← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

المبحث الثاني انتهاء الوصاية بالجنون [م-١٧٤٧] صرح الحنفية والشافعية والحنابلة بأن الوصي إذا جن فإنه ينعزل، لفقده الأهلية. قال ابن عابدين: لو جن أحدهما ـ يعني أحد الوصيين ـ أو وجد ما يوجب عزله أقام الحاكم مقامه أمينًا» (١). قال العمراني: «وإن فسق الوصي، أو جن انعزل عن الوصية؛ لأن الفسق والجنون ينافيان الولاية، بدليل: أن الأب، والجد، والحاكم إذا فسق واحد منهم أو جن .. بطلت ولايته» (٢). وقال ابن قدامة: «فإن مات أحدهما ـ أي أحد الوصيين ـ أو جن، أو وجد ما يوجب عزله أقام الحاكم مقامه أمينًا» (٣). وقال القرافي من المالكية: «لو جن الوصي لا ينعزل بخلاف الوكيل» (٤). ولعله يقصد إذا أفاق فهو باق على ولايته، وهي مسألة خلافية، والعلماء فيها على قولين:

стр. 8612

القول الأول: أنه تعود إليه الوصاية، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (١). جاء في البحر الرائق: «ولو أوصى إلى عاقل فجن جنونًا مطبقًا، قال أبو حنيفة: ينبغي للقاضي أن يجعل مكانه وصيًا للميت، فإن لم يفعل القاضي حتى أفاق الوصي كان وصيًا على حاله» (٢). وقال ابن عابدين نقلًا عن الخانية: «لو جن الوصي مطبقا ينبغي للقاضي أن يبدله، ولو لم يفعل حتى أفاق فهو على وصايته» (٣). القول الثاني: لا تعود ولايته بعد إفاقته، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤). قال النووي: «ذا جن الوصي، أو أغمي عليه، أقام الحاكم غيره مقامه، فإن أفاق، فهل يبقى على ولايته كالأب والجد والإمام الأعظم إذا أفاقوا؟ أم تبطل؛ لأنه يلي بالتفويض، كالتوكيل، بخلاف الأب، وبخلاف الإمام للمصلحة الكلية؟ فيه وجهان: أصحهما: الثاني، ويجريان في القاضي إذا أفاق.

стр. 8613

وإذا أفاق الإمام الأعظم بعدما ولي غيره، فالولاية للثاني، إلا أن تثور فتنة، فهي للأول، ذكره البغوي» (١). جاء في أسنى المطالب: «لو جن أو أغمي على ولي غير الأصل والإمام الأعظم انعزل، ولم تعد ولايته بالإفاقة من ذلك؛ لأنه يلي بالتفويض كالوكيل بخلاف الأصل تعود ولايته، وإن انعزل؛ لأنه يلي بلا تفويض» (٢). ° وسبب الخلاف: أن الوصي يتصرف بالتفويض، فهل يكون تصرفه بالنيابة، أو أنه يتصرف بالولاية، فإن كان تصرفه بالنيابة لم تعد إليه الوصاية، وإن قيل: إن تصرفه بالولاية عادت إليه مع الإفاقة .. جاء في المنثور في القواعد: «الوصي من حيث إنه يتصرف بالتفويض يكون تصرفه بالنيابة، ومن حيث إنه يتصرف في حق من لا يلي التصرف من نفسه يكون بالولاية .... ، ذكر هذا التقسيم القاضي الحسين ... وأشار في موضع آخر إلى خلاف في أن تصرف الوصي، هل هو بالنيابة أو بالولاية؟ وبني عليه: أن الوصي إذا جن ينعزل، فإذا أفاق، هل تعود ولايته: على وجهين: إن غلبنا النيابة لا تعود، أو الولاية عادت» (٣). * * *

стр. 8614

المبحث الثالث انتهاء الوصاية بعزل الوصي نفسه [م-١٧٤٨] إذا عزل الوصي نفسه فإما أن يعزل نفسه في حياة الموصي، أو بعد موته: فإن عزل نفسه في حياة الموصي ففيه خلاف على قولين: القول الأول: للوصي عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي، وهذا قول عامة الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة (١). إلا أن الحنفية اشترطوا لصحة هذا الرجوع أن يكون ذلك بعلم الموصي ليتمكن من الإيصاء إلى غيره إذا شاء، فإن رجع عن الوصية بغير علم الموصي لم يصح رجوعه؛ لئلا يصير مغرروًا من جهته. وقال الشافعية: للموصي عزل الوصي، وللوصي عزل نفسه إلا أن يتعين

