← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

وقد صحح هذه الصورة إمام الحرمين، والعز بن عبد السلام من الشافعية، وهو خلاف الأصح في مذهب الشافعية. جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «ويشترط قبوله ... في الأصح كالبيع. والثاني: قال: هو إباحة إتلاف على شرط الضمان، فلا يستدعي القبول» (١). ويقصدون بقولهم: فلا يستدعي القبول أي اللفظي؛ لأن القبول بالمعاطاة لا يسمى قبولًا عندهم وعند الجمهور، فإذا قالوا: لا يشترط له القبول، انصرف النفي إلى القبول الاصطلاحي، وهو القبول اللفظي. ولهذا قال العز بن عبد السلام: «والأصح أن القرض إذن في الإتلاف بشرط الضمان، فلا يفتقر إلى القبول بالقول» (٢). فقيد (القول) يعني أنه يفتقر إلى القبول الفعلي وهي (المعاطاة). وقال النووي: «وأما القبول، فشرط على الأصح، وبه قطع الجمهور. وادعى إمام الحرمين أن عدم الاشتراط أصح» (٣). القول الثالث في مذهب الشافعية: صحة القرض بالمعاطاة من الجانبين، قال النووي: «قطع صاحب «التتمة» بأنه لا يشترط الإيجاب، ولا القبول، بل إذا قال لرجل: أقرضني كذا، أو أرسل إليه رسولا، فبعث إليه المال، صح القرض. وكذا قال رب المال: أقرضتك هذه الدراهم، وسلمها إليه، ثبت القرض. والله أعلم» (٤).

стр. 8682

فقوله: (لا يشترط الإيجاب ولا القبول) باعتبار أن الإيجاب والقبول لا يطلقان إلا على الصيغة القولية فقط، وأما الصيغة الفعلية فهم يسمونها اصطلاحًا بـ (المعاطاة) ولا يطلقون عليها الإيجاب والقبول كما أسلفت (١). وجاء في مغني المحتاج: «قال القاضي والمتولي: الإيجاب والقبول ليسا بشرط بل إذا قال: أقرضني كذا، فأعطاه إياه، أو بعث إليه رسولًا فبعث إليه

стр. 8683

المال صح القرض. قال الأذرعي: والإجماع الفعلي عليه، وهو الأقوى والمختار، ومن اختار صحة البيع بالمعاطاة كالمصنف، قياسه اختيار القرض بها وأولى بالصحة ..... » (١). الراجح: صحة القرض بالمعاطاة مطلقًا، سواء كان المعاطاة من أحدهما، أو من كليهما إذا وجدت قرينة دالة على إرادة القرض. يقول ابن تيمية: «والتحقيق: أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت، فأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما انعقد به العقد، وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحد في ألفاظ العقود حدًا بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية، والرومية، وغيرهما من الألسن العجمية، فهي تنعقد بما يدل عليها من الألفاظ العربية» (٢). وقال ابن قدامة: «ويصح بلفظ السلف والقرض؛ لورود الشرع بهما، وبكل لفظ يؤدي معناهما، مثل أن يقول: ملكتك هذا، على أن ترد على بدله. أو توجد قرينة دالة على إرادة القرض» (٣). * * *

стр. 8684

الباب الثاني في أحكام القرض الفصل الأول في لزوم عقد القرض القرض لازم في حق المقرض جائز في حق المقترض. كل من يملك المطالبة بمثل ماله فله أخذه إذا كان موجودًا. تنقسم العقود باعتبار اللزوم، وعدمه إلى ثلاثة أقسام: الأول: عقد لازم من الطرفين: وهو العقد الذي ينشاء التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين، كالبيع يلتزم فيه البائع بنقل ملكية المبيع، ويلتزم فيه المشتري بدفع الثمن. الثاني: عقد جائز من الطرفين: وهو العقد الذي يملك فيه كل طرف أن يفسخ العقد متى شاء، وذلك مثل الشركة، والوكالة، والمضاربة، والوصية والعارية، والجعالة. الثالث: عقد لازم من طرف، وجائز من طرف آخر، وذلك مثل الرهن، فهو لازم من جهة الراهن بشرطه، وجائز من جهة المرتهن، وكذلك الضمان جائز من جهة المضمون له دون الضامن (١).

стр. 8685

إذا عرفنا أقسام العقود، نريد أن نعرف منزلة عقد القرض من هذه العقود: توصيف عقد القرض بالنسبة للمقترض: [م-١٧٦٢] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقد القرض عقد جائز في حق المقترض، فله رد عين ما اقترضه ما لم يتغير، ويلزم المقرض قبوله. وفرق الحنابلة في المشهور بين إقراض المثلي والمتقوم، فإن كان القرض في مال متقوم لم يجب على المقرض قبوله. وإن كان في مال مثلي لزم المقرض قبوله بشرط ألا يكون قد تعيب، كما لو كان القرض حنطة فابتلت بالماء، أو كان نقودًا فألغى السلطان التعامل بها (١). جاء في بدائع الصنائع: «لو أقرض كرًا من طعام، وقبضه المستقرض ..... كان المستقرض بالخيار إن شاء إليه دفع هذا الكر، وإن شاء دفع إليه كرًا آخر» (٢). وجاء في منح الجليل نقلًا عن ابن عرفة: «للمقترِض رد عين المقترَض ما لم يتغير» (٣).

