← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

ويناقش: بأن الزكاة حولية، ويجب ألا يمنع الفقير من حقه في هذا المال، فإذا حبس المال إلى أن يبلغ الصغير تضرر الفقير، ولكن بإمكانه أن يشهد على إخراجها، فتبرأ ذمته بذلك، وهو مؤتمن، والأمين مصدق بما يدعيه حتى يثبت خلافه، والله أعلم. ° الراجح: وجوب الزكاة في مال اليتيم، وأن الوصي يجب عليه إخراجها، وإذا خاف التهمة فعليه أن يشهد على إخراجها، والله أعلم.

стр. 8542

المبحث السابع في المضاربة بمال اليتيم الفرع الأول اتجار الوصي بمال اليتيم لنفسه [م-١٧٢٨] اختلف العلماء في الوصي يتجر بمال اليتيم لنفسه على قولين: القول الأول: نص الحنفية، والمالكية في المشهور والإمام أحمد على أنه لا يجوز للوصي الاتجار لنفسه بمال اليتيم، وبه قال سفيان (١). جاء في الفتاوى الهندية: «ولا يجوز للوصي أن يتجر لنفسه بمال اليتيم أو الميت، فإن فعل، وربح يضمن رأس المال، ويتصدق بالربح في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، كذا في فتاوى قاضي خان» (٢). وقال الباجي في المنتقى: «ولا يثمره لنفسه؛ لأنه حينئذ لا ينظر لليتيم، وإنما ينظر لنفسه» (٣).

стр. 8543

وقال ابن عبد البر: «ولا يتجر به لنفسه ويأخذ فضله، وإن ضمنه، إلا أن يسلفه إياه حاكم مجتهد» (١). القول الثاني: أجاز بعض المالكية أن يتجر به لنفسه بشرط أن يكون عنده وفاء إن عطب، فإن لم يكن عنده وفاء فلا يحل له أن يستسلفه، ولا أن يتجر فيه لنفسه (٢). والراجح الأول . وإذا اتجر به وخسر ضمن الخسارة، وإن ربح، فهل يكون له الربح، أو يكون لليتيم، فيه خلاف بين العلماء القول الأول: أن الوصي يتصدق بالربح، وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن. القول الثاني: الربح للوصي، وهذا قول أبي يوسف. قال الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق نقلًا عن قاضي خان: «لا يجوز للوصي أن يتجر لنفسه بمال اليتيم أو الميت. فإن فعل وربح يضمن رأس المال، ويتصدق بالربح في قول أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف يسلم له الربح ولا يتصدق بشيء» (٣).

стр. 8544

القول الثالث: الربح لليتيم. وهذا نص الإمام أحمد. جاء في مسائل أحمد رواية الكوسج: «سئل سفيان عن الوصي إذا أخذ المال لنفسه؟ قال: هو ضامن؛ لأنه لا يشتري من نفسه. قال أحمد: هو ضامن، وإن اتجر فيه كان الربح لليتيم» (١). وجاء في مسائل أبي داود: «سمعت أحمد، سئل عن الوصي يأخذ مال اليتيم من نفسه مضاربة؟ قال: لا. فإن ربح، الربح لليتيم» (٢). ° الراجح: القول بالمنع؛ لأن تصرف الوصي مقيد بأمرين: الأول: أن يكون تصرف الوصي مما يملك الموصي الإيصاء به، وتكون الوصية إما مطلقة، أو مقيدة، وقد صرح الموصي بتفويض مثل هذا التصرف للوصي. الثاني: أن يكون في ذلك التصرف حظ لليتيم؛ لأن تصرف الوصي مقيد في مصلحة المحجور عليه. ولا يملك الموصي الإيصاء للوصي بالاقتراض من مال المحجور عليه، وليس في ذلك مصلحة لليتيم.

стр. 8545

وإذا اتجر الوصي لنفسه بمال اليتيم فإن ذلك يعني وجوب الضمان عليه لو خسر المال لأمرين: الأول: أنه من قبيل التعدي؛ لأن يد الوصي يد أمانة، وليس من الأمانة أن يأخذ مال اليتيم ويتجر به لنفسه، وإذا تعدى الأمين أو فرط وجب عليه الضمان. الثاني: أنه قد اقترض لنفسه من مال اليتيم، والقرض مضمون بالاتفاق. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن اليتيم لا يجوز له أن يقترض لنفسه من مال اليتيم (١)، وسوف نبحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في فصل مستقل. * * *

стр. 8546

الفرع الثاني في اتجار الوصي لحظ اليتيم [م-١٧٢٩] اختلف الفقهاء في اتجار الوصي بنفسه أو بغيره بمال اليتيم لحظ اليتيم على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز للوصي أن يتجر بمال اليتيم لمصلحة اليتيم، سواء اتجر بذلك بنفسه أو دفعه إلى غيره. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، وأحد القولين في مذهب المالكية، وهو المذهب عند الحنابلة، إلا أنهم قالوا: إذا اتجر به بنفسه كان الربح كله لليتيم (١). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وللوصي أن يدفع المال مضاربة، ويعمل فيه هو مضاربة؛ لأنه قائم مقام الأب، وللأب هذه التصرفات فكذا الوصي، فإن عمل بنفسه أشهد على ذلك» (٢). وقال الشافعي كما في مختصر المزني: «وأحب أن يتجر الوصي بأموال من

стр. 8547

يلي، ولا ضمان عليه، قد اتجر عمر بمال يتيم، وأبضعت عائشة بأموال بني محمد بن أبي بكر في البحر، وهم أيتام تليهم» (١). وقال الخرقي «ويتجر الوصي بمال اليتيم، ولا ضمان عليه، والربح كله لليتيم، إن أعطاه لمن يضارب له به، فللمضارب من الربح ما وافقه الوصي عليه» (٢). وقال ابن قدامة: «وله أن يتجر بماله ..... والربح كله لليتيم؛ لأن المضارب إنما يستحق بعقد، وليس له أن يعقد مع نفسه لنفسه» (٣). وجاء في الروض المربع: «إذا اتجر ولي اليتيم في ماله كان الربح كله لليتيم؛ لأنه نماء ماله، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يعقد الولي لنفسه» (٤). ° دليل من قال: للوصي أن يتجر في مال اليتيم: الدليل الأول: (ث-٢٤٧) ما رواه الدارقطني من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁، قال: ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة (٥).