стр. 8615

عليه، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره فليس له الرجوع. والأصل في هذه المسألة ما ذكره بعض الفقهاء من أن العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخر امتنع، وصارت لازمة. القول الثاني: اختار أشهب من المالكية أن الوصي إذا قبل فليس له عزل نفسه، وكأنه وهب منافعه ونظره للأطفال للبلوغ والرشد، والواهب لا يرجع في هبته (١). وقول الجمهور أصح. [م-١٧٤٩] واختلف الفقهاء في عزل الوصي نفسه بعد موت الموصي على قولين: القول الأول: ليس له أن يعزل نفسه بعد موت الموصي، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد. قال المالكية: إلا أن يطرأ عليه عجز فيصير النظر للحاكم (٢). فإن قيل ما الفرق بين الموصى له والموصى إليه في أن رد الموصى له بعد قبوله وبعد موت الموصي يعتبر، دون رد الموصى إليه؟ قلنا: إن نفع الوصية للموصى له نفسه، بخلاف الموصى إليه، فإن نفع

стр. 8616

الوصية راجع إلى الموصي، فكان في رده بعد موته إضرار عليه، وهو لا يجوز (١). القول الثاني: له عزل نفسه بعد موت الموصي قياسًا على الوكالة، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، زاد الشافعية إلا أن يتعين عليه، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره فليس له الرجوع (٢). وقد سبق لنا بحث هذه المسألة، وذكرنا هناك النصوص عن كل مذهب، ووجه كل قول في هذه المسألة وأن الوصاية فيها شبه بالوكاله، وأن الوصي له عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي وبعد وفاته بشرط ألا يتضمن ذلك ضررًا على الموصي، فإن تضمن الفسخ بعد وفاة الموصي ضررًا على ماله أو على أولاده كما لو كان الفسخ في مكان ليس فيه قاض يتولى الوصاية امتنع الفسخ، والله أعلم. * * *

стр. 8617

المبحث الرابع انتهاء عقد الوصاية بانتهاء المهمة الفرع الأول انتهاء الولاية ببلوغ الصغير رشيدًا [م-١٧٥٠] اتفق الفقهاء على أن الصغير إذا بلغ عاقلًا رشيدًا فقد انتهت ولاية الوصي، ودفع إليه ماله. لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. فأمر الله بحبس أموال اليتامى، وجوز دفع المال إليهم بحصول أمرين، هما: البلوغ والرشد. قال الشافعي: «دلت الآية: على أن الحجر ثابت على اليتامى، حتى يجمعوا خصلتين: البلوغ والرشد» (١). وقال الماوردي: كل حكم تعلق بغاية وشرط لم يجز أن يستباح بوجود الغاية مع عدم الشرط، وهذا مثل قوله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فجعل بعد الغاية التي هي البلوغ

стр. 8618

للنكاح شرطًا، هو إيناس الشرط، فلم يجز دفع أموالهم إليهم بعد البلوغ وقبل الرشد» (١). ولو كان اليتيم راشدًا ولم يكن بالغًا، أو كان بالغًا ولم يكن راشدًا لم يدفع إليه المال حتى يجتمع في حقه البلوغ والرشد. قال ابن قدامة: «وجوب دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ، وليس فيه اختلاف بحمد الله تعالى. قال ابن المنذر: اتفقوا على ذلك» (٢). [م-١٧٥١] وإذا استمر معه السفه بعد البلوغ، فقد اختلف الفقهاء في استمرار منع المال عنه على قولين: القول الأول: إذا بلغ الصغير غير رشيد لم تسلم أمواله إليه، وتبقى في يد وصيه حتى يثبت رشده، أو يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة دفعت إليه أمواله حتى ولو كان سفيهًا. وهذا مذهب أبي حنيفة (٣). جاء في الهداية: «عند أبي حنيفة ﵀: إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله، حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة يسلم إليه ماله، وإن لم يؤنس منه الرشد» (٤).

стр. 8619

القول الثاني: لا يدفع إليه ماله حتى ولو بلغ مائة سنة حتى يؤنس منه الرشد، وهذا مذهب الجمهور، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (١). جاء في المبسوط: «وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لم يدفع المال إليه، ما لم يؤنس منه الرشد لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. فهذه آية محكمة لم ينسخها شيء، فلا يجوز دفع المال إليه قبل إيناس الرشد منه. ألا ترى أنه عند البلوغ إذا لم يؤنس منه الرشد لا يدفع المال إليه بهذه الآية، فكذلك إذا بلغ خمسًا وعشرين؛ لأن السفه يستحكم بمطاولة المدة، ولأن السفه بحكم منع المال منه بمنزلة الجنون، والعته، وذلك يمنع دفع المال إليه بعد خمس وعشرين سنة كما قبله، فكذلك السفه» (٢). قال في المدونة: «قال مالك: لو خضب بالحناء ولم يؤنس منه الرشد لم يدفع إليه ماله، ولم يجز له في ماله بيع، ولا شراء، ولا هبة، ولا صدقة، ولا عتق حتى يؤنس منه الرشد» (٣).

стр. 8620

وقال ابن رشد: «لو مات الأب، وأوصى به، لم يخرج من ولاية الوصية حتى يثبت رشده .... ألا ترى أن الله ﵎ قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وبلوغ النكاح: هو الاحتلام والحيض، فقد منعهم الله من أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ إلا بالرشد» (١). وقد ذكرت أدلة هذه المسألة بشيء من التفصيل في عقد البيع في تصرف السفيه فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والحمد لله (٢).

