الفرع الثاني
بيع الوصي وشراؤه من نفسه
[م-١٧٣٧] اختلف الفقهاء في شراء الوصي مال اليتيم لنفسه، وبيع ماله على اليتيم على قولين:
القول الأول:
إن باع الوصي أو اشترى مال اليتيم من نفسه، فإن كان وصي القاضي لا يجوز مطلقًا، وإن كان وصي الأب جاز بشرط منفعة ظاهرة للصغير، وهذا قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف (١).
وصحح مالك في قول، والحنابلة في إحدى الروايتين بيع الوصي وشراءه لنفسه (٢).
جاء في بدائع الصنائع: «وأما الوصي إذا باع مال نفسه من الصغير، أو اشترى مال الصغير لنفسه، فإن لم يكن فيه نفع ظاهر؛ لا يجوز بالإجماع، وإن كان فيه نفع ظاهر؛ جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف» (٣).
وفي تبيين الحقائق: «إذا اشترى شيئًا من مال اليتيم لنفسه، أو باع شيئًا منه
стр. 8577
من نفسه جاز عند أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهما الله، إذا كان لليتيم فيه منفعة ظاهرة، وتفسيره أن يبيع: ما يساوي خمسة عشر بعشرة من الصغير، أو يشتري ما يساوي خمسة عشر بعشرة للصغير من نفسه، وأما إذا لم يكن فيه منفعة ظاهرة لليتيم فلا يجوز .... هذا في وصي الأب، وأما وصي القاضي فلا يجوز بيعه من نفسه بكل حال؛ لأنه وكيله، وللأب أن يشتري شيئًا من مال الصغير لنفسه إذا لم يكن فيه ضرر على الصغير، بأن كان بمثل القيمة أو بغبن يسير» (١).
وقال ابن رجب: «ومنها شراء الوصي من مال اليتيم، وحكمه حكم شراء الوكيل، وفيه روايتان منصوصتان، ولم يذكر ابن أبي موسى فيه سوى المنع» (٢).
وقال ابن قدامة: «الرواية الثانية عن أحمد: يجوز لهما ـ يعني الوكيل والوصي ـ أن يشتريا بشرطين:
أحدهما: أن يزيدا على مبلغ ثمنه في النداء.
والثاني: أن يتولى النداء غيره.
قال القاضي: يحتمل أن يكون اشتراط تولي غيره النداء واجبًا، ويحتمل أن يكون مستحبًا، والأول أشبه بظاهر كلامه.
وقال أبو الخطاب: الشرط الثاني، أن يولي من يبيع، ويكون هو أحد المشترين» (٣).
стр. 8578
القول الثاني:
لا يجوز للوصي أن يبيع أو يشتري من مال الموصى عليهم مطلقًا، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، وأظهر الروايتين عن أبي يوسف، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة.
وقال المالكية: لا يفعل، فإن فعل نظر الحاكم فيه، فإن وجد في ذلك مصلحة لليتيم أمضاه، وإلا رده (١).
جاء في المدونة: «كره مالك أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه. قال مالك: فإذا فعل ذلك نظر السلطان في ذلك، فإن كان خيرا لليتيم أمضاه على الوصي» (٢).
وجاء في مسائل أحمد: قال أحمد: الوصي لا يشتري من مال الذي يلي شيئًا (٣).
° دليل من قال: يجوز إن كان في ذلك نفع لليتيم:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
стр. 8579
فإذا كان البيع والشراء أحسن لليتيم كان الوصي مأذونًا له في قربه.
ولأن ما جاز للأب جاز للوصي؛ لأنه نائب عن الأب وقائم مقامه.
° دليل من قال: لا يشتري ولا يبيع لنفسه:
أن الوصي إذا باع واشترى من نفسه كان متهمًا في محاباة نفسه، لأن الإنسان مطبوع على محاباة نفسه، وعقد الوصاية يقتضي أن يستقصي لليتيم، والغرضان متنافيان، وقد يشتري من مال اليتيم ما لا حظ لليتيم في بيعه، وقياسًا على الوكيل، فإن الأصح أن الوكيل لا يبيع ولا يشتري من نفسه، بل التهمة في الوصي آكد من الوكيل؛ لأن الوكيل يتهم في ترك الاستقصاء في الثمن لا غير، والوصي يتهم في ذلك، وفي أنه يشتري من مال اليتيم ما لا حظ لليتيم في بيعه، فكان أولى بالمنع.
° الراجح:
القول بالمنع خاصة في هذه الأزمان حيث قلت الأمانة في الناس، وكثر أكل أموال الناس بالباطل، والله أعلم.
* * *
стр. 8580
المبحث الحادي عشر
في أخذ الوصي أجرة على عمله
[م-١٧٣٨] إذا أوصى الرجل، ولم يعين للوصي شيئًا، فهل له أن يأخذ على قدر عمله؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية إلى أن الوصي إما أن يكون وصي الميت، أو يكون وصي القاضي، والأول لا أجر له على الصحيح، والثاني له أجر المثل، فإن جعل القاضي له أكثر من أجر المثل رد الزائد (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
للقاضي أن يفرض للوصي أجرة على نظره إذا كان ذلك سدادًا للأيتام (٢).
وظاهره من غير فرق بين أن يكون وصيًا من الأب، أو من قبل القاضي.
جاء في منح الجليل نقلًا من نوازل ابن الحاج: «للقاضي أن يفرض للوصي أجرة على نظره» (٣).
стр. 8581
القول الثالث: مذهب الشافعية:
أن الوصي إما أن يكون أجنبيًا أو يكون أبًا أو جدًا أو أمًا.
فإن كان أجنبيًا فله أن يأخذ من مال الطفل قدر أجرة عمله، فإن كانت لا تكفيه أخذ قدر كفايته بشرط الضمان.
وإن كان أبًا أو جدًا أو أماً، فإن كان غنيًا لم يأخذ شيئًا، وإن كان فقيرًا، وشغله ذلك عن التكسب لنفسه كانت نفقته على الطفل بالمعروف، ولا يحتاج إلى إذن حاكم، وهل عليه ضمان ما أكله من مال اليتيم إذا أيسر، قولان في مذهب الشافعية، أصحهما لا ضمان عليه؛ لأن الله تعالى أباح الأكل، ولم يوجب الضمان؛ ولأن ذلك استحقه بحاجته وعمله في ماله، فلم يلزم رد بدله (١).
لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
وللماوردي تفصيل في أجرة الوصي من أحسن ما قيل في أجرة الوصي، فقد قسم الوصي إلى قسمين: إما أن يكون متبرعًا وإما أن يكون ذلك بجعل.
فإن تطوع فهو تبرع محض، وإن كان عمله بجعل، فإما أن يكون ذلك بعقد، أو بغير عقد.
فإن كان بعقد فهي إجارة لازمة، ليس له الرجوع عنها، وإن ضعف عنها، استأجر عليه من ماله من يقوم مقامه فيما ضعف عنه.
стр. 8582
وإن كان بغير عقد فهي جعالة، ثم هي ضربان: معينة، وغير معينة.
فإن كانت معينة: كأنه قال: إن قام زيد بوصيتي له مائة درهم، فإن قام بها غير زيد، فلا شيء له.
وإن كانت غير معينة: كقوله: من قام بوصيتي هذه فله مائة درهم: فأي الناس قام بها، وهو من أهلها، فله المائة.
فإن قام بها جماعة: كانت المائة بينهم.
وإن كان عمله بجعل لم يخل الوصي من أحد أمرين.
إما أن يكون وصيًا في كل المال، أو في بعضه.
فإن كان وصيًا في جميع المال لم يخل حال ما جعله له من الأجرة من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يجعل أجره من رأس المال.
والثاني: أن يجعل أجره من الثلث.
والثالث: أن يطلق.
فإن جعله من رأس ماله، نظر: فإن لم يكن في الأجرة محاباة، كانت من رأس ماله، وإن كانت فيها محاباة: كانت أجرة المثل من رأس المال، وما زاد عليها من المحاباة تكون في الثلث.
وإن جعل أجرته من الثلث، كانت في ثلثه، فإن لم يكن في الأجرة محاباة، وعجز الثلث عنها: تممت له الأجرة من رأس المال.
وإن كان في أجرة هذا الوصي محاباة، كانت له أجرة المثل من الثلث فإن
стр. 8583
عجز الثلث عنها تممت له من رأس المال، وكانت المحاباة وصية يضارب بها مع أهل الوصايا ويسقط منها ما عجز الثلث عنه.
وإن أطلق أجرة الوصي ولم يجعلها من رأس ماله ولا من ثلثه: فهي من رأس ماله، إن لم يكن فيها محاباة، وإن كان في الأجرة محاباة كان قدر أجرة المثل من رأس المال، وكانت قدر المحاباة في الثلث.
وإن كان وصيًا في بعض ماله، ولم يكن فيها محاباة نظر: فإن كان وصيًا في تأدية حقوق، فأجرته من رأس المال.
وإن كان وصيًا في تفريق ثلث، فأجرته مقدمة في الثلث، وإن كان وصيًا على يتيم، فأجرته في مال اليتيم.
هذا ملخص ما ذكره الماوردي في الحاوي (١).
القول الرابع: مذهب الحنابلة .
ذهب الحنابلة إلى أنه إن فرض الموصي أو الحاكم شيئًا للوصي جاز له أخذه، ولو كان غنيًا.
وإن لم يُفرَض له شيء فالصحيح من المذهب أن له أن يأكل بقدر الأقل من أجرة مثله، أو قدر كفايته، ومحل ذلك في غير الأب، فأما الأب فيجوز له الأكل مع الحاجة وعدمها بجهة التملك، ولا يلزمه عوضه (٢).
стр. 8584
جاء في الإقناع: «وللولي المحتاج غير الحاكم وأمينه أن يأكل من مال المولي عليه الأقل من أجرة مثله، أو قدر كفايته، ولو لم يقدره حاكم، ولا يلزمه عوضه إذا أيسر، وإن كان غنيًا لم يجز له ذلك إذا لم يكن أبًا، فإن فرض للولي الحاكم شيئًا جاز له أخذه مجانًا ولو مع غناه» (١).
وقال ابن قدامة: «ويجوز أن يجعل للوصي جعلًا؛ لأنها بمنزلة الوكالة، والوكالة تجوز بجعل، فكذلك الوصية. وقد نقل إسحاق بن إبراهيم، في الرجل يوصي إلى الرجل، ويجعل له دراهم مسماة، فلا بأس» (٢).
وجاء في الإنصاف: «الصحيح من المذهب: أنه لا يأكل من مال المولى عليه إلا مع فقره وحاجته، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم ...... ومحل الخلاف أيضا: إذا لم يفرض له الحاكم، فإن فرض له الحاكم شيئًا: جاز له أخذه مجانًا مع غناه بغير خلاف» (٣).
وتكلم ابن رجب في الأكل من الأموال بغير إذن مستحقيها في قواعده، فجاء على ذكر أكل الولي، فقال: «إن كانت الولاية لمصلحة المولى عليه فالمنصوص جواز الأكل منه أيضا بقدر عمله.
ويتخرج على ذلك صور: منها ولي اليتيم يأكل مع الحاجة بقدر عمله، وهل يرده إذا أيسر؟ على روايتين ...
ولو فرض له الحاكم شيئًا جاز له أخذه مجانًا بغير خلاف، هذا ظاهر كلام
стр. 8585
القاضي ونص عليه أحمد في (رواية البرزاطي) في الأم الحاضنة أنها لا تأكل من مال ولدها إلا لضرورة إلا أن يفرض لها الحاكم في المال حق الحضانة.
ووجهه: أن من أعطاه غيره فله الأخذ مع الغنى بخلاف الأخذ بنفسه، ولهذا أجاز للوصي الأخذ إذا شرط له الأب مع غناه، وجاز للولي أن يدفع مال اليتيم مضاربة إلى من يعمل فيه بجزء من ربحه، ولم يجز له إذا عمل فيه بنفسه أن يأخذ، ولهذا المعنى جاز الأخذ لعامل الزكاة مع الغنى لأن المعطي له هو الإمام ... » (١).
