المبحث الثالث
في مكان استرداد القرض
ما وجب رده لزم رده في موضع التعاقد إلا أن يكون المكان لا يصلح لذلك.
التراضي على القضاء في غير بلد القرض بدون شرط يجوز، ويأخذ حكم الزيادة عند الوفاء من غير شرط.
إذا بذل المقترض مثل ما اقترض في غير مكان الاقتراض لزم المقرض قبوله إذا لم يكن لحمله مئونة، وكان البلد والطريق آمنين.
[م-١٧٦٩] لا يجب على المقرض ولا على المقترض ذكر مكان وفاء الدين، لحديث ابن عباس المتفق عليه من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (١).
فالنبي ﷺ لم يذكر مكان إيفاء المسلم فيه، مع أن الحديث وارد لبيان شروط السلم، فدل ذلك على عدم اشتراطه، وإذا لم يجب ذكر مكان الوفاء في دين السلم، وهو من عقود المعاوضات، لم يجب ذكره في دين القرض من باب أولى؛ لأن عقود المعاوضات قائم على أن كل التزام يقابله عوض، فيتشدد في ذكر مكان الوفاء بخلاف عقد الإرفاق القائم على التسامح.
[م-١٧٧٠] وإذا أطلق عقد القرض، ولم يذكر مكان الوفاء، فإن هذا يعني أن الوفاء يجب أن يكون في الموضع الذي تم فيه العقد، ولا يتحمل المقرض أي نفقات لرد قرضه (٢).
стр. 8717
وجه ذلك:
أن المقرض محسن، وما على المحسنين من سبيل، فلو كان عليه أن يتجشم مشقة لرد قرضه، لكان ذلك منافيا لإحسانه.
إلا أن يكون موضع العقد لا يصلح مكانًا للوفاء، كما لو أقرضه في طيارة، أو في لجة البحر.
وإذا اشترط المقرض مكانًا للوفاء عند القرض ففي ذلك خلاف في صحة هذا الاشتراط، وسوف يأتينا بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الشروط الجعلية في عقد القرض.
[م-١٧٧١] لكن لو بذله المقترض في مكان آخر غير بلد الإقراض، فهل يلزم المقرض قبوله، وكذا لو طالب المقرض المقترض الوفاء في غير بلد القرض، فهل يلزم المقترض دفعه؟
وللجواب على ذلك نقول:
إذا كان بدل القرض مما لا حمل له، ولا مؤنة، كالدراهم والدنانير فذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة إلى أنه يلزم المقرض قبوله إذا بذله المقترض في غير بلد القرض، زاد الحنابلة شرطًا، وهو أن يكون البلد والطريق آمنين؛ لعدم الضرر عليه في ذلك، واعتبر الشافعية والمالكية هذا الشرط في الجملة (١).
стр. 8718
أما إذا كان القرض له حمل ومؤنة، فأقوال المذاهب على النحو التالي:
الأول: مذهب الحنفية:
إن دفعه المقترض لم يلزم المقرض قبوله.
وإن طالب به المقرض، فإن تراضيا فحسن، وإن لم يتراضيا ففيه روايتان:
أحدهما: يوثق القرض بكفيل ويعطى له مثله في بلد القرض.
جاء في مجمع الضمانات: «رجل استقرض من رجل طعامًا في بلد الطعام فيه رخيص، فلقيه المقرض في بلد فيه الطعام غال، فأخذه الطالب بحقه، فليس له أن يحبس المطلوب، ويؤمر المطلوب بأن يوثق بكفيل حتى يعطي له طعامه إياه في بلد القرض» (١).
الرواية الثانية:
أن يدفع له قيمة قرضه في بلد القرض، لا في البلد الآخر، وتعتبر القيمة يوم القبض عند أبي يوسف، وعند محمد يوم الخصومة (٢).