стр. 8621

الفرع الثاني انتهاء الوصاية بأداء الحقوق [م-١٧٥٢] قد تكون الوصاية بأداء الحقوق التي على الميت قضاء أو اقتضاء، أو برد الودائع واستردادها، أو بتوزيع وصاياه على الموصى لهم بها، فإذا دفع الديون إلى أصحابها، أو أخذها ممن كانت عليهم، وقام برد الودائع إلى أهلها، أو استردادها عند من كانت عنده، وقام بتوزيع الوصايا على الموصى لهم بها فإن الوصاية تنتهي بإنجاز ما كلف به؛ لأن الوصاية كانت بالقيام بعمل فانتهت بانتهاء ذلك العمل، وهذا معلوم، ولا حاجة إلى الإطالة فيه. * * *

стр. 8622

الفرع الثالث انتهاء الوصاية بانتهاء مدتها [م-١٧٥٣] تنتهي الوصاية إذا كانت مؤقتة بمدة معينة، كأن يقول: أوصيت إلى زيد لمدة عام، أو إلى قدوم زيد، أو إلى بلوغ ولدي فلان، فإن الإيصاء ينتهي ببلوغ أجله، ولم يخالف في ذلك أحد فيما أعلم (١). جاء في البحر الرائق: «ولو قال لفلان وصي إلى أن يقدم فلان فهو كما قال» (٢). وجاء في المدونة: «أرأيت إن أوصى إلى رجل، فقال: فلان وصيي حتى يقدم فلان، فإذا قدم فلان ففلان القادم وصيي، أيجوز هذا؟ قال: نعم هذا جائز» (٣). وجاء في تحفة المحتاج: «لو قال أوصيت لزيد، ثم من بعده لعمرو، أو إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد، فإذا بلغ، أو قدم، فهو الوصي جاز» (٤).

стр. 8623

وجاء في مغني المحتاج: «ويجوز فيه: أي الإيصاء التوقيت، كأوصيت إليك سنة، أو إلى بلوغ ابني كما مر ... لأن الإيصاء كالإمارة، وقد «أمر النبي ﷺ زيدًا على سرية، وقال: إن أصيب زيد فجعفر وإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة. رواه البخاري» (١) (٢). وقال ابن قدامة: «وإذا قال: أوصيت إلى زيد، فإن مات فقد أوصيت إلى عمرو صح ذلك، رواية واحدة، ويكون كل واحد منهما وصيا، إلا أن عمرًا وصي بعد زيد». (٣) وبهذا المبحث أكون قد أتيت إلى نهاية عقد الوصاية في المسائل المختارة لشرط هذا البحث، فالحمد لله الذي لا يستطيع الحامدون أن يوفوا حمده، ولا أن يحصوا ثناء عليه.

стр. 8624

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة تقديم أصحاب المعالي الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ تأليف دبيان بن محمد الدبيان المجلد الثامن عشر

стр. 8625

دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الدبيان، دبيان محمد المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ ٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم. ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١ ١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان ديوي ٢٥٣ ٤٧٠٦/ ١٤٣٢ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ١٤٣٤ هـ الطبعة الثانية للطلب الاتصال بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤

стр. 8626

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (١٨)

стр. 8627

مقدمة الكتاب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. فهذا هو المجلد الثامن عشر، وقد تضمن عقدين من عقود التبرع، وهما القرض والهبة، وكلاهما من عقود التمليك وإن كان الأول تمليك يقوم على رد البدل، والآخر تمليك بلا عوض، وهذا العقدان من عقود التبرع لهما أهمية كبيرة حيث لا يوجد أحد إلا وهو مقرض أو مستقرض وواهب وموهوب له حتى رسول الله ﵇، وقد تناول الفقه الإسلامي أحكام هذين العقدين، وما يحل منهما، وما يحرم وفاقًا وخلافًا، فكانت خطة البحث فيهما على النحو التالي، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.

стр. 8628

خطة البحث في عقد القرض: تمهيد: ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في تعريف القرض. المبحث الثاني: القرض جار على وفق القياس الباب الأول: حكم القرض وبيان أركانه الفصل الأول: في حكم القرض بالنسبة للمقرض الفصل الثاني: حكم القرض بالنسبة للمقترض الفصل الثالث: بيان أركان القرض الفصل الرابع: انعقاد القرض بالمعاطاة الباب الثاني: في أحكام القرض الفصل الأول: في لزوم عقد القرض الفصل الثاني: في ثبوت الخيار في عقد القرض الفصل الثالث: في ترتيب أثر القرض الفصل الرابع: في مصاريف الإقراض والوفاء الفصل الخامس: في بدل القرض المبحث الأول: في صفة البدل من حيث المثلية والقيمية المبحث الثاني: في صفة البدل من حيث الزيادة والنقص

