لمصلحة أكمل، وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي، وهو ما جعل ابن تيمية وابن القيم يقولون: إن جوازه موافق للقياس، نظرًا لهذا المعنى، وقال غيرهم: جوازه من قبيل الاستحسان.
يقول ابن تيمية: «قد تأملنا عامة المواضع التي قيل: إن القياس فيها عارض النص، وأن حكم النص فيها على خلاف القياس، فوجدنا ما خصه الشارع بحكم عن نظائره، فإنما خصه به؛ لاختصاصه بوصف أوجب اختصاصه بالحكم، كما خص العرايا بجواز بيعها بمثلها خرصًا لتعذر الكيل مع الحاجة إلى البيع، والحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل، فالخرص عند الحاجة قام مقام الكيل، كما يقوم التراب مقام الماء، والميتة مقام المذكى عند الحاجة، وكذلك قول من قال: القرض، أو الإجارة، أو القراض، أو المساقاة، أو المزارعة ونحو ذلك على خلاف القياس، إن أراد به أن هذه الأفعال اختصت بصفات أوجبت أن يكون حكمها مخالفًا لحكم ما ليس مثلها فقد صدق. وهذا هو مقتضى القياس وإن أراد أن الفعلين المتماثلين حكم فيهما بحكمين مختلفين، فهذا خطأ ينزه عنه من هو دون الأنبياء صلوات الله عليهم» (١).
ويقول العز بن عبد السلام: «اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة، تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أو مفسدة تربو على تلك المصالح.
وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في الدارين، أو في أحدهما، تجمع
стр. 8647
كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة، أو مصلحة تربو على تلك المفاسد، وكل ذلك رحمة بعباده، ونظر لهم، ورفق، ويعبر عن ذلك كله بما خالف القياس، وذلك جار في العبادات والمعاوضات وسائر التصدقات» (١).
لهذا لا يستثنى شيء إلا لمعنى أوجب استثناءه عن نظائره، إما دفعًا لمفسدة، أو اتقاء فوت مصلحة، أو تحاشيًا من حرج أو مشقة، وسواء قلنا: إنه مخالف للقياس، أو قلنا: إنه موافق له، المهم أن هذا المعنى الذي أوجب خروج هذا الشيء عن نظائره جعل الشيئين غير متماثلين من كل وجه.
[م-١٧٥٥] إذا علم ذلك نأتي على مسألة القرض، وبيان وجه مخالفة القرض للقياس عند من قال به من الفقهاء.
القول الأول:
ذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن القرض عقد جاء جوازه مخالفًا للقياس (٢).
وجاء في أسنى المطالب: «الإقراض جوز على خلاف القياس؛ للإرفاق» (٣).
وجاء في كشاف القناع عن القرض: «وهو نوع من المعاملات على غير قياسها لمصلحة لاحظها الشارع رفقًا بالمحاويج» (٤).
стр. 8648
وقال القرافي: «اعلم أن قاعدة القرض خولفت فيها ثلاث قواعد شرعية: قاعدة الربا: إن كان في الربويات، كالنقدين، والطعام. وقاعدة المزابنة: وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، إن كان في الحيوان، ونحوه من غير المثليات، وقاعدة بيع ما ليس عندك في المثليات، وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف للعباد، فلذلك متى خرج عن باب المعروف امتنع، إما لتحصيل منفعة المقرض، أو لتردده بين الثمن والسلف، لعدم تعين المعروف، مع تعين المحذور، وهو مخالفة القواعد» (١).
وقال القرافي أيضًا: «الله شرع السلف قربة للمعروف، ولذلك استثناه من الربا المحرم، فيجوز دفع دينار؛ ليأخذ عوضه دينارًا إلى أجل قرضًا، ترجيحًا لمصلحة الإحسان على مفسدة الربا، وهذا من الصور التي قدم الشرع فيها المندوبات على المحرمات» (٢).
ويناقش:
بأن الخلاف لفظي، فالقرافي لا يرى أن الشرع فرق بين القرض وبين بيع الربوي بجنسه مع عدم التقابض بلا معنى يوجب التفريق، بل هناك معنى أوجب الفرق، وهذا هو مقتضى حكمة الشارع الذي لا يجمع بين متفرقين، ولا يفرق بين متماثلين، فلما أخذت مبادلة المال بمثله في المعاوضة اسم البيع، وفي الإرفاق اسم القرض، واختلف كل من القرض والبيع في الاسم وجب أن يختلفا في الحكم، ولهذا قال الفقهاء في الضوابط:
стр. 8649
اختلاف الأسامي دليل على اختلاف المعاني (١).