стр. 8548

[روي موقوفًا ومرفوعًا، والموقوف أصح، ورفعه منكر، وسماع سعيد بن المسيب عن عمر فيه خلاف، والأصح أنه في حكم المتصل] (١). (ث-٢٤٨) وروى ابن زنجويه من طريق أبي نعيم، أخبرنا القاسم بن الفضل، حدثني معاوية بن قرة، حدثني الحكم بن أبي العاص الثقفي، قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ قال لي: «هل قبلكم متجر؟ فإن في يدي مالًا ليتيم قد كادت الصدقة أن تأتي عليه (٢). [سنده صحيح] (٣). الدليل الثاني: (ث-٢٤٩) روى عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عائشة تبضع أموالنا في البحر، وإنها لتزكيه (٤). [سنده صحيح] (٥). (ث-٢٥٠) وروى عبد الرزاق في المصنف عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد قال: كنا يتامى في حجر عائشة، فكانت تزكي أموالنا، ثم دفعته مقارضة فبورك لنا فيه (٦).

стр. 8549

[إسناده صحيح] (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. فالوصي مأمور بما هو أصلح لليتيم وأحسن، والاتجار بمال اليتيم سبب لنمائه، حتى لا تأكله النفقة والصدقة. ولأن الوصي قائم مقام الموصي في ولايته في مال الولد، وقد كان للموصي أن يفعل هذا كله في ماله فكذلك الوصي (٢). القول الثاني: لا يتجر الوصي بمال اليتيم، اختاره بعض الحنفية، ووجه في مذهب الحنابلة. ومنعه أشهب من المالكية، والمشهور من مذهب المالكية كراهة العمل به بنفسه إلا أن يكون يتبرع بذلك، فإنه من المعروف (٣). قال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل: «للوصي أن يدفع مال يتيمه مضاربة ...... ويكره له أن يعمل هو به مضاربة .. » (٤).

стр. 8550

وفي الذخيرة: «ومنع أشهب أن يكون هوعاملًا قياسًا على بيعه من نفسه بجامع التهمة، وأجازه غيره بما يشبه قراض مثله، كشرائه له» (١). ° وجه القول بالمنع: لأن الوصي مفوض إليه حفظ المال، وليس الاتجار به كالمودع المندوب لحفظ ما أودع، فلما لم يجز للمودع أن يتجر بالوديعة طلبًا لربح يعود على مالكها، لم يجز للوصي أن يتجر بمال اليتيم طلبًا لربح يعود عليه. ولأن الإنسان إذا كان هو الذي يلي العمل بمال اليتيم فإنه قد يحابي نفسه على حساب اليتيم. ولأن التجارة بالمال خطر، وطلب الربح به متوهم، فلم يجز أن يتعجل خطرًا متيقنًا، لأجل ربح متوهم (٢). القول الثالث: له أن يتجر بمال اليتيم بنفسه، وليس له أن يدفعه إلى غيره ليعمل به، وهذا اختيار ابن أبي ليلى من الحنفية (٣). ° وجه هذا القول: أن الموصي قد رضيه هو، ولم يرض غيره، وقياسًا على الوكيل، فإن الوكيل ليس له أن يوكل غيره.

стр. 8551

جاء في المبسوط: قال «ابن أبي ليلى ﵀: ليس له أن يفعل شيئًا من ذلك سوى التجارة في ماله بنفسه؛ لأن الموصي جعله قائمًا مقامه في التصرف في المال ليكون المال محفوظًا عنده، وإنما يحصل هذا المقصود إذا كان هو الذي يتصرف بنفسه، فلا يملك دفعه إلى غيره للتصرف كالوكيل» (١). ° القول الراجح: جواز الاتجار به بشرط ألا يستثمره في المعاملات عالية الخطورة، كأسواق الأسهم، وأن يكون استثماره مبنيًا على دراسة وتحر حتى لا يعرض المال لخسارة كبيرة، والله أعلم. * * *

стр. 8552

المبحث الثامن في إقراض مال اليتيم الفرع الأول اقتراض الوصي من مال اليتيم [م-١٧٣٠] اختلف العلماء في اقتراض الوصي لنفسه من مال اليتيم على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة إلى أن الوصي لا يجوز له أن يقترض لنفسه من مال اليتيم (١). قال الحنفية: فإن فعل فإنه يكون ضامنًا، وإذا ضمن فكل ما ينفقه على اليتيم يكون متبرعًا به. جاء في حاشية ابن عابدين: «ولو أخذه الوصي قرضًا لنفسه لا يجوز، ويكون دينًا عليه» (٢).