стр. 8629

فرع: إذا كان دفع الزيادة بمقتضي العادة المبحث الثالث: في مكان استرداد القرض الفصل السادس: في التصرف في دين القرض المبحث الأول: في التصرف به بالحوالة عليه المبحث الثاني: في بيع بدل القرض الفرع الأول: بيع بدل القرض على من هو عليه بثمن حال الفرع الثاني: بيع بدل القرض على من هو عليه بثمن مؤجل الفرع الثالث: بيع بدل القرض على غير من هو عليه بثمن حال الفرع الرابع: بيع بدل القرض على غير من هو عليه بثمن مؤجل الفصل السابع: في كساد النقود الباب الثاني: شروط القرض الفصل الأول: ما يشترط في المقرض الفصل الثاني: ما يشترط في المقترض المبحث الأول: في الاستدانة على الوقف المبحث الثاني: في الاستدانة على بيت المال فرع: المبحث الثالث: في اقتراض الولي والوصي للصغير الفصل الثالث: في شروط المال المقرض

стр. 8630

الشرط الأول: في اشتراط أن يكون القرض في المثليات فرع: في إقراض الخبز الشرط الثاني: في اشتراط أن يكون المقرض عينا الشرط الثالث: أن يكون المقرض معلوماً فرع: في إقراض المكيل وزناً وعكسه الباب الثالث: في الشروط الجعلية في القرض الشرط الأول: في اشتراط الأجل في القرض فرع: في تأجيل القرض إذا لم يشترط في العقد الشرط الثاني: ألا يشترط في عقد القرض عقداً آخر المبحث الأول: في اشتراط عقود المعاوضات مع عقد البيع فرع: في اجتماع القرض مع البيع بدون شرط المبحث الثاني: إذا شرط عليه إقراضه مقابل إقراضه فرع: في جمعية الموظفين المسألة الأولى: في جمعية الموظفين إذا كانت خالية من الشروط المسألة الثانية: في جمعية الموظفين إذا اقترنت بالشرط المطلب الأول: أن يشترط في العقد ألا ينسحب أحد المطلب الثاني: إذا اشترط في العقد دورة ثانية فأكثر المبحث الثالث: في اشتراط الجعل مقابل أن يأتيه بمن يقرضه

стр. 8631

المبحث الرابع: في اجتماع القرض مع الشركة الشرط الثالث: إذا اشترط عليه الوفاء في غير بلد القرض الشرط الرابع: اشتراط الزيادة في مقابل القرض الشرط الخامس: اشتراط الوفاء بأنقص الشرط السادس: في اشتراط توثيق القرض المبحث الأول: في توثيق القرض بالكتابة فرع: في الحكم بالخط المجرد المبحث الثاني: في توثيق القرض بالشهادة المبحث الثالث: توثيق القرض بالرهن المبحث الرابع: توثيق القرض بالضمان الشرط السابع: في اشتراط رد عين القرض الباب الرابع: في انتهاء القرض

стр. 8632

خطة البحث في عقد البهة: التمهيد: ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: تعريف الهبة. المبحث الثاني: التفريق بين الهبة والوصية والصدقة. الباب الأول: في حكم الهبة وبيان أركانها. الفصل الأول: في حكم الهبة. الفصل الثاني: في أركان الهبة. المبحث الأول: في اشتراط الفورية في القبول. المبحث الثاني: انقسام ألفاظ الهبة إلى صريح وكناية. المبحث الثالث: في انعقاد الهبة بالمعاطاة. المبحث الرابع: في انعقاد الهبة بالإشارة. المبحث الخامس: في تعليق الهبة وإضافتها إلى المستقبل. المبحث السادس: في حكم الوعد بالهبة. الباب الثاني: في شروط الهبة. الفصل الأول: في شروط الواهب. المبحث الأول: أن يكون الوهب من أهل التبرع. الفرع الأول: في هبة الصبي والمجنون. الفرع الثاني: في هبة المحجور عليه لفلس.

стр. 8633

الفرع الثالث: في هبة السكران. الفرع الرابع: في هبة الأب والوصي من مال الصغير. الفرع الخامس: في هبة الشريك من مال شريكه. الفرع السادس: في هبة المريض مرض الموت. المسألة الأولى: في تعريف مرض الموت. المسألة الثانية: خلاف العلماء في هبة المريض. المسألة الثالثة: في هبة المريض إذا لم يكن له وارث. المسألة الرابعة: في اشتراط القبض في هبة المريض. الفرع السابع: في هبة الحامل. الفرع الثامن: في هبة المرتد. الشرط الثاني: أن يكون الواهب مالكًا أو مأذونًا له في التبرع. المبحث الأول: في هبة المباحات قبل تملكها. المبحث الثاني: في صحة هبة الفضولي. الشرط الثاني: أن يكون الواهب راضيًا. المبحث الأول: في هبة الهازل. المبحث الثاني: في هبة التلجئة. الفصل الثاني: في شروط الموهوب له. الشرط الأول: أن يكون الموهوب له أهلًا للتملك.