جاء في مجمع الضمانات: «وإن أقرضه طعامًا بالعراق، وأخذه بمكة، فعند أبي يوسف عليه قيمته يوم قبضه، وعند محمد عليه قيمته بالعراق يوم اختصما» (٣).
стр. 8719
القول الثاني: مذهب المالكية:
إن تراضيا على القضاء في بلد غير بلد القرض دون شرط جاز ذلك، وتكون هذه من باب زيادة المقترض من غير شرط، وقد قد تقدم بحثها.
وإن لم يتراضيا لم يلزم أحد منهما القضاء في غير بلد القرض (١).
قال الدسوقي في حاشيته: «حاصل فقه المسألة: أن القرض إن كان عينًا وأراد المقترض رده لزم ربه قبوله مطلقًا كان في محل القضاء، أو في غيره، حل الأجل أو لا، إلا لخوف في الطريق، أو احتياج إلى كبير حمل، فلا يلزمه قبولها قبل المحل
وإن كان القرض غير عين، بأن كان عرضًا أو طعامًا فيجبر المقرض على القبول إذا أتى به المقترض في محل القضاء حل الأجل أم لا، وإلا فلا يجبر» (٢).
قال ابن عبد البر: «ومن استقرض قرضا مما له مؤونة وحمل ولم يكن عينًا، ولم يشترط للقضاء موضعًا فإنه يلزمه القضاء في الموضع الذي اقترض فيه. ولو لقيه في غير البلد الذي أقرضه فيه، فطالبه بالقضاء فيه لم يلزمه ذلك، ولزم أن يوكل من يقبضه منه في ذلك البلد الذي اقترض فيه. ولو اصطلحا على القضاء في البلد الآخر، كان ذلك جائزًا إذا كان بعد حلول الأجل إن كان قبل حلول الأجل لم يجز» (٣).
стр. 8720
القول الثالث: مذهب الشافعية:
لا يلزم المقترض الدفع في غير محل الإقراض إلا إذا لم يكن لنقله مؤنة، أو له مؤنة وتحملها المقرض، وكالمؤنة ارتفاع الأسعار في غير مكان الإقراض.
ولو بذل المقترض القرض في غير بلد القرض لم يلزم المقرض القبول إلا إذا لم يكن لنقله مؤنة، أو له مؤنة، وتحملها المقترض، ولم يكن المكان مخوفًا.
وإن طالبه بقيمة القرض فإنه يلزمه أداؤها، لجواز الاعتياض عن دين القرض، وتعتبر قيمة بلد القرض؛ لأنه محل التملك (١).
قال الشيرازي: «فإن أقرضه طعاماً بمصر، فلقيه بمكة فطالبه به لم يجبر على دفعه إليه؛ لأن الطعام بمكة أغلى، فإن طالبه المستقرض بالأخذ لم يجبر على أخذه لأن عليه مؤنة في حمله، فإن تراضيا جاز؛ لأن المنع لحقهما، وقد رضيا جميعاً، فإن طالبه بقيمة الطعام بمكة أجبر على دفعها؛ لأنه بمكة كالمعدوم، وما له مثل إذا عدم وجبت قيمته، ويجب قيمته بمصر لأنه يستحقه بمصر» (٢).
القول الرابع مذهب الحنابلة .
فرق الحنابلة بين القرض المثلي والقيمي:
فإن كان القرض مثليًا، وبذل المقترض المال في غير بلد القرض، ولا مؤنة لحمله لزم المقرض قبوله بشرط أن يكون البلد والطريق آمنين.
فإن كان لحمله مؤنة، أو كان البلد والطريق غير آمنين لم يزلم المقرض قبوله.
стр. 8721
وإن طالب المقرض ببدل القرض في غير بلده، لزم المقترض قضاؤه في المثليات، إلا إذا كان لحمله مؤونة، أو كانت قيمته ببلد القرض أنقص، فلا يلزمه إلا قيمته ببلد القرض.