стр. 8553

وقال أيضًا: «ليس له أن يستقرض لنفسه على الأصح، فلو فعل، ثم أنفق على اليتيم مدة يكون متبرعًا إذا صار ضامنًا» (١). وفي الاختيار لتعليل المختار: «وليس للوصي أن يقترض مال اليتيم، وللأب ذلك، وليس لهما إقراضه، وللقاضي ذلك» (٢). قال الباجي: «للولي: وهو الأب، أو الوصي أن يتجر في أموالهم، وينميها لهم، وأما أن يتسلفها، ويتجر فيها لنفسه كما يفعل من لا خير فيه من الأوصياء، فإن ذلك نظر لأنفسهم دون الأيتام، إلا أن يدعو إلى يسير من ضرورة في وقت، ثم يسرع برده وتنميته للأيتام، فأما أن تصرف منافعه للأيتام، وتحصل التجارة فيه والانتفاع به للأوصياء فذلك إثم لا يحل له؛ لأن الأيتام يملكون رقبة الإملاك، ويملكون الانتفاع بها، فكما ليس للوصي استهلاك الرقبة والاستبداد بها، كذلك ليس له استهلاك المنفعة» (٣). وجاء في كشاف القناع: «ولا يقترض وصي ولا حاكم منه شيئًا لنفسه، كما لا يشتري من نفسه، ولا يبيع لها للتهمة» (٤). القول الثاني: أن الوصي إذا احتاج فله أن يقترض من مال اليتيم، نسبه العيني لبعض الصحابة وجماعة من التابعين، وأجازه محمد بن الحسن من الحنفية بشرط أن يكون قادرًا على الوفاء، وأجازه بعض المالكية بشرط أن يكون يسيرًا.

стр. 8554

قال في عمدة القارئ: «قال بعضهم: إن احتاج الوصي فله أن يقترض من مال اليتيم، فإن أيسر قضاه، وهذا قول عمر بن الخطاب، وعبيدة، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، قال أبو جعفر: وهو قول جماعة من التابعين وغيرهم، وفقهاء الكوفيين عليه أيضًا» (١). وقال ابن عابدين: «ولو أخذه الوصي قرضًا لنفسه لا يجوز، ويكون دينًا عليه. وقال محمد: وأما أنا أرجو أنه لو فعل ذلك، وهو قادر على القضاء لا بأس به» (٢). والراجح القول الأول؛ لأن تصرف الوصي مقيد بالمصلحة، ولا مصلحة في اقتراض الوصي مال اليتيم. * * *

стр. 8555

الفرع الثاني في إقراض الوصي مال اليتيم للغير [م-١٧٣١] اختلف العلماء في في حق الوصي في إقراض مال اليتيم للغير: القول الأول: ليس له إقراضه، وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١). قال الحنفية: فإن فعل فلا يعد خيانة توجب العزل. جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وليس للوصي أن يقترض مال اليتيم، وللأب ذلك، وليس لهما إقراضه، وللقاضي ذلك» (٢). وقال ابن عابدين: «لا يقرض الأب أي في أصح الروايتين .... ولا الوصي، فلو فعل لا يعد خيانة فلا يعزل به» (٣). وجاء في حاشية الدسوقي: «ولا يجوز للوصي تسليفه لأحد على وجه المعروف، ولو أخذ رهنًا؛ إذ لا مصلحة لليتيم في ذلك» (٤).

стр. 8556

وقال القرافي: «ولا يسلف ماله؛ لأنه معروف لا تنمية فيه، إلا أن يتجر له، فيسلف اليسير مما يحتاج إليه مع الناس» (١). ° وجه القول بالمنع: الوجه الأول: أن الوصي إنما يتصرف بمقتضى عقد الوصاية، وإقراض مال اليتيم لا يدخل تحت وصايته؛ لأنه عقد تبرع ابتداء، ولا يملك الوصي التبرع من مال المحجور عليه. الوجه الثاني: أن كل من يتصرف بالنظر لغيره فإن تصرفه مقيد بالمصلحة، ولا مصلحة لليتيم بإقراض ماله للغير، فإن الإقراض يعرض المال للضياع، فقد يعجز المدين عن السداد، وقد يماطل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. فما ليس بأحسن لا يجوز الاقتراب منه، فكيف بمقارفته. القول الثاني: لا يجوز لغير القاضي أن يقرض من مال الصبي والمجنون إلا لضرورة، وهذا مذهب الشافعية (٢).

стр. 8557

ومعلوم أن ما جاز بقيد الضرورة فالأصل فيه المنع والتحريم؛ لأن الضرورة تبيح المحرمات. قال الخطيب في مغني المحتاج: «ولا يجوز لغير القاضي من الأولياء أن يقرض من مال الصبي والمجنون شيئًا إلا لضرورة، كحريق، ونهب، أو أن يريد سفرًا يخاف عليه فيه» (١). القول الثالث: إن كان الحامل على إقراض مال اليتيم الإرفاق بالمقترض فهذا غير جائز، وإن كان الحامل عليه مصلحة اليتيم جاز إقراضه، وهذا مذهب الحنابلة (٢). ولهذا يعتبر إيداع مال الأيتام للبنوك على توصيف أن الودائع هي قروض باعتبار أن البنك يتملكها، ويضمنها، ويستقل باستثمارها، وله غنمها، وعليه غرمها، وهذه طبيعة القروض، إلا أن الإقراض لم يقصد منه الإرفاق بالبنوك، وإنما الحامل عليه مصلحة الأيتام، فيجوز من هذا الباب. جاء في المغني: «فأما قرض مال اليتيم؛ فإذا لم يكن فيه حظ له، لم يجز قرضه ..... قال أحمد: لا يقرض مال اليتيم لأحد يريد مكافأته، ومودته، ويقرض على النظر، والشفقة، كما صنع ابن عمر. وقيل لأحمد: إن عمر استقرض مال اليتيم؟ قال: إنما استقرض نظرًا لليتيم، واحتياطًا، إن أصابه بشيء غرمه.