стр. 8634

الشرط الثاني: في اشتراط وجود الموهوب له. مبحث: في الهبة للحمل. الشرط الثالث: أن يكون الموهوب له معينًا. الفصل الثالث: في شروط الموهوب. الشرط الأول: في اشتراط كون الموهوب مالًا. الشرط الثاني: أن يكون الموهوب موجودًا. الشرط الثالث: في اشتراط العلم بالموهوب. مبحث: في هبة المرهون. الشرط الرابع: في اشتراط أن يكون الموهوب مقسومًا غير مشاع. الباب الثالث: في أحكام الهبة. الفصل الأول: في هبة الثواب. المبحث الأول: في تعريف هبة الثواب. المبحث الثاني: في اشتراط العوض في الهبة. الفرع الأول: أن يكون العوض معلومًا. الفرع الثاني: أن يشترط عوضًا مجهولًا. المبحث الثالث: في هبة الثواب إذا لم يشترط فيها العوض. الفصل الثاني: منزلة القبض في عقد الهبة. الفصل الثالث: في توصيف عقد الهبة.

стр. 8635

المبحث الأول: في لزوم الهبة. المبحث الثاني: في اشتراط إذن الواهب في القبض. المبحث الثالث: إذا كان الموهوب في يد المتهب. المبحث الرابع: في قبض الموهوب المشغول بمتاع الواهب. الفصل الرابع: في التصرف في الهبة والصدقة قبل قبضها. الفصل الخامس: في هبة الدين. المبحث الأول: في هبة الدين لمن هو عليه. فرع: في إبراء المدين من دين مجهول. المبحث الثاني: في هبة الدين لغير من هو عليه. الفصل السادس: في استحقاق الهبة. الفصل السابع: في الرجوع في الهبة. المبحث الأول: في رجوع الواهب الأجنبي في هبته. المبحث الثاني: في رجوع الأب في هبته. فرع: في شروط رجوع الأب. المبحث الثالث: في رجوع الأم والجد والجدة. الفصل الثامن: في التسوية بين الأولاد في العطية. مبحث: في صفة التسوية. الباب ا لرابع: في العمرى والرقبى.

стр. 8636

الفصل الأول: في العمرى. المبحث الأول: في تعريف العمرى. المبحث الثاني: في حكم العمرى التكليفي. المبحث الثالث: في توصيف العمرى. الفرع الأول: في العمرى له ولعقبه من بعده. الفرع الثاني: في العمرى المطلقة. الفرع الثالث: أن يشترط رجوعها له بعد موته. الفصل الثاني: في الرقبى. المبحث الأول: في تعريف الرقبى. المبحث الثاني: في حكم الرقبى. هذه هي المسائل المختارة من عقد القرض والهبة، أسأل المولى أن يكون هذا البحث وغيره من البحوث خالصًا لوجهه صوابًا موافقًا لهدي نبيه ﵇ وأن يرزقه القبول في الأرض وينفع به عباده، إنه ولي ذلك والقادر عليه. * * *

стр. 8637

عقد القرض

стр. 8638

تمهيد المبحث الأول في تعريف القرض تعريف القرض اصطلاحًا (١): اختلف الفقهاء في تعريف القرض نظرًا لاختلافهم في بعض لشروط المال المقروض. تعريف الحنيفة: عرفه بعضهم بقولهم: ما تعطيه من مثلي لتتقاضاه (٢). فقوله: (من مثلي) إشارة إلى أنه يشترط عند الحنفية أن يكون المال المقرض مثليًا.

стр. 8639

والمثلي من الأموال: كل ما يوجد له مثل في السوق بلا تفاوت يعتد به، كالمكيل والموزون، والنقود. والمال القيمي: هو ما لا يوجد له مثل في الأسواق، أو يوجد، ولكن مع التفاوت المعتد به (١). واشترط الحنفية أن يكون المال المقرض مثليًا حتى يتمكن المقترض من رد مثله عند القضاء. وقوله (لتتقاضاه) أي لتتقاضى مثله، لا عينه، فإن القرض من عقود التمليك، والمقترض يستهلكه ليرد مثله، وقد أخرج بهذا القيد الهبة، والصدقة، فإنها تمليك بلا مقابل، وأخرج العارية فإنه لا تقوم على تمليك العين، وإنما فيها تمليك الانتفاع مدة محددة. تعريف المالكية: حده ابن عرفة، بقوله: «دفع متمول في عوض، غير مخالف له، لا عاجلًا تفضلًا» (٢). شرح التعريف: فقوله: (دفع متمول) إشار بهذا القيد إلى أن القرض خاص بالأموال: أي ما يتمول، وأما قرض ما ليس بمتمول إذا دفعه فلا يعتبر قرضًا عندهم. وهو يشمل عندهم كل ما يتمول من مثلي أو قيمي.