° الراجح:
أن من يقوم على الصغير إما أن يكون أجنبيًا فله أجر عمله ما لم يكن متبرعًا؛ لأنه لا يلزم أحد أن يتبرع بعمله بدون مقابل، وإن كان وليًا من أب أو جد فإن كان غنيًا فإنه مأمور بالاستعفاف، وإن كان فقيرًا فإنه يأكل بالمعروف، والله أعلم (٢).
стр. 8586
الفصل السابع
في تعدد الأوصياء
المبحث الأول
إذا أوصى إلى أكثر من شخص وأطلق الوصية
[م-١٧٣٩] إذا أوصى إلى رجل ثم أوصى إلى آخر، فإن نص على أنه قد عزل الأول، فالثاني هو الوصي وحده، وإن لم ينص على ذلك، وكان الإيصاء مطلقًا من غير تخصيص أو تقييد، بالانفرد أو بالاجتماع، فهما وصيان؛ لأن الوصية الثانية ليست عزلًا للأول، وهل ينفرد أحدهما بالتصرف، في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
لا ينفرد أحدهما بالتصرف، وهذا مذهب أبي حنفية، ومحمد بن الحسن، ومذهب المالكية، والحنابلة (١).
стр. 8587
قال ابن عابدين نقلًا عن التتارخانية: «أوصى إلى رجل، ومكث زمانًا، فأوصى إلى آخر، فهما وصيان في كل وصاياه، سواء تذكر إيصاءه إلى الأول، أو نسي؛ لأن الوصي عندنا لا ينعزل ما لم يعزله الموصي، حتى لو كان بين وصيتيه مدة سنة أو أكثر لا ينعزل الأول عن الوصاية» (١).
وجاء في منح الجليل: «لو أوصى إلى أحدهما أولًا، ثم أوصى إلى الآخر ثانيًا، كقولها، فمن أوصى بشيء معين لزيد، ثم أوصى به لعمرو أنه بينهما» (٢).
وقال الدردير: «وإن أوصى لاثنين بلفظ واحد كجعلتكما وصيين، أو بلفظين في زمن واحد، أو زمنين من غير تقيد باجتماع أو افتراق حمل على قصد التعاون فلا يستقل أحدهما ببيع، أو شراء، أو نكاح، أو غير ذلك بدون صاحبه إلا بتوكيل منه» (٣).
وقال النووي: «قال: أوصيت إلى زيد، ثم قال: أوصيت إلى عمرو، لم يكن عزلًا لزيد، ثم إن قبلا، فهما شريكان، وليس لأحدهما الانفراد بالتصرف على الصحيح، وبه قطع المتولي» (٤).
وجاء في مسائل أحمد وإسحاق: «قال سفيان: إذا أوصى اليوم إلى رجل، وغدًا إلى رجل، ثم أوصى إلى رجل، هم أوصياء كلهم.
قال أحمد: هم أوصياء حتى يقول قد أخرجت فلانًا.
стр. 8588
قال إسحاق: هو كما قال، إلا أن يكون هناك دلالة بإخراج الأول والثاني» (١).
° وجه هذا القول:
أنه إذا أوصى إلى شخص، ثم أوصى إلى شخص آخر فقد وجدت الوصية إليهما من غير عزل واحد منهما، فكانا وصيين، كما لو أوصى إليهما دفعة واحدة، ولأن الوصي لا ينعزل إلا بالنص على عزله، ولم يوجد.
واستثنى الحنفية والشافعية بعض التصرفات فأجازوا لكل واحد الانفراد بها للضرورة.
وقد مثل الحنفية بذلك: بشراء كفن للميت، وتجهيزه، ففي اشتراط اجتماعهما فساد الميت، ومثله طعام الصغار وكسوتهم، لأن في تأخير ذلك ضررًا على الصغار، وكذلك في رد الوديعة بعينها، وقضاء دين، وتنفيذ وصية بعينها، وعتق عبد بعينه، لعدم الاحتياج إلى الرأي، وكذلك الخصومة في حقوق الميت؛ لأنهما لا يجتمعان عليه عادة، ولو اجتمعا لا يتكلم إلا أحدهما غالبًا، ومثل ذلك بيع ما يخاف تلفه، وجمع أموال ضائعة؛ لأن هذا ضرورة (٢).
ومثل الشافعية بما قاله النووي، جاء في الروضة: «إذا أوصى إلى اثنين، فإن كانت في رد الودائع أو الغصوب والعواري وتنفيذ الوصية المعينة وقضاء الدين الذي في التركة من جنسه، فلكل منهما الانفراد به؛ لأن صاحب الحق مستقل في هذه الصور بالأخذ» (٣).
стр. 8589
القول الثاني:
إن أوصى إلى كل واحد منهما بالانفراد كان له أن يتصرف دون الآخر، وإن أوصى إليهما معًا لم ينفرد أحدهما بالتصرف، وهذا اختيار بعض الحنفية (١).
° وجه هذا القول:
أن الموصي لما لم يوص إليهما معًا كان لكل واحد منهما أن يتصرف مستقلًا عن الآخر، فالموصي قد فوض لكل واحد منهما التصرف على وجه الاستقلال عن الآخر، ولم يشترط الموصي اتفاقهما على التصرف، والأصل عدم الاشتراط.
القول الثالث:
وقال أبو يوسف: ينفرد كل واحد منهما بالتصرف مطلقًا في جميع الأشياء؛ لأن الولاية وصف شرعي لا تتجزأ، وبه قال البغوي من الشافعية (٢).
° الراجح:
أن الموصي إذا أوصى إلى أكثر من شخص، وكانت الوصية مطلقة، بحيث لم يخص أحدهما بتصرف خاص كما لو أوصى له بقضاء دين، أو رد وديعة، بل أطلق لكل وحد الوصية، كان التصرف لهما على سبيل الاجتماع والاتفاق، ولم ينفرد أحدهما بالتصرف؛ لأن الموصي أراد من الإيصاء إلى أكثر من شخص ألا ينفرد أحدهما دون الآخر، والله أعلم.
* * *
стр. 8590
المبحث الثاني
إذا أوصى إلى اثنين وقيد الوصية
نفوذ التصرف منوط بالإذن.
