قال النووي: «الوصي، وله خمسة شروط، وهي: التكليف، والحرية، والإسلام .... » (١).
وقال الأنصاري: «فيشترط في الوصي أمور:
أولها الإسلام، فلا يجوز أن يوصي المسلم إلى ذمي؛ لأن الوصاية أمانة وولاية، فاشترط فيهما الاسلام» (٢).
وقال ابن قدامة: «ولا تصح إلى مجنون، ولا طفل، ولا وصية مسلم إلى كافر بغير خلاف نعلمه» (٣).
° دليل من قال: لا تصح:
استدل المانعون بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
فثبت أن الكافر غير مأمون على المسلم لقيام العداوة الدينية بينهما والتي لا تنقطع إلا بإسلام الكافر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٠١].
ويناقش:
بأن الرد لو كان بسبب العداوة الدينية لم تصح وصية الكافر لمسلم، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى صحتها.
стр. 8472
° الراجح من الخلاف:
سبب الخلاف عند الفقهاء: هل الوصاية من باب الوكالة، فتصح الوصاية إلى الكافر؟ أو أن الوصاية تقوم على الولاية والأمانة، والكافر ليس من أهلها، فلا يتولى الكافر على المسلم، والصحيح الثاني، أن الوصاية من باب الولاية، والله أعلم.
* * *
стр. 8473
الفرع الثاني
في الوصاية من الكافر لمثله
[م-١٧١١] إذا كان الموصي كافرًا، فهل يصح أن يوصي إلى كافر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يصح الإيصاء من الكافر إلى كافر مثله، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وبه قال أبو ثور (١).
قال الشيرازي: «وأما الكافر فلا تجوز الوصية إليه في حق المسلم .... وفي جواز الوصية إليه في حق الكافر وجهان: ....
الثاني: لا يجوز، كما لا تقبل شهادته للكافر والمسلم» (٢).
وقال ابن قدامة في الكافي: «وفي وصية الكافر، إلى الكافر وجهان: ....
الثاني: لا يجوز، لأنه أسوأ حالاً من الفاسق» (٣).
وفي الشرح الكبير على المقنع: «فأما وصية الكافر إلى الكافر العدل في دينه، ففيها وجهان: ....
الثاني: لا يصح، وهو قول أبي ثور؛ لأنه فاسق، فلم تصح الوصية إليه كفاسق المسلمين» (٤).
стр. 8474
ويناقش:
بأن مدار الوصاية على الأمانة والولاية، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾ [آل عمران: ٧٥].
وللكافر ولاية القرابة على بعضهم البعض، فهو يلي أولاده، ويزوج بناته، فإذا كان الكافر ملتزمًا أحكام دينه، متدينًا به، صحت الوصاية إليه من مثله، وقياسهم على الفاسق الذي يشرب الخمر وهو يعتقد حرمتها قياس مع الفارق، والله أعلم، كما فرق أهل الحديث بين قبول رواية المبتدع المتأول، وإن كان فاسقًا حكمًا وبين رواية الفاسق غير المتأول الذي ينتهك المحرمات، ولا يبالي بها.
القول الثاني:
تصح وصية الكافر ولو حربيًا إلى كافر معصوم ذمي أو معاهد أو مستأمن، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية ومذهب الحنابلة بشرط أن يكون عدلًا في دينه (١).
جاء في تحفة المحتاج: «الأصح جواز وصية ذمي أو نحوه، ولو حربيًا كما هو ظاهر إلى كافر معصوم ذمي أو معاهد أو مستأمن فيما يتعلق بأولاده الكفار، بشرط كون الوصي عدلًا في دينه كما يجوز أن يكون وليًا لأولاده» (٢).
стр. 8475
جاء في الحاوي: «وأما وصية الكافر إلى الكافر ففيها وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة: تجوز كما يجوز أن يكون الكافر وليًا لكافر» (١).
وقال ابن قدامة: «وأما الكافر فلا تصح وصية مسلم إليه؛ لأنه لا يلي على مسلم .... وأما وصية الكافر إليه فإن لم يكن عدلًا في دينه، لم تصح الوصية إليه؛ لأن عدم العدالة في المسلم يمنع صحة الوصية إليه فمع الكفر أولى. وإن كان عدلًا في دينه، ففيه وجهان:
أحدهما: تصح الوصية إليه، وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه يلي بالنسب، فيلي الوصية، كالمسلم ..... » (٢).
وقال في تصحيح الفروع: «يصح إذا كان عدلًا، وهو الصحيح .... » (٣).
° وجه القول بالصحة:
القياس على ولاية القرابة، واشترطنا أن يكون الكافر عدلًا في دينه؛ لأننا إذا كنا نشترط العدالة في المسلم ففي الكافر بطريق الأولى.
القول الثالث:
تصح وصية الذمي للذمي، وأما وصاية الذمي إلى الحربي مستأمنًا أو غير مستأمن فلا تصح؛ لأن الذمي أعلى من الحربي فهو بمنزلة وصية المسلم للذمي، وهذا مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية (٤).
стр. 8476
جاء في الفتاوى الهندية: «والذمي إذا أوصى إلى الحربي فإنه لا يجوز؛ لأن الذمي من الحربي بمنزلة المسلم من الذمي، والمسلم لو أوصى إلى ذمي كانت الوصية باطلة (١) ... وإذا أوصى الذمي إلى الذمي كان جائزًا، ولا يخرجه القاضي من الوصاية» (٢).
جاء في الذخيرة للقرافي: «قال ابن يونس: تجوز وصية الذمي لذمي مثله. قال محمد: ولا يوصي ذمي لحربي، ولو كان مستأمنًا، قاله أشهب، ولو أوصى الحربي للمستأمن جاز؛ لأنه أفضل منه» (٣).
