← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

القول الثاني: للمشتري (مالك الثمرة) بطون ما يخلف، ولا يتميز بعضه عن بعض، ولو لم يشترطه. وأما ما يتميز بطون بعضه عن بعض، سواء كان مما يتصل بطونه أم لا، فهو لمالك الأصل (البائع)، لأن البائع إنما باع للمشتري ما جرت العادة بأخذه من عينه، ولم يتبعه أصله. وهذا مذهب المالكية (١). وتعقب: بأنه كيف يكون المتولد جزءًا من الصفقة، وهو حال العقد لم تخلق الثمرة بعد، فهو كما لو باعها قبل ظهور شيء منها، وما لم يخلق من ثمرة النخل لا يجوز بيعه تبعًا لما خلق، وإن كان ما لم يبد صلاحه يجوز بيعه تبعًا لما بدا صلاحه؛ لأن ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع في بعض الأحوال كما لو اشترط القطع في الحال، وأما ما لم يخلق فلا يجوز إفراده بالبيع. ويناقش: بأنه سبق لنا في المسألة السابقة أن بينا أنه لا يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع، فهذا الحمل لا يجوز إفراده بالبيع مطلقًا، ويجوز بيع الدابة، وهي حامل، ويكون له أثر في الثمن، فليس النظر في بيع ما بدا صلاحه تبعًا لما بدا، أنه يجوز إفراده بالعقد في حال اشتراط قطعه في الحال، فجاز بيعه تبعًا بخلاف الثمرة التي لم تخلق بعد، بل الملحظ: أن التابع يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره، والله أعلم.

стр. 877

القول الثالث: إذا حدث الاختلاط، وكان حق كل واحد متميزًا عن الآخر، فلكل واحد ثمرته، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (١). وإن كان حق كل واحد منهما لم يتميز، فإن كان ذلك قبل التخلية، كان للمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة. وجهه: أننا لم نقل بفسخ العقد؛ لبقاء عين المبيع. وقلنا بالخيار: لأن الاختلاط عيب حدث قبل التسليم. وإن سمح البائع بترك الثمرة الجديدة للمشتري، سقط خياره على الأصح، وأجبر على القبول. لزوال المحذور. وإن حدث ذلك بعد التخلية فإن تصالحا وتوافقا على شيء فذاك، وإلا فالقول قول صاحب اليد في قدر حق الآخر، واليد بعد التخلية للمشتري. وهذا مذهب الشافعية (٢). القول الرابع: يصطلحان على الزيادة، ولا يبطل العقد، وهذا مذهب الحنابلة (٣).

стр. 878

وجهه: أننا لم نقل يبطلان العقد؛ لأن المبيع لم يتعذر تسليمه، وإنما اختلط بغيره، فهو كما لو اشترى طعامًا في مكان، فانثال عليه طعام للبائع، أو انثال هو على طعام للبائع، ولم يعرف قدر كل واحد منهما، ويفارق هذا ما لو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، فتركها حتى بدا صلاحها، أو اشترى عرية فتركها حتى أثمرت، فإن العقد يبطل في إحدى الروايتين؛ لكون اختلاط المبيع بغيره حصل بارتكاب النهي، وكونه يتخذ حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، أو شراء الرطب بالتمر من غير كيل من غير حاجة إلى أكله رطبًا، وهاهنا ما ارتكب نهيًا، ولم يجعل هذا طريقا إلى فعل المحرم (١). الراجح من الخلاف: الذي أميل إليه هو ما اختاره المالكية ﵏، وأن الثمر المتلاحق يكون من حق المشتري، ولكن خروجًا من الخلاف، وقطعًا للنزاع أرى أن ينص على ذلك في العقد. * * *

стр. 879

المبحث السابع ما يدخل في بيع الحيوان [م - ١٨٣] في بيع الحيوان يدخل حمله تبعًا؛ لأن الحمل لا يجوز بيعه وحده، ولا يجوز استثناؤه على الصحيح وقد سبق بحثه في مسألة مستقلة. كما يدخل أيضًا لجام الدابة، وخطام البعير؛ لأن العرف والعادة جاريان أنها تدخل تبعًا في بيع الحيوان. ولا يدخل في بيع الفرس سرجها وركابها؛ لأنها منفصلة عن المبيع. كما نص الحنفية على أنه إذا اشترى بقرة حلوبًا لأجل اللبن، دخل فلوها الرضيع في البيع بدون ذكر بخلاف ولد الأتان فإنه لا يدخل في بيع أمه بلا ذكر، ولو رضيعًا. والفرق أن البقرة لا ينتفع بها إلا بالعجل، ولا كذلك الأتان ... لأن البقرة تقصد للحلب، ومثلها الشاة والناقة، بخلاف الأتان، وبخلاف الولد الفطيم (١). قال ابن عابدين: «قد يدخل بعض المنقول المنفصل إذا كان تبعًا للمبيع بحيث لا ينتفع إلا به، فيصير كالجزء، كولد البقرة الرضيع، بخلاف الأتان. أما إذا حضر مهر الفرس، أو ولد الأتان، أو عجل البقرة أو حمل الشاة معها إلى محل البيع فتدخل هذه الأولاد كلها مع أمهاتها في البيع بدون ذكر، عملًا بالعرف (٢).