وقال ابن الشاط منتقدًا كلام القرافي: «ما قاله من أن القرض مستثنى من الربا المحرم ليس بمسلم، ولا بصحيح، فإن الربا لغة الزيادة، ولا زيادة في المثال الذي ذكره، والربا شرعًا الممنوع، والقرض ليس بممنوع، وإنما وقع الخلل من جهة اعتقاد أن دينارًا بدينار إلى أجل ممنوع مطلقًا، والأمر ليس كذلك، بل ذلك ممنوع على وجه البيع، الذي شأنه عادة وعرفا المكايسة، والمغابنة، وليس بممنوع على وجه القرض، الذي شأنه المسامحة، والمكارمة، فهما أصلان، كل واحد منهما قائم بنفسه، وليس أحدهما أصلا للآخر، فيكون مستثنى منه» (٢).
قلت: هذا الكلام حق، وإن كان فيه ما يمكن التعليق عليه، فقوله: إن الربا الزيادة، والقرض ليس فيه زيادة، يقال: ربا الزيادة أحد نوعي الربا، وهو ربا الفضل، وأما ربا النسيئة فلا يلزم أن يكون فيه الزيادة.
وقوله: إن البيع يقع على وجه المغابنة، هذا هو الأصل، وليس بشرط في إطلاق اسم البيع، ولا في صحته، فبيع المواضعة، وبيع التولية كلاهما بيع، وليس فيه قصد التكسب، فالأول فيه خسارة معلومة، والثاني بيع برأس المال.
ولو باع الإنسان عينًا، وقصد نفع المشتري عن طريق البيع، فهذا لا يخرجه من البيع.
стр. 8650
وجه كون القرض مخالفًا للقياس:
مبادلة المال الربوي بمثله يشترط فيه شرطان:
أحدهما: المماثلة حتى لا يقع في ربا الفضل.
والثاني: التقابض حتى لا يقع في ربا النسيئة.
وإذا كنا نشترط في بدل القرض عدم الزيادة، فذلك لتحريم ربا الفضل.
فلما جاز عدم التقابض في القرض، مع أنه مبادلة مال بمال ربوي على سبيل التمليك دل ذلك على مخالفته للقياس.
ويقول ابن حزم: «ولا خلاف ... أن امرءًا لو قال للآخر: أقرضني هذا الدينار، وأقضيك دينارًا إلى شهر كذا، ولم يحد وقتًا، فإنه حسن، وأجر، وبر، وعندنا إن قضاه دينارين أو نصف دينار فقط ورضي كلاهما فحسن.
ولو قال له: بعني هذا الدينار بدينار إلى شهر، ولم يسم أجلًا، فإنه ربا، وإثم، وحرام، وكبيرة من الكبائر، والعمل واحد، وإنما فرق بينهما الاسم فقط» (١).
ويجاب:
بأن المعنى الذي اقتضى مخالفة القرض للبيع، أن القرض من عقود الإحسان والإرفاق، فاقتضت مصلحة الناس الرفق بهم، فلو اشترط التقابض لامتنع القرض، بخلاف البيع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن كلام ابن حزم وإن
стр. 8651
اتفق مع أصحاب هذا القول إلا أنه يختلف معهم، فهو لا يرى القياس كله صحيحًا حتى يكون عنده مسائل موافقة للقياس، وأخرى مخالفة له، ويقال له: إن الذي فرق بين القرض والبيع ليس الاسم فقط، وإنما فرق بينهما الاسم والمعنى، فعقد البيع يقصد به الإرفاق بخلاف المعاوضة.
القول الثاني:
يرى ابن تيمية وابن القيم أن جواز القرض موافق للقياس.
يقول ابن القيم: «وأما القرض فمن قال: إنه على خلاف القياس، فشبهته أنه بيع ربوي بجنسه مع تأخر القبض، وهذا غلط، فإن القرض من جنس التبرع بالمنافع كالعارية، ولهذا سماه النبي ﷺ منيحة، فقال: «أو منيحة ذهب أو منيحة ورق» (١).
وهذا من باب الإرفاق، لا من باب المعاوضات، فإن باب المعاوضات يعطي كل منهما أصل المال على وجه لا يعود إليه، وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يعطي فيه أصل المال لينتفع بما يستخلف منه، ثم يعيده إليه بعينه إن أمكن، وإلا فنظيره ومثله، فتارة ينتفع بالمنافع كما في عارية العقار وتارة يمنحه ماشية ليشرب لبنها، ثم يعيدها، أو شجرة ليأكل ثمرها، ثم يعيدها، وتسمى العرية، فإنهم يقولون: أعراه الشجرة، وأعاره المتاع، ومنحه الشاة، وأفقره الظهر، وأقرضه الدراهم» (٢).
стр. 8652
الراجح:
أرى أنه لا يوجد حكم في الشريعة يخرج عن نظائره إلا لمعنى أوجب ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، سواء سمينا هذا استحسانًا مخالفًا للقياس، أو قلنا: إنه موافق للقياس، والله أعلم.
* * *
стр. 8653
المبحث الثالث
في توصيف عقد القرض
لا يملك الإقراض إلا من يملك التبرع.
المعاوضة في القرض يقصد بها الإرفاق لا التكسب.
القرض مضمون بمثله أو بقيمته.
إذا قصد من القرض التكسب حرم.