° وجه القول بصحة وصية الذمي إلى مثله:
القياس على ولاية القرابة، فإذا صح أن يكون الكافر وليًا لأولاده، فما ثبت لبعضهم على بعض في ولاية القرابة ثبت لهم في ولاية التفويض، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].
° الراجح:
صحة وصية الكافر لكافر مثله، والله أعلم.
* * *
стр. 8477
الفرع الثالث
في وصية الكافر إلى مسلم
[م-١٧١٢] اختلف العلماء في صحة وصية الكافر إلى مسلم على قولين:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة إلى صحة وصية الكافر إلى مسلم (١).
قال السرخسي: «ولو أوصى الذمي إلى المسلم فذلك جائز عندنا .....
ثم بين وجه القول بالجواز بقوله: لأن «تفويض التصرف بجهة الإيصاء إليه بعد موته بالوصية كتفويض التصرف إليه في الوكالة في حياته، إلا أنه إذا كان في التركة خمر أو خنزير فينبغي للمسلم أن يوكل بيع ذلك من يثق بأمانته من أهل الذمة ولا يباشره بنفسه؛ لأنه ممنوع من التصرف في الخمر والخنزير شرعا ومنهي عنه» (٢).
وجاء في المدونة: «أرأيت إن أوصى ذمي إلى مسلم؟
قال: قال مالك: إن لم يكن في تركته الخمر أو الخنازير أو خاف أن يلزم بالجزية فلا بأس» (٣).
стр. 8478
وقال الخطيب: «تصح وصاية الذمي إلى المسلم اتفاقاً كما تصح شهادته عليه، وقد ثبتت له الولاية عليه، فإن الإمام يلي تزويج الذميات» (١).
وفي الحاوي: «فأما وصية الكافر إلى المسلم فجائزة؛ لظهور أمانته فيها» (٢).
وقال ابن قدامة: «وأما وصية الكافر إلى المسلم، فتصح إلا أن تكون تركته خمرًا، أو خنزيرًا» (٣).
وقال في الإنصاف: «وتصح وصية الكافر إلى مسلم بلا نزاع. لكن بشرط أن لا يكون في تركته خمر ولا خنزير» (٤).
القول الثاني:
أشار بعض الشافعية إلى قول آخر في المسألة، وأنه يشترط أن يكون الوصي من ملة الموصى عليه، ويلزم من هذا الشرط بطلان وصية الذمي إلى مسلم.
جاء في مغني المحتاج: «واستنبط الأسنوي من ذلك كون الوصي الذمي من ملة الموصى عليه، حتى لا تصح وصية النصراني إلى اليهودي أو المجوسي، وبالعكس للعداوة، ورده الأذرعي بأنه لو صح ذلك لما جازت وصية ذمي إلى مسلم» (٥).
[م-١٧١٣] وإن أوصى ذمي إلى مسلم، وجعل له أن يوصي، فهل يجوز أن يوصي إلى ذمي، وقفت على كلام للشافعية في هذه المسألة، ولهم فيها قولان:
стр. 8479
جاء في أسنى المطالب: «قال الإسنوي: ولو أوصى ذمي إلى مسلم، وجعل له أن يوصي، فالمتجه جواز إيصائه إلى الذمي.
واستبعده الأذرعي، واعترضه ابن العماد: بأن الوصي يلزم النظر بالمصلحة الراجحة، والتفويض إلى المسلم أرجح في نظر الشرع من الذمي» (١)، قال الخطيب: وهذا هو الظاهر (٢).
* * *
стр. 8480
الشرط الثالث
في اشتراط عدالة الوصي
[م-١٧١٤] اختلف الفقهاء في اشترط العدالة في الوصي على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى صحة الإيصاء إلى الفاسق، وعلى القاضي أن يخرجه من الوصاية، ويعين بدله عدلًا، وشرط في الأصل أن يكون الفاسق مخوفًا عليه في المال، وهذا يصلح عذرًا في إخراجه وتبديله بغيره، ولو تصرف قبل إخراجه منه صح تصرفه، ولو تاب الفاسق لم يخرج منها.
جاء في البحر الرائق: «قال ﵀: (وإلى عبد وكافر وفاسق بدل بغيرهم): أي إذا أوصى إلى هؤلاء المذكورين أخرجهم القاضي ويستبدل غيرهم مكانهم، وأشار المصنف إلى شروط الولاية فالأول: الحرية، والثاني: الإسلام، والثالث: العدالة، فلو ولى من ذكر صح ويستبدل بغيره» (١).
وجاء في الدر المختار: «(ولو) أوصى (إلى صبي، وعبد غيره، وكافر، وفاسق بدل) أي بدلهم القاضي (بغيرهم) إتماما للنظر، ولفظ (بدل) يفيد صحة الوصية، فلو تصرفوا قبل الإخراج جاز سراجية، (فلو بلغ الصبي، وعتق العبد، وأسلم الكافر) أو المرتد وتاب الفاسق ... (لم يخرجهم القاضي عنها) أي عن الوصايا لزوال الموجب للعزل» (٢).
стр. 8481
وقالت المالكية: الوصي على تفريق الثلث، أو على العتق لا تشترط فيه العدالة التي تشترط في الشهادة، بخلاف الوصي على اقتضاء الدين أو قضائه فتشترط فيه العدالة؛ خوفًا أن يدعي غير العدل الضياع (١).
وجاء في تبصرة الحكام: «قال بعض الأندلسيين: إذا أوصى بتنفيذ ثلثه لفاسق، أو سارق، لم يكن للقاضي عزله، لكن يطالبه بالإشهاد على تنفيذه» (٢).