стр. 8686

وقال إمام الحرمين: «ولو أراد المقترض رد عين القرض، فلا شك أن المقرض محمول على قبوله، وليس له أن يقول: إنما أقرضتك هذه الدراهم بعوضها، فلا أقبل عينها؛ وذلك أن القرض منتزع عن حقائق المعاوضات» (١). وفي مذهب الحنابلة، قال في الروض المربع: «فإن رده المقترض أي رد القرض بعينه لزم المقرض قبوله إن كان مثليًا؛ لأنه رده على صفة حقه ... وإن كان متقومًا لم يلزم المقرض قبوله، وله الطلب بالقيمة» (٢). «لأن الذي وجب له بالقرض قيمته، فلا يلزمه الاعتياض عنها» (٣). توصيف عقد القرض بالنسبة للمقرض: [م-١٧٦٣] وأما القرض في حق المقرض، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن العقد لازم في حق المقرض، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، ووجه عند الشافعية في مقابل الأصح، على خلاف بينهم هل يلزم القرض بالقبض، أو بالعقد كما سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى (٤).

стр. 8687

قال ابن قدامة: «وهو عقد لازم في حق المقرض، جائز في حق المقترض، فلو أراد المقرض الرجوع في عين ماله لم يملك ذلك» (١). وجاء في حاشية ابن عابدين: «لو استقرض كر بر مثلًا، وقبضه، فله حبسه، ورد مثله، وإن طلب المقرض رد العين؛ لأنه خرج عن ملك المقرض، وثبت له في ذمة المستقرض مثله، لا عينه ولو قائمًا» (٢). وجاء في بدائع الصنائع: «ولو أراد المقرض أن يأخذ هذا الكر من المستقرض، وأراد المستقرض أن يمنعه من ذلك، ويعطيه كرا آخر مثله؛ له ذلك في ظاهر الرواية» (٣). وجه القول بذلك: أن ملك المقرض قد زال عن القرض بمجرد القبض، فلا يملك استرجاعه، إلا أن يشاء المقترض، فأشبه البيع اللازم. ولأن القرض يتحول إلى دين بمجرد تمامه، والدين لا يتعلق بالأعيان، وإنما يتعلق في الذمة، وللمدين أن يقضي دينه من أي أمواله شاء، وليس للدائن أن يطالبه بقضاء دينه من مال معين، وقد تكلمت في الفرق بين الدين والعين في عقد البيع. القول الثاني: أن المقرض له أن يطالب بعين ماله ما دام قائمًا، وهو قول أبي يوسف من

стр. 8688

الحنفية، والمذهب عند الشافعية (١). وجه قول أبي يوسف: أن المستقرض لا يملك القرض بالقبض ما لم يستهلك، فإذا كان قائمًا بعينه، وطلبه المقرض كان له ذلك (٢). وجه قول الشافعية: أن عين المال أقرب من المثل عند القدرة على ذلك؛ لأن غاية المثل أن يكون مطابقًا للعين، فالعين هي الأصل، وليس العكس. قال النووي في روضة الطالبين: «هل للمقرض أن يلزمه رده بعينه ما دام باقيًا، أم للمستقرض رد بدله مع وجوده؟ وجهان: أصحهما عند الأكثرين: الأول» (٣). وقال إمام الحرمين: «لو أراد المقرض أن يسترد عين ما أقرضه، كان له ذلك. وهو ما قطع به القاضي. وسببه: أنه إذا كان يملك تغريمه مثل حقه عند فواته، فينبغي أن يملك استرداد عين ملكه» (٤). وقال الغزالي: «ولو رجع المقرض في عينه جاز له؛ لأنه أقرب من بدله، وله أخذ بدله» (٥).

стр. 8689

ولأن كل من يملك المطالبة بمثل ماله فله أخذه إذا كان موجودًا، كالمغصوب والعارية. ونوقش: بأن المقرض قد أزال ملكه بعوض من غير خيار، فلم يكن له الرجوع فيه كالمبيع، ويفارق المغصوب، والعارية، فإنه لم يزل ملكه عنهما، ولأنه لا يملك المطالبة بمثلهما مع وجودهما (١). الراجح: أن القرض لازم في حق المقرض، فلا يملك الرجوع عنه بعد لزومه، حتى ولو كان عين مال القرض قائمًا؛ لأن حق المقرض قد تعلق في ذمة المقترض، وتحول مال القرض إلى مال مملوك للمقترض، نعم قد استثنى الحنابلة ما لو أفلس المقترض، وحجر عليه للفلس قبل أخذ شيء من بدله، فعند ذلك للمقرض الرجوع به: (ح-١٠٦٢) لما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام أخبره. أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره (٢). * * *

стр. 8690

الفصل الثاني في ثبوت الخيار في عقد القرض الخيار يشترط للفسخ لا للإجازة. العقود اللازمة ولو من طرف واحد يدخلها خيار الشرط إذا كان يدخلها الفسخ. نص الشافعية والحنابلة على أن عقد القرض لا يدخله خيار المجلس وخيار الشرط. قال الشيرازي: «ولا يثبت فيه خيار المجلس، وخيار الشرط؛ لأن الخيار يراد للفسخ، وفي القرض يجوز لكل واحد منهما أن يفسخ إذا شاء، فلا معنى لخيار المجلس وخيار الشرط» (١). وقال ابن قدامة: «ولا يثبت فيه خيار ما؛ لأن المقرض دخل على بصيرة أن الحظ لغيره، فأشبه الهبة، والمقترض متى شاء رده، فيستغني بذلك عن ثبوت الخيار له» (٢). وفي مجلة الأحكام الشرعية، قال: «لا يثبت في القرض شيء من الخيارات» (٣). ولا يرى الحنفية والمالكية خيار المجلس في عقد من العقود، ولم أقف لهم على نص في ثبوت خيار الشرط في عقد القرض، والله أعلم.