стр. 8640

(في عوض) أخرج الهبة، والصدقة فإنهما بلا مقابل، بخلاف القرض فإنه وإن كان تبرعًا ابتداء، إلا أنه معاوضة انتهاء. وقوله: (غير مخالف له) أخرج به البيع والسلم والصرف والإجارة فإن العوض فيها مخالف. قوله: (لا عاجلًا) أشار إلى أن القرض يتحول إلى دين في ذمة المقترض. وقوله: (تفضلًا) أي دفع لأجل تفضل المقرض على المقترض، فهو عقد يراد للإرفاق والإحسان، ولا يقصد منه التكسب. واحترز بذلك عند المالكية مما لو قصد بدفعه نفعهما كالسفتجه، أو نفع المقرض، أو نفع أجنبي، ولا يجوز إلا قصد نفع المقترض فقط (١). وفي هذه المسألة خلاف بين الفقهاء سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. والأصل في القرض أن يكون إرفاقًا بالمقترض، وقضاء لحاجته، وليس ذلك بشرط، فقد يقرض الولي مال اليتيم إذا خاف عليه من السرقة، ولم يقصد بهذا نفع المقترض، وإنما قصد حفظ المال وضمانه، وقد يكون إقراضه أولى من إيداعه؛ لأن الوديعة غير مضمونة، بخلاف القرض. تعريف الشافعية: عرفه الشافعية: بأنه «تمليك الشيء على أن يرد بدله» (٢). فقوله: (تمليك) أخرج العارية.

стр. 8641

وقوله: (الشيء) كلمة (شيء) عامة، والتعبير بها أعم من التعبير بالمال لتشمل المال وغيره مما يصح تمليكه بالقرض، كإقراض الكلب، وجلد الأضحية، فلا يصح بيعهما، وفي إقراضهما خلاف، فكل ما يصح تملكه يصح إقراضه إلا الجواري ففيها خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى، وإن كان الأصل في القرض أن يكون في الأموال. وقوله: (بدله) أخرج الهبة، والصدقة، ونحوها، فإن الآخذ لهما يتملكهما، ولا يرد بدلهما. وقال: (بدله) ولم يقل: (مثله)، ليشمل المال المثلي والقيمي. جاء في نهاية المحتاج: «قوله: (يرد بدله) عبارة المنهج: على أن يرد مثله، ولعل الشارح إنما عبر بالبدل ليتمشى على الراجح الآتي، من أنه يرد المثل حقيقة في المثلي، وصورة في المتقوم. وعلى المرجوح من أنه يرد المثل في المثلي، والقيمة في المتقوم» (١). تعريف الحنابلة: جاء في الإقناع: «دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به، ويرد بدله» (٢). قوله: (دفع مال) دخل في ذلك العارية والهبة إلا أنهما خرجا بقوله: (ويرد بدله).

стр. 8642

وقوله: (إرفاقًا) قال ابن القيم عن القرض: هو من باب الإرفاق، والتبرع، والصدقة، وإن كان المقرض قد ينتفع أيضا بالقرض، كما في مسألة السفتجة، ولهذا كرهها من كرهها، والصحيح أنها لا تكره؛ لأن المنفعة لا تخص المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا» (١). العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاح: إذا كان الأصل في القرض من حيث اللغة: هو القطع، والمجازاة: فيظهر القطع في المعنى الاصطلاحي عندما يقطع المقرض شيئًا من ماله ليعطيه المقترض. وتظهر المجازاة في القرض اصطلاحًا، عندما يرد المقترض مثل ما أخذه من المقرض (٢). العلاقة بين الدين والقرض: الدين له معنيان: عام، وخاص: فالدين بمعناه العام: قال ابن نجيم في تعريفه: «لزوم حق في الذمة» (٣). وكان هذا التعريف عاماً؛ لأنه يشمل كل ما يشغل ذمة الإنسان، سواء أكان حقاً لله، أم للعبد، ودَيْن الله: حقوقه التي ثبتت في الذمة، ولا مطالب لها من جهة العباد، كالنذور، والكفارات، وصدقة الفطر ... (٤)

стр. 8643

وأما تعريف الدين بمعناه الخاص: (أي في الأموال): فقد عرفه ابن عابدين بقوله: «الدين: ما وجب في الذمة بعقد، أو استهلاك، وما صار في ذمته ديناً باستقراضه» (١). فجعل الدين ينشأ في ذمة الإنسان بثلاثة أسباب: الأول: ما وجب في ذمة الإنسان بسبب البيع والشراء، كالمعاوضة عن طريق البيع بالتأجيل، سواء كان التأجيل للمبيع وحده كالسلم، أو كان التأجيل للثمن وحده كبيع التقسيط. وقولنا: ما وجب في ذمة الإنسان ليخرج المؤجل إذا كان معينًا، فإنه لا يسمى دينًا، كما لو باع دارًا، واشترط سكناها مدة معينة، أو باع حيوانًا واشترط ظهره إلى مكان معين، فإن المبيع هنا مؤجل، ولا يسمى دينًا؛ لأن الحق تعلق بشيء معين، أما دين السلم فهو دين ومؤجل؛ لأن الحق لم يتعلق بشيء معين، وإنما تعلق بشيء موصوف في الذمة، غير معين، وقد بينا ذلك في عقد البيع، وفي عقد السلم. الثاني: ما ثبت عن طريق الاستهلاك، كالإتلاف الذي يوجب ضمانًا في ذمة المتلف. السبب الثالث: الدين بسبب القرض. فالقرض عقد يوجب دينًا في ذمة المقترض، فهو سبب من أسباب الدين، والدين أعم من القرض، فكل قرض دين، وليس العكس. * * *