واختار أصبغ ومطرف وابن الماجشون من المالكية، وبعض الحنابلة صحة الوصاية إلى الفاسق، ويضم إليه أمين إن أمكن الحفظ به، وهذا القول رواية عن أحمد، وحملها جماعة من الحنابلة منهم القاضي على الفسق الطارئ بعد موت الموصي (٣).
стр. 8482
جاء في تبصرة الحكام في أصول الأقضية: «قال أصبغ: إن كان الوصي غير عدل، وهو ممن يرجى منه حسن النظر، كالقريب، والمولى، وشبه ذلك، فأرى أن يجعل معه غيره، ويكون المال بيد الشريك، وقاله مطرف وابن الماجشون: وقيل يعزل» (١).
وجاء في الفروع: تصح الوصية إلى رشيد ... وإلى فاسق ويضم إليه أمين إن أمكن الحفظ به، وذكرها جماعة في فسق طارئ فقط، وقيل: عكسه» (٢).
ونوقش:
بأن التفريق بين الفسق الطارئ وغيره قول ضعيف؛ فإن الشروط تعتبر في الدوام كما تعتبر في الابتداء، ولو كان لابد من التفريق لكان اعتبار العدالة في الدوام أولى من قبل أن الفسق إذا كان موجودًا حال الوصية فقد رضي به الموصي بخلاف ما إذا طرأ الفسق فإنه لم يرض به على تلك الحال، والله أعلم.
القول الثاني:
لا تصح الوصاية إلى غير العدل، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، والعدل عند الحنابلة: هو مستور الحال: أي العدالة الظاهرة. وقيل: هو العدل ظاهرًا وباطنًا، وهو قول في المذهب (٣).
стр. 8483
قال ابن قدامة: إن كانت خيانته موجودة حال الوصية إليه لم تصح؛ لأنه لا يجوز تولية الخائن على يتيم في حياته، فكذلك بعد موته؛ ولأن الوصية ولاية وأمانة، والفاسق ليس من أهلهما، فعلى هذا إذا كان الوصي فاسقًا فحكمه حكم من لا وصي له» (١).
وقال في الإنصاف: «قدم المصنف هنا أنها لا تصح إلى فاسق، وهو صحيح، وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب» (٢).
° وجه القول بعدم الصحة:
أن الوصاية ولاية وائتمان، ولا ولاية ولا ائتمان لفاسق.
جاء في شرح الخرقي للزركشي: «وشرط الوصي أن يكون مستور الحال، فلا تصح لفاسق؛ لأنه غير مؤتمن، ولأن ذلك نوع ولاية، والفاسق ليس أهلًا للولاية» (٣).
° الراجح:
أن الفسق إن كان يعود على الوصية بالضرر لم يصح الإيصاء إلى الفاسق، وإلا صحت الإيصاء إليه، والله أعلم.
* * *
стр. 8484
الشرط الرابع
في اشتراط الكفاية في الوصي
[م-١٧١٥] اختلف الفقهاء في الوصي العدل إذا كان عاجزًا عن النظر على قولين:
القول الأول:
لا تصح الوصية إلى العاجز، وهو مذهب المالكية، والشافعية، واختاره بعض الحنابلة (١).
قال في الشرح الكبير في بيان شروط الوصي: «لا بد فيه أن يكون مسلمًا مكلفًا قادرًا على القيام بما أوصي عليه» (٢).
وقال النووي: «الركن الأول: الوصي، وله خمسة شروط ... وذكر منها: الكفاية في التصرفات» (٣).
وقال الخطيب: «لا يصح ـ يعني الإيصاء ـ إلى من لا يهتدي إليه لسفه، أو مرض، أو هرم، أو تغفل؛ إذ لا مصلحة في تولية من هذا حاله» (٤).
стр. 8485
القول الثاني:
تصح الوصية إلى العاجز، ويضم إليه الحاكم أمينًا قادرًا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وقيده بعضهم بطريان العجز (١).
وقال الحنفية إن ظهر عند القاضي عجز الوصي أصلًا استبدله القاضي، وإن ظهر للقاضي عجز وصي عن الاستبداد فقط ضم إليه غيره تكميلًا له (٢).
جاء في الجوهرة النيرة: «ومن أوصى إلى من يعجز عن القيام بالوصية ضم إليه القاضي غيره) رعاية لحق الموصي والورثة؛ لأن تكميل النظر يحصل بضم الآخر إليه .... فإن ظهر عند القاضي عجزه أصلا استبدل به غيره رعاية للنظر من الجانبين» (٣).
وفي الفتاوى الهندية نقلًا من خزانة المفتين: «الأوصياء ثلاثة ... وذكر منهم .. أمين عاجز فالقاضي يضم إليه من يعينه» (٤).
وعلل ذلك في الاختيار: لأن الوصية إليه صحيحة لا يجوز إبطالها، إلا أن في انفراده نوع خلل ببعض المقصود؛ لعجزه، فيضم إليه آخر تكميلًا للمقصود (٥).
стр. 8486
وقال الغزالي: «لو ضعف نظره، وعجز عن حفظ الحساب بعد أن كان قادرًا ينصب القاضي معه من يحفظ الحساب ولا ينعزل به» (١).
قال ابن قدامة: «أما العدل الذي يعجز عن النظر، لعلة، أو ضعف، فإن الوصية تصح إليه، ويضم إليه الحاكم أمينًا، ولا يزيل يده عن المال، ولا نظره؛ لأن الضعيف أهل للولاية والأمانة، فصحت الوصية إليه. وهكذا إن كان قويًا، فحدث فيه ضعف، أو علة ضم الحاكم إليه يدًا أخرى، ويكون الأول هو الوصي دون الثاني، وهذا معاون؛ لأن ولاية الحاكم إنما تكون عند عدم الوصي. وهذا قول الشافعي، وأبي يوسف. ولا أعلم لهما مخالفًا» (٢).