стр. 8691

وقد ذكر ابن نجيم من الحنفية العقود التي يدخلها خيار الشرط، وذكر خمسة عشر عقدًا ولم يذكر القرض من بينها، وهي البيع، والمزارعة، والمعاملة، والإجارة، والقسمة، والصلح على مال، والكتابة، والخلع، والرهن، والعتق، والكفالة، والحوالة، والإبراء، والوقف على قول أبي يوسف، والشفعة (١). إلا أن الضابط عند الحنفية في دخول خيار الشرط للقرض لا يمنع ثبوته، فالضابط عندهم: أن العقود اللازمة ولو من جانب واحد يدخلها خيار الشرط إذا كان ذلك العقد يقبل الفسخ، والقرض عند الحنفية عقد لازم في حق المقرض، فإذا استلم المقترض مال القرض لم يحق للمقرض المطالبة بعين ماله؛ لأن المقترض قد ملكه بذلك (٢). جاء في حاشية ابن عابدين: «لو استقرض كر بر مثلًا، وقبضه، فله حبسه، ورد مثله، وإن طلب المقرض رد العين؛ لأنه خرج عن ملك المقرض، وثبت له في ذمة المستقرض مثله، لا عينه ولو قائمًا» (٣). * * *

стр. 8692

الفصل الثالث في ترتب أثر القرض التبرع لا يتم إلا بالقبض (١). المتبرع لا يجبر على إتمام تبرعه (٢). وقيل: عقود التمليك تثبت بالعقد، ومنها القرض. [م-١٧٦٤] عقد القرض من عقود التمليك، بحيث يمتلك المقترض المال المقرض، ويثبت بدله في ذمته، والسؤال: هل يتم الملك بالعقد (بالإيجاب والقبول) وقبل القبض، أو يتوقف الملك في القرض على القبض، أو يشترط حتى يتملكه أن يتصرف فيه المقرض وذلك باستهلاكه؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم على أربعة أقوال: القول الأول: أن المقترض يملك المال بالقبض، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، والأصح في مذهب الشافعية، إلا أن الشافعية يرون أن العقد جائز في حق الطرفين، ولا يلزم إلا بالتصرف (٣).

стр. 8693

واستدلوا على ذلك: الدليل الأول: أن عقد القرض من عقود التبرع؛ لأنه لا يقابله عوض في الحال، ولا يملكه من لا يملك التبرع، ولا يجوز قصد التكسب منه، وإذا كان من عقود التبرع فلا يكفي الإيجاب والقبول في ثبوت الملك، وإنما يشترط فيها تسليم العين كسائر عقود التبرع من هبة، وصدقة، وإعارة، وإيداع. (ث-٢٥٢) فقد روى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... (١). [إسناده صحيح] فهذا الصديق الخليفة الراشد وعد ابنته، ولما لم تقبضه في حال صحته لم ير لزومه، لكون الهبة من عقود التبرع، لا تلزم إلا بالقبض، والقرض مثله، فهو تبرع، لا يقصد منه المعاوضة، ووجوب رد البدل لا يجعله من عقود المعاوضات كما أن عقد الإعارة يوجب رد العين المستعارة، وهو من عقود التبرع.

стр. 8694

الدليل الثاني: أن المقترض إذا قبض المال صارت يده في المال مطلقة بيعًا، وهبة، وصدقة، وله أن يوفي منه ديونه، ويورث عنه، فإذا ثبت أن جميع أنواع التصرفات التي تثبت للمالك تثبت للمقترض في هذا المال إذا قبضه، كان هذا دليلًا على تملكه بالقبض. الدليل الثالث: أن القرض مأخوذ في اللغة من القطع، فإذا استلمه المقترض فقد قطع ملك المقرض عنه. القول الثاني: أن القرض لا يملك بالقبض، ما لم يستهلك. وهذا اختيار أبي يوسف من الحنفية (١). وجه قول أبي يوسف: أن الإقراض إعارة؛ بدليل أنه لا يلزم فيه الأجل، ولو كان معاوضة للزم، كما في سائر المعاوضات. وكذا لا يملكه الأب، والوصي، والعبد المأذون، والمكاتب، وهؤلاء يملكون المعاوضات، فثبت بهذا أن الإقراض إعارة، فتبقى على حكم ملك المقرض قبل أن يستهلكها المقترض (٢).

стр. 8695

القول الثالث: أن القرض يملك بالعقد بمجرد صدور (الإيجاب والقبول)، وإن لم يقبضه، وهو وجه في مذهب الشافعية، ورجحه الإمام الشوكاني (١). جاء في شرح الخرشي: «القرض يملكه المقترض بمجرد عقد القرض، وإن لم يقبضه ويصير مالًا من أمواله، ويقضى له به» (٢). وجه هذا القول: عقد القرض وغيره كالهبة والصدقة، والعارية من عقود التمليك، والتمليك يثبت بالعقد القائم على التراضي، فالتراضي هو المناط في نقل الأموال، وإن لم يقبض المال. القول الرابع: التفريق بين إقراض المبهم وإقراض المعين، فالمبهم لا يملك بدون القبض بخلاف المعين فإنه يملك بالعقد، وهذا وجه في مذهب الحنابلة (٣). وجه هذا القول: يمكن الاستدلال لهذا القول بأن المعين يتعلق الحق بعينه، فيملكه بالعقد