[م-١٧٤٠] إذا أوصى إلى شخص، ثم أوصى إلى آخر، وقيد الوصية بأن خص أحدهما بالوصية في شيء معين، كالوصية رعاية أولاده، وخص الآخر بالوصية في قضاء دينه، فهل يصير وصيًا في ذلك الشيء المعين، أو يتعداه إلى غير ما أوصى به؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إذا أوصى إلى رجلين، أحدهما في الدين، والآخر في العين، يكون كل منهما وصيًا في العين والدين (١).
وكذا إذا أوصى إلى رجل بشيء معين، كما لو أوصى إلى شخص بالنظر في ماله صار وصيًا في ماله وولده، وسائر أسبابه؛ لأن الوصاية لا تقبل التخصيص بنوع، أو مكان، أو زمان، بل تعم.
وإن أوصى إليه القاضي صار وصيًا في ذلك الشيء خاصة، فهي تقبل التخصيص، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف (٢).
стр. 8591
ونقل ابن العربي المالكي في بعض كتبه الخلافية كقول أبي حنيفة (١).
القول الثاني:
إذا أوصى إليه بشيء بعينه لم يكن وصيًا في غيره، فلو أوصى لشخص بالنظر في المال، وأوصى لآخر بقضاء الدين واقتضائه، أو رد الودائع واستردادها، كان لكل واحد منهما ما جعل إليه دون غيره.
وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، إلا أن المالكية قالوا: لو أوصى له على بيع تركته، وقبض ديونه، فزوج بناته ممن لا تجبر على الزواج بإذنهن، فإن ذلك لا يجوز ابتداء، وإن وقع صح، وإن زوج من تجبر فإنه يفسخ أبدًا (٢).
وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة، وبيان الراجح في مسألة الوصية المطلقة والمقيدة فأغنى ذلك عن إعادتها.
* * *
стр. 8592
الفصل الثامن
في اختلاف الوصي والموصى عليه
المبحث الأول
في الاختلاف في مقدار النفقة
[م-١٧٤١] إذا اختلف الوصي والموصى عليه في أصل النفقة، كأن يقول الوصي: أنفقت عليك، ويقول الموصى عليه: لم تنفق علي. أو اختلفا في قدرها، كأن يقول الوصي: أنفقت عليك في كل سنة مائة دينار، فيقول الموصى عليه: بل خمسين، فالقول قول الوصي في الجملة عند عامة الفقهاء؛ لأنه أمين، ولأن الإشهاد على النفقة فيه مشقة، إلا أن الفقهاء يختلفون في وضع بعض الشروط لقبول قول الوصي، وإليك بيان هذه الشروط في كل مذهب:
القول الأول: مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية إلى أن كل شيء كان الوصي مسلطًا عليه فإنه يقبل قوله، ولا يطالب ببينة، ومن ذلك ما يدعيه من الإنفاق إذا كان ذلك في نفقة مثله، وهي عندهم ما يكون بين الإسراف والتقتير، فإن ادعى أكثر من نفقة المثل لم يقبل إلا أن يفسر دعواه بتفسير محتمل، كأن يدعي أنه اشترى لهم نفقة، فسرقت، ثم اشترى أخرى فهلكت، فإذا فسر ذلك قبل بيمينه، لأنه أمين، ولو كلف البينة على النفقة لشق عليه، إلا في مسائل سنذكرها إن شاء الله تعالى.
стр. 8593
وهل يقبل قوله مع يمينه، أو لا يطالب باليمين، قولان في مذهب الحنفية (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «قال محمد رحمه الله تعالى: إذا قال الوصي لليتيم: أنفقت مالك عليك في كذا وكذا سنة، فإنه يصدق في نفقة مثله في تلك المدة، ولا يصدق في الفضل على نفقة مثله، ثم نفقة المثل: ما يكون بين الإسراف والتقتير، كذا في المحيط» (٢).
وقال ابن عابدين: «إذا ادعى الزائد على نفقة المثل إنما لا يصدق إذا لم يفسر دعواه بتفسير محتمل كقوله: اشتريت طعامًا فسرق، ثم اشتريت ثانيًا وثالثًا، فيصدق بيمينه لأنه أمين» (٣).
стр. 8594
قال أيضًا نقلًا من الأصل: «إذا ادعى نفقة المثل، أو أزيد بيسير وإلا فلا يصدق ويضمن، ما لم يفسر دعواه بتفسير محتمل، كقوله: اشتريت لهم طعامًا فسرق، ثم اشتريت ثانيًا، وثالثًا، فهلك، فيصدق بيمينه؛ لأنه أمين» (١).
وقال ابن عابدين: «إن كان تصرفًا هو مسلط على ذلك من جهة الشرع، فإنه يصدق فيه، ويقبل قوله بيمينه، وإن كان تصرفًا لم يكن هو مسلطا عليه من جهة الشرع، فإنه لا يصدق فيه، ولا يقبل قوله بدون البينة، فإن قال أنفقت عليك مالك في صغرك، والنفقة نفقة مثله في المدة، وأنكر الصغير، صدق الوصي بيمينه؛ لأنه مسلط على الإنفاق بنفقة المثل شرعًا، أما لو لم تكن النفقة نفقة المثل، وكان زائدًا عليه بكثير، لا يصدق في الفضل؛ لأنه ليس بمسلط عليه شرعًا؛ لأنه إسراف فلا يصدق بيمينه» (٢).
وجاء في مجمع الضمانات: «والحاصل: أن الوصي يقبل قوله فيما يدعيه إلا في مسائل:
الأولى: ادعى قضاء دين الميت.
الثانية: ادعى أن اليتيم استهلك مالًا لآخر فدفع ضمانه.
الثالثة: ادعى أنه أدى جعل عبده الآبق من غير إجارة.
الرابعة: ادعى أنه أدى خراج أرضه في وقت لا تصلح للزراعة.
الخامسة: ادعى الإنفاق على محرم اليتيم.
стр. 8595
السادسة: ادعى أنه أذن لليتيم في التجارة، وأنه ركبه ديون فقضاها عنه.
السابعة: ادعى الإنفاق عليه من مال نفسه حال غيبة ماله، وأراد الرجوع.