قلت: الخلاف محفوظ في مذهب الحنابلة كما ذكر ذلك ابن مفلح في الفروع والمرداوي في الإنصاف، وأشرت إلى الخلاف في القول الأول.
° الراجح:
أن القدرة إن كانت مفقودة بالكامل فإن القاضي يستبدله؛ لأن العجز الكامل لا فائدة من الإيصاء إليه، وإن كان العجز ليس كاملًا وإنما لكثرة العمل، أو في بعض الموصى به دون بعض فإن مثل هذا العجز يرتفع بضم أمين معه يعينه القاضي، ولا يخرج من الوصية، والله أعلم.
* * *
стр. 8487
الشرط الخامس
في اشتراط أن يكون الوصي ذكرًا
[م-١٧١٦] اختلف العلماء في صحة الوصاية إلى المرأة على قولين:
القول الأول:
تصح الوصاية إلى المرأة، وهو قول أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة (١).
جاء في الجوهرة النيرة: «وإن أوصى رجل إلى امرأة أو امرأة إلى رجل جاز؛ لأن المرأة من أهل الولاية كالرجل» (٢).
جاء في المدونة: قلت ـ القائل سحنون ـ: أرأيت لو أن رجلًا هلك، وترك أولادًا، وأوصى إلى امرأته واستخلفها على بضع بناته، أيجوز هذا في قول مالك؟
стр. 8488
قال ـ يعني ابن القاسم ـ: نعم يجوز، وتكون أحق من الأولياء، ولكن لا تعقد النكاح، وتستخلف هي من الرجال من يعقد النكاح» (١).
وقال النووي: «لا يشترط في الوصي الذكورة، بل يجوز التفويض إلى المرأة، وإذا حصلت الشروط في أم الأطفال، فهي أولى من غيرها» (٢).
وجاء في مسائل أحمد: «قلت لأحمد: يوصي الرجل إلى المرأة؟ قال: نعم، أوصى عمر إلى حفصة ﵂، قال إسحاق كما قال» (٣).
وقال ابن قدامة: «وتصح الوصية إلى المرأة في قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن شريح، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وإسحاق، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي» (٤).
استشهد الإمام أحمد وغيره بصحة الوصاية إلى المرأة بأن عمر أوصى إلى حفصة (٥).
стр. 8489
ولأن المرأة من أهل الشهادة، فصحت الوصاية إليها كالرجل.
القول الثاني:
لا تصح الوصاية إلى المرأة، وبه قال عطاء (١)، وهو وجه عند الشافعية، حكاه الحناطي.
قال النووي في الروضة: «حكى الحناطي وجهًا، أنه لا تجوز الوصاية إليها؛ لأنها ولاية» (٢).
стр. 8490
وحجتهم في ذلك:
أن المرأة لا تتولى القضاء، فكذلك لا يوصى إليها.
ويناقش:
بأن تولي المرأة القضاء فيه نزاع، وعلى القول به فإنه لا يمنع ذلك من الوصاية إليها؛ لأنها من أهل الشهادة.
(ح-١٠٤٥) وقد روى البخاري في صحيحه من طريق موسى بن عقبة، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته (١).
° الراجح:
صحة الوصاية إلى المرأة، والله أعلم.
* * *
стр. 8491
الشرط السادس
في اشتراط أن يكون الوصي مبصرًا
[م-١٧١٧] اختلف العلماء في صحة الوصاية إلى الأعمى
القول الأول:
ذهب أكثر أهل العلم إلى صحة الوصاية إلى الأعمى؛ وهو الأصح في مذهب الشافعية (١).
° وجه القول بالصحة:
أن الأعمى من أهل الشهادة، وله الولاية على أولاده الصغار، ويتولى نكاح بناته، فصحة الوصاية إليه كالمبصر.
قال النووي: «وتجوز الوصاية إلى أعمى على الأصح» (٢).
القول الثاني:
ذهب الشافعية في مقابل الأصح إلى أنه لا تصح الوصاية إلى الأعمى بناء على أنه لا يصح بيعه، ولا شراؤه، فلا يوجد فيه معنى الولاية (٣).
стр. 8492
قال ابن قدامة: «وهذا لا يسلم لهم ـ يعني القول بأنه لا يصح بيعه ولا شراؤه ـ مع أنه يمكنه التوكيل في ذلك» (١).
وقد بحثت بيع الأعمى وشراءه في عقد البيع، ورجحت صحة ذلك منه، فارجع إليه إن شئت، والقول بصحة الإيصاء إليه هو المتعين، والله أعلم.
* * *
стр. 8493
الفصل الخامس
في وقت اعتبار توفر شروط الوصي
[م-١٧١٨] تقدم لنا ذكر شروط الوصي والراجح فيها، والسؤال متى يشترط تحقق هذه الشروط في الوصي، هل يشترط حين عقد الموصي الإيصاء، أو حين موت الموصي؟
وللجواب نقول: اختلف الفقهاء في هذا على أقوال:
القول الأول:
يجب توفر هذه الشروط عند موت الموصي، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية في الأصح، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
فقد نص الحنفية على أن الموصي إذا أوصى إلى عبد أو كافر أو فاسق أو صبي، ثم عتق العبد، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق، وبلغ الصبي لم يخرجهم القاضي من الوصاية (٢).
° وجه القول بذلك:
أن عقد الوصاية هو إقامة شخص مقام نفسه في التصرف بعد موته، فلما كان تصرف الوصي لا يكون إلا بعد موت الموصي صار كأنه وقت الابتداء.