стр. 8644

المبحث الثاني القرض جار على وفق القياس لا يوجد في أحكام الشرع ما يخالف القياس الصحيح ما قيل إنه مخالف للقياس إنما استثنى لمعنى أوجب استثناءه عن نظائره. [م-١٧٥٤] اختلف العلماء في القرض، هل جوازه جار على وفق القياس، والقواعد العامة للشريعة، أم أنه جاء على خلاف القياس لمصلحة راجحة، وقد ناقشت في مسألة مستقلة خلاف العلماء في أصل المسألة: هل يجري في أحكام الشريعة ما يكون مخالفًا للقياس؟ أو أن الأحكام كلها لا يمكن أن يقع فيها ما يخالف القياس الصحيح على قولين للعلماء. القول الأول: ذهب الأئمة الأربعة إلى القول بأن هناك أحكامًا جاء النص بجوازها، وكان القياس يقتضي منعها، لأن نظائرها ممنوعة، ويقسم الحنفية الأحكام الجائزة إلى قسمين: مسائل جائزة قياسًا. ومسائل جائزة استحسانًا ـ ويعنون بها المسائل التي جاء جوازها مخالفًا للقياس. ويرى الجمهور أن عقد السلم، وعقد الشفعة، وعقد الاستصناع، وعقد الحوالة، وعقد الإجارة، ومنها إجارة الظئر، وعقد المزارعة، وعقد المساقاة، كلها عقود جاءت على خلاف القياس.

стр. 8645

وقد تكلمنا على كل عقد من هذه العقود في بابها، وناقشنا وجه مخالفتها للقياس عند الفقهاء، فارجع إليه غير مأمور (١). كما قالوا ذلك في بعض الأحكام أنها مخالفة للقياس كالقول في الوضوء من لحوم الإبل، والمضي في الحج الفاسد، وغيرها من الأحكام، وهي مبثوثة في كتب الفقهاء. القول الثاني: ذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أنه لا يوجد في الشريعة ما يخالف القياس، ومن رأى أن شيئاً من الشريعة مخالف للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفاً للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. نعم في الشريعة ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده (٢). وأعتقد أن من قال: في الشفعة أو في السلم أو في الاستصناع، أو في الإجارة، أو في القرض أنه على خلاف القياس، لا يعني أن جوازه تجرد عن مراعاة المصلحة حتى خالف القياس، وإنما المراد به: أنه عدل به عن نظائره

стр. 8646

لمصلحة أكمل، وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي، وهو ما جعل ابن تيمية وابن القيم يقولون: إن جوازه موافق للقياس، نظرًا لهذا المعنى، وقال غيرهم: جوازه من قبيل الاستحسان. يقول ابن تيمية: «قد تأملنا عامة المواضع التي قيل: إن القياس فيها عارض النص، وأن حكم النص فيها على خلاف القياس، فوجدنا ما خصه الشارع بحكم عن نظائره، فإنما خصه به؛ لاختصاصه بوصف أوجب اختصاصه بالحكم، كما خص العرايا بجواز بيعها بمثلها خرصًا لتعذر الكيل مع الحاجة إلى البيع، والحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل، فالخرص عند الحاجة قام مقام الكيل، كما يقوم التراب مقام الماء، والميتة مقام المذكى عند الحاجة، وكذلك قول من قال: القرض، أو الإجارة، أو القراض، أو المساقاة، أو المزارعة ونحو ذلك على خلاف القياس، إن أراد به أن هذه الأفعال اختصت بصفات أوجبت أن يكون حكمها مخالفًا لحكم ما ليس مثلها فقد صدق. وهذا هو مقتضى القياس وإن أراد أن الفعلين المتماثلين حكم فيهما بحكمين مختلفين، فهذا خطأ ينزه عنه من هو دون الأنبياء صلوات الله عليهم» (١). ويقول العز بن عبد السلام: «اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة، تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أو مفسدة تربو على تلك المصالح. وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في الدارين، أو في أحدهما، تجمع

стр. 8647

كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة، أو مصلحة تربو على تلك المفاسد، وكل ذلك رحمة بعباده، ونظر لهم، ورفق، ويعبر عن ذلك كله بما خالف القياس، وذلك جار في العبادات والمعاوضات وسائر التصدقات» (١). لهذا لا يستثنى شيء إلا لمعنى أوجب استثناءه عن نظائره، إما دفعًا لمفسدة، أو اتقاء فوت مصلحة، أو تحاشيًا من حرج أو مشقة، وسواء قلنا: إنه مخالف للقياس، أو قلنا: إنه موافق له، المهم أن هذا المعنى الذي أوجب خروج هذا الشيء عن نظائره جعل الشيئين غير متماثلين من كل وجه. [م-١٧٥٥] إذا علم ذلك نأتي على مسألة القرض، وبيان وجه مخالفة القرض للقياس عند من قال به من الفقهاء. القول الأول: ذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن القرض عقد جاء جوازه مخالفًا للقياس (٢). وجاء في أسنى المطالب: «الإقراض جوز على خلاف القياس؛ للإرفاق» (٣). وجاء في كشاف القناع عن القرض: «وهو نوع من المعاملات على غير قياسها لمصلحة لاحظها الشارع رفقًا بالمحاويج» (٤).