[م-١٧٥٦] اختلف العلماء في توصيف عقد القرض، هل هو من عقود التبرع، أو من عقود المعاوضات، على أقوال:
القول الأول:
الحنفية يرون أن القرض إعارة وصلة في الابتداء، ومعاوضة في الانتهاء.
جاء في تبيين الحقائق: «القرض إعارة وصلة ابتداء، ولهذا يصح بلفظ الإعارة ولا يملكه من لا يملك التبرع، كالصبي والولي والمكاتب والعبد المأذون له في التجارة ومعاوضة انتهاء حتى يلزمه رد مثله» (١).
وفي الاختيار لتعليل المختار: «القرض تبرع ابتداء معاوضة انتهاء» (٢).
стр. 8654
وجه القول بأنه تبرع ابتداء:
أن القرض لا يقابله عوض في الحال، ولا يملكه من لا يملك التبرع كالوصي، والصبي، ولأنه يشبه العارية.
وأما وجه كونه معاوضة انتهاء:
فلأن القرض يوجب رد البدل، وهذه معاوضة.
القول الثاني:
أن القرض عقد معاوضة يقصد به الرفق، ولا يقصد به المغابنة، وعليه أكثر المالكية (١).
وعبر الشافعية عن ذلك بقولهم: القرض عقد معاوضة فيه شائبة تبرع.
قال ابن رشد في بداية المجتهد: «العقود تنقسم أولا إلى قسمين:
قسم يكون بمعاوضة.
وقسم يكون بغير معاوضة كالهبات والصدقات.
والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: يختص بقصد المغابنة والمكايسة، وهي البيوع، والاجارات، والمهور، والصلح، والمال المضمون بالتعدي وغيره.
والقسم الثاني: لا يختص بقصد المغابنة، وإنما يكون على جهة الرفق وهو القرض.
стр. 8655
والقسم الثالث: فهو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعًا: أعني على قصد المغابنة، وعلى قصد الرفق كالشركة، والإقالة، والتولية ... » (١).
وجاء في نهاية المحتاج: «وضع القرض: أنه تمليك الشيء برد مثله، فساوى البيع؛ إذ هو تمليك الشيء بثمنه ... وكون القرض فيه شائبة تبرع كما يأتي لا ينافي ذلك؛ لأن المعاوضة فيه هي المقصودة» (٢).
وجه القول بأن القرض فيه شائبة تبرع، وليس معاوضة محضة:
أن القرض لو كان من عقود المعاوضة لما صح اقتراض مال من أموال الربا لشرط التقابض في بيع بعضه ببعض، ولو كان من عقود المعاوضات لصح للولي إقراض مال اليتيم؛ لأنه يجوز له بيع ماله، ولا يجوز له إقراض ماله، فدل على أنه ليس معاوضة محضة.
وليس القرض من عقود التبرع المحض؛ لأن التبرع إعطاء الشيء بلا عوض، والقرض يوجب رد المثل، لذا قلنا: إنه ليس معاوضة محضة، وفيه شائبة تبرع.
جاء في تحفة المحتاج: «ويشترط في المقرض أهلية التبرع .... وهي تستلزم رشده، واختياره فيما يقرضه .... لأن فيه شائبة تبرع» (٣).
وفي نهاية المحتاج: «القرض فيه شائبة تبرع، ومن ثم امتنع تأجيله، ولم
стр. 8656
يجب التقابض فيه، وإن كان ربويًا، ولو كان معاوضة محضة لجاز للولي غير الحاكم قرض مال موليه من غير ضرورة، واللازم باطل ... » (١).
القول الثالث:
أن القرض من عقود التبرعات، واختاره بعض المالكية، وبعض الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٢).
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-١٠٥٢) روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت طلحة بن مصرف عن هذا الحديث، أكثر من عشرين مرة ولو كان غيري قال: ثلاثين مرة قال: سمعت عبد الرحمن بن عوسجة،
يحدث عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: من منح منيحة ورق، أو قال: ورقًا، أو أهدى زقاقًا، أو سقى لبنًا، كان له كعدل نسمة، أو رقبة، ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كن له عدل نسمة، أو رقبة.
[صحيح] (٣).
وجه الاستدلال:
أن الرسول أطلق عليه اسم منيحة، والمنيحة من عقود التبرع.
стр. 8657
الدليل الثاني:
لو كان القرض من عقود المعاوضة لجاز قصد التكسب منه، ولا يجوز اشتراط أي زيادة في بدل القرض.
الدليل الثالث:
للمقترض أن يرد عين القرض؛ ويلزم المقرض القبول، ولو كان معاوضة لما صح رد العين إلا بالتراضي؛ لأن ذلك يعني فسخ العقد.
الدليل الرابع:
يرى جمهور الفقهاء أن القرض لا يقبل التأجيل، ولو كان من عقود المعاوضات لم يمتنع التأجيل.