أما إذا كانت قيمته ببلد القرض مساوية، أو أكثر لزمه دفع المثل في المثليات.
فإن كان القرض قيميًا فيلزم المقترض أداء قيمته مطلقًا، والمعتبر قيمته ببلد القرض. هذا ملخص مذهب الحنابلة (١).
قال ابن قدامة: «إذا أقرضه ما لحمله مؤنة، ثم طالبه بمثله ببلد آخر، لم يلزمه؛ لأنه لا يلزمه حمله له إلى ذلك البلد. فإن طالبه بالقيمة لزمه؛ لأنه لا مؤنة لحملها. فإن تبرع المستقرض بدفع المثل، وأبى المقرض قبوله، فله ذلك، لأن عليه ضررًا في قبضه، لأنه ربما احتاج إلى حمله إلى المكان الذي أقرضه فيه، وله المطالبة بقيمة ذلك في البلد الذي أقرضه فيه؛ لأنه المكان الذي يجب التسليم فيه، وإن كان القرض أثمانًا، أو ما لا مؤنة في حمله، وطالبه بها، وهما ببلد آخر، لزمه دفعه إليه؛ لأن تسليمه إليه في هذا البلد وغيره واحد» (٢).
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية: «إذا بذل المقترض مثل القرض في غير بلده لزم المقرض قبوله إذا لم يكن لحمله مؤونة، وكان البلد والطريق آمنين، وإلا لم يلزمه قبوله» (٣).
стр. 8722
الراجح:
الواجب أن يكون الوفاء في بلد القرض، ولا يجبر أحد على الوفاء في غيره إلا بالتراضي، وإذا كان القرض ليس لحمله مؤنة، وامتنع المقرض من قبوله، وكان لامتناعه غرض صحيح لم يجبر على قبوله، كما لو خاف من السرقة، ومن خطر الطريق، ولا يصار في القرض المثلي إلى القيمة إلا بالتراضي؛ لأنها نوع من المعاوضة، وركن المعاوضة أو شرطها الذي لا بد منه أن يوجد الرضا من الطرفين.
* * *
стр. 8723
الفصل السادس
في التصرف في دين القرض
المبحث الأول
في التصرف به بالحوالة عليه
كل حق ثابت في الذمة من قرض أو دين تصح الحوالة عليه.
[م-١٧٧٢] إذا تم القرض صار المقرض دائنًا، والمقترض مدينًا، فلو أن المقرض كان عليه دين لثالث، فأراد إحالته على دينه الذي على المقترض، فرضي بذلك، فهذا عقد حوالة حيث يكون:
المقرض محيلًا.
والمقترض محالًا عليه.
ودائن المقرض محالًا.
والحوالة من المعاملات الثابتة بالسنة، والإجماع
(ح-١٠٦٧) أما السنة فما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع (١).
وجه الاستدلال:
أن الأمر بالاتباع دليل الجواز، ولولا ذلك لما أمر به.
стр. 8724
وأما الإجماع، فقد نقل الإجماع طائفة من أهل العلم:
قال ابن الملقن في التوضيح شرح الجامع الصحيح: «وهي مجمع عليها» (١).
وجاء في التاج والإكليل: «لم يختلف في جواز الحوالة» (٢).
وقال الماوردي: «الأصل في جواز الحوالة السنة والإجماع» (٣).
وقال النووي: «أصلها مجمع عليه» (٤).
وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة» (٥).
وحكى الإجماع ابن مفلح في المبدع، والبهوتي في شرح منتهى الإرادات (٦).
وقد بحثت عقد الحوالة في المجلد العاشر، وتكلمت على كثير من أحكامه، فإن أردت الوقوف على شروطه فارجع إليه إن شئت.
стр. 8725
المبحث الثاني
في بيع بدل القرض
الفرع الأول
في بيعه على من هو عليه بثمن حال
بيع الدين على من هو عليه بزيادة يؤدي إلى سلف جر نفعاً، وهو ممنوع.
