← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

الفرع الثاني موت الموصى له بعد موت الموصي وقبل القبول [م-١٦٩٩] إذا مات الموصى له قبل القبول، فهل ينتقل حق القبول إلى ورثته باعتبار أن هذا الحق حق مالي، فينتقل إلى ورثته كسائر حقوقه، ويكون لهم الحق في القبول أو الرد؟ أو أن الاختيار بين القبول و الرد ليس حقًا ماليًا، وإنما يتعلق بالشخص، فإذا مات فقد فات، فتبطل الوصية؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: أن الموصى له إذا مات قبل القبول ملك الوصية بموته دون حاجة إلى قبول، وتنتقل إلى ملك الورثة استحساناً. وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: ذهب المالكية والشافعية وأحد القولين في مذهب الحنابلة إلى أن للورثة القبول أو الرد.

стр. 8437

قالت المالكية: إلا أن يريد الموصي الموصى له بعينه فليس لوارثه القبول (١). القول الثالث: أن الوصية تبطل بموت الموصى له، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة، وحكي عن الأبهري من المالكية (٢). جاء في قواعد ابن رجب: «المنصوص عن أحمد: أن الوصية تبطل بموت الموصى له قبل وصولها إليه، كذلك نقله عنه ابن منصور وغيره، وهو اختيار القاضي والأكثرين إذا مات قبل القبول ..... » (٣). وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصى له فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا، وقد رجحت أن الوصية تبطل بموت الموصى له إذا مات قبل القبول؛ لأن القبول مطلوب من الموصى له، والوارث ليس موصى له فكيف يصح قبوله؟ فإذا كنا نقول: إن القبول شرط، أو ركن فإن القياس بطلان الوصية بفوات القبول من الموصى له؛ ولأن الموصى له قبل قبوله لم يثبت له حق حتى ينتقل إلى وارثه؛ لأن حق الملك لا يثبت إلا

стр. 8438

بالقبول، وأما حق التملك فليس حقًا ماليًا قابلًا للانتقال فهو كحق الانتقال، وحق الرأي وإلا لقلنا: إذا صدر الإيجاب في عقد البيع أثبت للمشتري حق التملك قبل قبوله، فإذا مات انتقل إلى وارثه، وإذا تعارض حق الملك لوارث الوصي، وحق التملك لوارث الموصى له، فإن حق الملك أقوى من حق التملك، والله أعلم. * * *

стр. 8439

المبحث الثاني بطلان الوصية برد الموصى له الوصية الفرع الأول رد الموصى له الوصية في حياة الموصي [م-١٧٠٠] إذا رد الموصى له الوصية في حياة الموصي، فقد اختلف فيها الفقهاء: القول الأول: لا عبرة بالرد مطلقًا، سواء أكان قبل القبول أم بعده، ويمكن للموصى له أن يقبل بعد موت الموصي، وهذا قول عامة الفقهاء. قال الشافعي: «ولا يكون قبول ولا رد في وصية في حياة الموصي، فلو قبل الموصى له قبل موت الموصي كان له الرد إذا مات، ولو رد في حياة الموصي كان له أن يقبل إذا مات، ويجبر الورثة على ذلك؛ لأن تلك الوصية لم تجب إلا بعد موت الموصي، فأما في حياته فقبوله ورده وصمته سواء؛ لأن ذلك فيما لم يملك» (١). القول الثاني: قال زفر إذا رد الوصية في حال حياة الموصي لم يجز قبوله بعد موته؛ لأن إيجابه كان في حياته وقد رده فبطل (٢). وقد سبق بحث هذه المسألة فيما سبق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. * * *

стр. 8440

الفرع الثاني رد الموصى له بعد موت الموصي وقبل القبول [م-١٧٠١] إذا رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي وقبل القبول، فهل يسقط حقه في الوصية؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه يسقط حقه في الوصية عند جمهور العلماء؛ ويستقر الملك للورثة في الموصى به؛ لأن الموصى له قد أسقط حقه في حالة يملك قبوله وأخذه (١). وحكي الإجماع على ذلك، قال ابن قدامة: أن يردها بعد الموت، وقبل القبول، فيصح الرد، وتبطل الوصية، لا نعلم فيه خلافًا» (٢). القول الثاني: أنه لا يملك الرد بعد الموت، وهو رواية في مذهب الحنابلة حيث قالوا يملكها بلا قبول كميراث (٣).