الراجح:
أن عقد القرض يتردد بين عقد التبرع، وبين عقد المعاوضة،
فهو ليس تبرعًا مطلقًا كالهبة والصدقة حيث يكون الملك بلا عوض مطلقًا. وليس من عقود المعاوضة التي يراد منها التكسب والربح، وفيه شبه بالعارية من وجه دون وجه، فهو يختلف عن العارية من وجهين:
أحدها: أن العارية لا يتملك المعار فيها العين المعارة، وإنما يعطى حق الانتفاع مدة الإعارة، ثم ترد العين نفسها إلى صاحبها.
الثاني: أن العارية على الصحيح غير مضمونة بخلاف القرض.
وفيه شبه بالعارية من حيث إن المقترض ينتفع من القرض مدة بقائه عنده دون مقابل، ثم يرده أو يرد بدله إلى المقرض، لهذا لوقيل: القرض إعارة ابتداء، معاوضة غير محضة انتهاء، ربما يكون هذا أقرب الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 8658
الباب الأول
حكم القرض وبيان أركانه
الفصل الأول
في حكم القرض بالنسبة للمقرض
[م-١٧٥٧] القرض في حق المقرض عمل مستحب، هذا هو الأصل فيه.
«قال أحمد لا إثم على من سئل القرض فلم يقرض؛ وذلك لأنه من المعروف، فأشبه صدقة التطوع» (١).
وقد دل على استحباب القرض الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب، فقال تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١].
وجه الاستدلال:
سمى الله الأعمال الصالحة، والصدقات الحلال بالقرض؛ لأن معنى القرض: إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له ليقضيه مثله إذا اقتضاه، فشبه الصدقات بالمال المقرض، وشبه الثواب، ببدل القرض، ومشروعية المشبه تدل على مشروعية المشبه به.
стр. 8659
ومن السنة أحاديث كثيرة، منها:
(ح-١٠٥٣) روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت طلحة بن مصرف عن هذا الحديث، أكثر من عشرين مرة ولو كان غيري قال: ثلاثين مرة قال: سمعت عبد الرحمن بن عوسجة،
يحدث عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: من منح منيحة ورق، أو قال: ورقًا، أو أهدى زقاقًا، أو سقى لبنًا، كان له كعدل نسمة، أو رقبة، ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كن له عدل نسمة، أو رقبة.
[صحيح] (١).
قال الترمذي: معنى قوله: (من منح منيحة ورق) إنما يعني به: قرض الدراهم، وقوله: (أو هدى زقاقًا): يعني به هداية الطريق، وهو إرشاد السبيل
الدليل الثاني:
(ح-١٠٥٤) روى ابن ماجه من طريق سليمان بن يسير، عن قيس بن رومي، قال: كان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه، واشتد عليه، فقضاه، فكأن علقمة غضب، فمكث أشهرًا، ثم أتاه، فقال: أقرضني ألف درهم إلى عطائي، قال: نعم، وكرامة، يا أم عتبة هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك، فجاءت بها، فقال: أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني، ما حركت منها درهمًا واحدًا، قال: فلله أبوك، ما حملك على ما فعلت بي؟
قال: ما سمعت منك. قال: ما سمعت مني؟
قال: سمعتك تذكر عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ ، قال: ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة»، قال: كذلك أنبأني ابن مسعود
[رفعه منكر] (١).
الدليل الثالث:
(ح-١٠٥٥) روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا جعفر بن الزبير الحنفي، عن القاسم،
عن أبي أمامة، قال: قال النبي ﷺ : انطلق برجل إلى باب الجنة، فرفع رأسه، فإذا على باب الجنة مكتوب الصدقة
стр. 8665
بعشر أمثالها، والقرض الواحد بثمانية عشر؛ لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج وإن الصدقة ربما وضعت في غني.
[ضعيف] (١).
стр. 8666
والدليل من الإجماع:
أجمع أهل العلم على جواز إقراض المال المثلي، من مكيل، أو موزون، ومثلها الدراهم والدنانير؛ لأنها أموال مثلية. واختلفوا في المال غير المثلي وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى.
قال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز القرض» (١).
وقال ابن القطان: «أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم، والقمح والشعير والتمر والذهب، وكل ما له مثل من سائر الأطعمة المكيل منها والموزون: جائز» (٢).
وقال ابن حزم: «اتفقوا ان استقراض ما عدا الحيوان جائز .... واتفقوا ان القرض فعل خير» (٣).
стр. 8667
قال ابن تيمية في نقده للكتاب: «الاتفاق إنما هو في قرض المثليات: المكيل والموزون، وأما ما سوى ذلك، فأبو حنيفة لا يُجَوِّزُ قرضَه؛ لأن موجب القرض المثل، ولا مثل له عنده، فالنزاع فيه كالنزاع في الحيوان» (١).
وكلام ابن تيمية لا ينقض استدلالنا على ورود الإجماع على جواز قرض المال المثلي، وإنما يورد والنزاع في إقراض المال القيمي، وهو ليس ردًا للقرض من حيث كونه قرضًا، وإنما لأن القرض يوجب رد البدل، وما لا مثل له لا يتمكن المقترض من رد بدله على القول بأن الواجب رد المثل، والله أعلم.