стр. 880

وقد يدخل عرفًا كقلادة الحمار، وثياب العبد (١). * * *

стр. 881

المبحث الثامن ما يلحق في بيع المرابحة بأصل العقد [م - ١٨٤] سيأتي الكلام مفصلًا عن بيع المرابحة والمواضعة في مباحث لاحقة، إلا أننا في هذا المبحث سوف نشير فيه إلى ما يلحق في أصل العقد مما يزاد في الثمن، أو يحط منه، وما لا يلحق فيه، لأن الكلام في الباب (ما يشمله اسم المبيع وما لا يدخل فيه)، والكلام في المبحث: (ما يلحق في بيع المرابحة) فالعلاقة ظاهرة بين المبحث، وبين الباب، فالسؤال: هل يلحق بأصل العقد ما يزاد في الثمن أو يحط منه، وللجواب على ذلك نقول: لا خلاف بين الفقهاء بأن للمشتري أن يزيد للبائع في الثمن، وأن للبائع أن يزيد في المبيع للمشتري أو يحط عن المشتري في الثمن، وإنما الخلاف بينهم هل تلحق هذه الزيادة أو النقصان بأصل العقد، وتكون ثمنًا، أو لا تلحق وتعتبر هبة؟ فإن اعتبرنا الزيادة أو النقص هبة لم تلزم إلا بالقبض، وإن اعتبرنا ذلك من الثمن أوجب ردها في الاستحقاق، وفي الرد بالعيب، وإن كانت الزيادة فاسدة فسد البيع، ومن لم يجعلها من الثمن لم يوجب شيئًا من هذا. ولتحرير ذلك نقول: إن كانت الزيادة أو الحط قبل لزوم العقد (١)، فإنها تلحق بأصل العقد،

стр. 882

وتكون ثمنًا، وتضاف إلى الثمن في بيوع الأمانة باعتبار أن الزيادة، أو النقص جزء من الثمن، ولأن العقد قبل لزومه لم يستقر، فالثمن فيه قابل للزيادة والنقص، فوجب إلحاقه برأس المال، والإخبار به كأصله. قال ابن قدامة: «وإن كان ذلك - يعني الزيادة في الثمن والحط منه - في مدة الخيار لحق بالعقد، وأخبر به في الثمن، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم» (١). وأما إن كانت الزيادة أو الحط بعد لزوم العقد، فقد اختلف الفقهاء، هل يلحق ذلك بأصل العقد، أو تكون الزيادة هبة، والحط إبراء، وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في مبحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا، وإنما أشرنا للمسألة للتذكير بأن الموضوع له علاقة في هذا الباب، و الله أعلم. * * *

стр. 883

الحكم الثاني في قبض المبيع المبحث الأول في تعريف القبض تعريف القبض اصطلاحًا (١): لا أكاد أجد تعريفًا جامعًا لكل صور القبض، وذلك أن حقيقة القبض تختلف

стр. 884

صوره بحسب اختلاف الأموال من عقار ومنقول، وبيع، وصرف، وهبة، ورهن، لذا سأختار من التعريف ما أرأى أنه أقربها، وإن لم يكن جامعًا. القول الأول: عرفه الزرقاء بقوله: «المعنى العام الجامع لكل صوره: أن يصبح المشتري متمكنًا من المبيع بناء على تخلي البائع له، وإذنه له باستلامه» (١). وهذا القول يفسر القبض بالتخلية، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والخرسانيين من الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤). قال الكاساني: «التسليم والقبض عندنا: هو التخلية». ثم عرف التخلية بقوله: «والتخلي: وهو أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري، برفع الحائل بينهما، على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مسلمًا للمبيع، والمشتري قابضًا له، وكذا تسليم الثمن من المشتري إلى البائع» (٥). وقال النووي: «وفيه قول حكاه الخرسانيون أنه يكفي فيه - أي في المنقول- التخلية» (٦) «وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل» (٧).

стр. 885

المناقشة: قد يقال: لو كانت التخلية هي القبض، لما اشترط في الهبة الحيازة دون التخلية، ولما اشترط القبض في اليد في بيع الصرف دون التخلية. وأجيب بعدة أجوبة: [م - ١٨٥] الأول: اشتراط الحيازة في الهبة ليست محل اتفاق بين الفقهاء. فذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة أنها لا تلزم إلا بالقبض (١). وقيل: تصح بنفس العقد وإن لم تقبض، وهو قول مالك (٢). الثاني: أن التخلية إنما جعلت تسليمًا؛ لأن البائع إذا خلى بين المشتري وبين المبيع فقد رفع الموانع عن القبض. وهذا غاية ما يقدر عليه، وهو محتاج إلى إخراج نفسه من عهدة المبيع، فإذا أتى بما وسعه فقد بريء، وليس في وسعه إلا التخلية، وأما القبض الذي هو التسلم، فهذا فعل المشتري، فلا يكلف البائع فعل غيره، فجعل التمكن من القبض قبضًا، وهو القبض الحكمي، وهو القبض بطريق التخلية، وأما الهبة فلا يكفي فيها التخلية، وذلك أن التسليم ليس بواجب على الواهب، فإذا لم يسلمه إليه، ويقبضه لا يعد مسلمًا. وهذا النوع من القبض هو ما يسمى بالقبض الحقيقي، كما في قبض المفتاح (٣).