стр. 8696

وحده، وأما المبهم فلم يتعلق الحق بشيء معين، فلا يملك بمجرد العقد، بل لا بد فيه إما من التعيين أو من القبض. القول الخامس: أن القرض يملك بالتصرف المزيل للملك، وهذا وجه في مذهب الشافعية (١). وقال الرافعي: معناه: إذا تصرف تبين ثبوت ملكه قبله. والمراد بالتصرف: قيل: كل تصرف يزيل الملك. وقيل: كل تصرف يتعلق بالرقبة كالرهن، وقيل: كل تصرف يمنع رجوع الواهب والبائع عند الإفلاس، فعلى الأوجه يكفي البيع، والهبة، والإتلاف والإعتاق (٢). قال العمراني في البيان: «ومتى يملك المستقرض العين التي استقرضها؟ فيه وجهان: أحدهما: من أصحابنا من قال: لا يملكها إلا بالتصرف بالبيع، أو الهبة، أو بأن يتلفها، أو تتلف في يده؛ لأن للمقرض أن يرجع في العين، وللمستقرض أن يردها. ولو ملكها المستقرض بالقبض لم يملك واحد منهما فسخ ذلك. فعلى هذا: إن استقرض حيوانًا كانت نفقته على المقرض إلى أن يتلفه المستقرض، وإن استقرض أباه لم يعتق عليه بالقبض .... » (٣).

стр. 8697

وجه هذا القول: أن المقرض له حق الرجوع في عين ماله ما دامت عينه باقية، فإذا تصرف فيه حصل ملكه للقرض، وثبت بدله في ذمته. الراجح: أن عقد القرض يتم بالإيجاب والقبول كغيره من العقود، ويملك بالقبض، والله أعلم. والقول بأن المقرض له الرجوع في عين ماله ما لم يتصرف فيه فهذا محل خلاف، والصحيح أنه لا يحق للمقرض المطالبة بعين ماله، وعلى التنزل أن له ذلك فإن هذا لا يعني عدم ثبوت المالك، كهبة الوالد لولده فإن الولد يملكها بالقبض، وإن كان للوالد الرجوع في هبته، والله أعلم. * * *

стр. 8698

الفصل الرابع في مصاريف الإقراض والوفاء مؤونة قبض ورد كل عين تلزم من تعود إليه منفعة قبضها. المقترض قبض المال لمنفعة نفسه فمؤونة القبض والرد واجبة عليه. كل منفعة أو عمولة أيًا كان نوعها اشترطها الدائن إذا ما ثبت أن ذلك لا يقابله خدمة حقيقية، ولا نفقات فعلية فإنها من الربا (١). [م-١٧٦٥] إذا ترتب على الإقراض نفقات ومصاريف كأجور الكيل والوزن، وكذا نفقات التسليم والوفاء، ونفقات الاتصالات، وتحرير الصكوك مما يحتاج إليه لإجراء مثل هذا العقد، أو توثيقه فإن المقترض وحده هو الذي يتحملها. جاء في الشرح الكبير: «فمن اقترض إردباً مثلاً، فأجرة كيله على المقترض، وإذا رده فأجرة كيله عليه بلا نزاع» (٢). وعلق على ذلك الدسوقي في حاشيته: «قوله: (فأجرة كيله على المقترض) أي لا على المقرض؛ لأنه فعل معروفاً، وفاعل المعروف لا يغرم» (٣). وقياسًا على تحمل المستعير مؤونة ومصارف تسلم العارية وردها؛ حيث إن القرض عارية لمنافع المال المقرض.

стр. 8699

جاء في غمز عيون البصائر: «مؤنة رد العارية على المستعير؛ لأنه قبضها لمنفعة نفسه فيجب عليه ردها» (١). وجاء في الحاوي: «إذا طالب المعير المستعير برد العارية كانت مؤنة ردها واجبة على المستعير بخلاف المستأجر، والفرق بينهما: أن تسليم المنفعة في الإجارة مستحق على المؤجر، فكانت مؤنة الرد عليه، وتسليمها في العارية هبة للمستعير، فكانت مؤنة الرد عليه» (٢). ولأن المقترض إنما قبض المال لمنفعة نفسه دون منفعة المقرض، والرد واجب عليه. والقاعدة الشرعية: أن مؤونة قبض ورد كل عين تلزم من تعود إليه منفعة قبضها، والمنفعة ههنا عائدة على المقترض وحده فلزمته النفقات والمصاريف المترتبة على هذا العقد. ولأننا لو حملنا المقرض نفقات القرض أدى ذلك إلى إغلاق باب القرض، والمقرض محسن بفعله، وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة:٩١]. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثالث بعمان (الأردن): «بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية، قرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية: أ - جواز أخذ أجور عن خدمات القروض.

стр. 8700

ب - أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية. ج - كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة؛ لأنها من الربا المحرم شرعاً» (١). * * *

стр. 8701

الفصل الخامس في بدل القرض المبحث الأول في صفة البدل من حيث المثلية والقيمية القرض مضمون بالمثل إذا كان من ذوات الأمثال، أوبالقيمة في غيرها. [م-١٧٦٦] اختلف الفقهاء في بدل القرض الذي يلزم المقترض أداؤه على أقوال: القول الأول: المقرض إذا امتلك القرض ثبت مثله في ذمته، ولا يحق للمقرض أن يطالب بعينه، ولو كان قائمًا، حتى ولو رخص سعره أو غلا فعليه مثله، ولا عبرة برخصه وغلائه، وهذا مذهب الحنفية. فإن تعذر على المقترض رد المثل، فعند أبي حنيفة يجبر المقرض على الانتظار إلى أن يوجد مثله، ولا يصار إلى القيمة إلا إذا تراضيا عليها. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تعذر المثل وجبت القيمة (١). جاء في مرشد الحيران: «إنما تخرج العين المقترضة عن ملك المقرض وتدخل في ملك المستقرض إذا قبضها، فيثبت في ذمة المستقرض مثلها لا عينها