إذا باع الدين بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض، وإن باعه بغيره اشترط في البدل التعيين.
[م-١٧٧٣] إذا تم القرض وقبضه المقترض، واستهلكه فقد تحول إلى دين من الديون، وصار حق المقرض في ذمة المقترض، كأي دين آخر، ويصنف هذا الدين بأنه من الديون المستقرة التي ليست عرضة للسقوط، والتصرف في هذا الدين يدخل تحت قواعد التصرف في الديون، وقد تكلمت في عقد البيع في حكم التصرف في الدين على من هو عليه عند الكلام عن التصرف في المبيع إذا كان دينًا.
والأقوال فيه كالتالي.
القول الأول:
يجوز بيع الدين على من هو عليه بشروط، وهو قول الجمهور من الحنفية (١)،
стр. 8726
والمالكية (١) والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
ويشترط لصحته شروط منها:
الشرط الأول:
اشترط المالكية، والإمام أحمد في قول له، وإسحاق بن راهويه (٤)، وبه قال عثمان البتي (٥)، وابن تيمية، وابن القيم، أن يبيعه بمثل ثمنه، أو أقل، لا أكثر؛ وعلل المالكية المنع: لأن بيع الدين على من هو عليه بزيادة يؤدي إلى سلف جر نفعاً، وهذا ممنوع.
وعلل ابن تيمية المنع حتى لا يربح فيما لم يضمن (٦)، لأن المال في ذمة المقترض وضمانه عليه، فإذا ربح فيه المقرض فقد ربح فيما لم يدخل ضمانه، والدليل على هذا الشرط من أثر ابن عمر، قوله: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها)، وسيأتي ذكره بتمامه.
стр. 8727
الشرط الثاني:
اشترط المالكية والحنابلة أن يعجل البدل، ويقبض في مجلس الاستبدال ليسلم من فسخ الدين بالدين.
جاء في الروض المربع: «ويصح بيع دين مستقر، كقرض، أو ثمن مبيع، لمن هو عليه بشرط قبض عوضه في المجلس» (١).
واشترط الشافعية في الأصح ابن تيمية التقابض إن كان العوض مما يجري فيه ربا النسيئة.
جاء في حاشية البجيرمي على الخطيب: «وأما بيع الدين لمن هو عليه فلا يشترط القبض إلا في متحدي العلة، أما مختلفهما فيشترط فيه التعيين فقط» (٢).
وقال ابن تيمية: «يجوز بيع الدين ممن هو عليه؛ لأن ما في الذمة مقبوض للمدين، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض لئلا يكون ربا، وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة، وإن باعه بغيرهما، فوجهان:
أحدهما: لا يشترط كما لا يشترط في غيرهما.
والثاني: يشترط؛ لأن تأخير القبض نسيئة كبيع الدين بالدين» (٣).
الشرط الثالث:
اشترط الشافعية ألا يكون الدين طعامًا.
стр. 8728
جاء في التاج والإكليل: «شروط بيع الدين ممن هو عليه، وهي ألا يكون الدين طعاماً ... وأن يتعجل العوض .... » (١).
(ح-١٠٦٨) ومستند الجواز ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (٢).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٣).
القول الثاني:
لا يجوز بيع الدين ولو كان على من هو عليه، وهو قول ابن حزم (٤)، ورواية عن أحمد (٥)،وحكي عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن شبرمة (٦).
والقول بالجواز هو الصواب، وقد ذكرنا أدلة الأقوال في المجلد الثالث عند الكلام على حكم التصرف في المبيع إذا كان ديناً، فأغنى عن إعادته هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 8729
الفرع الثاني
في بيع بدل القرض على من هو عليه بثمن مؤجل
بيع الدين بالدين باطل.
استبدال الدين الحال بدين مؤجل من غير جنسه مظنة الزيادة في الدين في مقابل الأجل الممنوح للمدين، وذلك في معنى ربا الجاهلية (تقضي أو تربي).