стр. 8648

وقال القرافي: «اعلم أن قاعدة القرض خولفت فيها ثلاث قواعد شرعية: قاعدة الربا: إن كان في الربويات، كالنقدين، والطعام. وقاعدة المزابنة: وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، إن كان في الحيوان، ونحوه من غير المثليات، وقاعدة بيع ما ليس عندك في المثليات، وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف للعباد، فلذلك متى خرج عن باب المعروف امتنع، إما لتحصيل منفعة المقرض، أو لتردده بين الثمن والسلف، لعدم تعين المعروف، مع تعين المحذور، وهو مخالفة القواعد» (١). وقال القرافي أيضًا: «الله شرع السلف قربة للمعروف، ولذلك استثناه من الربا المحرم، فيجوز دفع دينار؛ ليأخذ عوضه دينارًا إلى أجل قرضًا، ترجيحًا لمصلحة الإحسان على مفسدة الربا، وهذا من الصور التي قدم الشرع فيها المندوبات على المحرمات» (٢). ويناقش: بأن الخلاف لفظي، فالقرافي لا يرى أن الشرع فرق بين القرض وبين بيع الربوي بجنسه مع عدم التقابض بلا معنى يوجب التفريق، بل هناك معنى أوجب الفرق، وهذا هو مقتضى حكمة الشارع الذي لا يجمع بين متفرقين، ولا يفرق بين متماثلين، فلما أخذت مبادلة المال بمثله في المعاوضة اسم البيع، وفي الإرفاق اسم القرض، واختلف كل من القرض والبيع في الاسم وجب أن يختلفا في الحكم، ولهذا قال الفقهاء في الضوابط:

стр. 8649

اختلاف الأسامي دليل على اختلاف المعاني (١). وقال ابن الشاط منتقدًا كلام القرافي: «ما قاله من أن القرض مستثنى من الربا المحرم ليس بمسلم، ولا بصحيح، فإن الربا لغة الزيادة، ولا زيادة في المثال الذي ذكره، والربا شرعًا الممنوع، والقرض ليس بممنوع، وإنما وقع الخلل من جهة اعتقاد أن دينارًا بدينار إلى أجل ممنوع مطلقًا، والأمر ليس كذلك، بل ذلك ممنوع على وجه البيع، الذي شأنه عادة وعرفا المكايسة، والمغابنة، وليس بممنوع على وجه القرض، الذي شأنه المسامحة، والمكارمة، فهما أصلان، كل واحد منهما قائم بنفسه، وليس أحدهما أصلا للآخر، فيكون مستثنى منه» (٢). قلت: هذا الكلام حق، وإن كان فيه ما يمكن التعليق عليه، فقوله: إن الربا الزيادة، والقرض ليس فيه زيادة، يقال: ربا الزيادة أحد نوعي الربا، وهو ربا الفضل، وأما ربا النسيئة فلا يلزم أن يكون فيه الزيادة. وقوله: إن البيع يقع على وجه المغابنة، هذا هو الأصل، وليس بشرط في إطلاق اسم البيع، ولا في صحته، فبيع المواضعة، وبيع التولية كلاهما بيع، وليس فيه قصد التكسب، فالأول فيه خسارة معلومة، والثاني بيع برأس المال. ولو باع الإنسان عينًا، وقصد نفع المشتري عن طريق البيع، فهذا لا يخرجه من البيع.

стр. 8650

وجه كون القرض مخالفًا للقياس: مبادلة المال الربوي بمثله يشترط فيه شرطان: أحدهما: المماثلة حتى لا يقع في ربا الفضل. والثاني: التقابض حتى لا يقع في ربا النسيئة. وإذا كنا نشترط في بدل القرض عدم الزيادة، فذلك لتحريم ربا الفضل. فلما جاز عدم التقابض في القرض، مع أنه مبادلة مال بمال ربوي على سبيل التمليك دل ذلك على مخالفته للقياس. ويقول ابن حزم: «ولا خلاف ... أن امرءًا لو قال للآخر: أقرضني هذا الدينار، وأقضيك دينارًا إلى شهر كذا، ولم يحد وقتًا، فإنه حسن، وأجر، وبر، وعندنا إن قضاه دينارين أو نصف دينار فقط ورضي كلاهما فحسن. ولو قال له: بعني هذا الدينار بدينار إلى شهر، ولم يسم أجلًا، فإنه ربا، وإثم، وحرام، وكبيرة من الكبائر، والعمل واحد، وإنما فرق بينهما الاسم فقط» (١). ويجاب: بأن المعنى الذي اقتضى مخالفة القرض للبيع، أن القرض من عقود الإحسان والإرفاق، فاقتضت مصلحة الناس الرفق بهم، فلو اشترط التقابض لامتنع القرض، بخلاف البيع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن كلام ابن حزم وإن
следующие страницы →