стр. 8494
وقياس الموصى إليه على الموصى له، فلو أوصى إلى شخص وارث، فصار عند الموت غير وارث صحت الوصية، والعكس بالعكس، فلو أوصى لشخص غير وارث، فصار عند الموت وارثًا لم تصح له الوصية.
وقياسًا على عدالة الشهود فإنها تشترط عند الأداء أو الحكم دون التحمل.
وقال زكريا الأنصاري: «واعتبرت الشروط عند الموت لا عند الإيصاء، ولا بينهما؛ لأنه وقت التسلط على القبول، حتى لو أوصى إلى من خلا عن الشروط أو بعضها كصبي، ورقيق، ثم استكملها عند الموت صح» (١).
القول الثاني:
يجب توفر هذه الشروط عند الوصية إليه وعند موت الموصي معًا، ولا تعتبر فيما بينهما، فلو أوصى إلى عدل، ثم صار فاسقًا، وعند الموت رجع عدلًا صحت الوصاية إليه، وهذا القول وجه في مذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢).
قال الشيرازي: «واختلف أصحابنا في الوقت الذي تعتبر فيه الشروط التي تصح بها الوصية إليه فمنهم من قال: يعتبر ذلك عند الوفاة .... لأن التصرف بعد الموت فاعتبرت الشروط عنده كما تعتبر عدالة الشهود عند الأداء أو الحكم دون التحمل.
ومنهم من قال: تعتبر عند العقد وعند الموت، ولا تعتبر فيما بينهما؛ لأن حال العقد حال الإيجاب، وحال الموت حال التصرف فاعتبر فيهما» (٣).
стр. 8495
قال في الإنصاف: «يعتبر وجودها عند الموت والوصية فقط، وهو المذهب» (١).
° وجه اعتبارهما معًا:
اعتبر وجود هذه الصفات عند الإيصاء إليه؛ لأن ذلك وقت التقليد، والإيجاب، فاعتبر لصحته توفر شروطه، واعتبر وقت الموت؛ لأنه وقت التصرف.
القول الثالث:
يشترط وجود هذه الصفات عند الوصية وما بعدها، وهو وجه في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (٢).
قال العمراني: «متى يعتبر وجود الشرائط الخمس في الوصي؟ فيه ثلاثة أوجه: .....
الثالث: منهم من قال: تعتبر وجود الشرائط في الوصي من حين الوصية إلى أن يموت الموصي؛ لأن كل وقت من ذلك يجوز أن يموت فيه الموصي فيستحق الوصي فيه النظر» (٣).
وجاء في الإنصاف: «يشترط وجود هذه الصفات عند الوصية والموت وما بينهما، وهو احتمال في الرعاية، وقول في الفروع، ووجه للقاضي في المجرد» (٤).
стр. 8496
° الراجح:
أجد القول الأول هو الصواب، وأن العبرة في توفر الشروط الصحيحة عند الموت؛ لأنه وقت التصرف، والله أعلم.
* * *
стр. 8497
الفصل السادس
في تصرفات الوصي
المبحث الأول
في الوصاية المطلقة والمقيدة
إنك لا تستطيع أن تعرف واجبات الوصي دون أن تعرف ما يمكن للموصي أن يوصي به؛ لأن تصرفات الوصي مستفادة من التفويض الممنوح له من الموصي، وما يمكن للموصي أن يوصي به منه ما هو محل وفاق، ومنه ما هو محل خلاف، كالوصية بالتزويج، هل هذا حق ينتقل بالوصية، أو أن الميت يفقد ولايته بموته، وتنتقل الولاية عنه إلى أقرب عاصب.
وهل الجد والأخ، والعم والأم بمنزلة الأب يحق لهم الإيصاء، أو لا يملكون ذلك.
وإذا كان العلماء قد اتفقوا على صحة الوصاية بالمال، فهل للوصي أن يعمل على تنميته، أو أن دوره يكون مقصورًا على حفظه، والنفقة منه على الصغار ومن في حكمهم.
كل هذه المسائل سوف نبحثها إن شاء الله تعالى في المباحث التالية، وقبل الدخول فيها نتكلم عن طبيعة الوصية:
فالوصية إما أن تكون مطلقة، أو مقيدة بشيء معين.
[م-١٧١٩] فإن كانت مطلقة، كان وصيًا في كل ما يملك الموصي من
стр. 8498
الوصاية به، وقد أشرنا إلى أن ما يملكه الموصي، منه ما هو متفق عليه، ومنه ما هو محل خلاف بين العلماء.
فما هو محل وفاق في الجملة من ذلك:
الإيصاء في توزيع الوصية على المستحق.
والإيصاء في قضاء الديون واقتضائها.
والوصية في النظر في شئون الصغار ومن في حكمهم من مجنون وسفيه، والإنفاق عليهم، والاتهاب لهم، وحفظ أموالهم، وصيانتها عن الضياع.
والوصية برد الودائع إلى أهلها واستردادها.
وهناك مسائل محل خلاف سنتطرق لها إن شاء الله تعالى.
[م ـ ١٧٢٠] وإن كانت الوصية مقيدة بشيء، فهل يكون وصيًا في كل شيء؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
أنه إن أوصى إليه الميت بماله صار وصيًا في ماله وولده، وسائر أسبابه؛ لأن الوصاية لا تقبل التخصيص بنوع، أو مكان، أو زمان، بل تعم.
وإن أوصى إليه القاضي صار وصيًا في ذلك الشيء خاصة، فهي تقبل التخصيص، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف (١).
стр. 8499
ونقل ابن العربي المالكي في بعض كتبه الخلافية كقول أبي حنيفة (١).