стр. 8441

وهو قول زفر من الحنفية حيث رأى أن الوصية تدخل في ملك الموصى له بعد موت الموصي جبرًا كالإرث، ولا تفتقر إلى قبول (١). جاء في تحفة الفقهاء: «وعند زفر القبول ليس بشرط، ولا ترتد بالرد كالميراث» (٢). وحكاه ابن عبد الحكم عن الشافعي حيث قال: إن الوصية تدخل في ملك الموصى له بموت الموصي قبل أو لم يقبل كالميراث، وأنكره بعض الشافعية، وذكروا بأنه لا يعرف عن الشافعي (٣). وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصى له فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا، وقد رجحت أنه لا يجبر على القبول، وهناك فرق بين الوصية وبين الميراث بيناه فيما سبق. * * *

стр. 8442

الفرع الثالث في رد الموصى له بعد موت الموصي وبعد القبول [م-١٧٠٢] إذا رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي وبعد قبوله: فإن كان ذلك بعد القبض، فهذا لا يملك الموصى له الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه فأشبه رده لسائر أملاكه إلا أن يرضى الورثة بذلك فتكون هبة منه لهم تفتقر إلى شروط الهبة (١). وإن كان الرد بعد القبول، وقبل القبض، فقد اختلف العلماء في ذلك: القول الأول: يصح الرد بشرط التراضي، ويكون قبول الرد فسخًا للوصية، ويقوم الورثة مقام الميت في قبول الفسخ أو رفضه؛ لأن الفسخ بعد اللزوم لا يكون إلا بالرضا، وتكون الوصية لجميع الورثة على قدر ميراثهم كما لو كان على الميت دين فوهبه الدائن للورثة أو لبعضهم فهو هبة لهم كلهم كأنه وهبه للميت. جاء في المبسوط: «وإذا أوصى رجل بوصية، فقبلها بعد موته، ثم ردها على الورثة، فرده جائز إذا قبلوا ذلك؛ لأن الرد عليهم فسخ للوصية، وهم قائمون مقام الميت، ولو تصور منه الرد على الميت كان ذلك صحيحًا إذا قبله، فكذلك إذا ردها على الورثة الذين يقومون مقامه، وهذا لأن فسخ العقد معتبر بالعقد،

стр. 8443

فإذا كان أصل هذا العقد يتم بالإيجاب والقبول، كذلك يجوز فسخه بالتراضي ..... » (١). القول الثاني: يصح الرد مطلقًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره القاضي وابن عقيل من الحنابلة (٢). القول الثالث: لا يصح الرد، وهو قول في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣). القول الرابع: يصح الرد في المكيل والموزون بعد قبوله وقبل قبضه، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٤). وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصى له فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا، وقد رجحت أن الملك في الوصية يثبت بمجرد القبول، ولا يتوقف على القبض كالهبة، من غير فرق بين ما

стр. 8444

يفتقر إلى الكيل والوزن وغيره، وإذا ثبت ملكه فيها لم يصح الرد إلا برضا الورثة؛ لأنها تكون هبة مبتدأة منه للورثة، تفتقر إلى شروط الهبة، وليست فسخًا للوصية وإقالة من الورثة؛ لأن الورثة لم يوجبوا الوصية حتى تكون الإقالة منهم كما يراه الحنفية، والله أعلم. * * *

стр. 8445

المبحث الثالث في بطلان الوصية بالقتل [م-١٧٠٣] اختلف العلماء في بطلان الوصية بقتل الموصى له ا لموصي على أربعة أقوال: القول الأول: لا تصح الوصية للقاتل مطلقًا، عمدًا كان أو خطأ. وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، واختيار أبي بكر من الحنابلة. القول الثاني: تصح الوصية للقاتل مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية، واختيار ابن حامد من الحنابلة. القول الثالث: إن جرحه، ثم أوصى له، فمات من الجرح لم تبطل، وإن أوصى له ثم جنى عليه لم تصح، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. القول الرابع: إن كان القتل خطأ صحت الوصية مطلقًا، تقدمت الوصية أو تأخرت، وكانت الوصية في المال والدية؛ لأن القاتل لم يتعمد الجناية. وإن كانت الجناية عمدًا كان في ذلك تفصيل: إن كانت الوصية قبل الجناية بطلت الوصية، وإن كانت الوصية بعد الجناية،

стр. 8446

فإن علم الموصي بالجاني صحت الوصية، وكانت في المال دون الدية، وإن لم يعلم ففي المسألة قولان. وهذا مذهب المالكية في الجملة. وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على شروط الموصى له فأغنى ذلك عن إعادة ذكر الأدلة هنا، وقد رجحت أن الوصية إن كانت بعد الجناية صحت مطلقًا عمدًا كانت الجناية أو خطأ، في المال والدية؛ لأن الجميع مال للموصي، والعلم ليس شرطًا في نفاذ الوصية، ولذلك لو كان للموصي مال ضائع، ثم وجد بعد وفاته دخل في الوصية. وإن كانت الوصية قبل الجناية، فإن كانت عمدًا بطلت الوصية، وإن كانت خطأ صحت، وكون القتل مضمونًا في الخطأ لا يلحقه في العمد لغياب قصد الجناية، والله أعلم.