стр. 886

الثالث: ولأن القبض ليس له حقيقة شرعية، وإنما يحدده العرف، وهذا يختلف من مال لآخر، فقبض العقار يختلف عن قبض النقود، فما تعتبر التخلية فيه قبضًا، لا يلزم منه أن تكون قبضًا في مال آخر. الرابع: أن الصرف جاء النص فيه أن يكون يدًا بيد، ولا يلزم منه أن يكون القبض في غيره يدًا بيد، على أن الصرف ليس محل اتفاق على وجوب أن يكون القبض يدًا بيد، وسوف يأتي تحريره إن شاء الله تعالى في كتاب الصرف. القول الثاني في تعريف القبض: قال التسولي: «الحوز: وضع اليد على الشيء المحوز» (١)، حقيقة أو حكمًا. وهذا تعريف للقبض بتعريف أحد الألفاظ المرادفة للقبض، وهو الحيازة. يرى فريق من العلماء أن التخلية في غير المنقول بمنزلة الأخذ باليد بالمنقول، وهذا مذهب الشافعية (٢). وهذا القول يرى أن المنقول يمكن قبضه بحيازته ونقله، فلا يكفي فيه التخلية، وأما ما لا يمكن نقله وحيازته كالعقار فيكفي في قبضه التخلية. وهذا التعريف أشمل من التعريف السابق، لأنه يشمل قبض التخلية، ويشمل قبض اليد. ومن خلال هذا التعريف نستطيع أن نقسم القبض إلى قسمين: الأول: القبض الحكمي: وهو التخلية. الثاني: القبض الحقيقي: وهو تناول المبيع باليد، أو نقله وتحويله إلى حوزة القابض، أو كيل ما يكال، أو وزن ما يوزن، أو عد ما يعد، أو ذرع ما يذرع. * * *

стр. 887

المبحث الثاني علاقة القبض بعقد البيع قبل أن نتكلم على علاقة القبض بعقد البيع لا بد من الكلام على الأدلة الشرعية على وجوب القبض في عقد البيع، فإذا تصور حكم القبض في عقد البيع عرفنا منزلته من العقد: [م - ١٨٦] الأصل في مسألة القبض أحاديث صحيحة، منها (ح-٩١) ما أخرجه الشيخان من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه (١). (ح-٩٢) وما رواه الشيخان من طريق ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه. قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام (٢). (ح-٩٣) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن ابن عمر ﵄ قال: لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جزافا - يعني الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم (٣). فيؤخذ من جملة هذه الأحاديث أن القبض في البيع ليس هو من تمام العقد، بل الملك يحصل للمشتري قبل القبض وذلك بالإيجاب والقبول، ولذلك

стр. 888

قال ﷺ من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يقبضه، فأثبت صحة البيع قبل القبض، ولكن منعه من التصرف فيه بالبيع قبل قبضه، والمنع من التصرف أخص من ثبوت الملك، فأثر القبض له تعلق في صحة التصرف في المبيع، وكذلك القبض له تعلق في الضمان إذا تلف قبل القبض وبعده، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في فصل مستقل من هذا البحث. وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «القبض ليس بشرط في البيع، إلا أن العقد متى تم، كان على المشتري أن يسلم الثمن أولًا، ثم يسلم البائع المبيع إليه» (١). قلت: قوله «القبض ليس بشرط في البيع» هذا في الجملة، وإلا هناك من البيوع ما يكون القبض شرطًا في لزومها واستمرارها كالصرف، وبيع الأموال الربوية بعضها ببعض، وقبض رأس مال السلم. وقال ابن تيمية: «القبض في البيع ليس هو من تمام العقد، كما هو في الرهن، بل الملك يحصل قبل القبض للمشتري تابعًا، ويكون نماء المبيع له بلا نزاع، وإن كان في يد البائع، ولكن أثر القبض إما في الضمان، وإما في جواز التصرف» (٢). وهذا كلام جيد إلا أن ابن تيمية ﵀ لا يرى ذلك في عقد الصرف ونحوه كما سيأتي النقل عنه. ونستطيع من خلال ما تقدم أن نوجز علاقة القبض بالعقد: فنقول: علاقة القبض بالعقد لها حالان: الحال الأول: أن يكون القبض أثرًا من آثار العقد، وواحدًا من موجباته. كما هو الحال في

стр. 889

البيع اللازم، والرهن اللازم، ولا يلزم من تأخر القبض الوقوع في أي محذور شرعي، ولذلك لا مانع من اشتراط الخيار فيه، واشتراط الأجل. فإذا تم انعقاد هذه العقود وأمثالها وجب على البائع تسليم المبيع إلى المشتري. ويلحظ هنا أن العقد تم بإيجاب وقبول، تولد عنهما التزام يوجب الإقباض. الحال الثاني: أن يكون القبض من تمام العقد، كقبض الثمن في السلم، والتقابض يدًا بيد في الأموال الربوية، فإذا تفرق العاقدان بدون القبض بطل العقد؛ لأن تأخير القبض يوقع في محذور شرعي لا يمكن دفعه إلا بالقبض، ولذلك لا يصح اشتراط الخيار فيه، ولا الأجل؛ لأنه بأحدهما لا يبقى القبض مستحقًا. [م - ١٨٧] ويثور جدل بين الفقهاء حول القبض هنا في البيوع الربوية. هل القبض فيها شرط لزوم العقد واستمراره، أو أنه شرط انعقاد العقد وإنشائه؟ على قولين: القول الأول: يرى بعض الفقهاء أن القبض شرط لزوم العقد واستمراره، وهو ليس ركنًا فيه؛ لأن العقد تراض في نظر الشرع، وهو يتم بالإيجاب والقبول، لكنه عقد غير لازم يفتقر إلى القبض. جاء في فتح القدير: «المختار أن القبض شرط البقاء على الصحة، لا شرط ابتداء الصحة، لظاهر قوله (فإذا افترقا بطل العقد، وإنما يبطل بعد وجوده، وهو الأصح» (١).