وأما الدليل من القياس:
القرض يشبه شراء الشيء بدين في الذمة؛ بجامع أن كلًا منهما يأخذه ليرد عوضه.
كما يشبه القرض العارية، بجامع أن كلًا من المعير والمقرض يدفع ماله لمن ينتفع به، إلا أنه في العارية يقوم المستعير برد عينه، وأما في القرض فقد يرده وقد يرد بدله، والله أعلم.
وقد قال بعض الفقهاء: إن القرض عارية ابتداء، معاوضة انتهاء (٢).
وقولنا: مندوب هذا من حيث الجملة، وقد يعرض للقرض ما يجعله واجبًا كالإقراض لمن اضطر إليه لحفظ النفس.
وقد يكون مكروهًا كالاستعانة به على فعل مكروه.
стр. 8668
وقد يكون محرمًا كالاستعانة به على فعل محرم، أو كان القرض يجر نفعًا مشروطًا للمقرض، وكذا لو شرط معه عقد من عقود المعاوضة، كالبيع، أو الإجارة، كأن يقول: أقرضك بشرط أن تبيعني (١).
стр. 8669
الفصل الثاني
حكم القرض بالنسبة للمقترض
سؤال الناس مكروه والقرض ليس منه؛ لأنه يأخذه بعوضه.
[م-١٧٥٨] تقدم لنا حكم القرض بالنسبة للمقرض، وأما القرض بالنسبة للمقترض فإنه مباح، ولا خلاف في جوازه عند الحاجة، إذا علم من نفسه الوفاء، وغلب على ظنه أن ذمته تفي بما يدان به، وعزم على السداد (١).
(ح-١٠٥٦) وقد روى البخاري من طريق أبي الغيث،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله (٢).
وقال ابن قدامة عن الاقتراض: «وليس بمكروه في حق المقرض. قال أحمد: ليس القرض من المسألة. يعني ليس بمكروه؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان يستقرض، بدليل حديث أبي رافع، ولو كان مكروهًا، كان أبعد الناس منه.
ولأنه إنما يأخذه بعوضه، فأشبه الشراء بدين في ذمته.
قال ابن أبي موسى: لا أحب أن يتحمل بأمانته ما ليس عنده. يعني ما لا يقدر على وفائه، ومن أراد أن يستقرض، فليعلم من يسأله القرض بحاله، ولا يغره من نفسه، إلا أن يكون الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله» (٣).
стр. 8670
وجاء في أسنى المطالب: «إنما يجوز الاقتراض لمن علم من نفسه الوفاء، وإلا لم يجز إلا أن يعلم المقرض أنه عاجز عن الوفاء» (١).
وفي نهاية المحتاج: «ويحرم على غير مضطر الاقتراض إن لم يرج وفاءه من سبب ظاهر، ما لم يعلم المقرض بحاله» (٢).
وقال ابن قدامة: «والقرض مندوب إليه في حق المقرض، مباح للمقترض» (٣).
وفي كشاف القناع: «وينبغي للمقترض أن يعلم المقرض بحاله، ولا يغره من نفسه، ولا يستقرض إلا ما يقدر أن يؤديه إلا الشيء اليسير الذي لا يتعذر مثله عادة؛ لئلا يضر بالمقرض» (٤).
ويدل على تحريم الاقتراض كما قال الشافعية، أو على كراهيته كما يرى غيرهم لغير القادر على الوفاء، إذا لم يكن مضطرًا، ما جاء من النصوص التي تشدد في أمر الدين، من ذلك:
(ح-١٠٥٧) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبي قتادة، أنه سمعه، يحدث عن رسول الله ﷺ ، أنه قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله، تكفر عني خطاياي؟ فقال له
стр. 8671
رسول الله ﷺ : نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر»، ثم قال رسول الله ﷺ : كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك (١).
(ح-١٠٥٨) وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين (٢).
(ح-١٠٥٩) وروى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه فضلًا؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته (٣).
(ح-١٠٦٠) وروى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة،
أن عائشة ﵂، أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة ويقول: اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم؟ قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف (٤).
стр. 8672
وقال ابن عبد البر: «والدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة، والله أعلم، هو الذي قد ترك له وفاء، ولم يوص به، أو قدر على الأداء، فلم يؤد، أو أنه في غير حق، أو في سرف، ومات ولم يؤده، أما من أدان في حق واجب لفاقة، وعسر، ومات، ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه به عن الجنة إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضًا أن يؤدي عنه دينه إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء.
وقد قيل: إن قول الرسول ﷺ وتشديده في الدين كان من قبل أن يفتح الله عليه ما يجب منه الفيء والصدقات لأهلها» (١).
وقال ابن رشد: «قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١].