стр. 8447

الفصل الثالث إبطال الوصية من جهة الموصى به [م-١٧٠٤] تبطل الوصية من جهة الموصى به بسببين: الأول: هلاك الموصى به إذا كان معينًا، وذلك أن المال الموصى به إن كان معينًا تعلقت الوصية بعينه، فإن هلك بطلت الوصية، وإن كان المال الموصى به مالًا شائعًا غير معين، كأن يقول: أوصيت لفلان بثلث مالي لم تبطل الوصية بهلاك المال إذا وجد له مال بعد ذلك عند الوفاة (١). جاء في البدائع: «وتبطل بهلاك الموصى به إذا كان عينًا مشارًا إليها لبطلان محل الوصية أعني محل حكمه» (٢). وفي الإنصاف: «ومن أوصي له بشيء بعينه، فتلف قبل موت الموصي، أو بعده: بطلت الوصية بلا نزاع» (٣). وقال ابن قدامة: «وإذا أوصى له بشيء بعينه، فتلف بعد موت الموصي، لم يكن للموصى له شيء، وإن تلف المال كله إلا الموصى به، فهو للموصى له،

стр. 8448

أجمع أهل العلم ممن علمنا قوله، على أن الموصى به إذا تلف قبل موت الموصي أو بعده، فلا شيء للموصى له، كذلك حكاه ابن المنذر، فقال: أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم، على أن الرجل إذا أوصي له بشيء، فهلك ذلك الشيء، أن لا شيء له في سائر مال الميت، وذلك لأن الموصى له إنما يستحق بالوصية لا غير، وقد تعلقت بمعين، وقد ذهب، فذهب حقه، كما لو تلف في يده، والتركة في يد الورثة غير مضمونة عليهم؛ لأنها حصلت في أيديهم بغير فعلهم، ولا تفريطهم، فلم يضمنوا شيئًا» (١). الثاني: تبطل الوصية أيضًا باستحقاق العين الموصى بها، سواء أكان الاستحقاق قبل موت الموصي أم بعده؛ لأن من شروط الوصية أن يكون الموصي مالكًا للموصى به إذا كان معينًا، فإذا استحق تبين أن الوصية كانت في غير ملكه، والله أعلم. جاء في حاشية ابن عابدين: «ولو استحق الدار، لا يرجع الموصى له على الورثة بشيء؛ لأنه ظهر أنه أوصى بمال الغير» (٢). وبهذا ننتهي من أحكام الوصية، وندخل في أحكام الإيصاء، فلله الحمد وأسأل الله وحده العون والتوفيق فيما بقي. * * *

стр. 8449

الباب الخامس في الإيصاء الفصل الأول في تعريف الإيصاء يرى بعض الفقهاء أن الإيصاء والوصية بمعنى واحد، فالوصية: تشمل الأمرين: الوصية بالمال، والوصية بالتصرف. وهذه طريقة المالكية (١). وفرق الشافعية وبعض الفقهاء بين الوصية والوصاية أو الإيصاء: فالوصية: تخص التبرع المضاف إلى ما بعد الموت. والوصاية: هي العهد إلى من يقوم على من بعده. وهو تفريق اصطلاحي (٢). قال الخطيب: «والتفرقة بينهما من اصطلاح الفقهاء، وهي تخصيص الوصية بالتبرع المضاف لما بعد الموت، والوصاية بالعهد إلى من يقوم على من بعده» (٣). وهذا الشخص يسمى الوصي، أو الموصى إليه فرقًا بينه وبين الموصى له.

стр. 8450

تعريف الإيصاء اصطلاحًا (١): هي إقامة الإنسان غيره مقامه بعد وفاته فيما كان له التصرف فيه من قضاء ديونه واقتضائها، ورد الودائع واستردادها، وتفريق وصيته، والولاية على أولاده الصغار، والمجانين، ومن لم يؤنس رشده، والنظر في أموالهم بحفظها، والتصرف فيها بالأحظ لهم، وتدبير شؤونهم ورعايتهم. وشرط ذلك أن يكون هذا التصرف بعد الوفاة، لأن الوصاية قبل الموت وكالة (٢). قال ابن عابدين: «الوصاية في الحياة وكالة، كما أن الوكالة بعد الموت وصاية» (٣). * * *

стр. 8451

الفصل الثاني حكم الإيصاء التكليفي المبحث الأول حكم الإيصاء بالنسبة للموصي [م-١٧٠٥] الأصل في الوصاية أنها مستحبة، لكن إذا كان على الإنسان حقوق واجبة، كرد المظالم التي عجز عنها في الحال، وقضاء الديون المجهولة التي ليس فيها شهود، فإذا عجز عن القيام بهذه الحقوق في حال الحياة، وتعين الإيصاء وسيلة وحيدة لثبوتها والقيام بها كان الإيصاء واجبًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومثله الإيصاء على الأولاد الصغار الذين يخشى عليهم الضيعة؛ لأن في هذا الإيصاء صيانة لهم من الضياع (١). أما الوصاية برد المظالم المعلومة، وقضاء الديون المعلومة والنظر في أمر الأولاد الذين لا يخشى عليهم من الضياع، فهي مستحبة؛ لأن الإيصاء لم يتعين طريقًا وحيدًا للقيام بها، والخروج منها. قال ابن عابدين: «والوصية أربعة أقسام واجبة كالوصية برد الودائع والديون المجهولة .. » (٢).