стр. 8702

ولو كانت قائمة» (١). وجاء فيه أيضًا: «إذا استقرض شيئا من المكيلات، أو الموزونات، أو المسكوكات من الذهب والفضة فرخصت أسعارها أو غلت، فعليه رد مثلها، ولا عبرة برخصها وغلوها» (٢). وجاء فيه: «إذا لم يكن في وسع المستقرض رد مثل الأعيان المقترضة، بأن استهلكها، ثم انقطعت عن أيدي الناس يجبر المقترض على الانتظار إلى أن يوجد مثلها، إلا إذا تراضيا على القيمة» (٣). وجه القول بوجوب المثل دون العين: أن ملك المقرض قد زال عن القرض بمجرد القبض، فلا يملك استرجاعه، إلا أن يشاء المقترض، فأشبه البيع اللازم. ولأن القرض يتحول إلى دين بمجرد تمامه، والدين لا يتعلق بالأعيان، وإنما يتعلق في الذمة، وللمدين أن يقضي دينه من أي أمواله شاء، وليس للدائن أن يطالبه بقضاء دينه من مال معين، وقد تكلمت في الفرق بين الدين والعين في عقد البيع. وجه القول بوجوب المثل ولو نقص السعر أو زاد: لأن الواجب إذا كان المثل لا يصار إلى السعر؛ لأن العمل بالسعر يعني العمل بالقيمة، ولا تجب القيمة مع وجوب المثل.

стр. 8703

وجه القول بوجوب الانتظار إذا عدم المثل إلا بالتراضي على القيمة: أخذ القيمة عن المثل إذا تعذر، هي معاوضة، والمعاوضة لا تصح إلا بالتراضي. القول الثاني: ذهب المالكية، والشافعية في الأصح،، إلى أن المقترض في قرض المثليات مخير بين رد مثله، أو عينه ما لم تتغير. وفي اقتراض المال القيمي يخير المقترض بين رد مثله صورة، أو عينه ما لم تتغير، وهو وجه في مذهب الحنابلة (١). جاء في شرح الخرشي: «ويجوز للمقترض أن يرد مثل الذي اقترضه، وله أن يرد عين الذي اقترضه إن كان غير مثلي، وأما المثلي فلا يتوهم؛ لأن المثلي لا يراد لعينه، فلا فرق بين أن يكون هو أو غيره، وهذا ما لم يتغير بزيادة أو نقصان» (٢). وجاء في مغني المحتاج: «ويرد في القرض المثل في المثلي؛ لأنه أقرب إلى حقه، ولو في نقد بطل التعامل به، ويرد في المتقوم المثل صورة؛ لأنه ﷺ اقترض بكرًا ورد رباعيًا، وقال: إن خياركم أحسنكم قضاء. رواه مسلم؛ ولأنه لو وجبت قيمته لافتقر إلى العلم بها» (٣).

стр. 8704

القول الثالث: ذهب الحنابلة إلى تقسيم بدل القرض إلى ثلاثة أقسام: الأول: إذا أقرضه مالًا مثليًا، كما لو أقرضه مكيلا أو موزونا فهو مخير بين رد المثل، أو العين، وإذا رد العين لزم المقرض قبوله، ولو تغير سعره، إلا أن يتعيب، أو تكون فلوسًا، فيمنع السلطان التعامل بها، فتجب القيمة. وجه هذا القول: دليل الحنابلة يتطابق مع دليل الحنفية حيث كان المال المقرض مثليًا، وأما القرض القيمي فالحنفية يمنعونه، ويجعلونه من قبيل العارية المضمونة. الثاني: إذا أقرضه قيميًا لا ينضبط بالصفة كالجواهر ونحوها، فيلزم المقترض قيمته يوم القبض، فإن أراد المقترض رده بعينه لم يلزم المقرض قبوله؛ ولو لم يتغير سعره. وجه هذا القول: أن الذي وجب له بقرض القيمي هو قيمته، فلا يلزم المقرض الاعتياض عنها. الثالث: ما سوى ذلك، كالمذورع والمعدود، ففيه وجهان: أرجحهما: يلزمه رد قيمته يوم القبض. والثاني: يجب رد مثله صورة، ويعضده كون النبي استسلف بكرًا، فرد خيرًا منه، ولم يعطه القيمة (١).

стр. 8705

جاء في الإنصاف: «يجب رد المثل في المكيل والموزون بلا نزاع، لكن لو أعوز المثل فيهما لزمه قيمته يوم إعوازه. ذكره الأصحاب ... وأما الجواهر ونحوها: فيجب رد القيمة. على الصحيح من المذهب. كما قال المصنف. وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به أكثرهم يوم قبضه. وقيل: يجب رد مثله جنسًا وصفة وقيمة. قوله (وفيما سوى ذلك). يعني في المذروع والمعدود، والحيوان ونحوه وجهان: ..... أحدهما: يرد بالقيمة. صححه في التصحيح .... والوجه الثاني: يجب رد مثله من جنسه بصفاته، وإليه ميله في الكافي، والمغني، والشرح وهو ظاهر كلامه في العمدة. فعلى الأول: يرد القيمة يوم القرض. جزم به في المغني، والشرح، والكافي، والفروع، وغيرهم. وعلى الثاني: يعتبر مثله في الصفات تقريبًا. فإن تعذر المثل: فعليه قيمته يوم التعذر» (١). الراجح: أرى أن مذهب المالكية والشافعية أقرب الأقوال إلى الصحة، وأن الواجب مثل ما أقرض مثليًا كان أو قيميًا، لكنه في القيمي تكون المثلية صورية، والله أعلم، ويتسامح في عقد القرض أكثر من غيره. * * *