الثامنة: ادعى الإنفاق على رقيقه الذين ماتوا.
التاسعة: اتجر، وربح، ثم ادعى أنه كان مضاربًا.
العاشرة: ادعى فداء عبده الجاني.
الحادية عشر: ادعى قضاء دين الميت من ماله بعد بيع التركة قبل قبض ثمنها
الثانية عشر: ادعى أنه زوج اليتيم امرأة، ودفع مهرها من ماله، وهي ميتة ....
وذكر ضابطًا ـ يعني العتابي في الوصاياـ وهو: أن كل شيء كان مسلطًا عليه فإنه يصدق فيه وما لا فلا من الأشباه والنظائر» (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلا أن القول قول الوصي بيمينه؛ لأنه أمين بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الأيتام في حجره (حضانته) فإن كان يليهم غيره مثل أمهم، أو أخيهم أو غير هؤلاء، لم يقبل قوله.
الثاني: أن يأتي بما يشبه، فإن أتى بأمر مستنكر أو بسرف من النفقة لم يقبل قوله.
الثالث: أن يحلف على ما يدعيه (٢).
стр. 8596
قال الدسوقي في حاشيته: «القول قول الوصي بالشروط الثلاثة المذكورة، وهي كون المحجور في حضانته، وأن يشبه فيما يدعيه، ويحلف» (١).
جاء في المدونة: «إن قال: قد أنفقت عليهم، وهم صغار، فإن كانوا في حجره يليهم، كان القول قوله ما لم يأت بأمر يستنكر، أو بسرف من النفقة، وإن كان يليهم غيره، مثل أمهم، أو أخيهم، أو غير هؤلاء، ثم قال: قد دفعت النفقة إلى من يليهم، أو أنفقت عليهم فأنكروا، لم يقبل قوله إلا ببينة يأتي بها وإلا غرم» (٢).
وقال القرافي: «ويصدق في الإنفاق على من كان في حجره فيما يشبه؛ لأنه أمين عليه، فإن ولي النفقة غيره لم يصدق في دفع النفقة إلى من يليهم إلا ببينة؛ لأنه ليس أمينًا على الحاضن. قال ابن يونس: قال مالك: إذا طال الزمان بعد الرشد نحو عشرين سنة، وهم مقيمون معه، لا يطالبونه، ولا يسألونه عن شيء صدق مع يمينه؛ لأن العادة تصدقه، قال محمد فإن كانوا عند غيره، أو هم أغنياء، ورئي ينفق عليهم صدق في الزيادة اليسيرة دون السرف مع يمينه، فإن ادعى سرفًا حسب منه السداد، كما لو شهدت بالسرف بينة» (٣).
القول الثالث: مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية إلى أن الوصي يصدق بيمينه في أصل النفقة، وفي مقدارها إذا
стр. 8597
كان ما يدعيه الوصي هي النفقة بالمعروف، فإن ادعى زيادة في النفقة اللائقة فعليه الضمان؛ لأنه فرط في الزيادة (١).
واختلف الشافعية في إحلاف الأب والجد على وجهين:
أحدهما: يحلف كالأجنبي؛ لأنهما يستويان في حقوق الأموال.
الثاني: لا يحلف؛ لأنه يفارق الأجنبي في نفي التهمة، وكثرة الإشفاق عليه.
ومذهب الحنابلة كمذهب الشافعية، في أن القول قول الولي بيمينه إلا أن يكون الولي هو الحاكم فلا يحلف على الصحيح من المذهب، ما لم يدع ما يخالف العادة أو العرف فلا يقبل (٢).
جاء في المهذب: «إذا بلغ الصبي، واختلف هو والوصي في النفقة، فقال الوصي: أنفقت عليك. وقال الصبي: لم تنفق علي، فالقول قول الوصي؛ لأنه أمين، وتعذر عليه إقامة البينة على النفقة.
فإن اختلفا في قدر النفقة، قال: أنفقت عليك في كل سنة مائة دينار، وقال الصبي: بل أنفقت علي خمسين دينارًا، فإن كان ما يدعيه الوصي النفقة بالمعروف فالقول قوله؛ لأنه أمين، وإن كان أكثر من النفقة بالمعروف، فعليه الضمان؛ لأنه فرط في الزيادة» (٣).
стр. 8598
وقال الماوردي: «إن اختلف هو والولي بعد بلوغه في قدر النفقة، فذلك ضربان:
أحدهما: أن يختلفا في قدر النفقة مع اتفاقهما على المدة، كأنه قال: أنفقت عليك عشر سنين في كل سنة مائة دينار، فقال: أنفقت علي عشر سنين في كل سنة خمسون دينارًا.
فالقول فيه، قول الولي، إذا لم يكن ما ادعاه سرفًا، فإن كان الولي وصيًا، أو أمين حاكم: فله إحلافه على ما ادعاه.
وإن كان أبًا، أو جدًا، ففي إحلافه له وجهان:
أحدهما: يحلف، كالأجنبي؛ لأنهما يستويان في حقوق الأموال.
والوجه الثاني: لا يحلف؛ لأنه يفارق الأجنبي في نفي التهمة عنه، وكثرة الإشفاق عليه» (١).
وقال في الإنصاف: «يقبل قول الأب، والوصي، والحاكم، وأمينه، وحاضن الطفل، وقيمه، حال الحجر وبعده، في النفقة، وقدرها، وجوازها، ووجود الضرورة، والغبطة، والمصلحة في البيع، والتلف» (٢).
* * *
стр. 8599
المبحث الثاني
الاختلاف في مدة النفقة
[م-١٧٤٢] إذا اختلف الوصي مع الموصى عليه في مدة النفقة، كأن يقول الوصي: أنفقت عليك سنتين، فيقول الموصى عليه: بل سنة.
أو اختلفا في تاريخ موت الموصي، كأن يقول الوصي: مات قبل سنتين، فيقول الموصى عليه: بل قبل سنة، فمن يقبل قوله؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
أن القول قول الموصى عليه، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، ومذهب المالكية، وأصح الوجهين عند الشافعية، ومذهب الحنابلة (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «وإذا اختلفا في المدة، فقال الوصي: مات أبوك منذ عشر سنين، قال اليتيم: مات أبي منذ خمس سنين، ذكر في الكتاب أن القول قول الابن. واختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: المذكور في الكتاب قول محمد رحمه الله تعالى،
стр. 8600
أما على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى القول قول الوصي، كذا في فتاوى قاضي خان» (١).