стр. 8452

وجاء في أسنى المطالب: «قال الأذرعي: يظهر أنه يجب على الآباء الوصية في أمر الأطفال ونحوهم، إذا لم يكن لهم جد أهل للولاية ... وغلب على ظنه أنه إن ترك الوصية استولى على ماله خائن من قاض أو غيره من الظلمة؛ إذ يجب عليه حفظ مال ولده عن الضياع ..... ويجب الإيصاء في رد المظالم، وقضاء حقوق عجز عنها في الحال، ولم يكن بها شهود» (١). فإذا ترك الأب أطفالًا، وخشي عليهم من ظلم الأقارب أو تسلط القضاة الظلمة، وجب عليه أن يوصي، وذلك بأن ينصب الأصلح الذي يخاف الله عزو وجل، ويتقيه فيهم، قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]. قال الزركشي: كان القياس منعه لانقطاع سلطة الموصي بالموت لكن قام الدليل على جوازه. اهـ (٢). (ث-٢٣٧) قلت: قد روى الحاكم في المستدرك، قال: أخبرنا محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: ذكر ما أوصى به عبد الله بن مسعود، إن حدث به حدث في مرضه هذا أن يرجع وصيته إلى الله، ثم إلى الزبير بن العوام، وابنه عبد الله بن الزبير، وإنهما في حل وبل مما وليا وقضيا، ولا تتزوج بنات عبد الله إلا بإذنهما، ولا يخص ذلك عن زينب. [صحيح عن ابن مسعود] (٣).

стр. 8453

وقال ابن دقيق العيد: «الوصية على وجهين: أحدهما: الوصية بالحقوق الواجبة على الإنسان وذلك واجب .... والوجه الثاني: الوصية بالتطوعات في القربات، وذلك مستحب» (١). وقال ابن قدامة: «ولا تجب الوصية إلا على من عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه واجب يوصي بالخروج منه، فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه في هذا الباب الوصية، فتكون مفروضة عليه، فأما الوصية بجزء من ماله، فليست بواجبة على أحد، في قول الجمهور» (٢).

стр. 8454

وقال الشوكاني: «وجوب تخلص العبد من الحقوق اللازمة له لله ولعباده معلوم بأدلته، فإذا لم يكن التخلص عنه في حال الحياة كان التخلص عنه بالوصية واجبًا، والجمهور وإن قالوا بأنها مندوبة فهم لا يخالفون في مثل هذا؛ لأنهم يوافقون على وجوب التخلص من الواجبات بكل ممكن، فإذا لم يمكن إلا بالوصية فهم لا ينكرون الوجوب» (١). فعلم من ذلك أن الإيصاء في حق الموصي قد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا. * * *

стр. 8455

المبحث الثاني حكم الإيصاء بالنسبة للموصى إليه [م-١٧٠٦] يجوز للموصى إليه قبول الوصية بشرط أن يتوفر فيه القوة والأمانة، فالقوة: بأن يعلم من نفسه أنه قادر على القيام بما أوصي إليه فيه. والأمانة: أن يكون واثقًا بأمانة نفسه على أداء ما طلب منه، على الوجه الذي طلب منه دون قصور أو تقصير (١). وقد قال الله تعالى في ذكر هذين الشرطين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. وقال يوسف ﵇: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. فمن علم من نفسه عدم القدرة على القيام بهذا الواجب، أو كان قادراً على القيام ولكن لا يثق بأمانته حرم عليه القبول لتعريضه حقوق الناس للضياع. (ح-١٠٤٤) فقد روى مسلم من حديث أبي ذر، أن رسول الله ﷺ ، قال: يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم (٢). فأبو ذر ﵁، وإن توفرت فيه الأمانة، إلا أنه وكما قال الرسول ﷺ : رجل ضعيف، والولاية تحتاج إلى قوة، والقوة في الولاية: هي العلم بها، والقدرة على تحصيل مصالحها ودرء مفاسدها.

стр. 8456

وذهب الحنفية إلى أنه لا ينبغي للرجل الدخول في الوصاية لما فيها من الخطر. جاء في مجمع الضمانات: «لا ينبغي للرجل أن يقبل الوصية؛ لأنها أمر على خطر لما روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال: الدخول في الوصية أوله غلط، والثانية خيانة، وعن غيره، والثالثة سرقة، وعن بعض العلماء لو كان الوصي عمر بن الخطاب لا ينجو عن الضمان. وعن الشافعي لا يدخل في الوصية إلا أحمق أو لص» (١). وقال أبو مطيع: ما رأيت في مدة قضائي عشرين سنة من يعدل في مال ابن أخيه ولبعضهم: احذر من الواوات أر ... بعة فهن من الحتوف واو الوكالة والولا ... ية والوصاية والوقوف (٢). وذهب الحنابلة إلى أن الدخول في الوصاية للقوي عليها قربة مندوبة (٣)، لفعل الصحابة ﵃؛ ولأنه معونة للمسلم فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وتركه أولى في هذه الأزمنة، وقال ابن قدامة: «وقياس مذهب أحمد أن ترك الدخول فيها أولى؛ لما فيها من الخطر، وهو لا يعدل بالسلامة شيئًا» (٤).