стр. 890

وجاء في البحر الرائق: «اختلفوا في القبض، فقيل: شرط انعقاده صحيحًا، فأورد عليه أنه حينئذ لا بد من القران، أو التقدم، والقبض متأخر، فكان حكمًا لا شرطًا (١). وأجيب: بأن الوجود في المجلس جعل مقارنًا للعقد حكمًا. والصحيح المختار: أنه شرط بقائه على الصحة، لا شرط انعقاده» (٢). وجاء في شرح الزرقاني على الموطأ: «قال الأبي: المناجزة قبض العوضين عقب العقد، وهي شرط في تمام الصرف، لا في عقده، فليس لأحدهما أن يرجع، وصرح بأنها شرط المازري، وابن محرز، واختار شيخنا يعني ابن عرفة: أنهاركن، لتوقف حقيقته عليها، وليست بخارجة، وظاهر كلام ابن القصار أنها ليست بركن، ولا شرط، وإنما التأخير مانع من تمام العقد، فإن قيل: لا يصح أنها شرط؛ لأن الشرط عقليًا كالحياة للعلم، أو شرعيًا كالوضوء للصلاة: شرطه أن يوجد دون المشروط، والمناجزة لا توجد دون عقد الصرف، فما صورة تأخيرها؟ أجيب: بأنها إنما هي شرط في الصرف الصحيح، وهو متأخر عنها» (٣). قال ابن رجب في القواعد «واعلم أن كثيرًا من الأصحاب يجعل القبض في هذه العقود معتبرًا للزومها، واستمرارها، لا لانعقادها وإنشائها، وممن صرح بذلك صاحب المغني، وأبو الخطاب في انتصاره، وصاحب التلخيص وغيرهم.

стр. 891

ومن الأصحاب من جعل القبض فيها شرطًا للصحة، وممن صرح بذلك صاحب المحرر فيه في الصرف، والسلم، والهبة» (١). القول الثاني: من الفقهاء من يرى أن القبض ركن في العقد، لأن به تمام الرضا، فلا ينعقد العقد ولا ينشأ إلا بحصول القبض، وقد صرح ابن عقيل بأن القبض ركن من أركان الهبة كالإيجاب في غيرها، وكلام الخرقي يدل عليه أيضًا (٢). يقول ابن رجب: «قال الشيخ تقي الدين: التحقيق أن يقال في هذه العقود- يعني عقد الصرف والسلم والهبة ونحوها - إذا لم يحصل القبض فلا عقد، وإن كان بعض الفقهاء يقول: بطل العقد، فكما يقال: إذا لم يقبل المخاطب بطل الإيجاب، فهذا بطلان ما لم يتم، لا بطلان ما تم. اهـ ولا يستبعد توقف انعقاد العقد على أمر زائد على الإيجاب والقبول، كما يتوقف انعقاد النكاح معهما على الشهادة» (٣). اهـ كلام ابن رجب. وإن كنت ميالًا إلى أن القبض هو شرط إما لصحة العقد، أو للزومه واستمراره؛ لا أن العقد لا ينعقد أصلًا إلا بالقبض، وذلك لأن المعنى الشرعي للعقد: هو ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يظهر أثره الشرعي في محله، وهذا المعنى للعقد يتحقق بالإيجاب والقبول، فالقبض ليس ركنًا في العقد، وإلا لكان ركنًا في العقد مطلقًا في كل بيع، وليس في بعض العقود خاصة،

стр. 892

وإنما القبض أثر من آثار العقد، على اختلاف بين عقد وعقد، وحيث يكون تأخر القبض في بعض العقود محرمًا؛ لأنه يوقع العاقد في محذور شرعي، فيحرم تأخيره لذلك، كما يوقع تأخير القبض في عقد السلم في الوقوع في بيع الدين بالدين، ويوقع تأخير القبض في الأموال الربوية إلى الوقوع في ربا النسيئة كما في عقد الصرف، فدفعًا لهذه المحاذير، نقول: إذا تفرق العاقدان قبل القبض يكون العقد لاغيًا لافتقاره إلى شرط لزومه واستمراره، أو لافتقاره إلى شرط صحته، ولا يقال: إن العقد لم ينعقد أصلًا (١). * * *

стр. 893

المبحث الثالث في كيفية قبض المال الفرع الأول في كيفية قبض ما لا ينقل المسألة الأولى في قبض العقار المطلب الأول في تعريف العقار تعريف العقار: [م - ١٨٨] اختلف الفقهاء في المقصود بالعقار: فقيل: العقار: كل ما له أصل ثابت، لا يمكن نقله، ولا تحويله كالدور والأراضي، أما البناء والشجر فلا يعتبران من العقار إلا على وجه التبعية. قال ابن نجيم: «صرح مشايخنا في كتاب الشفعة بأن البناء والنخل من المنقولات، وأنه لا شفعة فيها إذا بيعا بلا عرصة (١)، فإن بيعا معها وجبت تبعًا» (٢).

стр. 894

وجاء في مطالب أولى النهى: «ظاهر كلام أئمة المذهب، بل صريحه، أن العقار: هو الأرض فقط، وأن الغراس والبناء ليس بعقار، وظاهر كلام أهل اللغة، أو صريحه، أنهما من العقار، فعن الأصمعي: العقار: المنزل، والأرض والضياع، وعن الزجاج: كل ما له أصل» (١). وجاء في الشرح الكبير للدردير: «وقبض العقار: وهو الأرض، وما اتصل بها من بناء وشجر» (٢). ومذهب المالكية لا يختلف عن مذهب الحنفية، فهم يرون العقار هو الأرض، وأما البناء، والشجر فهو عقار باعتبار اتصاله بالأرض، أما إذا لم يتصل بالأرض فهو منقول. وقيل: العقار: هو الأرض، والبناء، والشجر، وهذا مذهب الشافعية (٣). الراجح من الخلاف: الذي أراه أن الخلاف في المسألة خلاف اصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح. * * *