فدل ذلك من قوله على جواز التداين، وذلك إذا تداين في غير سرف، ولا فساد، وهو يرى أن ذمته تفي بما تداين به .... وقد رويت عن النبي ﷺ آثار كثيرة في التشديد في الدين، ثم ذكر أحاديث منها حديث أبي قتادة المتقدم ... فكل من ادَّان في مباح، وهو يرى أن ذمته تفي بما ادَّان به، فغلبه الدين فلم يقدر على أدائه حتى توفي، فعلى الإمام أن يؤدي ذلك عنه من بيت مال المسلمين، أو من سهم الغارمين من الصدقات .... » (٢).
(ح-١٠٦١) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم، عن علقمة، قال: بينا أنا
стр. 8673
أمشي، مع عبد الله ﵁، فقال:
كنا مع النبي ﷺ ، فقال: من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء (١).
فلم يرشد الرسول إلى الاقتراض، ولو كان لمصلحة كمصلحة الزواج.
وقال شيخنا محمد بن عثيمين: «وظاهر كلام الفقهاء أنه مباح مطلقاً (٢).
وينبغي أن يقال: إنه مباح لمن له وفاء، وأما من ليس له وفاء فإن أقل أحواله الكراهة، ولهذا لم يرشد النبي ﷺ الرجل الذي أراد أن يتزوج وقال: ليس عندي شيء، إلى أن يقترض، بل زوجه بما معه من القرآن.
فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان ما دام عنده مندوحة عن الاقتراض أن لا يقترض، وهذا من حسن التربية؛ لأن الإنسان إذا عوَّد نفسه الاقتراض سهل الاقتراض عليه، ثم صارت أموال الناس التي في أيديهم كأنها مال عنده لا يهمه أن يقترضها، فلهذا ينبغي للإنسان أن لا يقترض إلا لأمر لا بد منه، هذا إذا كان له وفاء، أما إذا لم يكن له وفاء، فإن أقل أحواله الكراهة، وربما نقول بالتحريم، وفي هذه الحال يجب عليه أن يبين للمقرض حاله؛ لأجل أن يكون المقرض على بصيرة» (٣).
* * *
стр. 8674
الفصل الثالث
بيان أركان القرض
القرض عقد تمليك يفتقر إيجابه إلى القبول.
[م-١٧٥٩] سبق لنا في العقود السابقة كعقد البيع، والإجارة، وغيرها أن بينا الخلاف القائم بين الحنفية وغيرهم في أركان العقد على وجه العموم:
فالحنفية يرون ركن العقد الصيغة فقط (الإيجاب والقبول).
والجمهور يرون الأركان ثلاثة: عاقد، وصيغة، ومعقود عليه.
وهذا الخلاف يجري بينهم في عقد القرض، وإن كان كثير من الفقهاء لا يتعرضون لأركان القرض اكتفاء بما تقدم بيانه عند الكلام على أركان العقد.
إذا علم هذا نأتي إلى الأقوال في أركان القرض:
القول الأول:
القرض الصيغة فقط (الإيجاب والقبول)، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف.
جاء في بدائع الصنائع: «أما ركنه فهو الإيجاب، والقبول:
والإيجاب: قول المقرض: أقرضتك هذا الشيء، أو خذ هذا الشيء قرضًا، ونحو ذلك.
والقبول: هو أن يقول المستقرض: استقرضت، أو قبلت، أو رضيت، أو ما
стр. 8675
يجري هذا المجرى. وهذا قول محمد ﵀، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف» (١).
وجه هذا القول:
أن القرض عقد من عقود التملك، فلا يتم بدون القبول، وهو عقد معاوضة انتهاء فليس تبرعًا محضًا، فالمستقرض يلزمه مثل ما استقرض في ذمته، وما كان من عقود المعاوضة اشترط فيه القبول.
القول الثاني:
أن الركن هو الإيجاب فقط، وهذا قول لأبي يوسف من الحنفية (٢).
جاء في بدائع الصنائع: «روي عن أبي يوسف أخرى: أن الركن فيه الإيجاب، وأما القبول فليس بركن، حتى لو حلف: لا يقرض فلانًا، فأقرضه ولم يقبل ..... يحنث.
وجه هذه الرواية: أن الإقراض إعارة ... والقبول ليس بركن في الإعارة» (٣).
ويناقش:
بأن التصرفات على قسمين:
تصرفات إسقاط، فهذه لا تفتقر إلى قبول، كالعتق، والإبراء من الديون على
стр. 8676
الصحيح، والقصاص، وحد القذف، وكالطلاق، والوقف على المساجد، وعلى الجهات.
وتصرفات نقل للملكية فهذه تفتقر إلى القبول، سواء كان نقل الملكية بعوض كالبيع، والإجارة والقرض، أو بغير عوض كالهدايا، والوصايا لمعين (١).
وجه القول بأن القبول ليس ركنا:
أن القرض هو من عقود التبرع، كالصدقة، والعتق، والهبة، والعارية، والوصية، وعقود التبرع لا تفتقر إلى القبول، وإنما تنعقد بالإيجاب وحده (٢).
القول الثالث:
أن الأركان أربعة:
صيغة: (وهو الإيجاب والقبول)
وعاقدان، وهو (المقرض والمستقرض).
ومعقود عليه، وهو (المال المستقرض).