جاء في منحة الخالق نقلًا من فتاوى قاضي خان: «ولو قال القاضي: جعلتك وصيًا للميت يصير وصيًا، فإن خص شيئًا، أو قال: في كذا، يصير وصيًا في ذلك الشيء خاصة؛ لأن إيصاء القاضي يقبل التخصيص بخلاف إيصاء الميت» (٢).
جاء في المبسوط: «وإذا أوصى إلى رجل بماله، فهو وصي في ماله، وولده، وسائر أسبابه عندنا. وقال الشافعي: لا يكون وصيًا إلا فيما جعله وصيًا فيه» (٣).
وقال ابن نجيم: «ولو أوصى إلى رجل في ماله كان وصيًا فيه، وفي ولده، وإذا أوصى إليه في أنواع وسكت عن نوع، فالوصي في نوع يكون وصيًا في الأنواع كلها عندنا» (٤).
وإذا أوصى إلى رجلين، أحدهما يكون في الدين، والآخر في العين، قال الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق: «الظاهر عند أبي حنيفة عدم التجزي، فيكون كل منهماوصيًا في العين والدين» (٥).
وفي الفتاوى الهندية: «رجل جعل رجلًا وصيًا في شيء بعينه، نحو التصرف في الدين وجعل آخر وصيًا في نوع آخر، بأن قال: جعلتك وصيًا في قضاء ما
стр. 8500
علي من الدين، وقال لآخر: جعلتك وصيًا في القيام بأمر مالي، أو قال: أوصيت إلى فلان يتقاضى ديني، ولم أوص إليه في غير ذلك وأوصيت بجميع مالي فلانًا آخر؛ فكل واحد من الوصيين يكون وصيًا في الأنواع كلها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، كأنه أوصى إليهما. وعند محمد رحمه الله تعالى كل واحد منهما يكون وصيًا فيما أوصى إليه، كذا في فتاوى قاضي خان» (١).
° وجه قول من قال: تثبت له الولاية مطلقًا:
الوجه الأول:
أن الوصاية لا تقبل التخصيص بنوع، أو مكان، أو زمان، بل تعم؛ لأن الوصي يتصرف بولاية منتقلة إليه، فيكون كالجد، فكما أن تصرف الجد لا يختص بنوع دون نوع؛ لأنه قائم مقام الأب عند عدمه، فكذلك تصرف الوصي فيما يقبل النقل إليه.
ويناقش:
بأن ولاية الجد متلقاة من الشرع، فكانت ولايته مطلقة، بخلاف ولاية الوصي فإنها متلقاة من الموصي، وهو من يملك التقييد والتخصيص، فإن خصص الوصاية بشيء لم يتعده الوصي إلى غيره.
الوجه الثاني .
أن الإيصاء يتم بقوله أوصيت إليك مطلقًا، ولو كان طريقه طريق الإنابة لم
стр. 8501
يصح إلا بالتنصيص على ما هو المقصود كالتوكيل، فإنه لو قال: وكلتك بمالي لا يملك التصرف ما لم يبين له نوع التصرف، فلما صح الإيصاء إليه مطلقًا عرفنا أنه إثبات للولاية بطريق الخلافة.
ويناقش:
بأن الوكالة المطلقة في عدم صحتها خلاف، فلا تصلح دليلًا لإلزام المخالف، وعلى التسليم بأن الوكالة المطلقة لا تصح، فإن هناك فرقًا، فالوصية إنما صح الإيصاء بها مطلقة دون الوكالة؛ لأن الوصية المطلقة هي مقيدة بما يملكه الموصي، وهو تصرف محدود بأمرين: توزيع الثلث، ورعاية القصر، وصيانة مالهم، بخلاف الوكالة في الحياة فإنها متنوعة لذا كان لابد فيها من التنصيص عليها.
جاء في حاشية الصاوي: «واعلم أن طريقة ابن رشد، أن الوكالة كالوصية، فإذا قال: فلان وكيلي، فإنه يعم ... وطريقة ابن بشير وابن شاس: الإطلاق في الوكالة مبطل حتى يعم أو يخص، وكأنهم لاحظوا أن الموكل حي يمكنه الاستدراك بخلاف الموصي» (١).
الوجه الثالث:
سلمنا أن الإيصاء تفويض، ولكن لما كان هذا التفويض إنما يعمل بعد زوال ولاية الموصي وعجزه عن النظر كان جوازه لحاجته، والحاجة تتجدد في كل وقت، فهو عند الإيصاء لا يعرف حقيقة ما يحتاجون فيه إلى النائب بعده، فلو لم يثبت للوصي حق التصرف في جميع الأنواع تضرر به الموصي، والظاهر أنه
стр. 8502
بهذا التخصيص لم يقصد تقييد ولايته بما سمى، وإنما سمى نوعًا؛ لأن ذلك كان أهم عنده والإنسان في مثل هذا يذكر الأهم، وهذا بخلاف الوكالة؛ لأن رأي الموكل قائم عند تصرف الوكيل، فإذا تجددت الحاجة أمكنه أن ينظر فيه بنفسه، أو بتفويضه إليه أو إلى غيره عند الحاجة (١).
ويناقش:
بأن دعوى أن الموصي لم يقصد تقييد ولايته بما قيده به، وإنما سمى ذلك اعتبارًا للأهم هذا من قبيل الظن والتخمين، واليقين مقدم عليه، وهو أن ما نص عليه الموصي قد رغب الموصي في الإيصاء به يقينًا للتنصيص عليه، وغيره محتمل، فلا يقدم المحتمل على المتيقن، وقد كان يملك الموصي أن يطلق الوصية، ثم يحضه على أشياء بعينها، فلما لم يفعل علمنا أنه لا يريد الإيصاء بغير ما أوصى به، والله أعلم.