стр. 895

المطلب الثاني في قبض العقار [م - ١٨٩] نستطيع أن نقول: إن الفقهاء متفقون على أن محل العقد إن كان عقارًا كالدور، والأراضي، فإن قبضها يكون بالتخلية بينه وبين من انتقل إليه الملك، بحيث يتمكن من الانتفاع به الانتفاع المطلوب عرفًا. وحقيقة التخلية: أن يرفع البائع ملكه عن المبيع، بحيث يتمكن المشتري من القبض، ولا يجب القبض بالبراجم (١). وقيل: التخلية: رفع الموانع، والتمكين من القبض (٢). والحجة في هذا اتفاق الفقهاء على أن التخلية قبض للعقار. جاء في حاشية ابن عابدين: «أجمعوا على أن التخلية في البيع الجائز تكون قبضًا» (٣). وجاء في الإنصاف: «وفيما عدا ذلك بالتخلية، كالذي لا ينقل، ولا يحول، وهذا بلا نزاع» (٤). ولأن القبض والتسليم: هو التخلية؛ وذلك أن التسليم في اللغة: عبارة عن جعله سالمًا خالصًا، يقال: سلم فلان لفلان: أي خلص له.

стр. 896

قال الله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] أي سالمًا خالصًا، لا يشركه فيه أ حد، فتسليم المبيع إلى المشتري: هو جعل المبيع سالمًا للمشتري: أي خالصًا له بحيث لا ينازعه فيه غيره، وهذا يحصل بالتخلية، فكانت التخلية تسليمًا من البائع ..... (١). «ولا يعتبر في قبض العقار دخوله، والتصرف فيه، وإنما المعتبر: التمكن من التصرف، وتسليم المفتاح» (٢). * * *

стр. 897

المطلب الثالث في شروط القبض بالتخلية [م - ١٩٠] ذكر الفقهاء شروط القبض بالتخلية على خلاف بينهم في اعتبار بعضها. من ذلك: الشرط الأول: اشترط الحنفية أن يكون العقار قريبًا، فإن كان العقار بعيدًا فلا تعتبر التخلية قبضًا؛ لأن في قرب العقار يتصور القبض الحقيقي في الحال، فتقام التخلية مقام القبض (١). الشرط الثاني: اشترط الشافعية (٢)، وبعض المالكية (٣)، أن يكون العقار غير معتبر فيه تقدير. أما إذا كان معتبرًا فيه، كما لو اشترى أرضًا مذارعة، فلا تكفي التخلية، والتمكين.

стр. 898

الشرط الثالث: اشترط الشافعية (١)، وبعض الحنفية (٢) فراغ العقار من أمتعة البائع، وكذا أمتعة غير المشتري من مستأجر، ومستعير، وموصى له بالمنفعة. وجهه: أن التسلم في العرف موقوف على ذلك. ولم يعتبر المالكية، والحنابلة خلو المبيع من متاع البائع شرطًا للتخلية، واستثنى المالكية دار السكنى. قال في الشرح الكبير للدردير: «وقبض العقار، وهو الأرض، وما اتصل بها من بناء، وشجر بالتخلية بينه وبين المشتري، وتمكنه من التصرف فيه بتسليم المفاتيح إن وجدت، وإن لم يخل البائع متاعه منها، إن لم تكن دار سكنى، فإن قبضها بالإخلاء، ولا يكفي التخلية» (٣). وجاء في مجلة الأحكام الشرعية: «قبض الدار والمتاع بالتخلية، ولو كان

стр. 899

فيها متاع البائع، وبتسليم مفتاح الدار، أو فتح بابها للمشتري» (١). واشترط بعض الحنفية حتى لا يؤثر على القبض وجود المتاع في الدار، أن يأذن له البائع بقبضه مع الدار، ليكون وديعة عنده. جاء في مجمع الأنهر «وعن الوبري: المتاع لغير البائع لا يمنع، فلو أذن له بقبض المتاع، والبيت، صح، وصار المتاع وديعة عنده» (٢). الشرط الرابع: اشترط الشافعية إن لم يحضر العاقدان المبيع أن يمضي زمن يمكنه الوصول إليه، والاستيلاء عليه، «حتى لو سلم المفتاح لوكيل المشتري الحاضر عند المبيع، وفرغ المبيع من الأمتعة المذكورة، لم يحصل القبض بذلك قبل مضي الزمن المذكور» (٣). الشرط الخامس: اشترط الشافعية أنه لا بد مع التخلية من لفظ من البائع يدل عليه، ولا يكتفى بالتخلية فقط. جاء في الفتاوى الفقهية الكبرى: «وسئل: هل يشترط تلفظ البائع بالتخلية في -المبيع- العقار لقبضه، أو يكفي السكوت مع التمكين، والفراغ من أمتعة البائع؟ فأجاب: لا بد مع التخلية في نحو العقار من لفظ من البائع يدل عليها، مع تسليم

стр. 900

مفتاح الدار، وتفريغها من متاع غير المشتري ... » (١). قال في تحفة المحتاج: «بلفظ يدل ... الخ كخليت بينك وبينه، أو ما يقوم مقام اللفظ، كالكتابة، والإشارة، ومحل اشتراط ذلك - كما هو ظاهر - إن كان للبائع حق الحبس، أما إذا لم يكن له فسيأتي أنه يستقل المشتري بقبضه، فلا يحتاج إلى لفظ» (٢). فعلم من هذا أن الشافعية اشترطوا ذلك فقط في الوقت الذي يحق للبائع حبس المبيع، كما لو لم يستلم الثمن، وذلك خوفًا من أن يكون القبض بغير إذن البائع، فيكون كالمغتصب للمبيع، أما إذا كان من حقه قبض المبيع، فيكفي التخلية ولو لم يكن هناك لفظ يدل عليها، و الله أعلم. * * *

стр. 901

المسألة الثانية في قبض الثمار على الشجر [م - ١٩١] الثمر على الشجر ألحقته في قبض ما لا ينقل بناء على مذهب الجمهور الذين يجيزون بقاءه إلى أوان الجذاذ، وقد اختلف العلماء في قبض الثمر على الشجر: فقيل: قبضه بالتخلية، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). قال العز بن عبد السلام: «الثمار على الأشجار إذا أينعت وبدا صلاحها، الأصح، أن تخليتها قبض لها» (٤). وقيد بعض الشافعية ذلك بكون الثمرة المبيعة قبل أوان الجذاذ، أما إذا اشتراها وقت قطعها، فحكمها في القبض حكم المنقولات.