قال ابن شاس المالكي: «وإن نازعه في تاريخ موت الأب؛ إذ به تكثر النفقة .... فالقول قول الصبي؛ إذ الأصل عدم ما ادعاه الوصي، وإقامة البينة عليه ممكن مأمور به، فلم يقبل قوله فيه» (٢).
وقال الدسوقي في حاشيته: «إنما لم يقبل قول الوصي في تاريخ الموت، وإن كان يرجع لقلة النفقة وكثرتها؛ لأن الأمانة التي أوجبت صدقه لم تتناول الزمان المتنازع فيه» (٣).
قال الشيرازي: «وإن اختلفا في المدة، فقال الوصي: أنفقت عشر سنين، وقال الصبي: خمس سنين، ففيه وجهان: ....
الثاني: وهو قول أكثر أصحابنا، أن القول قول الصبي؛ لأنه اختلاف في مدة الأصل عدمها» (٤).
وقال ابن قدامة: «وإن قال: أنفقت عليك منذ سنتين، فقال الصبي: ما مات أبي إلا من سنة، فالقول قول الصبي؛ لأنه لم يثبت كون الوصي أمينًا في السنة المختلف فيها، والأصل عدم ذلك» (٥).
стр. 8601
° وجه الفرق بين الاختلاف في النفقة والاختلاف في المدة:
إذا اختلفا في النفقة فالقول قول الوصي، وإن اختلفا في مدة الإنفاق فالقول قول الموصى عليه، والفرق بينهما: أنهما في القدر مختلفان في المال، فقبل منه قول الوصي؛ لأنه مؤتمن عليه. وفي المدة مختلفان في الموت الذي يعقبه نظر الوصي، فلم يقبل قولي الوصي؛ لأنه غير مؤتمن عليه، ولم يسلط عليه، مع أننا على يقين من حدوث الموت في شك من تقدمه، فلذلك افترق الحكم فيهما (١).
القول الثاني:
اختار أبو يوسف من الحنفية وأبو سعيد الإصطرخي من الشافعية أن الوصي إذا اختلف مع الموصى عليه في مدة الإنفاق فإن القول قول الوصي؛ لأن الخلاف فيها يرجع إلى الاختلاف في قدر النفقة، وهو مؤتمن على ذلك (٢).
° الراجح:
أرى أن قول أبي يوسف والإصطرخي فيه قوة، وأن الأمانة لا تتجزأ، فإذا كان يقبل قوله في مقدار النفقة فكذلك يقبل قوله في مدتها.
ولأن الاختلاف في المدة يتضمن الاختلاف في المال فكان مما ائتمن عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 8602
المبحث الثالث
في الاختلاف في دفع المال
[م-١٧٤٣] إذا اختلف الوصي والموصى عليه في دفع المال، فادعى الوصي أنه دفع إليه ماله، وادعى الموصى عليه خلاف ذلك، فمن القول قوله؟
اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول:
أن القول قول الصبي (الموصى عليه)، وهذا مذهب المالكية والشافعية، إلا أن الشافعية قالوا: يقبل قوله مع يمينه (١).
جاء في التاج والإكليل: «قال مالك: لا يقبل قول الوصي في دفع المال لليتيم بغير إشهاد، ويقبل قوله في النفقة.
قال عبد الوهاب: وفي الجميع هو مدع لإخراج المال عن ذمته» (٢).
وجاء في البيان في مذهب الإمام الشافعي: «وإن ادعى الوصي أنه دفع إليه ماله بعد البلوغ وأنكر الموصى عليه، ففيه وجهان:
أحدهما، وهو المنصوص: أن القول قول الموصى عليه؛ لأنه لم يأتمنه على
стр. 8603
المال، فلم يقبل قوله عليه، كالمودع إذا ادعى دفع الوديعة إلى وارث المودع، والملتقط إذا ادعى دفع اللقطة إلى مالكها» (١).
° دليل هذا القول:
الدليل الأول:
قال تعالى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].
وقال في غير الأوصياء: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وجه الاستشهاد:
فأمر الأوصياء بالإشهاد إذا دفع المال إلى اليتيم؛ لئلا يغرموا، فلو كان القول قوله لما احتاج إلى الإشهاد، ولم يأمر بالإشهاد عند دفع الأمانات إلى من ائتمنه؛ لأن القول قوله.
ونوقش هذا:
بأن الأمر بالإشهاد لئلا يطلب منه اليمين، فإذا أشهد كان معه بينة في دفع المال إليه، فسقط عنه اليمين، وليس في الأمر بالإشهاد دليل على أنه غير أمين، ولا أنه غير مصدق فيه، لاتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات وما جرى مجراها من الأمانات، فوجب أن يكون مصدقًا على الرد كما يصدق على رد الوديعة، والدليل على أنه أمانة، أن اليتيم لو صدقه على
стр. 8604
الهلاك لم يضمنه كما أن المودع إذا صدق المودع في هلاك الوديعة لم يضمنه (١).
الدليل الثاني:
أن الوصي وإن كان أمينًا فإنه أمين للموصي، وليس أمينًا من جهة الموصى عليه، والدفع يتعلق بالموصى عليه، وليس لمن ائتمنه، يدل على ذلك أن الوصي لو مات وانتقل المال إلى الوارث لم يقبل قول الوارث بدفع المال؛ لأنه لم يأتمنه أحد، لا الموصي، ولا الموصى عليه.
القول الثاني:
أن القول قول الوصي، وهذا قول الحنفية، وزفر والحسن بن زياد، وقول في مذهب المالكية مقابل المشهور (٢).
جاء في أحكام القرآن للجصاص: «قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد، في الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه إنه يصدق» (٣).
وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «إذا دفع الوصي مال اليتيم له بعد بلوغه رشده، ومضت مدة، والآن ينكر الدفع، والوصي يدعيه، فهل يقبل قوله في الدفع مع يمينه؟
стр. 8605
الجواب: نعم، والمسألة في الخيرية من الوصايا، وصرح بها في السراج الوهاج وغيره، والله تعالى أعلم» (١).
القول الثالث:
يقبل قول الوصي في دفع المال إن كان متبرعًا، وإلا فلا، وهذا مذهب الحنابلة (٢).
جاء في الإقناع: «ويقبل قوله في دفع المال إليه بعد رشده وعقله إن كان متبرعًا وإلا فلا» (٣).
° وجه قول الحنابلة:
أن الوصي إن كان متبرعًا فقد قبض المال لحظ اليتيم، فأشبه المودع، فالقول قوله، وإن قبض المال بأجرة فقد قبض المال لحظه هو، فلم يقبل قوله في الرد كالمرتهن والمستعير.
° الراجح:
أرى أن تفصيل مذهب الحنابلة قول فيه قوة، وأن من قبض المال لحظه لم يقبل قوله في دفع المال إلا ببينة، كالمقبوض على وجه السوم، ومن قبض المال لحظ غيره قبل قوله بلا بينة مع يمينه كالمودع، والله أعلم.
* * *
стр. 8606
الفصل التاسع
في انتهاء الوصاية
المبحث الأول
انتهاء الوصاية بالموت والفسق
[م-١٧٤٤] إذا مات الوصي انتهت ولايته بموته؛ لأن ابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا ما استثني، وهذا مما لا نزاع فيه، ومثله ما لو جرى منه ما يوجب عزله، من فسق، أو خيانة، أو عجز، وإنما اختلف الفقهاء في مسألتين:
المسألة الأولى:
هل يملك الوصي قبل أن يموت أن يوصي لأحد بدلًا عنه مطلقًا، أو لا يوصي إلا إذا فوض له من وصاه بذلك. وقد سبق تحرير هذه المسألة فيما سبق، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
المسألة الثانية:
[م-١٧٤٥] إذا كانا وصيين، فماتا، أو فسقا (١)، فهل يقيم الحاكم اثنين، أو يكفى أن يقيم واحدًا بدلهما؟
стр. 8607
توجه لبحث هذه المسألة فيما وقفت عليه كل من الشافعية والحنابلة، ولهم فيها وجهان:
قال النووي: «ولو ماتا جميعًا، فهل للحاكم نصب واحد، أم لابد من اثنين، فيه الوجهان» (١).
أحدهما: يجوز أن يقيم القاضي واحدًا.
قال في الإنصاف: «لو ماتا أو جد منهما ما يوجب عزلهما ففي الاكتفاء بواحد وجهان: .... قال في الفائق: ولو ماتا جاز إقامة واحد في أصح الروايتين. قال في الرعاية الكبرى: وإن وجد منهما ما يوجب عزلهما جاز أن يقيم الحاكم بدلهما واحدًا في الأصح» (٢).
وجهه: أن الوصي الذي عينه الميت بالنص عليه قد مات، وبدله لم يعينه الموصي، والنظر قد انتقل إلى القاضي بعد موت وصي الميت، فله أن يوصي إلى واحد أو أكثر بحسب نظره واجتهاده.
الثاني: يلزم الحاكم أن ينصب اثنين؛ لأن الموصي لم يرض إلا بنظر اثنين، وهذا هو المذهب عند الشافعية، والمشهور عند متأخري الحنابلة (٣).
стр. 8608
جاء في مغني المحتاج: «ولو ماتا مثلًا جميعًا لزم الحاكم نصب اثنين مكانهما» (١).
وجاء في كشاف القناع: «وإن أراد الحاكم أن يكتفي بالباقي منهما لم يجز له الاكتفاء به؛ لأن الموصي لم يكتف بأحدهما، فلا يقتصر عليه؛ إذ الوصية تقطع نظر الحاكم واجتهاده» (٢).
وقد يقال: لم يكتف الموصي بأحدهما بالنسبة لمن عينهما، أما وقد مات فانتهت وصاية الميت، وانتقل الحق إلى القاضي، وهي وصاية مبتدأة، فله أن يكتفي بواحد أو بأكثر بحسب اجتهاده، والله أعلم.
[م-١٧٤٦] هذا القول فيما إذا ماتا جميعًا أو جرى منهما ما يوجب عزلهما من فسق، أو خيانة، وأما إذا مات أو فسق أحدهما، فهل يستقل الحي الباقي بالتصرف، أو لابد من أن يقيم الحاكم معه أمينًا بدلًا من المتوفى؟
القول الأول:
يقيم الحاكم وصيًا بدلًا من الميت، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٣).
стр. 8609
قال الغزالي: «إذا مات أحدهما، فإن كان قد أثبت لكل واحد منهما استقلالا فيكتفى بالثاني.
وإن لم يثبت إلا الشركة فللقاضي أن ينصب قيمًا معه بدلًا عن الميت فإنه ما رضي الأب إلا برأي شخصين» (١).
° وجه هذا القول:
أن الوصي لم يرض قيام أحدهما دون الآخر، لهذا انتقل حق الوصي الميت إلى القاضي ليقوم بذلك بنفسه، أو يعين وصيًا من قبله.
قال الشافعي في الأم: «وإذا أوصى إلى رجلين فمات أحدهما، أو تغيرت حاله أبدل مكان الميت، أو المتغير رجل آخر؛ لأن الميت لم يرض قيام أحدهما دون الآخر» (٢).
القول الثاني:
إذا مات أحد الوصيين نظر الحاكم في أمر الحي، إن شاء ترك له التصرف وحده إن توفرت فيه العدالة والكفاءة، وإلا أشرك معه غيره بحسب المصلحة. إلا أن يوصي أحدهما للآخر، وهذا مذهب المالكية (٣).
جاء في منح الجليل: «فإن مات أحدهما أي الوصيين المتعاونين دون إيصاء، فالحاكم ينظر في إقرار الآخر وحده، أو إقامة آخر معه» (٤).
стр. 8610
القول الثالث:
إن مات أحد الوصيين استقل الآخر بالتصرف وهذا اختيار ابن شاس وابن عرفة وابن الحاجب من المالكية (١).
