الثالث
بطلان الوصية برجوع الموصي عنها
[م-١٦٩٥] يجوز للموصي الرجوع عن الوصية ما دام حيًا، وهذا باتفاق الأئمة واختلفوا في الوصية بالعتق، والأكثر على صحة الرجوع (١).
قال العيني: «اجتمع أهل العلم على جواز الرجوع للموصي في جميع ما أوصى كله، أو بعضه» (٢).
وقال ابن عرفة: «يجوز رجوع الموصي عن وصيته إجماعًا في صحة أو مرض» (٣).
وقال الباجي: «عقد الوصية عقد جائز، غير لازم، وله أن يغير من ذلك ما شاء، ويبطل منه ما شاء من غير عوض، أو يعوض منه غيره في صحته، أو مرضه، ما لم يمت فإذا مات فقد لزمت تلك الوصية، فليس لغيره أن يغير شيئًا من ذلك، ولا يبطله ولا يبدله بغيره» (٤).
стр. 8426
ويكون الرجوع عن الوصية بالقول: كأن يقول: رجعت عن الوصية، أو أبطلتها، أو نقضتها، أو فسختها، ونحو ذلك.
ويلحق به لو أخرج العين الموصى بها عن ملكه ببيع أو هبة، أو جعله مهرًا، أو وقفًا. وهذا بالاتفاق.
[م-١٦٩٦] واختلفوا فيما إذا رجع إلى الموصي بسبب جديد هل يعود موصى به، أو لا على قولين: فقيل: لا يعود، وهو قول الجمهور (١).
وقيل: يعود موصى به، وهو مذهب المالكية (٢).
ويكون الرجوع بالفعل الدال عليه كما لو فعل في الموصى به ما يدل على رجوعه عن الوصية، كذبح الشاة الموصى بها، واستهلاكها.
وكذا لو تصرف في الموصى به تصرفًا يزيل عنه الاسم الذي أوصى به، كنسج الغزل الموصى به؛ لأن الاسم انتقل عما كان عليه حال الوصية، ومنها صوغ الفضة الموصى به؛ لأن الذي أوصى به انتقل اسمه كما كان حال الوصية (٣).
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «الرجوع قد يكون نصًا، وقد يكون دلالة، وقد يكون ضرورة. أما النص فهو أن يقول الموصي: رجعت.
أما الدلالة: فقد تكون فعلًا، وقد تكون قولًا: وهو أن يفعل في الموصى به فعلًا يستدل به على الرجوع، أو يتكلم بكلام يستدل به على الرجوع.
стр. 8427
وبيان هذه الجملة: إذا فعل في الموصى به فعلًا لو فعله في المغصوب لانقطع به ملك المالك كان رجوعًا، كما إذا أوصى بثوب ثم قطعه، وخاطه قميصًا، أو قباء، أو بقطن، ثم غزله أو لم يغزله، ثم نسجه، أو بحديدة ثم صنع منها إناءً أو سيفًا، أو سكينًا، أو بفضة، ثم صاغ منها حليًا، ونحو ذلك؛ لأن هذه الأفعال لما أوجبت بطلان حكم ثابت في المحل، وهو الملك؛ فلأن توجب بطلان مجرد كلام من غير حكم أصلًا أولى.
ثم وجه الدلالة منها على التفصيل: أن كل واحد منها تبديل العين، وتصييرها شيئًا آخر معنى واسمًا، فكان استهلاكًا لها من حيث المعنى، فكان دليل الرجوع فصار كالمشتري بشرط الخيار إذا فعل في المبيع فعلًا يدل على إبطال الخيار يبطل خياره، والأصل في اعتبار الدلالة إشارة النبي ﷺ بقوله للمخيرة (إن وطئك زوجك فلا خيار لك) .....
ولو باع الموصى به، ثم اشتراه، أو وهبه، وسلم، ورجع في الهبة لا تعود الوصية؛ لأنها قد بطلت بالبيع، والهبة مع التسليم لزوال الملك، والعائد ملك جديد غير موصى به، فلا يصير موصى به إلا بوصية جديدة» (١).
وقال الخرشي: «والرجوع يكون بأمور منها:
القول: كقوله أبطلت وصيتي، أو رجعت عنها.
ومنها: البيع، ما لم يشتره .....