стр. 902

جاء في فتاوى الرملي: «قال الشيخان: في معنى العقار الأشجار الثابتة، والثمرة المبيعة على الشجر قبل أوان الجذاذ. قال الإسنوي: وتقييده بما قبل الجذاذ يشعر بأن دخول وقت قطعها يلحقها بالمنقولات، وهو متجه. ا هـ. وقال الأذرعي: لم يتعرض غير الشيخين لهذا القيد .... وقال البلقيني: لا فرق بين أن يبيعها قبل أوان الجذاذ، أو بعده، خلافًا لما في الروضة من التقييد بما قبل أوان الجذاذ، فإنه يلزم على هذا أن الثمرة المبيعة في أوان الجذاذ يكون قبضها بالقطع، وليس الأمر كذلك، ولو كان كذلك لما قال الشافعي في الجديد: إن الجوائح من ضمان المشتري، ولا فرق فيه بين أن تبلغ أوان الجذاذ، أم لا، فدل على أن قبض الثمار بالتخلية مطلقًا، فقد حكى الرافعي في المسألة ثلاث طرق، أظهرها: أنه على قولين. والثاني: القطع بأنها من ضمان المشتري. والثالث: القطع بأنها من ضمان البائع؛ لأنها لما شرط فيها القطع صار قبضها بنقلها. ا هـ لكن ما ذكرته يدل على أن التعليل ليس محل وفاق» (١). ويرى بعض المالكية وبعض الحنابلة أن التخلية ليست قبضًا، أو ليست قبضًا تامًا، وأن قبض الثمار على الشجر لا يكون إلا بتمام الاستيفاء، وذلك إنما يكون بتمكن المشتري من جذاذها؛ لأن الثمار على الشجر لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها، فإذا بدا صلاحها جاز بيعها، ولمشتريها أن يبقيها إلى أوان الجذاذ، فقبل جذاذها لا يعتبر قد تمكن من استيفائها، والقبض التام لا يكون إلا بتمام الاستيفاء، ولذلك إذا تلفت بآفة سماوية كانت من ضمان البائع، ولو حدث الاستيفاء لكانت من ضمان المشتري.

стр. 903

يقول ابن تيمية ﵀: «إن اشترى ثمرًا قد بدا صلاحه، فأصابته جائحة أتلفته قبل كمال صلاحه، فإنه يتلف من ضمان البائع ..... والحديث قد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ : إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا. بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ والاعتبار يؤيد هذا القول، فإن المبيع تلف قبل تمكن المشتري من قبضه، فأشبه ما لو تلفت منافع العين المؤجرة قبل التمكن من استيفائها. فإذا قيل: هذه الثمرة تلفت بعد القبض؟ قيل: قبض الثمرة التي لم يكمل صلاحها من جنس قبض المنافع؛ فإن المقصود إنما هو جذاذها بعد كمال الصلاح ... » (١). وقال الباجي في المنتقى كلامًا نحو هذا، حيث يقول: «التخلية بينه وبينها ليست بقبض لها، بدليل أن الجائحة تثبت في الثمرة بعد تخلي البائع عنها إلى المبتاع، وهي في أصل شجره، ويجب على البائع سقيها، فلو كان ذلك قبضًا لكانت من ضمان البائع» (٢). ويرى ابن قدامة أن تخلية الثمار على الشجر قبض غير تام، قال في المغني: «التخلية ليست بقبض تام - يعني في الثمار على الشجر - بدليل ما لو تلفت بعطش عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض، بدليل المنافع في الإجارة يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر، كذلك الثمرة، فإنها في شجرها كالمنافع قبل استيفائها، توجد حالًا فحالًا، وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة» (٣).

стр. 904

وقال البهوتي في كشاف القناع في معرض بيانه بوضع الجوائح: «وإن تلفت ثمرة ... بجائحة سماوية .... ولو كان التلف بعد قبضها وتسليمها بالتخلية؛ لأنها ليست بقبض تام، فوجب كونه من ضمان البائع، كما لو لم يقبض، رجع المشتري على بائع الثمر التالفة» (١). ويفهم من هذا الكلام أن القبض منه ما هو تام، ومنه ما هو ناقص، وقد اعترف الحنفية بهذا التقسيم للقبض ولكن خصوه فيما فيه حق توفيه فقط، كما تقدم، قال الكاساني: «إن أصل القبض يحصل بالتخلية في سائر الأموال، واختلفوا في أنها هل هي قبض تام فيها، أم لا؟» (٢). وسوف نناقش مسألة وضع الجوائح، ومسألة الضمان، وارتباطه بالتصرف في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 905

الفرع الثاني في كيفية قبض المال المنقول المسألة الأولى في قبض ما فيه حق توفية [م - ١٩٢] إن كان المال المنقول قد بيع على التقدير بالكيل، أو الوزن، فقد اختلف العلماء فيما يحصل به القبض على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن قبضه يكون بتخليته، وأما كيله أو وزنه فهو من تمام قبضه. يوضح ذلك الكاساني في بدائع الصنائع، فيقول: «لا خلاف بين أصحابنا في أن أصل القبض يحصل بالتخلية في سائر الأموال (١)، واختلفوا في أنها هل هي قبض تام فيها، أم لا؟ وجملة الكلام فيه: أن المبيع لا يخلو: إما أن يكون مما له مثل وإما أن يكون مما لا مثل له. فإن كان مما لا مثل له من المذروعات والمعدودات المتفاوتة، فالتخلية فيها قبض تام بلا خلاف حتى لو اشترى مذروعًا مذارعة، أو معدودًا معاددة ووجدت التخلية، يخرج عن ضمان البائع ويجوز له بيعه والانتفاع به قبل الذرع، والعد، بلا خلاف.