[م-١٧٧٤] لا يختلف الكلام في بيع دين القرض عن الكلام في بيع الدين؛ لأننا كما قدمنا أن القرض يعتبر من الديون المستقرة.
وقد اختلف العلماء في بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل على قولين:
القول الأول:
لا يجوز، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١)، وهو المنصوص عن ابن تيمية.
стр. 8730
قال ابن تيمية في مختصر الفتاوى المصرية: «ومن اشترى قمحاً إلى أجل، ثم عوض البائع عن الثمن سلعة إلى أجل لم يجز، وكذلك إن احتال على أن يزيده في الثمن، ويزيده في الأجل بصورة يظهر رباها لم يجز، ولم يكن عنده إلا الدين الأول، فإن هذا هو الربا الذي أنزل الله فيه القرآن، يقول الرجل لغريمه عند محل الأجل: تقضي أو تربي» (١).
وقال أيضاً: «إذا اشترى قمحاً بثمن إلى أجل، ثم عوض البائع عن ذلك الثمن سلعة إلى أجل لم يجز فإن هذا بيع دين بدين» (٢).
القول الثاني:
يجوز بيع الدين على من هو عليه بدين آخر، اختاره ابن القيم، وحكاه قولاً لابن تيمية (٣).
ولم أقف على قول صريح لابن تيمية يقول بجواز بيع الدين على من هو عليه بدين، وكل ما وقفت عليه أنه حكى أن بيع الدين منه ما هو ممنوع بالاتفاق كبيع المؤخر بالمؤخر، ومنه ما تنازع العلماء فيه، وذكر منها مسألتنا هذه: بيع الساقط بالواجب. وحكاية الخلاف لا تعني أنه يقول بالجواز.
وقد نقل الإجماع على منعه حكاه ابن قدامة وغيره.
قال ابن قدامة: «إذا كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سلماً في طعام إلى أجل لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم،
стр. 8731
منهم: مالك والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي، وعن ابن عمر، أنه قال: لا يصح ذلك، و ذلك لأن المسلم فيه دين، فإذا جعل الثمن ديناً كان بيع دين بدين، ولا يصح ذلك بالإجماع» (١).
وقال السبكي في تكملة المجموع: «تفسير بيع الدين بالدين المجمع على منعه: وهو أن يكون للرجل على الرجل دين، فيجعله عليه في دين آخر، مخالف له في الصفة أو القدر، فهذا هو الذي وقع الإجماع على امتناعه» (٢).
ولأن هذه الصورة شبيهة بربا النساء المعروف، حيث إنَّ استبدال الدين الحال بدين مؤجل من غير جنسه مظنة الزيادة في الدين في مقابل الأجل الممنوح للمدين، وذلك في معنى ربا الجاهلية (تقضي أو تربي).
وقد سبق أن بحثت المسألة بشيء من التفصيل في عقد البيع من المجلد الثالث، فارجع إليه إن شئت.
* * *
стр. 8732
الفرع الثالث
في بيع بدل القرض على غير من هو عليه بثمن حال
بيع الدين بثمن حال يجوز بشرطه.
[م-١٧٧٥] اختلف العلماء في بيع الدين على غير من هو عليه بثمن حال، ومنه دين بدل القرض، والمسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يجوز بيع الدين لغير المدين مطلقاً.
وهذا قول الحنفية (١)، وإحدى القولين للشافعية (٢)، والمشهور من مذهب
стр. 8733
الحنابلة (١).
القول الثاني:
يجوز بيع الدين مطلقاً، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٢).
القول الثالث:
يجوز بيع الدين بالعين بشروط، وهو مذهب المالكية (٣)، والراجح عند
стр. 8734
الشافعية (١).