стр. 8457

وقال في الإقناع: «الدخول في الوصية للقوى عليها قربة، وتركه أولى في هذه الأزمنة» (١). وذهب الشافعية إلى أن الدخول فيها قد يتعين عليه إذا غلب على ظنه أنه إذا لم يقبل فإن المال قد يتلف باستيلاء ظالم من قاض وغيره. جاء في شرح البهجة: «الوصاية جائزة من الطرفين فللموصي الرجوع متى شاء، وللوصي عزل نفسه متى شاء، قال في الروضة: إلا أن يتعين عليه، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره. قال في المهمات: وعليه لو لم يكن قبل، فهل يلزمه القبول؟ فيه نظر: يحتمل اللزوم؛ لقدرته على دفع الظالم بذلك، ويحتمل خلافه. اهـ والأوجه الأول إن تعين طريقًا في الدفع» (٢). وقياساً على ما قاله الفقهاء في حفظ الوديعة، جاء في شرح البهجة: «وهي مستحبة لواثق بأمانة نفسه قادر على الحفظ، وقد تتعين حينئذ بأن لم يكن هناك غيره ... وتحرم عند العجز عن الحفظ؛ لأنه يعرضها للتلف، وتكره عند القدرة لمن لم يثق بنفسه» (٣). * * *

стр. 8458

الفصل الثالث في لزوم عقد الوصاية عقد الإيصاء بالنسبة للموصي عقد جائز، فله الرجوع عنه متى شاء باتفاق الفقهاء. وأما بالنسبة للوصي فإما أن يعزل نفسه في حياة الموصي، أو بعد موته: [م-١٧٠٧] فإن عزل نفسه في الحياة ففيه خلاف على قولين: القول الأول: للوصي عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي، وهذا قول عامة الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة (١). وجه ذلك: أن الموصي ليس له ولاية إلزامه التصرف، ويمكنه أن يوصي إلى غيره، وقياسًا على الوكيل، فإن الوصاية نوع من الوكالة إلا أنها مقيدة بعد الموت.

стр. 8459

إلا أن الحنفية اشترطوا لصحة هذا الرجوع أن يكون ذلك بعلم الموصي ليتمكن من الإيصاء إلى غيره إذا شاء، فإن رجع عن الوصية بغير علم الموصي لم يصح رجوعه؛ لئلا يصير مغرروًا من جهته. جاء في الدر المختار: «أوصى إلى زيد: أي جعله وصيًا، وقبل عنده صح، فإن رد عنده: أي بعلمه يرتد، وإلا لا يصح الرد بغيبته؛ لئلا يصير مغرورًا من جهته» (١). وجاء في البحر الرائق نقلًا من الذخيرة: «المراد بعنده يعني بعلمه، ورده بغير علمه سواء كان عنده أو في مجلس غيره» (٢). وفي ملتقى الأبحر: «ومن أوصى إلى رجل فقبل في وجهه، ورد في غيبته لا يرتد، وإن رد في وجهه يرتد، فإن لم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي فهو مخير بين القبول وعدمه» (٣). وقال في الإنصاف: «ويصح قبوله للوصية في حياة الموصي وبعد موته بلا نزاع ... وله عزل نفسه متى شاء. هذا المذهب مطلقا، وعليه أكثر الأصحاب» (٤). وقالت الشافعية: للموصي عزل الوصي، وللوصي عزل نفسه إلا أن يتعين عليه، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره فليس له الرجوع.

стр. 8460

جاء في نهاية المحتاج: «وللموصي والوصي العزل: أي للموصي عزل الوصي، وللوصي عزل نفسه متى شاء؛ لجوازها من الجانبين كالوكالة، نعم لو تعين على الوصي بأن لم يوجد كاف غيره، أو غلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم، أو قاضي سوء، كما هو الغالب لم يجز له عزل نفسه كما قاله الأذرعي ولم ينفذ حينئذ» (١). والأصل في هذه المسألة ما ذكره بعض الفقهاء من أن العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخر امتنع، وصارت لازمة. جاء في أسنى المطالب: «العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخر امتنع وصارت لازمة، ولهذا قال النووي: للموصي عزل نفسه إلا أن يتعين عليه، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض أو غيره» (٢). وقال ابن رجب: «التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضرراً على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد لم يجز، ولم ينفذ، إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه فيجوز على ذلك الوجه» (٣). ثم ساق أمثلة على تلك القاعدة القول الثاني: اختار أشهب من المالكية أن الوصي إذا قبل فليس له عزل نفسه، وكأنه وهب

стр. 8461

منافعه ونظره للأطفال للبلوغ والرشد، والواهب لا يرجع في هبته (١). وقول الجمهور أصح، والوصاية فيها شبه من الوكالة، وليس فيها شبه من الهبة، وعلى التنزل أن يكون واهبًا لمنافعه للوصي، فإن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، ومنافعه تتجدد، وفسخه لما لم يقع داخل في فسخه للهبة قبل القبض، فيصح. [م-١٧٠٨] واختلف الفقهاء في عزل الوصي نفسه بعد موت الموصي على قولين: القول الأول: ليس له أن يعزل نفسه بعد موت الموصي، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد. قال المالكية: إلا أن يطرأ عليه عجز فيصير النظر للحاكم (٢). جاء في الذخيرة: «إذا قبل في حياة الموصي ليس له الرجوع بعد موته» (٣). وعلل الحنفية ذلك بقوله: لأن الموصي مات معتمدًا عليه فلو صح رده في غير وجهه لصار مغرورًا من جهته، وهو إضرار لا يجوز (٤).