стр. 8706

المبحث الثاني في صفة البدل من حيث الزيادة والنقص كل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المقرض على المقترض فهي ربا، فإن زاده من غير شرط عند الوفاء جاز. خياركم أحسنكم قضاء. الزيادة في قدر القرض كالزيادة في الصفة تبطل بالشرط، وتصح بدونه. كل قر [م-١٧٦٧] الأصل في القرض أنه يوجب المثل قدرًا وصفة، فإن دفع المقترض أكثر مما أخذ فإن كان ذلك بشرط فإن ذلك حرام بالاتفاق، سواء كانت الزيادة بالقدر، أو كانت الزيادة بالصفة. وإن قضاه خيرًا مما أعطاه بدون شرط، فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: الجواز مطلقًا سواء كانت الزيادة في القدر، أو كانت الزيادة في الصفة، وهذا مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة، واختاره بعض المالكية (١).

стр. 8707

ونص الحنفية على أنه إذا قضاه المدين أجود فلا بد من قبول المقرض، ولا يجبر على القبول، كما لو دفع إليه أنقص. جاء في المبسوط: «لو رد المستقرض أجود مما قبضه، فإن كان ذلك عن شرط لم يحل؛ لأنه منفعة القرض، وإن لم يكن ذلك عن شرط فلا بأس به؛ لأنه أحسن في قضاء الدين وهو مندوب إليه» (١). وقال الإمام الشافعي: «ومن أسلف سلفًا فقضى أفضل من ذلك في العدد والوزن معًا فلا بأس بذلك، إذا لم يكن ذلك شرطا بينهما في عقد السلف» (٢). وقال ابن قدامة: «فإن أقرضه مطلقًا من غير شرط، فقضاه خيرًا منه في القدر أو الصفة، أو دونه برضاهما جاز» (٣). القول الثاني: المنع مطلقًا، سواء كانت الزيادة في القدر أو في الصفة، وهو رواية عن أحمد (٤). جاء في عمدة الحازم: «وإن أهدى له هدية، أو زاده زيادة بعد الوفاء من غير مواطأة، فهل يجوز؟ على وجهين» (٥).

стр. 8708

وفي الهداية: «على روايتين: إحداهما: جواز ذلك، والأخرى تحريمه» (١). القول الثالث: تجوز الزيادة في الصفة دون الزيادة في المقدار، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢). قال القرافي: «ولا تمتنع الزيادة بعد الأجل في الصفة، وتمتنع في العدد على المشهور للتهمة في السلف بزيادة، والحديث المتقدم ورد في الجمل الخيار، وهو أجود صفة، والفرق: أن الصفة والموصوف كالشيء الواحد بخلاف العدد» (٣). دليل من قال بالجواز مطلقًا: الدليل الأول: (ح-١٠٦٣) روى مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء (٤). ورواه الشيخان من مسند أبي هريرة (٥).

стр. 8709

قال ابن عبد البر: «في حديث أبي رافع هذا ما يدل على أن المقرض إن أعطاه المستقرض أفضل مما أقرضه جنساً، أو كيلاً، أو وزناً، أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه ﷺ أثنى فيه على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك، ولم يقيده بصفة» (١). الدليل الثاني: (ح-١٠٦٤) ما رواه الشيخان من طريق محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله، قال: كان لي على النبي ﷺ دين، فقضاني وزادني (٢). وفي رواية لهما: فوزن لي فأرجح (٣). وفي رواية للبخاري: يا بلال، اقضه وزده، فأعطاه أربعة دنانير، وزاده قيراطًا، قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ ، فلم يكن القيراط يفارق جراب جابر بن عبد الله (٤). وجه الاستدلال من الحديثين: أن حديث أبي رافع دل على جواز الزيادة في الصفة، وحديث جابر ﵁ دل على جواز الزيادة في العدد، وكلاهما تطبيق عملي لقوله ﷺ إن خيار الناس أحسنهم قضاء.

стр. 8710

الدليل الثالث: (ث-٢٥٣) ما رواه مالك في الموطأ، عن حميد بن قيس المكي، عن مجاهد أنه قال: استسلف عبد الله بن عمر من رجل دراهم، ثم قضاه دراهم خيرًا منها، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن هذه خير من دراهمي التي أسلفتك، فقال عبد الله بن عمر: قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: أن ابن عمر ﵄ قد قضى دينه بخير منه، وبين سبب الجواز: وهو العلم والرضا، ولو كان الجواز مقيدًا بكون الزيادة في الصفة لبين ذلك ابن عمر ﵄. دليل من قال: تجوز الزيادة بالصفة دون العدد: (ح-١٠٦٥) ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء (٣). وجه الاستدلال: أن رسول الله قضى الجمل بجمل خير منه، وهذا زيادة في الصفة لا في العدد.

стр. 8711

ويجاب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: بأن حديث جابر ﵁ دليل على جواز الزيادة في الصفة، وليس دليلًا على تحريم الزيادة في غيرها. الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ علل الحكم بقوله: إن خيار الناس أحسنهم قضاء، وهذا مطلق يشمل الزيادة في الصفة وفي العدد، ومن قيد كلام الشارع على زيادة الصفة فقد قيد كلام الشارع بلا دليل، والمطلق من النصوص لا يقيده إلا نص مثله أو إجماع، وهذا ما لم يوجد في مسألتنا. الوجه الثالث: لئن كان حديث أبي رافع ﵁ في جواز الزيادة في الصفة، فلقد ثبت جواز الزيادة في العدد في حديث جابر ﵁، وذكرته في أدلة القول الأول. دليل من قال: تحرم الزيادة مطلقًا: أن القرض من عقود الإرفاق، وهو يوجب رد المثل، فإذا أخذ أكثر مما دفع سواء كان ذلك في الصفة أو في المقدار فقد تحول إلى قرض يجر نفعًا، وهذا لا يجوز. ويناقش: بأن هذا نظر في مقابل النص، فهو نظر فاسد، وقد دلت النصوص على جوازه إذا لم يكن مشروطًا، كيف وقد فعله إمام المرسلين، وهو خير الناس وأتقاهم لربه.