стр. 8558

قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مال في بلده، فيريد نقله إلى بلد آخر، فيقرضه من رجل في ذلك البلد، ليقضيه بدله في بلده، يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله، أو يخاف عليه الهلاك من نهب، أو غرق، أو نحوهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه، كالحنطة ونحوها، فيقرضه خوفًا أن يسوس، أو تنقص قيمته، وأشباه هذا، فيجوز القرض؛ لأنه مما لليتيم فيه حظ فجاز، كالتجارة به. وإن لم يكن فيه حظ، وإنما قصد إرفاق المقترض، وقضاء حاجته، فهذا غير جائز؛ لأنه تبرع بمال اليتيم، فلم يحز كهبته» (١). ° الراجح: أرى أن مذهب الحنابلة أقوى من حيث النظر؛ إلا أنه لقلة الأمانة في هذا العصر، ودفعًا للتلاعب فإنه يشترط أن يكون ذلك عن طريق إشراف القضاء، والله أعلم. * * *

стр. 8559

المبحث التاسع في رهن الوصي مال الموصى عليه الفرع الأول الرهن بسبب دين أو قرض على الموصى عليه [م-١٧٣٢] ذهب الحنفية والمالكية إلى أن للوصي أن يرهن مال الموصى عليه إذا كان ذلك بسبب دين لزمه بالتجارة. وذهب الجمهور إلى صحة رهن مال اليتيم فيما يبتاعه له من كسوة وطعام إذا كان ذلك في حاجة ومصلحة الموصى عليه، وكان الرهن بيد عدل. واشتراط قيد المصلحة لا يجعل قولهم مختلفًا عن غيرهم، لأن التصرف للغير يشترط فيه المصلحة مطلقًا في الرهن وغيره (١). وإذا لم يكن الرهن بيد ثقة لم يكن ذلك في مصلحة اليتيم. قال الزيلعي: «ولو رهن الوصي مال اليتيم عند الأجنبي بتجارة باشرها، أو

стр. 8560

رهن لليتيم بدين لزمه بالتجارة صح؛ لأنه الأصلح له التجارة تثميرًا لماله، فلا يجد بدا من الرهن؛ لأنه إيفاء واستيفاء» (١). وفي العناية شرح الهداية: «وإن استدان الوصي لليتيم في كسوته وطعامه فرهن به متاعًا لليتيم جاز؛ لأن الاستدانة جائزة للحاجة، والرهن يقع إيفاء للحق فيجوز، وكذلك لو اتجر لليتيم فارتهن، أو رهن؛ لأن الأولى له التجارة تثميرًا لمال اليتيم فلا يجد بدًا من الارتهان والرهن؛ لأنه إيفاء واستيفاء» (٢). جاء في مواهب الجليل: «وللوصي أن يرهن من مال اليتيم رهنًا فيما يبتاع له من مصالحه» (٣). وجاء في شرح الخرشي: «قال ابن القاسم في المدونة: وللوصي أن يرهن من متاع اليتيم رهنًا فيما يبتاع له من كسوة، أو طعام كما يتسلف لليتيم حتى يبيع له بعض متاعه، وذلك لازم لليتيم، وللوصي أن يعطي مال اليتيم مضاربةاهـ، والظاهر أنه محمول على النظر، ولو في رهن الربع فليس كالبيع .... وكذلك للمأذون له في التجارة أن يرهن؛ لأن الإذن فيها إذن في توابعها» (٤). جاء في المهذب: «ويجوز أن يقترض له إذا دعت إليه الحاجة، ويرهن ماله عليه؛ لأن في ذلك مصلحة له فجاز» (٥).

стр. 8561

وقال إمام الحرمين: «الرهن والارتهان منه متقيد بشرط الغبطة، ورعاية المصلحة» (١). وجاء في فتح العزيز: «وحيث جاز للولى الرهن، فالشرط أن يرهن من أمين يجوز الإيداع منه، ولا فرق في جميع ذلك بين الأب، والجد، والوصي، والحاكم، وأمينه» (٢). وقال ابن قدامة: «ولي اليتيم ليس له رهن ماله، إلا عند ثقة يودع ماله عنده، لئلا يجحده أو يفرط فيه فيضيع. قال القاضي: ليس لوليه رهن ماله إلا بشرطين: أحدهما، أن يكون عند ثقة. الثاني، أن يكون له فيه حظ، وهو أن يكون به حاجة إلى نفقة، أو كسوة، أو إنفاق على عقاره المتهدم، أو أرضه، أو بهائمه، ونحو ذلك، وماله غائب يتوقع وروده، أو ثمرة ينتظرها، أو له دين مؤجل يحل، أو متاع كاسد يرجو نفاقه؛ فيجوز لوليه الاقتراض ورهن ماله وإن لم يكن له شيء ينتظره، فلا حظ له في الاقتراض، فيبيع شيئا من أصول ماله، ويصرفه في نفقته. وإن لم يجد من يقرضه، ووجد من يبيعه نسيئة، وكان أحظ من بيع أصله، جاز أن يشتريه نسيئة ويرهن به شيئا من ماله، والوصي والحاكم وأمينه في هذا سواء» (٣).