وقد سبق أن بحثت المسألة في عقد البيع في المجلد الثالث، وذكرت أدلة الأقوال في المسألة، وقد تبين لي أن القول بالجواز هو القول الراجح، وإذا كنا منعنا في بيع الدين على من هو عليه ألا يربح فيه؛ لأن الدين ليس من ضمان البائع، فإنه لا مانع في بيع الدين على غير من هو عليه من أن يربح فيه البائع، فيجوز له أن يبيعه بمثل ثمنه أو أقل أو أكثر؛ لأن البائع إذا باع شيئًا موصوفًا في الذمة كانت ذمته مشغولة بالضمان، وإذا كان ضامنًا لم يمنع من الربح فيه، ولا مانع أن يكون المتعهد بالضمان المدين الأول والمدين الثاني.
وكون الشيء مضمونًا على شخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى غير ممتنع
стр. 8735
شرعًا ولا عقلًا، ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، فهذا المستأجر يجوز له إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونة له على المؤجر، وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني (١).
وجاء في المدونة: «قال مالك: لا بأس أن تبيع ما سلفت فيه، إذا كان من غير ما يؤكل ويشرب، من غير الذي عليه ذلك السلف، بأقل أو بأكثر أو بمثل ذلك إذا انتقدت وأما الذي عليه السلف فلا تبعه منه قبل الأجل بأكثر، ولا تبعه منه إلا بمثل الثمن أو أقل، ويقبض ذلك» (٢)، والله أعلم.
نعم لو قال البائع: أبيع عليك ما في ذمة فلان على أني لا أضمن لك تسلمه لو صح مثل هذا الشرط يصح أن يقال: لا يجوز أن يربح فيه؛ لأنه قد ربح فيما لم يضمن، أما إذا باع موصوفًا في الذمة فهو قد باع غير معين، فلا مانع من الربح فيه.
* * *
стр. 8736
الفرع الرابع
في بيع بدل القرض على غير من هو عليه بثمن مؤجل
بيع الدين بالدين باطل.
[م-١٧٧٦] إذا أقرض رجل آخر مائة صاع من البر، فلا يجوز له أن يبيعها على ثالث بمبلغ مؤجل مدة معينة (١).
قال الكاساني: «الدين لا يقبل التمليك لغير من عليه الدين» (٢).
واعتبره المالكية قسماً من أقسام الكالئ بالكالئ.
قال الخرشي: «(وبيعه بدين) هذا هو القسم الثاني من أقسام الكالئ، والمعنى أن الدين ولو حالاً لا يجوز بيعه بدين» (٣).
стр. 8737
وجاء في البهجة في شرح التحفة: «وأما إذا باعه لغير من هو عليه فيجوز قبل الأجل وبعده بشرط أن يكون الثمن نقداً، لا مؤجلاً فيمنع مطلقاً؛ لأنه من بيع الدين بالدين» (١).
وجاء في حاشية الجمل: «حاصل الصور في هذا المقام أربعة: بيع الدين بغير دين لمن هو عليه، ولغير من هو عليه، وهاتان صحيحتان، الأولى باتفاق، والثانية على المعتمد. وبيع الدين بالدين لمن هو عليه ولغير من هو عليه، وهاتان باطلتان» (٢).
وقال في شرح منتهى الإرادات: «ولا بيع دين لغير من هو عليه مطلقاً .. » (٣).
وصحح المالكية بيع الدين بعين ولو كانت العين مؤجلة (٤).
قال الخرشي: «وفهم من قوله: بدين عدم منع بيع الدين بمعين يتأخر قبضه، أو بمنافع معين» (٥).
وعلل المالكية جواز بيع الدين بعين مؤجلة، بأن العين لا تثبت ديناً في الذمة، ولو تأخر تسليمها؛ فهو من قبيل بيع الدين بحاضر.
وقد ذكرت أدلتهم في المجلد الثالث، فارجع إليه إن شئت، والله أعلم.