стр. 8712

الراجح: جواز الزيادة مطلقًا سواء كانت في الصفة أو في المقدار بشرطه، وهو أن يكون ذلك عند القضاء، ويتبرع به المقرض دون شرط، وفعله مستحب من المقرض، وأخذه حلال للمقترض، وتركه ليس من الورع، والله أعلم.

стр. 8713

فرع إذا كان دفع الزيادة بمقتضى العادة النبي ﵇ معروفاً بحسن القضاء، ولم يكن إقراضه مكروهًا. إذا جازت الزيادة على القرض عند الوفاء من غير شرط مرة واحدة، جازت الزيادة أكثر من مرة من غير فرق. وقيل: الثابت بالعرف كالثابت بالشرط. العادة المطردة تنزل منزلة الشرط. [م-١٧٦٨] إذا كان من عادة المقترض أن يرد أكثر مما أخذ، فإن كان الباعث على القرض هو حصوله على تلك الزيادة، بحيث لو علم المقرض أن المقترض لن يدفع تلك الزيادة لم يقرضه، فإن هذا الفعل محرم، خاصة عند الفقهاء الذين يقولون: إن الباعث على العقد مؤثر في صحة العقد، وقد تكلمت على تأثير الباعث على صحة العقد في عقد البيع، عند الكلام على موانع البيع، كبيع العنب لمن يعصره خمرًا، وبيع السلاح في الفتنة. وإن كان المقرض لم يقصد الزيادة بقرضه، فهل له أن يأخذها؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: يكره أخذ الزيادة إن كان هناك عرف أو عادة، وهذا مذهب الحنفية (١).

стр. 8714

القول الثاني: يحرم، وهذا مذهب المالكية (١)، واختيار القاضي أبي يعلى من الحنابلة (٢). القول الثالث: يجوز أخذ الزيادة، وهو المذهب عند الشافعية (٣)، وقول عند الحنابلة، صححه في الإنصاف (٤)، وبه قال ابن حزم (٥). دليل من قال: يكره أو يحرم أخذ الزيادة: الدليل الأول: أن المعروف كالمشروط، فإذا كان لا يجوز اشتراط الزيادة، فكذلك إذا كان المقترض معروفًا بدفع الزيادة. الدليل الثاني: أن المقرض ربما كان الباعث على القرض هو حصوله على تلك الزيادة، وهي نية مؤثرة على صحة العقد.

стр. 8715

(ح-١٠٦٦) لما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه (١). دليل من قال بالجواز: أن النبي ﷺ كان معروفاً بحسن القضاء، ولم يكن إقراضه مكروهاً، ولا محرماً. وإذا كان خيار الناس أحسنهم قضاء كما جاء في الحديث، فإن هذا ينبغي أن يكون أولى الناس بقضاء حاجته، وإجابة مسألته، وتفريج كربته، وفي كراهة إقراضه أو تحريم ذلك تضييق عليه، فلا يقابل إحسانه وفعله للخير بالتضييق عليه. وإذا جازت الزيادة عند الوفاء من غير شرط مرة واحدة، جازت هذه الزيادة ألف مرة من غير فرق. الراجح: جواز أخذ الزيادة بشرط ألا يكون الباعث على الإقراض هو أخذ هذه الزيادة بحيث لو علم المقرض أنه لن يدفع هذه الزيادة لم يقرضه، والله أعلم. * * *

стр. 8716

المبحث الثالث في مكان استرداد القرض ما وجب رده لزم رده في موضع التعاقد إلا أن يكون المكان لا يصلح لذلك. التراضي على القضاء في غير بلد القرض بدون شرط يجوز، ويأخذ حكم الزيادة عند الوفاء من غير شرط. إذا بذل المقترض مثل ما اقترض في غير مكان الاقتراض لزم المقرض قبوله إذا لم يكن لحمله مئونة، وكان البلد والطريق آمنين. [م-١٧٦٩] لا يجب على المقرض ولا على المقترض ذكر مكان وفاء الدين، لحديث ابن عباس المتفق عليه من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (١). فالنبي ﷺ لم يذكر مكان إيفاء المسلم فيه، مع أن الحديث وارد لبيان شروط السلم، فدل ذلك على عدم اشتراطه، وإذا لم يجب ذكر مكان الوفاء في دين السلم، وهو من عقود المعاوضات، لم يجب ذكره في دين القرض من باب أولى؛ لأن عقود المعاوضات قائم على أن كل التزام يقابله عوض، فيتشدد في ذكر مكان الوفاء بخلاف عقد الإرفاق القائم على التسامح. [م-١٧٧٠] وإذا أطلق عقد القرض، ولم يذكر مكان الوفاء، فإن هذا يعني أن الوفاء يجب أن يكون في الموضع الذي تم فيه العقد، ولا يتحمل المقرض أي نفقات لرد قرضه (٢).