ومنها: العتق للرقبة الموصى بها، ومنها الكتابة؛ لأنها إما بيع، وإما عتق،
стр. 8428
ولا يقال كان يمكنه الاستغناء عن الكتابة حينئذ لدخولها فيما مر؛ لأنا نقول لما رأى أنها ليست بيعًا، ولا عتقًا محضًا ذكرها ....
ومنها: الحصد والدرس والتذرية للزرع الموصى به؛ لأن الاسم حينئذ تغير، سواء أدخله بيته أم لا .....
ومنها: نسج الغزل الموصى به؛ لأن الاسم انتقل عما كان عليه حال الوصية، ومنها صوغ الفضة الموصى بها؛ لأن الذي أوصى به انتقل اسمه كما كان عليه حال الوصية ......
ومنها: ذبح ما أوصى به شاة أو غيرها، ومنها إذا أوصى له بشقة ثم فصلها قميصًا، فقوله وتفصيل شقة أي، ووقع الإيصاء بلفظ شقة، بأن قال: أعطوه الشقة الحمراء مثلا، وأما لو أوصى بما سماه ثوبا وفصله، فإنه لا يكون رجوعا؛ لأن القميص يسمى ثوبا» (١).
هذا مجمل مذهب المالكية، ومع اتفاقهم مع الجمهور في المسائل السابقة إلا أنهم أضيق مذهبًا من غيرهم:
فلا تبطل الوصية عندهم بخلط الموصى به بغيره، أو إحداث زيادة فيه، كما لو أوصى بعرصة فبناها، أو صبغ الثوب، أو لت السويق ونحو ذلك، وكذلك لو تغير الموصى به بنفسه من غير تدخل من أحد لم تبطل الوصية بهذا التغير (٢).
وقال النووي: «أوصى بحنطة فطحنها، أو جعلها سويقًا، أو بذرها، أو بدقيق فعجنه، بطلت الوصية، وكان ما أتى به رجوعًا لمعنيين:
стр. 8429
أحدهما: زوال الاسم. والثاني: إشعاره بإعراضه عن الوصية» (١).
وقال ابن قدامة: «وإذا حدث بالموصى به ما يزيل اسمه من غير فعل الموصي، مثل إن سقط الحب في الأرض فصار زرعًا، أو انهدمت الدار فصارت فضاءً في حياة الموصي، بطلت الوصية بها؛ لأن الباقي لا يتناوله الاسم. وإن كان انهدام الدار لا يزيل اسمها سلمت إليه دون ما انفصل منها؛ لأن الاسم حين الاستحقاق يقع على المتصل دون المنفصل» (٢).
° الراجح:
أميل إلى أن مذهب المالكية أقوى من مذهب الجمهور قياساً على ما إذا أوصى بشاة، فولدت فإن الشاة تبقى موصى بها، وزيادتها لا تدخل في الوصية، والله أعلم.
* * *
стр. 8430
المبحث الرابع
بطلان الوصية بجحود الموصي
[م-١٦٩٧] اختلف العلماء في جحود الموصي للوصية، هل يعتبر الجحود رجوعًا عن الوصية على قولين:
القول الأول:
يعتبر الجحود رجوعًا عن الوصية، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، وأحد الوجهين عند الحنابلة (١).
وهو الأصح في مذهب الشافعية إلا أن يكون أنكرها من أجل غرض ما فلا يعتبر رجوعًا.
جاء في مغني المحتاج: «ولو سئل عن الوصية، فأنكرها، قال الرافعي: فهو على ما مر في جحد الوكالة: أي فيفرق فيه بين أن يكون لغرض، فلا يكون رجوعًا، أو لا لغرض فيكون رجوعًا وهذا هو المعتمد» (٢).
وجاء في أسنى المطالب: «وإنكاره الوصية إن سئل عنها رجوع ..... قال الإمام: والذي ذهب إليه الأصحاب وظاهر النص أنه رجوع» (٣).
стр. 8431
وجاء في روضة الطالبين: «ولو سئل عن الوصية، فأنكرها فهو رجوع، ولو قال لا أدري فليس برجوع» (١).
قال ابن قدامة: «وإن جحد الوصية، لم يكن رجوعًا، في أحد الوجهين، وهو قول أبي حنيفة، في إحدى الروايتين. ولأنه عقد، فلا يبطل بالجحود، كسائر العقود.
والثاني، يكون رجوعا؛ لأنه يدل على أنه لا يريد إيصاله إلى الموصى له» (٢).