* * *
стр. 8738
الفصل السابع
في كساد النقود
إبطال الثمنية بمنزلة كسرها وإتلافها، فتجب قيمتها.
منع التعامل في النقود يجعلها معدومة حكماً، فتجب فيها القيمة.
النقود إذا رخصت فمن مال المقرض، وإذا زادت فهي له.
[م-١٧٧٧] إذا كان الشخص مدينًا بنقد معين، ثم كسد هذا النقد قبل الأداء:
فإن كانت الثمنية فيها خلقة، كما لو كانت النقود من الذهب والفضة فلا يلزم المدين غيرها؛ لأن قيمتها ذاتية.
وإن كان الثمينة فيها اصطلاحية، فقد اختلف العلماء في الواجب على أقوال:
القول الأول:
إن كان الدين ناشئًا عن معاوضة كالبيع والإجارة، فإن الكساد يوجب الفسخ، وإن كان ناشئًا عن قرض فإن يرد مثله، ولو كان كاسدًا، وهذا مذهب الحنفية (١).
جاء في فتح القدير: «وإذا باع بالفلوس النافقة، ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة ﵀ خلافًا لهما .... ولو استقرض فلوسًا نافقة، فكسدت عند أبي حنيفة ﵀ يجب عليه مثلها؛ لأنه إعارة، وموجبه رد العين» (٢).
стр. 8739
وجه التفريق بين دين القرض ودين المعاوضة:
أن عقود المعاوضات من بيع وإجارة لا تقوم إلا على وجود ثمن، فإذا كسد الثمن الاصطلاحي خرج عن كونه ثمنًا، فأدى ذلك إلى فسد العقد.
وأما القرض فلا يعتمد جوازه على قيام الثمنية، بل يقوم على وجود المثلية، وبالكساد لا يخرج عن المثلية، ولذلك يصح استقراض البيض والجوز، ونحوها، وهي ليست أثمانًا.
قال الكاساني: «الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمنًا؛ لأن ثمنيتها ثبتت باصطلاح الناس، فإذا ترك الناس التعامل بها عددًا؛ فقد زال عنها صفة الثمنية، ولا بيع بلا ثمن، فينفسخ ضرورة، ولو لم تكسد، ولكنها رخصت قيمتها، أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها عددًا، ولا يلتفت إلى القيمة ههنا؛ لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية، ألا ترى أن الدراهم قد ترخص، وقد تغلو وهي على حالها أثمان؟» (١).
ويناقش:
بأن المقترض لما اقترض النقود الاصطلاحية لا يقترضها كسلعة، وإنما اقترضها كأثمان، وهي لا قيمة لها إذا جردت من ثمنيتها.
стр. 8740
القول الثاني:
أن النقد إذا كسد بعد وجوبه في الذمة، فليس للدائن سواه، من غير فرق بين أن يكون ناشئًا عن قرض، أو ثمن مبيع، أو غيرهما.
وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية (١).
جاء في المدونة: «قال مالك: في القرض والبيع في الفلوس إذا فسدت فليس له إلا الفلوس التي كانت تجوز ذلك اليوم وإن كانت فاسدة» (٢).
وجه القول بوجوب المثل مطلقًا:
أن النقد مال مثلي، وكساده لا يخرجه عن المثلية، والكساد النازل ليس من فعل المدين، بل يعتبر كجائحة نزلت بالدائن، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدين قرضًا أو ثمن مبيع أو غير ذلك.
القول الثالث:
إذا كسد النقد بعد تمام العقد استقر الثمن في ذمة المدين، وما في الذمة لا يتعرض للهلاك، فلا يكون الكساد هلاكًا، ولكن إذا تعذر تسليم الثمن فإنه يرجع حينئذ إلى القيمة على خلاف بينهم:
فقيل: له قيمتها يوم القرض، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، وقول عند المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
стр. 8741
وجه القول بوجوب القيمة؛ لأن إبطال الثمنية بمنزلة كسرها وإتلافها، فتجب قيمة المتلف.