قال ابن شاس: «وإذا أوصى إلى رجلين فمطلقه منزل على التعاون حتى لا يستقل أحدهما بشيء إلا إذا صرح الموصي بإثبات الاستقلال، وإذا لم يثبت الاستقلال، فمات أحدهما انفرد الآخر، إلا أن يخشى عجزه، وعدم استقلاله، فيقام معه عوض المتوفى، وكذلك إن لم يكن ظاهر العدالة فاحتيج إلى الاستظهار عليه» (٢).
* * *
стр. 8611
المبحث الثاني
انتهاء الوصاية بالجنون
[م-١٧٤٧] صرح الحنفية والشافعية والحنابلة بأن الوصي إذا جن فإنه ينعزل، لفقده الأهلية.
قال ابن عابدين: لو جن أحدهما ـ يعني أحد الوصيين ـ أو وجد ما يوجب عزله أقام الحاكم مقامه أمينًا» (١).
قال العمراني: «وإن فسق الوصي، أو جن انعزل عن الوصية؛ لأن الفسق والجنون ينافيان الولاية، بدليل: أن الأب، والجد، والحاكم إذا فسق واحد منهم أو جن .. بطلت ولايته» (٢).
وقال ابن قدامة: «فإن مات أحدهما ـ أي أحد الوصيين ـ أو جن، أو وجد ما يوجب عزله أقام الحاكم مقامه أمينًا» (٣).
وقال القرافي من المالكية: «لو جن الوصي لا ينعزل بخلاف الوكيل» (٤).
ولعله يقصد إذا أفاق فهو باق على ولايته، وهي مسألة خلافية، والعلماء فيها على قولين:
стр. 8612
القول الأول:
أنه تعود إليه الوصاية، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (١).
جاء في البحر الرائق: «ولو أوصى إلى عاقل فجن جنونًا مطبقًا، قال أبو حنيفة: ينبغي للقاضي أن يجعل مكانه وصيًا للميت، فإن لم يفعل القاضي حتى أفاق الوصي كان وصيًا على حاله» (٢).
وقال ابن عابدين نقلًا عن الخانية: «لو جن الوصي مطبقا ينبغي للقاضي أن يبدله، ولو لم يفعل حتى أفاق فهو على وصايته» (٣).
القول الثاني:
لا تعود ولايته بعد إفاقته، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤).
قال النووي: «ذا جن الوصي، أو أغمي عليه، أقام الحاكم غيره مقامه، فإن أفاق، فهل يبقى على ولايته كالأب والجد والإمام الأعظم إذا أفاقوا؟ أم تبطل؛ لأنه يلي بالتفويض، كالتوكيل، بخلاف الأب، وبخلاف الإمام للمصلحة الكلية؟
فيه وجهان: أصحهما: الثاني، ويجريان في القاضي إذا أفاق.
стр. 8613
وإذا أفاق الإمام الأعظم بعدما ولي غيره، فالولاية للثاني، إلا أن تثور فتنة، فهي للأول، ذكره البغوي» (١).
جاء في أسنى المطالب: «لو جن أو أغمي على ولي غير الأصل والإمام الأعظم انعزل، ولم تعد ولايته بالإفاقة من ذلك؛ لأنه يلي بالتفويض كالوكيل بخلاف الأصل تعود ولايته، وإن انعزل؛ لأنه يلي بلا تفويض» (٢).
° وسبب الخلاف:
أن الوصي يتصرف بالتفويض، فهل يكون تصرفه بالنيابة، أو أنه يتصرف بالولاية، فإن كان تصرفه بالنيابة لم تعد إليه الوصاية، وإن قيل: إن تصرفه بالولاية عادت إليه مع الإفاقة ..
جاء في المنثور في القواعد: «الوصي من حيث إنه يتصرف بالتفويض يكون تصرفه بالنيابة، ومن حيث إنه يتصرف في حق من لا يلي التصرف من نفسه يكون بالولاية .... ، ذكر هذا التقسيم القاضي الحسين ... وأشار في موضع آخر إلى خلاف في أن تصرف الوصي، هل هو بالنيابة أو بالولاية؟ وبني عليه: أن الوصي إذا جن ينعزل، فإذا أفاق، هل تعود ولايته: على وجهين: إن غلبنا النيابة لا تعود، أو الولاية عادت» (٣).
* * *
стр. 8614
المبحث الثالث
انتهاء الوصاية بعزل الوصي نفسه
[م-١٧٤٨] إذا عزل الوصي نفسه فإما أن يعزل نفسه في حياة الموصي، أو بعد موته:
فإن عزل نفسه في حياة الموصي ففيه خلاف على قولين:
القول الأول:
للوصي عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي، وهذا قول عامة الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة (١).
إلا أن الحنفية اشترطوا لصحة هذا الرجوع أن يكون ذلك بعلم الموصي ليتمكن من الإيصاء إلى غيره إذا شاء، فإن رجع عن الوصية بغير علم الموصي لم يصح رجوعه؛ لئلا يصير مغرروًا من جهته.
وقال الشافعية: للموصي عزل الوصي، وللوصي عزل نفسه إلا أن يتعين
стр. 8615
عليه، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره فليس له الرجوع.
والأصل في هذه المسألة ما ذكره بعض الفقهاء من أن العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخر امتنع، وصارت لازمة.
القول الثاني:
اختار أشهب من المالكية أن الوصي إذا قبل فليس له عزل نفسه، وكأنه وهب منافعه ونظره للأطفال للبلوغ والرشد، والواهب لا يرجع في هبته (١).
وقول الجمهور أصح.
[م-١٧٤٩] واختلف الفقهاء في عزل الوصي نفسه بعد موت الموصي على قولين:
القول الأول:
ليس له أن يعزل نفسه بعد موت الموصي، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد. قال المالكية: إلا أن يطرأ عليه عجز فيصير النظر للحاكم (٢).
فإن قيل ما الفرق بين الموصى له والموصى إليه في أن رد الموصى له بعد قبوله وبعد موت الموصي يعتبر، دون رد الموصى إليه؟
قلنا: إن نفع الوصية للموصى له نفسه، بخلاف الموصى إليه، فإن نفع