جاء في روضة الطالبين: «وأركانه أربعة. العاقدان، والصيغة، والشيء المقرض» (٣).
جاء في أسنى المطالب: «وأركانه عاقد، ومعقود عليه، وصيغة كالبيع» (٤).
стр. 8677
سبب الخلاف بين الحنفية والجمهور:
الحنفية لا يرون العاقد والمعقود عليه من أركان العقد خلافًا للجمهور، وسبب الخلاف:
أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً داخلاً في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما المقرض، والمستقرض، والمال المقرض فهي من لوازم العقد، وليست جزءاً من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلاً، سواء أكان جزءاً من حقيقته أم لم يكن، ووجود القرض يتوقف على مقرض، ومستقرض، ومال مقرض، وإن لم يكن هؤلاء جزءاً من حقيقته.
ومذهب الحنفية أجود، وأدق في الجملة، والجمهور لا يطرد في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركناً في مثل عقد البيع والإجارة، والسلم، ولا يجعلونه ركناً في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
* * *
стр. 8678
الفصل الثالث
انعقاد القرض بالمعاطاة
القرض يصح بكل ما يدل عليه من قول أو فعل.
القرض إذن في الإتلاف بشرط الضمان، فلا يفتقر إلى القبول بالقول.
[م-١٧٦٠] اختلف الفقهاء في صحة العقود بالمعاطاة إلى قولين:
القول الأول:
انعقاد العقد بالمعاطاة، كالبيع والإجارة، وغيرها من سائر العقود، وهو قول الجمهور، واختاره بعض الشافعية.
القول الثاني:
لا ينعقد البيع وسائر عقود المعاوضات بالمعاطاة، وهو مذهب الشافعية.
وقد تكلمت على أدلة الفريقين في عقد البيع من المجلد الأول في هذا العقد، فأغنى ذلك عن إعادته هنا (١).
[م-١٧٦١] إذا عرف هذا الخلاف بين الشافعية والجمهور في عقود المعاوضات، فهل ينزل هذا الخلاف على عقد القرض.
أما الجمهور فهم طردوا القول، فالقرض كغيره من سائر العقود يصح بكل ما يدل عليه، ولا يشترط له صيغة معينة.
وأما الشافعية فلهم في المسألة ثلاثة أقوال:
стр. 8679
القول الأول:
لا ينعقد القرض على الأصح إلا بالصيغة القولية (الإيجاب والقبول) في غير القرض الحكمي، أما القرض الحكمي كالإنفاق على اللقيط المحتاج، وإطعام الجائع، وكسوة العاري فلا يفتقر إلى صيغة: أي إلى إيجاب وقبول، فما دفعه إليهم بنية الرجوع يرجع عليهم، ويكون قرضًا في حقهم (١).
وإطلاق (القرض الحكمي) على ما دفعه الإنسان لغيره لإنقاذه، أو لإنقاذ ماله بنية الرجوع هو اصطلاح شافعي.
وجه القول باشتراط الصيغة القولية:
الرضا شرط في صحة جميع التصرفات، ففي البيع، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وفي التبرع قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء:٤].
والرضا عمل قلبي لا يعلمه إلا الله، فهو أمر خفي فلا بد من لفظ يدل عليه، ويناط به الحكم، سواء كان مما يستقل به الإنسان كالطلاق، والعتاق، والعفو والإبراء، أو غيره مما لا يستقل به وحده كالبيع، والإجارة، والنكاح، ونحوها.
ولأن المعاطاة قد يراد بها البيع، وقد يراد بها الهبة، وقد يراد بها القرض، فلا يصلح أن يكون الإعطاء سببًا في التملك لكونه جنسًا يشمل أنواعًا مختلفة من العقود، وكل عقد يختلف آثاره عن العقد الآخر، فلا بد للقرض أن يكون باللفظ الدال عليه.
стр. 8680
القول الثاني:
ينعقد القرض بالإيجاب وحده، وهذا إحدى صورتي المعاطاة؛ لأن المعاطاة عند الفقهاء لها صورتان:
الصورة الأولى:
أن تكون المعاطاة من الجانبين، من المقرض، والمقترض، وهذه لا خلاف بين الفقهاء أنها من قبيل المعاطاة.
الصورة الثانية:
أن ينعقد بالإيجاب من المقرض، أي باللفظ من المقرض، والأخذ من المقترض، كأن يقول: خذ الألف قرضًا، فيأخذه المقترض بدون أن يتلفظ، وهذه الصورة إحدى صورتي المعاطاة عند الجمهور خلافًا للحنفية (١).
стр. 8681
وقد صحح هذه الصورة إمام الحرمين، والعز بن عبد السلام من الشافعية، وهو خلاف الأصح في مذهب الشافعية.
جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «ويشترط قبوله ... في الأصح كالبيع. والثاني: قال: هو إباحة إتلاف على شرط الضمان، فلا يستدعي القبول» (١).