стр. 8717

وجه ذلك: أن المقرض محسن، وما على المحسنين من سبيل، فلو كان عليه أن يتجشم مشقة لرد قرضه، لكان ذلك منافيا لإحسانه. إلا أن يكون موضع العقد لا يصلح مكانًا للوفاء، كما لو أقرضه في طيارة، أو في لجة البحر. وإذا اشترط المقرض مكانًا للوفاء عند القرض ففي ذلك خلاف في صحة هذا الاشتراط، وسوف يأتينا بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الشروط الجعلية في عقد القرض. [م-١٧٧١] لكن لو بذله المقترض في مكان آخر غير بلد الإقراض، فهل يلزم المقرض قبوله، وكذا لو طالب المقرض المقترض الوفاء في غير بلد القرض، فهل يلزم المقترض دفعه؟ وللجواب على ذلك نقول: إذا كان بدل القرض مما لا حمل له، ولا مؤنة، كالدراهم والدنانير فذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة إلى أنه يلزم المقرض قبوله إذا بذله المقترض في غير بلد القرض، زاد الحنابلة شرطًا، وهو أن يكون البلد والطريق آمنين؛ لعدم الضرر عليه في ذلك، واعتبر الشافعية والمالكية هذا الشرط في الجملة (١).

стр. 8718

أما إذا كان القرض له حمل ومؤنة، فأقوال المذاهب على النحو التالي: الأول: مذهب الحنفية: إن دفعه المقترض لم يلزم المقرض قبوله. وإن طالب به المقرض، فإن تراضيا فحسن، وإن لم يتراضيا ففيه روايتان: أحدهما: يوثق القرض بكفيل ويعطى له مثله في بلد القرض. جاء في مجمع الضمانات: «رجل استقرض من رجل طعامًا في بلد الطعام فيه رخيص، فلقيه المقرض في بلد فيه الطعام غال، فأخذه الطالب بحقه، فليس له أن يحبس المطلوب، ويؤمر المطلوب بأن يوثق بكفيل حتى يعطي له طعامه إياه في بلد القرض» (١). الرواية الثانية: أن يدفع له قيمة قرضه في بلد القرض، لا في البلد الآخر، وتعتبر القيمة يوم القبض عند أبي يوسف، وعند محمد يوم الخصومة (٢). جاء في مجمع الضمانات: «وإن أقرضه طعامًا بالعراق، وأخذه بمكة، فعند أبي يوسف عليه قيمته يوم قبضه، وعند محمد عليه قيمته بالعراق يوم اختصما» (٣).

стр. 8719

القول الثاني: مذهب المالكية: إن تراضيا على القضاء في بلد غير بلد القرض دون شرط جاز ذلك، وتكون هذه من باب زيادة المقترض من غير شرط، وقد قد تقدم بحثها. وإن لم يتراضيا لم يلزم أحد منهما القضاء في غير بلد القرض (١). قال الدسوقي في حاشيته: «حاصل فقه المسألة: أن القرض إن كان عينًا وأراد المقترض رده لزم ربه قبوله مطلقًا كان في محل القضاء، أو في غيره، حل الأجل أو لا، إلا لخوف في الطريق، أو احتياج إلى كبير حمل، فلا يلزمه قبولها قبل المحل وإن كان القرض غير عين، بأن كان عرضًا أو طعامًا فيجبر المقرض على القبول إذا أتى به المقترض في محل القضاء حل الأجل أم لا، وإلا فلا يجبر» (٢). قال ابن عبد البر: «ومن استقرض قرضا مما له مؤونة وحمل ولم يكن عينًا، ولم يشترط للقضاء موضعًا فإنه يلزمه القضاء في الموضع الذي اقترض فيه. ولو لقيه في غير البلد الذي أقرضه فيه، فطالبه بالقضاء فيه لم يلزمه ذلك، ولزم أن يوكل من يقبضه منه في ذلك البلد الذي اقترض فيه. ولو اصطلحا على القضاء في البلد الآخر، كان ذلك جائزًا إذا كان بعد حلول الأجل إن كان قبل حلول الأجل لم يجز» (٣).

стр. 8720

القول الثالث: مذهب الشافعية: لا يلزم المقترض الدفع في غير محل الإقراض إلا إذا لم يكن لنقله مؤنة، أو له مؤنة وتحملها المقرض، وكالمؤنة ارتفاع الأسعار في غير مكان الإقراض. ولو بذل المقترض القرض في غير بلد القرض لم يلزم المقرض القبول إلا إذا لم يكن لنقله مؤنة، أو له مؤنة، وتحملها المقترض، ولم يكن المكان مخوفًا. وإن طالبه بقيمة القرض فإنه يلزمه أداؤها، لجواز الاعتياض عن دين القرض، وتعتبر قيمة بلد القرض؛ لأنه محل التملك (١). قال الشيرازي: «فإن أقرضه طعاماً بمصر، فلقيه بمكة فطالبه به لم يجبر على دفعه إليه؛ لأن الطعام بمكة أغلى، فإن طالبه المستقرض بالأخذ لم يجبر على أخذه لأن عليه مؤنة في حمله، فإن تراضيا جاز؛ لأن المنع لحقهما، وقد رضيا جميعاً، فإن طالبه بقيمة الطعام بمكة أجبر على دفعها؛ لأنه بمكة كالمعدوم، وما له مثل إذا عدم وجبت قيمته، ويجب قيمته بمصر لأنه يستحقه بمصر» (٢). القول الرابع مذهب الحنابلة . فرق الحنابلة بين القرض المثلي والقيمي: فإن كان القرض مثليًا، وبذل المقترض المال في غير بلد القرض، ولا مؤنة لحمله لزم المقرض قبوله بشرط أن يكون البلد والطريق آمنين. فإن كان لحمله مؤنة، أو كان البلد والطريق غير آمنين لم يزلم المقرض قبوله.
следующие страницы →