стр. 906

وإن كان مما له مثل، فإن باعه مجازفة فكذلك ; لأنه لا يعتبر معرفة القدر في بيع المجازفة. وإن باع مكايلة، أو موازنة في المكيل، والموزون وخلَّى، فلا خلاف في أن المبيع يخرج عن ضمان البائع ويدخل في ضمان المشتري، حتى لو هلك بعد التخلية قبل الكيل والوزن، يملك على المشتري. وكذا لا خلاف في أنه لا يجوز للمشتري بيعه، والانتفاع به قبل الكيل والوزن ..... لكن اختلفوا في أن حرمة التصرف قبل الكيل، أو الوزن؛ لانعدام القبض، بانعدام الكيل، أو الوزن، أو شرعا غير معقول المعنى مع حصول القبض بتمامه بالتخلية؟ قال بعض مشايخنا: إنها تثبت شرعا غير معقول المعنى. وقال بعضهم: الحرمة لمكان انعدام القبض على التمام بالكيل، أو الوزن وكما لا يجوز التصرف في المبيع المنقول بدون قبضه أصلًا، لا يجوز بدون قبضه بتمامه. وجه قول الأولين: ما ذكرنا أن معنى التسليم، والتسلم، يحصل بالتخلية ; لأن المشترى يصير سالمًا، خالصًا للمشتري، على وجه يتهيأ له تقليبه والتصرف فيه، على حسب مشيئته، وإرادته ولهذا كانت التخلية تسليمًا، وقبضًا، فيما لا مثل له، وفيما له مثل، إذا بيع مجازفة ولهذا يدخل المبيع في ضمان المشتري بالتخلية نفسها، بلا خلاف، دل أن التخلية قبض، إلا أن حرمة التصرف مع وجود القبض بتمامه ثبت تعبدًا، غير معقول المعنى والله أعلم. وجه قول الآخرين: تعليل محمد ﵀ في هذه المسألة في كتاب البيوع فإنه قال: ولا يجوز

стр. 907

للمشتري أن يتصرف فيه قبل الكيل ; لأنه باعه قبل أن يقبضه ولم يرد به أصل القبض; لأنه موجود وإنما أراد به تمام القبض والدليل على أن الكيل والوزن في المكيل والموزون الذي بيع مكايلة وموازنة من تمام القبض: أن القدر في المكيل والموزون معقود عليه، ألا ترى أنه لو كيل، فازداد، لا تطيب له الزيادة بل ترد أو يفرض لها ثمن؟ ولو نقص يطرح بحصته شيء من الثمن ولا يعرف القدر فيهما إلا بالكيل والوزن؛ لاحتمال الزيادة والنقصان فلا يتحقق قبض قدر المعقود عليه إلا بالكيل والوزن، فكان الكيل والوزن فيه من تمام القبض (١). خلاصة مذهب الحنفية: اتفق الحنفية مع الجمهور في قضية المنع من التصرف في المبيع الذي فيه حق توفيه، حتى يستوفى بالكيل، أو الوزن، واختلفوا معهم في أن التخلية في مثل هذا تعتبر قبضًا، وأنها تنقل الضمان من البائع إلى المشتري - وسيأتي دراسة ضمان المبيع في مبحث خاص، وكذا التصرف في المبيع قبل قبضه - وإنما البحث هنا، هل التخلية تعتبر قبضًا، أولا تعتبر، فظهر لنا أن الحنفية اختاروا أن التخلية قبض، وأن الكيل، أو الوزن يعتبر من تمام القبض (٢).

стр. 908

القول الثاني: أن التخلية لا تكون قبضًا للمال الذي فيه حق توفية، وإنما قبضه يكون باستيفاء قدره، أي بكيله، إن كان اشتري بكيل، أو بوزنه، إن اشتري بوزن، أو بعده، إن اشتري بالعد، وهكذا، وهذا مذهب المالكية (١). والحنابلة (٢). زاد الشافعية: ونقله بعد تقديره. قال العز بن عبد السلام: «ما جرت العادة بنقله، وهو ضربان: أحدهما: ما يستحق كيله، أو وزنه، فقبضه بكيل مكيله، ووزن موزونه، ثم نقله بعد تقديره» (٣). دليل الجمهور: استدل الجمهور أن الاستيفاء: هو كيل ما اشتري بكيل، أو وزن ما اشتري بوزن، هذا هو الاستيفاء، وإن بقي المبيع عند البائع.

стр. 909

(ح-٩٤) فقد روى الشيخان من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه (١). (ح-٩٥) وفي رواية للشيخين من طريق عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ : من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه (٢). جاء في شرح الزرقاني للموطأ: «جعل مالك رواية (حتى يستوفيه) تفسيرًا لرواية (حتى يقبضه)؛ لأن الاستيفاء لا يكون إلا بالكيل، أو الوزن على المعروف لغة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٢ - ٣]. وقال ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨]. وقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء:٣٥] (٣). وقال ابن عبد البر في التمهيد: «والاستيفاء عنده - يعني مالكًا - وعند أصحابه لا يكون إلا بالكيل، أو الوزن، وذلك عندهم فيما يحتاج إلى الكيل، أو الوزن، مما بيع على ذلك، قالوا: وهو المعروف من كلام العرب في معنى الاستيفاء، بدليل قوله ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢ - ٣]. وقوله ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨]. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء:٣٥]». اهـ (٤).