стр. 8462

فإن قيل ما الفرق بين الموصى له والموصى إليه في أن رد الموصى له بعد قبوله وبعد موت الموصي يعتبر، دون رد الموصى إليه؟ قلنا: إن نفع الوصية للموصى له نفسه، بخلاف الموصى إليه، فإن نفع الوصية راجع إلى الموصي، فكان في رده بعد موته إضرار عليه، وهو لا يجوز (١). القول الثاني: له عزل نفسه بعد موت الموصي قياسًا على الوكالة، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، زاد الشافعية إلا أن يتعين عليه، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره فليس له الرجوع (٢). قال العمراني في البيان: «إن قبل الوصية بعد موت الموصي ثم عزل نفسه .. انعزل ورفع الأمر إلى الحاكم، ليقيم غيره مقامه» (٣). وقال ابن قدامة: «وللوصي عزل نفسه متى شاء، في حياة الموصي، وبعد موته؛ لأنه إذن في التصرف، فملك كل واحد منهما فسخه كالوكالة» (٤).

стр. 8463

° الراجح: أن الوصاية فيها شبه بالوكاله، وأن الوصي له عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي وبعد وفاته بشرط ألا يتضمن ذلك ضررًا على الموصي، فإن تضمن الفسخ بعد وفاة الموصي ضررًا على ماله أو على أولاده كما لو كان الفسخ في مكان ليس فيه قاض يتولى الوصاية امتنع الفسخ، والله أعلم. * * *

стр. 8464

الفصل الرابع في شروط الوصي الشرط الأول في اشتراط البلوغ [م-١٧٠٩] اختلف الفقهاء في اشتراط البلوغ بعد اتفاقهم على اشتراط التمييز والعقل: القول الأول: ذهب الحنفية إلى صحة الإيصاء إلى الصبي العاقل، وللقاضي أن يخرجه من الوصاية، ويعين وصيًا آخر، ولو تصرف قبل الإخراج، قيل: ينفذ تصرفه، وقيل: لا ينفذ، وهو الصحيح، وإذا بلغ قبل الإخراج: قال أبو حنيفة: لا يكون وصيًا خلافًا لأبي يوسف ومحمد بن الحسن (١). واختار كثير من الحنابلة صحة الإيصاء إلى الصبي المراهق؛ وصحح القاضي صحة الإيصاء إلى الصبي المميز؛ لأن أحمد نص على صحة وكالته. جاء في حاشية ابن عابدين: «إذا أوصى إلى عبد أو صبي أخرجهما القاضي؛ لأن الصبي لا يهتدي إلى التصرف، وهل ينفذ تصرفه قبل الإخراج؟ قيل نعم، وقيل لا. وهو الصحيح؛ لأنه لا يمكن إلزام العهدة فيه، فلو بلغ قبل الإخراج، قال أبو حنيفة: لا يكون وصيًا وقالا: يكون» (٢).

стр. 8465

وقال الزيلعي: «والصبي كالقن، فلو بلغ الصبي، وعتق العبد، وأسلم الكافر لم يخرجهم القاضي عن الوصية» (١). وجاء في الفروع: «تصح الوصية إلى رشيد عدل ... وعنه: تصح إلى مميز، وعنه مراهق» (٢). جاء في الإنصاف: «قطع المصنف هنا بصحة الوصية إلى المراهق، وهو إحدى الروايتين قال القاضي: قياس المذهب صحة الوصية إلى المميز، وجزم به في الهداية، والمذهب، والمستوعب، والخلاصة، وشرح ابن منجا، ومنتخب الأدمي. قال في القواعد الأصولية: قال هذا كثير من الأصحاب. قال الحارثي: هو قول أكثر الأصحاب» (٣). وجاء في المغني: «قال القاضي: قياس المذهب صحة الوصية إليه؛ لأن أحمد قد نص على صحة وكالته» (٤). وقال ابن قدامة: «وفي الوصية إلى الصبي العاقل وجهان: أحدهما: تصح؛ لأنه يصح توكيله، فأشبه الرجل. والثاني: لا يصح؛ لأنه ليس من أهل الشهادة، فلا يكون ولياً، كالفاسق» (٥).