стр. 8562

وجاء في كشاف القناع: «لولي اليتيم ونحوه رهن ماله لمصلحة ويكون بيد عدل» (١). ° الراجح: نستطيع أن نقول: إن رهن مال الموصى عليه إما أن يكون بسبب الاتجار بماله، أو يكون بسبب حاجته للاقتراض من أجل طعامه وكسوته. فإن كان الرهن بسبب الاتجار بماله، فالذي يمنع من الاتجار بماله ينبغي أن يمنع من رهن ماله بسبب ذلك؛ لأنه مترتب على أمر غير مشروع، وقد حررت الخلاف في حكم اتجار الوصي بمال اليتيم، وقد منعه بعض الحنفية، وهو وجه عند الحنابلة. وقد رجحت أن للوصي الاتجار بماله، وهو فعل عمر وعائشة ﵄، وإذا كان للوصي الاتجار بمال اليتيم تثميرًا له، فإن الرهن من توابع التجارة، فيملكه إيفاء واستيفاء. وإذا كان الرهن بسبب الاقتراض لليتيم بسبب حاجته للطعام والكسوة فإنه ينبغي ألا يختلف في جوازه أحد؛ لأنه قد لا تندفع حاجته إلا بذلك، والله أعلم. * * *

стр. 8563

الفرع الثاني رهن مال اليتيم بدين للوصي [م-١٧٣٣] اختلف الفقهاء في جواز رهن الوصي مال الصغير بدين للوصي عليه، على قولين: القول الأول: لا يصح، وهذا مذهب الجمهور، وإحدى الروايتين في مذهب الحنابلة (١). وفرق الشافعية بين الأب والجد وبين غيرهما من الأولياء، فيجوز للأب والجد رهن مال الصغير من أنفسهما، ولا يجوز لغيرهما ذلك، ووافقهم الحنابلة في الأب. جاء في العناية شرح الهداية: «ولو ارتهنه الوصي من نفسه ... بحق لليتيم عليه لم يجز؛ لأنه وكيل محض، والواحد لا يتولى طرفي العقد في الرهن كما لا يتولاهما في البيع» (٢).

стр. 8564

وجاء في المدونة: «أرأيت إن استدنت دينًا، فرهنت به متاعًا لولدي صغارًا، ولم أستدن الدين على ولدي، أيجوز ذلك عليهم أم لا؟ قال: لا أراه جائزًا. قلت: لم؟ أليس بيعه جائزًا عليهم؟ قال: إنما يجوز بيعه عليهم على وجه النظر لهم. قلت: وكذلك الوصي؟ قال: نعم. قلت: تحفظه عن مالك؟ قال: لا أقوم على حفظه الساعة عن مالك، ولكنه رأيي؛ لأن مالكًا قال: ما أخذ الوالد من مال ولده على غير حاجة فلا يجوز ذلك له» (١). وقال النووي في روضة الطالبين: «حيث جاز الرهن أو الارتهان، جاز للأب والجد أن يعاملا به أنفسهما، ويتوليا الطرفين، وليس لغيرهما ذلك» (٢). جاء في كشاف القناع: «وللأب أن يرتهن مالهما لنفسه، ولا يجوز ذلك لولي غيره» (٣). القول الثاني: أجاز الحنابلة في قول مرجوح في المذهب أنه يجوز للوصي أن يرهن مال اليتيم لنفسه بدين له عليه (٤).

стр. 8565

جاء في الإنصاف: «وللأب أن يرتهن مالهما من نفسه، ولا يجوز لغيره على المذهب. وفي المغني رواية: بالجواز لغيره. قال الزركشي: وفيها نظر» (١). ° الراجح: المال في يد الوصي بمقتضى عقد الوصاية، وهو أمانة في يده، والرهن في يد المرتهن هو أمانة في يده، وكون الوصي يعتبر ما في يده رهنًا أو لا يعتبره كذلك هو في النية، والمرتهن لو احتاج الاستيفاء مما يعتبره رهنًا في يده لا يستوفي ذلك بنفسه، ولكن عن طريق حكم القضاء وإشرافه، وإذا أجاز الشافعية ذلك للأب والجد، وأجاز الحنابلة في المشهور أن ذلك للأب وحده، فالوصي يقوم مقام الأب، لهذا لا أرى أن هناك مفسدة تدفع عن طريق منع رهن مال اليتيم للوصي بدين له على اليتيم، والله أعلم. * * *

стр. 8566

المبحث العاشر في بيع مال الوصي وشرائه الفرع الأول أن يشري ويبيع لأجنبي [م-١٧٣٤] مال الموصى عليه إما أن يكون عقارًا أو منقولًا، فإن كان منقولًا فذهب عامة الفقهاء إلى أنه يجوز له البيع والشراء ما دام ذلك بمثل القيمة أو بغبن يسير؛ لأن الغبن اليسير لا يمكن التحرز منه، فإذا لم يتسامح فيه أدى ذلك إلى إغلاق البيع والشراء. ولا يجوز بيع الوصي بغبن فاحش، وهو ما لا يتغابن فيه الناس عادة (١). لأن تصرفه بمقتضى المصلحة، والبيع بالغبن الفاحش تبرع، وهو لا يملكه، وضرر وإفساد لمال غيره، واستهلاك له، فيمنع منه كما يمنع من التصدق به. جاء في فتح القدير: «ولا يجوز بيع الوصي، ولا شراؤه، إلا بما يتغابن

стр. 8567

الناس في مثله؛ لأنه لا نظر في الغبن الفاحش، بخلاف اليسير؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه، ففي اعتباره انسداد بابه» (١). وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت الوصي، أيجوز له أن يعطي حائط الصبيان مساقاة؟ قال: نعم لأن مالكا قال: بيعه للصبيان وشراؤه جائز» (٢). وجاء في مغني المحتاج: «وله بيع ماله بعرض ونسيئة» (٣). وجاء في مسائل أحمد وإسحاق: «قال: أحمد: الوصي بمنزلة الأب، يبيع إذا رأى صلاحاً. قال إسحاق: كما قال» (٤). [م-١٧٣٥] واختلفوا في البيع بغبن فاحش إذا وقع: فقيل: البيع باطل مردود، وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه. قال ابن عبد البر: «اتفق أهل العلم فيما علمت أن الوكيل، والمأمون ببيع شيء، أو شرائه، إذا باع أو اشترى بما لا يتغابن الناس في مثله، أن فعله ذلك باطل مردود. وكذلك فعل الوصي في مال يتيمه، إذا فعل في البيع له، أو الشراء ما لا يتغابن الناس بمثله؛ لأن ذلك إفساد لمال غيره، واستهلاك، كما لو وهب مال غيره، أو تصدق به بغير إذنه» (٥).