стр. 910

دليل الشافعية على وجوب النقل بعد الاستيفاء: (ح-٩٦) استدلوا بما رواه الشيخان من طريق عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ : من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه. وفي رواية (حتى يستوفيه) (١). وقد رأى الشافعية أن لفظ (حتى يقبضه) فيه زيادة في المعنى على لفظ (حتى يستوفيه)، فالواجب مجموع اللفظين: الاستيفاء والقبض، أما استيفاء المبيع المنقول من البائع، وتبقيته في منزل البائع، لا يكون قبضًا شرعيًا، حتى ينقله المشتري إلى مكان، لا اختصاص للبائع به (٢). (ح-٩٧) ويدل لذلك ما رواه مسلم من طريق عمر بن محمد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه، ويقبضه (٣). ومن العلماء من قال: رواية (حتى يستوفيه) فيه زيادة في المعنى على رواية (حتى يقبضه) عكس ما قال الشافعية؛ لأنه إذا قبض البعض، وحبس البعض من أجل الثمن، صدق عليه القبض في الجملة، بخلاف الاستيفاء. وقد رأى بعض العلماء أنه جمع بين اللفظين، للإشارة إلى أن الروايتين بمعنى واحد (٤).

стр. 911

قال الكشميري في العرف الشذي: «وأما الفاظ الحديث فثلاثة (حتى يستوفيه) (حتى ينقله) (حتى يقبضه) فزعم الشافعية أن الأصل حتى ينقله، والآخران يحملان عليه. وقال الأحناف: إن الكل صور القبض، أ و كناية عن القبض» (١). قلت: لا يستبعد شذوذ الرواية التي تجمع بين لفظي (القبض والاستيفاء)، ولذلك لم يروها البخاري، وأكثر الروايات إما بلفظ: (حتى يستوفيه) أو لفظ (حتى يقبضه) دون الجمع بينهما، وكأن أحدهما رواية بالمعنى للأخرى، وسوف يأتي تخريج هذه الألفاظ إن شاء الله تعالى في باب التصرف في المبيع قبل قبضه، فانظرها هناك. ولأن الطعام إذا تم استيفاؤه، ولم يبق فيه حق توفية، أصبح حكمه حكم الصبرة من الطعام، قبضه بتخليته، ويجوز بيعه، وإن لم ينقله على الصحيح. * * *

стр. 912

المسألة الثانية القبض في بيع الأثمان بعضها ببعض [م - ١٩٣] لم يختلف الفقهاء في وجوب التقابض في مجلس العقد قبل التفرق في عقد الصرف، قال الحافظ في الفتح: «اشتراط القبض في الصرف متفق عليه» (١). وقال ابن عبد البر: «وهذا أمر مجتمع عليه، لا خلاف فيه والحمد لله» (٢). وقال ابن قدامة: «الصرف: بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته، بلا خلاف. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، والأصل فيه قول النبي ﷺ : الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء .... » (٣). كما حكى الإجماع أيضًا ابن الهمام في فتح القدير (٤)، وابن تيمية (٥)، والنووي في شرح مسلم (٦). واختلفوا في القبض في الصرف في مسألتين:

стр. 913

الأولى: حد القبض فيه. والثانية: اشتراط الفورية. [م - ١٩٤] أما اختلافهم في حد القبض في الصرف، فذهب عامتهم إلى أن القبض بالصرف هو القبض الحقيقي باليد (١). قال ابن الهمام نقلًا من فوائد القدوري: «المراد بالقبض هنا القبض بالبراجم، لا بالتخلية، يريد باليد» (٢). ولأن قبض الأثمان يدخل في قبض ما يتناول باليد، وقبضه يكون بتناوله. قال النووي: «ما يتناول باليد كالدراهم، والدنانير، والمنديل، والثوب، والإناء الخفيف، والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول، بلا خلاف» (٣)، يعني في المذهب. وقال ابن مفلح: «وقبض ما ينقل بنقله، وما يتناول بتناوله» (٤). وقيل: القبض في كل شيء بالتخلية، وهذا مطلقه يدخل فيه عقد الصرف. وجاء في كتاب الإنصاف: «وعنه أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز» (٥). وقال ابن قدامة: «وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل» (٦).

стр. 914

وقال ابن رجب: «والتخلية قبض في المعينات على روايتين» (١). والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في المذهب الحنبلي، فيكون التعيين قبضًا لها في قول. [م - ١٩٥] وأما اشتراط الفورية في القبض، فقد اختلف مالك مع الجمهور، فرأى مالك أن القبض في عقد الصرف يجب أن يكون فورًا، ولا يجوز التراخي فيه، ولو كان العاقدان في المجلس (٢). وذهب الجمهور إلى جواز التراخي في القبض ما دام العاقدان في مجلس العقد (٣). وسيأتي بحث هذه المسألة، وذكر أدلتها في باب الربا والصرف إن شاء الله تعالى، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته. * * *

стр. 915

المسألة الثالثة قبض المنقول مما ليس فيه حق توفية المطلب الأول في قبض الجزاف [م - ١٩٦] اختلف العلماء في قبض ما بيع جزافًا. فقيل: قبضه يكون بالتخلية مع التمييز، ولو لم يحصل تقدير، أو نقل، وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول للمالكية (٢)، وقول عند الشافعية (٣)، وأحد القولين في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: قبض كل نوع منه بحسب العرف، وهذا مذهب المالكية (٥).
следующие страницы →