° وجه هذا القول:
أن الرجوع عن الوصية نفي في الحال، والجحود نفي في الماضي والحال، فأولى أن يكون رجوعًا.
القول الثاني:
أنه لا يعتبر الجحود رجوعًا عن الوصية، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣).
قال في الهداية: «وإن جحد الوصية لم يكن رجوعًا، كذا ذكره محمد. وقال أبو يوسف: يكون رجوعًا» (٤).
стр. 8432
و الراجح في مذهب الحنفية قول محمد، كذا ذكره ابن عابدين (١).
وعدم الرجوع عزاه الرافعي في تذنيبه للأكثرين في التدبير، وهو نظير الوصية.
وقال البلقيني: الأصح أنه ليس برجوع (٢).
وقال ابن قدامة: «وإن جحد الوصية، لم يكن رجوعاً؛ لأنه عقد، فلم يبطل بالجحود كسائر العقود» (٣).
° وجه هذا القول:
أن الجحود نفي في الماضي، وسريانه على الحال ضرورة ذلك، وإذا كان النفي في الماضي باطلًا، كانت الوصية ثابتة في الحال، وكان الجحود لغوًا.
ولأن الرجوع إثبات في الماضي ونفي في الحال، والجحود نفي في الماضي والحال، فلا يكون رجوعًا حقيقة، ولهذا لا يكون جحود النكاح فرقة.
° الراجح:
أن الجحود في إبطال الوصية رجوع حكمًا إن لم يكن أبلغ من الرجوع، ذلك أن الرجوع يتضمن الإقرار بإيجاب الوصية، ورفع حكمها برجوعه، والأمر إليه، وأما الجحود فهو إنكار لوجودها؛ لأنه لو كان يريد الوصية لما ادعى أنه لم يوص، والحكم له، والقول قوله، والله أعلم.
* * *
стр. 8433
الفصل الثاني
إبطال الوصية من جهة الموصى له
المبحث الأول
إبطال الوصية بموت الموصى له
الفرع الأول
موت الموصى له في حياة الموصي
[م-١٦٩٨] اختلف الفقهاء في الموصى له يموت في حياة الموصي، هل تبطل الوصية؟ على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوصية تبطل بموت الموصى له في حياة الموصي، وكذا لو مات معه (١).
قال الزيلعي: «لو مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية؛ لأنها
стр. 8434
تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وفي الحال ملك الموصي ثابت فيه، ولا يتصور تملك الموصى له بعد موته فبطلت» (١).
قال في الحاوي: «إن مات الموصى له قبل موت الموصي فالوصية باطلة، لا أعرف فيها مخالفًا» (٢).
وقال ابن قدامة: «فإن مات الموصى له قبل موت الموصي، بطلت الوصية، هذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن علي ﵁، وبه قال الزهري، وحماد بن أبي سليمان، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي» (٣).
جاء في الإنصاف: «فإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية بلا نزاع» (٤).
° وجه القول بذلك:
الوصية تستحق بموت الموصي، فإذا مات الموصى له قبل الاستحقاق بطلت الوصية وبقيت على ملك صاحبها، فإذا مات بعده الموصي لم يتصور تمليك الموصى له، وهو ميت.
القول الثاني:
إذا مات الموصى له قبل موت الموصي انتقلت الوصية إلى ورثة الموصى له، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وبه قال الحسن البصري (٥).
стр. 8435
(ث-٢٣٥) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا حفص، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي في رجل أوصى لرجل، فمات الذي أوصى له قبل أن يأتيه، قال: هي لورثة الموصى له (١).
[ضعيف جدًا، فيه الحارث الأعور].
(ث-٢٣٦) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حفص،
سألت عمرًا عنه؟ قال: كان الحسن يقول: هي لورثة الموصى له (٢).
° وجه هذا القول:
إذا عقدت الوصية، والموصى له حي انعقدت الوصية، فإذا مات الموصى له انتقل هذا الحق من الموصى له كسائر حقوقه إلى ورثته.
قال عطاء: إذا علم الموصي بموت الموصى له، ولم يحدث فيما أوصى به شيئًا، فهو لوارث الموصى له؛ لأنه مات بعد عقد الوصية، فيقوم الوارث مقامه، كما لو مات بعد موت الموصي وقبل القبول (٣).
الراجح: قول الجمهور، والله أعلم.