стр. 8568

القول الثاني: اختار ابن الملقن من الشافعية جواز بيع أموال التجارة من غير تقييد بشيء، بل لو رأى البيع بأقل من رأس المال؛ ليشتري بالثمن ما هو مظنة للربح جاز، كما قاله بعض المتأخرين (١). القول الثالث: اختار ابن تيمية أن من تصرف لغيره إن كان قد احتاط في البيع والشراء، واجتهد فيه، ولم يكن الباعث على ذلك محاباة، وقد بذل جهده، واستفرغ وسعه، ثم ظهر غبن لم يقصر فيه، فهو معذور، يشبه فعله خطأ الإمام، أو القاضي؛ لأن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد، ثم يظهر فوات المصلحة، أو حصول المفسدة، ولا لزوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر. وهذا اختيار ابن تيمية. قال ابن تيمية: «وكذلك الشريك، والوصى، والناظر على الوقف، أو بيت المال، ونحو ذلك .... إذا احتاط في البيع والشراء، ثم ظهر غبن، أو عيب، لم يقصر فيه، فهذا معذور يشبه خطأ الإمام أو الحاكم ..... وأبين من هذا الناظر، والوصى، والإمام، والقاضى إذا باع، أو أجر، أو زارع، أو ضارب، ثم تبين أنه بدون القيمة، بعد الاجتهاد، أو تصرف تصرفًا، ثم تبين الخطأ فيه، مثل أن يأمر بعمارة، أو غرس، ونحو ذلك، ثم تبين أن المصلحة كانت في خلافه، وهذا باب واسع .... فإن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة، أو حصول المفسدة، ولا

стр. 8569

لزوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر .... فإن جماع هذا أنه مجتهد مأمور بعمل اجتهد فيه، وكيف يجتمع عليه الأمر والضمان» (١). والتكليف بحسب العلم، فالوصي مأمور بفعل الأصلح بحسب علمه، وأما ما لا يعلمه، فإنه لا يكلف فعله؛ لتعذره عليه. [م-١٧٣٦] وأما في بيع الوصي عقار الموصى عليه، فاختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور إلى التفريق بين العقار والمنقول، فيجوز بيع المنقول مطلقًا، ولا يجوز بيع عقار الصغير إلا لحاجة أو غبطة. جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «وبيع الوصي منقول اليتيم جائز، وليس كالعقار؛ لأنه محفوظ بنفسه .... وفي الذخيرة: الوصي يملك بيع عروض الصغير من غير حاجة، ولا يملك بيع عقاره إلا لحاجة» (٢). هذا من حيث الجملة، أما من حيث التفاصيل فإليك النصوص من كتب المذاهب. ذهب متأخرو الحنفية إلى أن الوصي لا يبيع عقار اليتيم إلا في ثلاث حالات، منها: أن يكون على الميت دين، أو يرغب المشتري فيه بضعف الثمن، أو يكون للصغير حاجة إلى الثمن، وبه يفتى (٣).

стр. 8570

قال الزيلعي: «وقال المتأخرون من أصحابنا لا يجوز للوصي بيع عقار الصغير إلا أن يكون على الميت دين أو يرغب المشتري فيه بضعف الثمن أو يكون للصغير حاجة إلى الثمن قال الصدر الشهيد ﵀، وبه يفتى» (١). وزاد ابن نجيم أربعاً زيادة على ما نقل عن الزيلعي، ثلاث منها نقلًا عن الظهيرية، والرابعة من بيوع الخانية. أحدها: إذا كان في التركة وصية مرسلة لا يمكن تنفيذها إلا منه. الثانية: إذا كانت غلاته لا تزيد على مؤنته. الثالثة: إذا كان حانوتًا أو دارًا يخشى عليه النقصان. والرابعة نقلًا من بيوع الخانية، وهي: إذا كان العقار في يد متغلب، وخاف الوصي عليه، فله بيعه (٢). هذا فيما يخص مذهب المتأخرين على ما نص عليه الزيلعي، وقد علق ابن نجيم، على نص الزيلعي بأن هذا مذهب المتأخرين، فقال: «ليس فيه تعرض لمذهب المتقدمين صريحًا، لا بنفي، ولا بإثبات، فيحتمل أن المتقدمين يقولون بالمنع مطلقًا، أو بالجواز مطلقًا، وقد صرح في البزازية في الفصل الثامن من كتاب البيوع بأن المتقدمين قائلون بالجواز مطلقًا» (٣).