القول الثاني:
إذا أوصى إليه بشيء بعينه لم يكن وصيًا في غيره، فمن أوصى له بالنظر في المال لم يكن له النظر في رعاية الأولاد، ومن أوصى له بقضاء الدين واقتضائه، أو رد الودائع واستردادها لا يملك النظر في غيرها. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، إلا أن المالكية قالوا: لو أوصى له على بيع تركته، وقبض ديونه، فزوج بناته ممن لا تجبر على الزواج بإذنهن، فإن ذلك لا يجوز ابتداء، وإن وقع صح، وإن زوج من تجبر فإنه يفسخ أبدًا (٢).
стр. 8503
جاء في المدونة: «أرأيت الميت، إذا أوصى إلى رجل، فقال: فلان وصيي، أيكون هذا وصيا في إنكاح بناته وجميع تركته في قول مالك؟
قال: نعم إلا أن يخصه بشيء فلا يكون وصيًا إلا على ذلك الشيء» (١).
وجاء في الشرح الصغير: «وإن قال: فلان وصيي على كذا لشيء عينه خص به، فلا يتعداه لغيره، فإن تعداه لم ينفذ» (٢).
وجاء في شرح الخرشي: «وإذا قال: فلان وصيي على الشيء الفلاني، فإن نظر الوصي يختص به، ولا يتعداه إلى غيره، كما إذا قال: فلان وصيي حتى يقدم فلان الفلاني، فإنه يكون وصيًا له في جميع الأشياء، لكن إلى أن يقدم فلان الفلاني، فإذا قدم، فإنه لا يكون وصيًا، وينعزل بمجرد القدوم .... وإذا جعل وصيًا على بيع تركته، وقبض ديونه، فزوج بناته، فإن ذلك لا يجوز ابتداء، وإذا وقع صح، وليس له أن يجبرهن باتفاق ... ومفعول زوج محذوف أي، وإن زوج من لم تجبر، وأما لو زوج من تجبر فيفسخ أبدًا. قوله: (صح) لما لم يجعل التزويج لغيره، وبعبارةٍ ظاهر قوله صح: أنه بعد الوقوع، وهو ظاهر المدونة، وأما ابتداء، فالأحب ألا يفعل حتى يعرض الأمر على الإمام فيقدمه على الأولياء، أو يقدم الأولياء عليه» (٣).
стр. 8504
وجاء في تحفة المحتاج: «ويشترط بيان ما يوصى فيه .... كأوصيت إليك في قضاء ديوني، أو في التصرف في أمر أطفالي، أو في رد آبقي، أو ودائعي، أو في تنفيذ وصاياي، فإن جمع الكل ثبت له، أو خصصه بأحدها لم يتجاوزه» (١).
وقال ابن قدامة: «ويجوز أن يوصي إلى رجل بشيء دون شيء، مثل أن يوصي إلى إنسان بتفريق وصيته دون غيرها، أو بقضاء ديونه، أو بالنظر في أمر أطفاله حسب، فلا يكون له غير ما جعل إليه. ويجوز أن يوصي إلى إنسان بتفريق وصيته، وإلى آخر بقضاء ديونه، وإلى آخر بالنظر في أمر أطفاله، فيكون لكل واحد منهم ما جعل إليه دون غيره. ومتى أوصى إليه بشيء، لم يصر وصيا في غيره. وبهذا قال الشافعي» (٢).
° وجه القول بذلك:
أن الوصي يتصرف بالإذن، فوجب أن يقتصر على ما أذن له فيه، ولا يتعداه إلى غيره.
ولأن الإيصاء إلى الغير مشروع بحاجة الموصي، وهو أعلم بحاجته، وربما يرضى هذا الوصي على نوع دون نوع، وربما يعرف شفقة الأم على الأولاد، ولا يأتمنها على مالهم فيجعل الغير وصيا على المال دون الأولاد للحاجة إلى ذلك، فكان هذا تخصيصًا مقيدًا، فوجب اعتباره.
° الراجح:
أن الوصي يعمل بموجب ما فوض إليه فيه، فما لم يفوض له فيه لا يملكه.
* * *
стр. 8505
المبحث الثاني
في وصاية الجد والأخ والعم
[م-١٧٢١] اتفق الفقهاء على أن الأب يملك أن يوصي على أولاده الصغار ومن في حكمهم من مجنون، ومحجور عليه لسفه.
واختلفوا في غيره من الأقارب كالجد والأخ والعم، هل يملك أن يوصي على قولين:
القول الأول:
أن الجد يملك الوصاية على أولاد بنيه من جهة الشرع دون غيره من الأقارب، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية.
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «فإن لم يوص الأب فالولاية للجد؛ لأنه أقرب إليه وأشفق على بنيه فانتقلت الولاية إليه» (١).
وجاء في نهاية المحتاج: «ويشترط في الموصي في أمر الأطفال والمجانين والسفهاء ... أن يكون له ولاية عليهم مبتدأة من الشرع، وهو الأب أو الجد المستجمع للشروط دون سائر الأقارب» (٢).
стр. 8506
ونقل السيوطي عن السبكي أنه قال: «مراتب الولاية أربعة: الأولى: ولاية الأب والجد، وهي شرعية، بمعنى أن الشارع فوض لهما التصرف في مال الولد؛ لوفور شفقتهما، وذلك وصف ذاتي لهما، فلو عزلا أنفسهما لم ينعزلا بالإجماع؛ لأن المقتضي للولاية: الأبوة، والجدودة، وهي موجودة مستمرة لا يقدح العزل فيها، لكن إذا امتنعا من التصرف تصرف القاضي، وهكذا ولاية النكاح لسائر العصبات» (١).