* * *
стр. 8436
الفرع الثاني
موت الموصى له بعد موت الموصي وقبل القبول
[م-١٦٩٩] إذا مات الموصى له قبل القبول، فهل ينتقل حق القبول إلى ورثته باعتبار أن هذا الحق حق مالي، فينتقل إلى ورثته كسائر حقوقه، ويكون لهم الحق في القبول أو الرد؟
أو أن الاختيار بين القبول و الرد ليس حقًا ماليًا، وإنما يتعلق بالشخص، فإذا مات فقد فات، فتبطل الوصية؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
أن الموصى له إذا مات قبل القبول ملك الوصية بموته دون حاجة إلى قبول، وتنتقل إلى ملك الورثة استحساناً. وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية والشافعية وأحد القولين في مذهب الحنابلة إلى أن للورثة القبول أو الرد.
стр. 8437
قالت المالكية: إلا أن يريد الموصي الموصى له بعينه فليس لوارثه القبول (١).
القول الثالث:
أن الوصية تبطل بموت الموصى له، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة، وحكي عن الأبهري من المالكية (٢).
جاء في قواعد ابن رجب: «المنصوص عن أحمد: أن الوصية تبطل بموت الموصى له قبل وصولها إليه، كذلك نقله عنه ابن منصور وغيره، وهو اختيار القاضي والأكثرين إذا مات قبل القبول ..... » (٣).
وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصى له فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا، وقد رجحت أن الوصية تبطل بموت الموصى له إذا مات قبل القبول؛ لأن القبول مطلوب من الموصى له، والوارث ليس موصى له فكيف يصح قبوله؟ فإذا كنا نقول: إن القبول شرط، أو ركن فإن القياس بطلان الوصية بفوات القبول من الموصى له؛ ولأن الموصى له قبل قبوله لم يثبت له حق حتى ينتقل إلى وارثه؛ لأن حق الملك لا يثبت إلا
стр. 8438
بالقبول، وأما حق التملك فليس حقًا ماليًا قابلًا للانتقال فهو كحق الانتقال، وحق الرأي وإلا لقلنا: إذا صدر الإيجاب في عقد البيع أثبت للمشتري حق التملك قبل قبوله، فإذا مات انتقل إلى وارثه، وإذا تعارض حق الملك لوارث الوصي، وحق التملك لوارث الموصى له، فإن حق الملك أقوى من حق التملك، والله أعلم.
* * *
стр. 8439
المبحث الثاني
بطلان الوصية برد الموصى له الوصية
الفرع الأول
رد الموصى له الوصية في حياة الموصي
[م-١٧٠٠] إذا رد الموصى له الوصية في حياة الموصي، فقد اختلف فيها الفقهاء:
القول الأول:
لا عبرة بالرد مطلقًا، سواء أكان قبل القبول أم بعده، ويمكن للموصى له أن يقبل بعد موت الموصي، وهذا قول عامة الفقهاء.
قال الشافعي: «ولا يكون قبول ولا رد في وصية في حياة الموصي، فلو قبل الموصى له قبل موت الموصي كان له الرد إذا مات، ولو رد في حياة الموصي كان له أن يقبل إذا مات، ويجبر الورثة على ذلك؛ لأن تلك الوصية لم تجب إلا بعد موت الموصي، فأما في حياته فقبوله ورده وصمته سواء؛ لأن ذلك فيما لم يملك» (١).
القول الثاني:
قال زفر إذا رد الوصية في حال حياة الموصي لم يجز قبوله بعد موته؛ لأن إيجابه كان في حياته وقد رده فبطل (٢).
وقد سبق بحث هذه المسألة فيما سبق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
* * *
стр. 8440
الفرع الثاني
رد الموصى له بعد موت الموصي وقبل القبول
[م-١٧٠١] إذا رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي وقبل القبول، فهل يسقط حقه في الوصية؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
أنه يسقط حقه في الوصية عند جمهور العلماء؛ ويستقر الملك للورثة في الموصى به؛ لأن الموصى له قد أسقط حقه في حالة يملك قبوله وأخذه (١).
وحكي الإجماع على ذلك، قال ابن قدامة: أن يردها بعد الموت، وقبل القبول، فيصح الرد، وتبطل الوصية، لا نعلم فيه خلافًا» (٢).
القول الثاني:
أنه لا يملك الرد بعد الموت، وهو رواية في مذهب الحنابلة حيث قالوا يملكها بلا قبول كميراث (٣).