стр. 8571

ومذهب المالكية كمذهب الحنفية، وإن اختلفوا في عدد الحالات التي يسوغ فيها للوصي بيع عقار اليتيم (١). جاء في المدونة: «قلت: هل يبيع الوصي العقار على اليتامى أم لا؟ قال مالك: لا أحب له أن يبيع إلا أن يكون لذلك وجه، مثل أن يكون الملك يجاوره، فيعطيه الثمن الكثير المرغوب فيه، وقد أضعف له في الثمن أو نحو ذلك، أو يكون ليس فيما يخرج منها ما يحمل اليتيم في نفقة اليتيم، فإذا كان هذا وما أشبهه رأيت للوصي أن يبيع. ويجوز ذلك على اليتيم إن كبر» (٢). وقال القرافي في الذخيرة: «ولا يبيع الوصي العقار إلا لأحد ستة أوجه: الحاجة، والغبطة في الثمن الكثير، أو يبيعه لمن يعود عليه بشيء، أو له شقص في دار لا تحمل القسمة، فدعاه شركاؤه للبيع، أو دار واهية، ولا يكون له ما تقوم به، أوله دار بين أهل الذمة» (٣). قال ابن رشد الجد: «لا يجوز للوصي أن يبيع عقار يتيمه إلا لوجوه معلومة قد حصرها أهل العلم بالعد لها» (٤). وذكر ابن عرفة نقلًا من التاج والإكليل: أن حاصل عدها أحد عشر وجهًا: أن يكون عليه دين لا قضاء له من غير ثمنه.

стр. 8572

أن يحتاج اليتيم إلى النفقة. أن يعرض عليه أكثر من ثمنها، أن يكون العقار خربًا، وليس ثم ما يصلحه به، أن يكون فيه شرك ليعوضه بما لا شرك فيه، أن يطلب الشريك بيع ما لا ينقسم، ولا مال لليتيم يبتاع له به تلك الحصة، استبداله بخير منه؛ لأنه لا يعود بنفع، كونه العقار بين أهل الذمة، فيبيعه، ليشتري له بين المسلمين، كونه مثقلاً بالمغرم، أو يخشى عليه النزول (١). وإذا باع الوصي العقار لهذه الأسباب فهل يطالب بالبينة؟ قال ابن رشد: «واختلف الشيوخ المتأخرون هل يصدق الوصي فيها أم لا؟ فقيل: إنه يصدق فيها، ولا يلزمه إقامة البينة عليها. وقيل: إنه لا يصدق فيها، ويلزمه إقامة البينة عليها» (٢). ومنع الشافعية بيع عقار اليتيم إلا لغبطة أو حاجة، وهذا القيد يضبط كل ما ذكره الحنفية والمالكية، فإن غالب الصور التي ذكروها ترجع إلى هذين القيدين (٣). قال الماوردي: «لا يجوز للولي أن يبيع من مال اليتيم عقارًا، أو أرضًا إلا في حالتين: غبطة، أو حاجة، ولا يجوز له فيما سوى هاتين الحالتين أن يبيع ذلك عليه» (٤).

стр. 8573

وقال العمراني في البيان: «وإن ملك الصبي عقارا .. لم يبع عليه إلا في موضعين: أحدهما: أن يكون به حاجة إليه، للنفقة والكسوة، وليس له غيره، ولا تفي غلته بذلك، ولا يجد من يقرضه، فيجوز بيعه. والثاني: أن يكون له في بيعه غبطة، وهو أن تكون له شركة مع غيره، أو بجوار غيره، فيبذل له الغير بذلك أكثر من قيمته، ويؤخذ له مثل ذلك بأقل مما باع به» (١). القول الثاني: العقار كغيره للوصي أن يبيعه بشرطين: الأول: أن يكون ذلك نظرًا لهم، ولو بلا ضرورة، أو زيادة على ثمن مثله. الشرط الثاني: أن يكون البيع بثمن المثل، فإن نقص عن ثمن المثل لم يصح. وهذا مذهب الحنابلة (٢). قال أبو دواد: سمعت أحمد سئل، عن بيع الوصي الدور على الصغار؟ قال: إذا كان نظرًا لهم فهو جائز (٣). وهذا شرط في كل من تصرف لغيره فإنه على النظر والمصلحة.

стр. 8574

وجاء في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج: «قال: أحمد الوصي بمنزلة الأب، يبيع إذا رأى صلاحًا. قال إسحاق: كما قال» (١). وإذا كان الوصي قائمًا مكان الأب، وللأب بيع الكل عقارًا كان أو منقولًا فالوصي كذلك. وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وله ـ يعني الوصي ـ بيع عقارهما لمصلحة، ولو لم يحصل زيادة على ثمن مثله. وأنواع المصلحة كثيرة: إما لاحتياج إلى نفقة، أو كسوة، أو قضاء دين، أو ما لابد منه، وليس له ما تندفع به حاجته، أو يخاف عليه الهلاك بغرق، أو خراب ونحوه، أو يكون في بيعه غبطة: وهي أن يبذل فيه زيادة كثيرة على ثمن مثله، ولا يتقيد بالثلث، أو يكون في مكان لا ينتفع به، أو نفعه قليلًا فيبيعه ويشتري له في مكان يكثر نفعه، أو يرى شيئًا يباع في شرائه غبطة، ولا يمكنه شراؤه إلا ببيع عقاره، وقد تكون داره في مكان يتضرر الغلام بالمقام فيه لسوء الجوار، أو غيره فيبيعها، ويشتري له بثمنها دارًا يصلح له المقام بها، وأشباه هذا مما لا يحصر» (٢). وقال في المبدع: «متى كان الحظ في بيعه جاز، وإلا فلا، وهذا اختيار شيخنا، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وحاصله أنه لا يباع إلا بثمن المثل، فلو نقص منه لم يصح، ذكره في المغني، والشرح» (٣).