стр. 8466

القول الثاني: ذهب الجمهور إلى أنه يشترط البلوغ في الوصي؛ لأن غير البالغ لا ولاية له على نفسه، ولا على ماله، فلا تكون له ولاية على غيره. قال ابن شاس المالكي: «الوصي، وشروطه: أربعة: الأول: التكليف، فلا تصح إلى مجنون، أو صبي؛ لأنهما يحتاجان إلى الموصي فكيف تفوض إليهما الوصية» (١). وقال الماوردي: «فأما الوصي، فيعتبر فيه استكمال خمسة شروط ولا تصح الوصية إليه إلا بها ..... وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعدالة ..... فأما الشرط الأول: وهو البلوغ؛ فلأن القلم عن غير البالغ مرفوع؛ ولأن تصرفه في حق نفسه مردود، فأولى أن يكون في حق غيره مردودًا» (٢). وقال العمراني: «فإن أوصى إلى صبي أو مجنون لم تصح الوصية؛ لأنه مولى عليهما، فلا يملكان الولاية على غيرهما، وهذا إجماع» (٣). وقال ابن قدامة: «وأما الصبي العاقل، فلا أعلم فيه نصًا عن أحمد، فيحتمل أنه لا تصح الوصية إليه؛ لأنه ليس من أهل الشهادة والإقرار، ولا يصح تصرفه إلا بإذن، فلم يكن من أهل الولاية بطريق الأولى؛ ولأنه مولى عليه، فلا يكون واليًا، كالطفل والمجنون. وهذا مذهب الشافعي. وهو الصحيح إن شاء الله» (٤).

стр. 8467

° الراجح: أن الصبي يحتاج إلى قيام ولي عليه يحفظ ماله، فلا يكون وليًا على غيره، والله أعلم.

стр. 8468

الشرط الثاني في اشتراط إسلام الوصي الفرع الأول في اشتراط إسلام الوصي إذا كان الموصى عليه مسلما [م-١٧١٠] اختلفوا في اشتراط الإسلام إذا كان الموصى عليه مسلمًا على قولين. القول الأول: ذهب الحنفية إلى صحة الإيصاء إلى الكافر على المسلم، وعلى القاضي أن يخرجه من الوصاية، ويعين بدله وصيًا مسلمًا، ولو تصرف قبل إخراجه منه صح تصرفه، فإن أسلم لم يخرج منها؛ لزوال ما يوجب العزل. جاء في العناية: «ومن أوصى إلى عبد غيره، أو كافر ذمي أو مستأمن أو حربي ... أخرجهم القاضي عن الوصية ونصب غيرهم، وهذا اللفظ وهو لفظ القدوري، يشير إلى صحة الوصية؛ لأن الإخراج يكون بعد الصحة. وذكر محمد في الصور الثلاث أن الوصية باطلة. ثم اختلف المشايخ في أنه باطل أصلًا، أو معناه: سيبطل. قال الفقيه أبو الليث: وإليه ذهب القدوري وفخر الإسلام البزدوي وعامة مشايخنا أن معناه سيبطل ... » (١).

стр. 8469

وجاء في البحر الرائق: «قال ﵀: (وإلى عبد وكافر وفاسق بدل بغيرهم): أي إذا أوصى إلى هؤلاء المذكورين أخرجهم القاضي ويستبدل غيرهم مكانهم، وأشار المصنف إلى شروط الولاية فالأول: الحرية، والثاني: الإسلام، والثالث: العدالة، فلو ولى من ذكر صح ويستبدل بغيره» (١). وجاء في الدر المختار: «(ولو) أوصى (إلى صبي وعبد غيره وكافر وفاسق بدل) أي بدلهم القاضي (بغيرهم) إتماما للنظر/ ولفظ (بدل) يفيد صحة الوصية، فلو تصرفوا قبل الإخراج جاز سراجية، (فلو بلغ الصبي، وعتق العبد، وأسلم الكافر) أو المرتد وتاب الفاسق ... (لم يخرجهم القاضي عنها) أي عن الوصايا لزوال الموجب للعزل» (٢). وفي الفتاوى الهندية: «وإذا أوصى مسلم إلى حربي مستأمن أو غير مستأمن فهي باطلة، معناه ستبطل؛ لأنه لو أوصى المسلم إلى الذمي فإن للقاضي أن يبطلها ويخرجه من الوصاية» (٣). فقوله: (معناه ستبطل) إشارة إلى انعقادها صحيحة، وإخراجه منها يحتاج إلى حكم قاض، وهذا لا يكون إلا في عقد صحيح؛ لأن الباطل لم ينعقد أصلًا. وذهب المالكية في أحد القولين إلى صحة الوصاية إلى الكافر إذا كان قريبًا

стр. 8470

كالأخ والخال ويجعل معه غيره، ويكون المال بيد المجعول معه بخلاف أباعد القرابة. وقيل: إن مالكًا رجع عنه (١). وجاء في الإنصاف: «ذكر المجد في شرحه: أن القاضي ذكر في تعليقه ما يدل أنه اختار صحة الوصية، نقله الحارثي» (٢). ° وجه القول بالصحة: أن مقصود الوصية ضبط مصلحة المولى عليها، فالوصي كالوكيل، وتجوز وكالة الكافر اتفاقًا، غير أن الموصي مفقود لا يتعقب من ولاه، بخلاف الموكل، فلذلك شدد في الوصي (٣). القول الثاني: لا تصح الوصاية للكافر على المسلم، وهو قول الجمهور، والمشهور من مذهب المالكية (٤). قال ابن شاس: الوصي، وشروطه أربعة .... الثاني: الإسلام، فلا تجوز الوصية إلى كافر، ويعزل إن وصى إليه، ولوكان ذميًا» (٥).