وجاء في تحفة المحتاج: «(ولا يجوز للأب نصب وصي على الأولاد، والجد حي بصفة الولاية عليهم حال الموت: أي لا يعتد بمنصوبه إذا وجدت ولاية الجد حينئذ؛ لأن ولايته ثابتة بالشرع، كولاية التزويج أما لو وجدت حال الإيصاء ثم زالت عند الموت فيعتد بمنصوبه» (٢).
القول الثاني:
لا يملك الجد الوصاية على أولاد أولاده، فإذا لم يوص الأب فالحاكم هو الوصي، وهذا مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
جاء في التاج والإكليل: «ولا تجوز وصية الجد بولد الولد، ولا أخ بأخ له
стр. 8507
صغير، وإن قل المال» (١).
° وجه القول بأن غير الأب لا يملك الوصاية:
أن الجد لا يدلي إليهم بنفسه، وإنما يدلي إليهم بالأب، فكان كالأخ والعم، ولا ولاية لأحدهما على مال أولاد أخيه، فكذلك الجد.
وقال القرافي: «ووصي الصبي أبوه، ثم وصيه، ثم وصي وصيه، ثم الحاكم دون الجد والأم وسائر القرابات وقال الشافعي: الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الوصي.
لنا: أن الجد يقاسمه الأخ في الميراث بخلاف الأب، فيكون قاصرا عن الأب فلا يلحق به» (٢).
وإذا أراد الجد أن يكون وصيًا عن أولاد ابنه يذهب إلى القاضي ويطلب منه أن يوليه عليهم، فإذا قدر القاضي أن الجد أهل للولاية ولاه.
° الراجح:
أن الأب إذا لم يوص في حق أولاده الصغار كانت الولاية لأولى الناس بهم، فمن تولى أمر هؤلاء الصغار من جد، أو أم، أو أخ، أو عم فهو وليهم، والجد مقدم على غيره، والله أعلم.
* * *
стр. 8508
المبحث الثالث
في الوصاية بالتزويج
[م-١٧٢٢] الأب يملك أن يوصي على رعاية أولاده الصغار ومن في حكمهم فيما يتعلق بالأموال، وهذا مما لا خلاف فيه، فهل للأب أن يوصي للرجل على أن يزوج الصغار من أولاده؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يملك الوصي ولاية التزويج مطلقًا، سواء أوصى له الأب بالنكاح أو لم يوص. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال سحنون من المالكية (١).
واستثنى في فتح القدير: ما إذا كان الموصي عين رجلًا في حياته للتزويج فيزوجها الوصي كما لو وكل في حياته بتزويجها (٢).
وقال العيني نقلًا عن السروجي: «الوصي لا يزوج، وهو قول الشعبي، والنخعي، والثوري، والحارث النكلي، والشافعي، وابن المنذر ورواية عن أحمد» (٣).
стр. 8509
وفي حاشية ابن عابدين: «وليس للوصي من حيث هو وصي أن يزوج اليتيم مطلقًا، وإن أوصى إليه الأب بذلك على المذهب» (١).
وقال قاضي خان كما في حاشية الشلبي: «الوصي لا يملك إنكاح الصغير والصغيرة أوصى إليه الأب في ذلك أو لم يوص» (٢).
وقال الشافعي: «وإذا أوصى الميت بإنكاح بناته إلى رجل، فإن كان وليهن الذي لا أولى منه زوجهن بولاية النسب، أو الولاء دون الوصية جاز، وإن لم يكن وليهن لم يكن له أن يزوجهن، وفي إجازة تزويج الوصي إبطال للأولياء إذا كان الأولياء أهل النسب، ولا يجوز أن يلي غير ذي نسب.
فإن قال قائل: يجوز بوصية الميت أن يلي ما كان يلي الميت، فالميت لا ولاية له على حي فيكون يلي أحد بولاية الميت إذا مات صارت الولاية لأقرب الناس بالمزوجة من قبل أبيها بعده، أحبت ذلك، أو كرهته، ولو جاز هذا لوصي الأب جاز لوصي الأخ والمولى، ولكن لا يجوز لوصي» (٣).
° حجة هذا القول:
أن الوصي يستمد ولايته من ولاية الميت، والميت لا ولاية له على الحي، فتنقطع ولايته بموته، فلا يملك الإيصاء بولاية النكاح.
ولأن ولاية النكاح لها من يستحقها بالشرع، فلا يملك الأب نقلها بالوصية كالحضانة، لا تملك الأم أن تنقلها عمن يستحقها من بعدها إلى غيرها (٤).
стр. 8510
القول الثاني:
الوصي المطلق مقدم على الولي في تزويج الصغار، وهذا مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
والمقصود بالوصي المطلق هو من قال فيه الرجل: فلان وصيي، وأطلق، ولم يقيد ذلك بشيء، أما لو قال: فلان وصيي في مالي لم يتعده إلى النكاح.
قال ابن حبيب كما في البيان والتحصيل: «إذا قال: فلان وصي على مالي، فليس بوصي على الولد في تزويجهم؛ وإنما يكون وصيًا في تزويجهم إذا قال: فلان وصيي، ولم يزد، أو قال: فلان وصيي على بضع بناتي» (٢).
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت الوصي، أو وصي الوصي، أيجوز أن يزوج البكر إذا بلغت، والأولياء ينكرون، والجارية راضية؟
قال: قال مالك: لا نكاح للأولياء مع الوصي، والوصي ووصي الوصي أولى من الأولياء.
قلت: أرأيت إن رضيت الجارية، ورضي الأولياء والوصي ينكر؟