стр. 8575

° الراجح: مذهب الحنابلة أقرب من قول الجمهور، فالأمر في تصرف الوصي أنه مقيد بالمصلحة، عقارًا كان أو منقولًا، والله أعلم. * * *

стр. 8576

الفرع الثاني بيع الوصي وشراؤه من نفسه [م-١٧٣٧] اختلف الفقهاء في شراء الوصي مال اليتيم لنفسه، وبيع ماله على اليتيم على قولين: القول الأول: إن باع الوصي أو اشترى مال اليتيم من نفسه، فإن كان وصي القاضي لا يجوز مطلقًا، وإن كان وصي الأب جاز بشرط منفعة ظاهرة للصغير، وهذا قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف (١). وصحح مالك في قول، والحنابلة في إحدى الروايتين بيع الوصي وشراءه لنفسه (٢). جاء في بدائع الصنائع: «وأما الوصي إذا باع مال نفسه من الصغير، أو اشترى مال الصغير لنفسه، فإن لم يكن فيه نفع ظاهر؛ لا يجوز بالإجماع، وإن كان فيه نفع ظاهر؛ جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف» (٣). وفي تبيين الحقائق: «إذا اشترى شيئًا من مال اليتيم لنفسه، أو باع شيئًا منه

стр. 8577

من نفسه جاز عند أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهما الله، إذا كان لليتيم فيه منفعة ظاهرة، وتفسيره أن يبيع: ما يساوي خمسة عشر بعشرة من الصغير، أو يشتري ما يساوي خمسة عشر بعشرة للصغير من نفسه، وأما إذا لم يكن فيه منفعة ظاهرة لليتيم فلا يجوز .... هذا في وصي الأب، وأما وصي القاضي فلا يجوز بيعه من نفسه بكل حال؛ لأنه وكيله، وللأب أن يشتري شيئًا من مال الصغير لنفسه إذا لم يكن فيه ضرر على الصغير، بأن كان بمثل القيمة أو بغبن يسير» (١). وقال ابن رجب: «ومنها شراء الوصي من مال اليتيم، وحكمه حكم شراء الوكيل، وفيه روايتان منصوصتان، ولم يذكر ابن أبي موسى فيه سوى المنع» (٢). وقال ابن قدامة: «الرواية الثانية عن أحمد: يجوز لهما ـ يعني الوكيل والوصي ـ أن يشتريا بشرطين: أحدهما: أن يزيدا على مبلغ ثمنه في النداء. والثاني: أن يتولى النداء غيره. قال القاضي: يحتمل أن يكون اشتراط تولي غيره النداء واجبًا، ويحتمل أن يكون مستحبًا، والأول أشبه بظاهر كلامه. وقال أبو الخطاب: الشرط الثاني، أن يولي من يبيع، ويكون هو أحد المشترين» (٣).

стр. 8578

القول الثاني: لا يجوز للوصي أن يبيع أو يشتري من مال الموصى عليهم مطلقًا، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، وأظهر الروايتين عن أبي يوسف، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة. وقال المالكية: لا يفعل، فإن فعل نظر الحاكم فيه، فإن وجد في ذلك مصلحة لليتيم أمضاه، وإلا رده (١). جاء في المدونة: «كره مالك أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه. قال مالك: فإذا فعل ذلك نظر السلطان في ذلك، فإن كان خيرا لليتيم أمضاه على الوصي» (٢). وجاء في مسائل أحمد: قال أحمد: الوصي لا يشتري من مال الذي يلي شيئًا (٣). ° دليل من قال: يجوز إن كان في ذلك نفع لليتيم: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].

стр. 8579

فإذا كان البيع والشراء أحسن لليتيم كان الوصي مأذونًا له في قربه. ولأن ما جاز للأب جاز للوصي؛ لأنه نائب عن الأب وقائم مقامه. ° دليل من قال: لا يشتري ولا يبيع لنفسه: أن الوصي إذا باع واشترى من نفسه كان متهمًا في محاباة نفسه، لأن الإنسان مطبوع على محاباة نفسه، وعقد الوصاية يقتضي أن يستقصي لليتيم، والغرضان متنافيان، وقد يشتري من مال اليتيم ما لا حظ لليتيم في بيعه، وقياسًا على الوكيل، فإن الأصح أن الوكيل لا يبيع ولا يشتري من نفسه، بل التهمة في الوصي آكد من الوكيل؛ لأن الوكيل يتهم في ترك الاستقصاء في الثمن لا غير، والوصي يتهم في ذلك، وفي أنه يشتري من مال اليتيم ما لا حظ لليتيم في بيعه، فكان أولى بالمنع. ° الراجح: القول بالمنع خاصة في هذه الأزمان حيث قلت الأمانة في الناس، وكثر أكل أموال الناس بالباطل، والله أعلم. * * *

стр. 8580

المبحث الحادي عشر في أخذ الوصي أجرة على عمله [م-١٧٣٨] إذا أوصى الرجل، ولم يعين للوصي شيئًا، فهل له أن يأخذ على قدر عمله؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: مذهب الحنفية: ذهب الحنفية إلى أن الوصي إما أن يكون وصي الميت، أو يكون وصي القاضي، والأول لا أجر له على الصحيح، والثاني له أجر المثل، فإن جعل القاضي له أكثر من أجر المثل رد الزائد (١). القول الثاني: مذهب المالكية: للقاضي أن يفرض للوصي أجرة على نظره إذا كان ذلك سدادًا للأيتام (٢). وظاهره من غير فرق بين أن يكون وصيًا من الأب، أو من قبل القاضي. جاء في منح الجليل نقلًا من نوازل ابن الحاج: «للقاضي أن يفرض للوصي أجرة على نظره» (٣).
следующие страницы →