ويقصدون بقولهم: فلا يستدعي القبول أي اللفظي؛ لأن القبول بالمعاطاة لا يسمى قبولًا عندهم وعند الجمهور، فإذا قالوا: لا يشترط له القبول، انصرف النفي إلى القبول الاصطلاحي، وهو القبول اللفظي.
ولهذا قال العز بن عبد السلام: «والأصح أن القرض إذن في الإتلاف بشرط الضمان، فلا يفتقر إلى القبول بالقول» (٢).
فقيد (القول) يعني أنه يفتقر إلى القبول الفعلي وهي (المعاطاة).
وقال النووي: «وأما القبول، فشرط على الأصح، وبه قطع الجمهور.
وادعى إمام الحرمين أن عدم الاشتراط أصح» (٣).
القول الثالث في مذهب الشافعية:
صحة القرض بالمعاطاة من الجانبين، قال النووي: «قطع صاحب «التتمة» بأنه لا يشترط الإيجاب، ولا القبول، بل إذا قال لرجل: أقرضني كذا، أو أرسل إليه رسولا، فبعث إليه المال، صح القرض. وكذا قال رب المال: أقرضتك هذه الدراهم، وسلمها إليه، ثبت القرض. والله أعلم» (٤).
стр. 8682
فقوله: (لا يشترط الإيجاب ولا القبول) باعتبار أن الإيجاب والقبول لا يطلقان إلا على الصيغة القولية فقط، وأما الصيغة الفعلية فهم يسمونها اصطلاحًا بـ (المعاطاة) ولا يطلقون عليها الإيجاب والقبول كما أسلفت (١).
وجاء في مغني المحتاج: «قال القاضي والمتولي: الإيجاب والقبول ليسا بشرط بل إذا قال: أقرضني كذا، فأعطاه إياه، أو بعث إليه رسولًا فبعث إليه
стр. 8683
المال صح القرض. قال الأذرعي: والإجماع الفعلي عليه، وهو الأقوى والمختار، ومن اختار صحة البيع بالمعاطاة كالمصنف، قياسه اختيار القرض بها وأولى بالصحة ..... » (١).
الراجح:
صحة القرض بالمعاطاة مطلقًا، سواء كان المعاطاة من أحدهما، أو من كليهما إذا وجدت قرينة دالة على إرادة القرض.
يقول ابن تيمية: «والتحقيق: أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت، فأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما انعقد به العقد، وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحد في ألفاظ العقود حدًا بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية، والرومية، وغيرهما من الألسن العجمية، فهي تنعقد بما يدل عليها من الألفاظ العربية» (٢).
وقال ابن قدامة: «ويصح بلفظ السلف والقرض؛ لورود الشرع بهما، وبكل لفظ يؤدي معناهما، مثل أن يقول: ملكتك هذا، على أن ترد على بدله. أو توجد قرينة دالة على إرادة القرض» (٣).
* * *
стр. 8684
الباب الثاني
في أحكام القرض
الفصل الأول
في لزوم عقد القرض
القرض لازم في حق المقرض جائز في حق المقترض.
كل من يملك المطالبة بمثل ماله فله أخذه إذا كان موجودًا.
تنقسم العقود باعتبار اللزوم، وعدمه إلى ثلاثة أقسام:
الأول: عقد لازم من الطرفين: وهو العقد الذي ينشاء التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين، كالبيع يلتزم فيه البائع بنقل ملكية المبيع، ويلتزم فيه المشتري بدفع الثمن.
الثاني: عقد جائز من الطرفين: وهو العقد الذي يملك فيه كل طرف أن يفسخ العقد متى شاء، وذلك مثل الشركة، والوكالة، والمضاربة، والوصية والعارية، والجعالة.
الثالث: عقد لازم من طرف، وجائز من طرف آخر، وذلك مثل الرهن، فهو لازم من جهة الراهن بشرطه، وجائز من جهة المرتهن، وكذلك الضمان جائز من جهة المضمون له دون الضامن (١).
стр. 8685
إذا عرفنا أقسام العقود، نريد أن نعرف منزلة عقد القرض من هذه العقود:
توصيف عقد القرض بالنسبة للمقترض:
[م-١٧٦٢] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقد القرض عقد جائز في حق المقترض، فله رد عين ما اقترضه ما لم يتغير، ويلزم المقرض قبوله.
وفرق الحنابلة في المشهور بين إقراض المثلي والمتقوم، فإن كان القرض في مال متقوم لم يجب على المقرض قبوله.
وإن كان في مال مثلي لزم المقرض قبوله بشرط ألا يكون قد تعيب، كما لو كان القرض حنطة فابتلت بالماء، أو كان نقودًا فألغى السلطان التعامل بها (١).
جاء في بدائع الصنائع: «لو أقرض كرًا من طعام، وقبضه المستقرض ..... كان المستقرض بالخيار إن شاء إليه دفع هذا الكر، وإن شاء دفع إليه كرًا آخر» (٢).
وجاء في منح الجليل نقلًا عن ابن عرفة: «للمقترِض رد عين المقترَض ما لم يتغير» (٣).