стр. 8471

قال النووي: «الوصي، وله خمسة شروط، وهي: التكليف، والحرية، والإسلام .... » (١). وقال الأنصاري: «فيشترط في الوصي أمور: أولها الإسلام، فلا يجوز أن يوصي المسلم إلى ذمي؛ لأن الوصاية أمانة وولاية، فاشترط فيهما الاسلام» (٢). وقال ابن قدامة: «ولا تصح إلى مجنون، ولا طفل، ولا وصية مسلم إلى كافر بغير خلاف نعلمه» (٣). ° دليل من قال: لا تصح: استدل المانعون بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. فثبت أن الكافر غير مأمون على المسلم لقيام العداوة الدينية بينهما والتي لا تنقطع إلا بإسلام الكافر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٠١]. ويناقش: بأن الرد لو كان بسبب العداوة الدينية لم تصح وصية الكافر لمسلم، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى صحتها.

стр. 8472

° الراجح من الخلاف: سبب الخلاف عند الفقهاء: هل الوصاية من باب الوكالة، فتصح الوصاية إلى الكافر؟ أو أن الوصاية تقوم على الولاية والأمانة، والكافر ليس من أهلها، فلا يتولى الكافر على المسلم، والصحيح الثاني، أن الوصاية من باب الولاية، والله أعلم. * * *

стр. 8473

الفرع الثاني في الوصاية من الكافر لمثله [م-١٧١١] إذا كان الموصي كافرًا، فهل يصح أن يوصي إلى كافر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصح الإيصاء من الكافر إلى كافر مثله، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وبه قال أبو ثور (١). قال الشيرازي: «وأما الكافر فلا تجوز الوصية إليه في حق المسلم .... وفي جواز الوصية إليه في حق الكافر وجهان: .... الثاني: لا يجوز، كما لا تقبل شهادته للكافر والمسلم» (٢). وقال ابن قدامة في الكافي: «وفي وصية الكافر، إلى الكافر وجهان: .... الثاني: لا يجوز، لأنه أسوأ حالاً من الفاسق» (٣). وفي الشرح الكبير على المقنع: «فأما وصية الكافر إلى الكافر العدل في دينه، ففيها وجهان: .... الثاني: لا يصح، وهو قول أبي ثور؛ لأنه فاسق، فلم تصح الوصية إليه كفاسق المسلمين» (٤).

стр. 8474

ويناقش: بأن مدار الوصاية على الأمانة والولاية، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾ [آل عمران: ٧٥]. وللكافر ولاية القرابة على بعضهم البعض، فهو يلي أولاده، ويزوج بناته، فإذا كان الكافر ملتزمًا أحكام دينه، متدينًا به، صحت الوصاية إليه من مثله، وقياسهم على الفاسق الذي يشرب الخمر وهو يعتقد حرمتها قياس مع الفارق، والله أعلم، كما فرق أهل الحديث بين قبول رواية المبتدع المتأول، وإن كان فاسقًا حكمًا وبين رواية الفاسق غير المتأول الذي ينتهك المحرمات، ولا يبالي بها. القول الثاني: تصح وصية الكافر ولو حربيًا إلى كافر معصوم ذمي أو معاهد أو مستأمن، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية ومذهب الحنابلة بشرط أن يكون عدلًا في دينه (١). جاء في تحفة المحتاج: «الأصح جواز وصية ذمي أو نحوه، ولو حربيًا كما هو ظاهر إلى كافر معصوم ذمي أو معاهد أو مستأمن فيما يتعلق بأولاده الكفار، بشرط كون الوصي عدلًا في دينه كما يجوز أن يكون وليًا لأولاده» (٢).

стр. 8475

جاء في الحاوي: «وأما وصية الكافر إلى الكافر ففيها وجهان: أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة: تجوز كما يجوز أن يكون الكافر وليًا لكافر» (١). وقال ابن قدامة: «وأما الكافر فلا تصح وصية مسلم إليه؛ لأنه لا يلي على مسلم .... وأما وصية الكافر إليه فإن لم يكن عدلًا في دينه، لم تصح الوصية إليه؛ لأن عدم العدالة في المسلم يمنع صحة الوصية إليه فمع الكفر أولى. وإن كان عدلًا في دينه، ففيه وجهان: أحدهما: تصح الوصية إليه، وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه يلي بالنسب، فيلي الوصية، كالمسلم ..... » (٢). وقال في تصحيح الفروع: «يصح إذا كان عدلًا، وهو الصحيح .... » (٣). ° وجه القول بالصحة: القياس على ولاية القرابة، واشترطنا أن يكون الكافر عدلًا في دينه؛ لأننا إذا كنا نشترط العدالة في المسلم ففي الكافر بطريق الأولى. القول الثالث: تصح وصية الذمي للذمي، وأما وصاية الذمي إلى الحربي مستأمنًا أو غير مستأمن فلا تصح؛ لأن الذمي أعلى من الحربي فهو بمنزلة وصية المسلم للذمي، وهذا مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية (٤).
следующие страницы →