وجه اعتبار القيمة وقت القرض: لأنه وقت وجوب الثمن.
وقيل: تجب القيمة يوم الكساد، وهذا قول محمد بن الحسن الشيباني، وبعض الحنابلة (١).
وجه اعتبار القيمة وقت الكساد: أنه كان يلزمه رد مثلها إلى يوم كسادها، فإذا كسدت كان هذا اليوم هو يوم الانتقال إلى القيمة.
الراجح:
أن النقود إذا كسدت وجب على المقترض قيمتها، لأن القرض مضمون، ولأن منع التعامل في النقود يجعلها معدومة حكماً، فلزمه قيمتها، وكان المعتبر في القيمة هو يوم الكساد؛ لأنه يوم الانتقال من المثل إلى القيمة، وإن رخصت دفعها إلى المقرض، ولم يلزمه شيء؛ لأن المال لم يكن معدوماً حكماً، ويكون النقص من مال المقرض كما أن القرض لو زادت قيمته كان له، فكذلك إذا نزلت قيمته كان ذلك عليه، فالغنم بالغرم، والله أعلم، وهذا أقرب الأقوال إلى الحق، والله أعلم.
* * *
стр. 8742
الباب الثاني
شروط القرض
الفصل الأول
ما يشترط في المقرض
من صح تبرعه صح إقراضه.
إقراض مال الصغير إن كان إرفاقًا بالمقترض لم يجز، وإن كان لمصلحة اليتيم جاز.
كل متصرف بولاية إذا قيل له: افعل ما تشاء فإنما هو مقيد بالمصلحة.
الشرط الأول:
[م-١٧٧٨] أن يكون المقرض ممن يصح تبرعه، وبعضهم يعبر عن ذلك بقوله: أن يكون المقرض جائز التصرف. والتبرع نوع من التصرف، فمن منع من التصرف فقد منع من التبرع.
ولأن الممنوع التصرف إما ممنوع منه لأنه غير مأذون له فيه كإقراض الولي والوصي وناظر الوقف.
أو ممنوع من التصرف لانعدام الأهلية كتصرف المحجور عليه من صبي وسفيه.
قال ابن نجيم: «ولا يملكه من لا يملك التبرع كالصبي والوصي» (١).
стр. 8743
وقال في بدائع الصنائع وهو يتكلم عن شروط القرض: «وأما الذي يرجع إلى المقرض فهو أهليته للتبرع، فلا يملكه من لا يملك التبرع من الأب، والوصي، والصبي، والعبد المأذون، والمكاتب؛ لأن القرض للمال تبرع، ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال، فكان تبرعًا للحال، فلا يجوز إلا ممن يجوز منه التبرع، وهؤلاء ليسوا من أهل التبرع، فلا يملكون القرض» (١).
وجاء في تحفة المحتاج: «ويشترط في المقرض أهلية التبرع .... وهي تستلزم رشده، واختياره فيما يقرضه .... لأن فيه شائبة تبرع» (٢).
وفي نهاية المحتاج: «ويشترط في المقرض بكسر الراء أهلية التبرع بأن يكون غير محجور عليه مختارًا؛ لأن القرض فيه شائبة تبرع، ومن ثم امتنع تأجيله، ولم يجب التقابض فيه، وإن كان ربويًا، ولو كان معاوضة محضة لجاز للولي غير الحاكم قرض مال موليه من غير ضرورة، واللازم باطل، أما الحاكم فيجوز له من غير ضرورة؛ لكثرة أشغاله خلافا للسبكي» (٣).
وقال في الإنصاف: «وأن يكون المقرض ممن يصح تبرعه» (٤).
وجاء في مطالب أولي النهى: «وشرط كون مقرض يصح تبرعه، فلا يقرض نحو ولي يتيم من ماله» (٥).
وعبر ابن قدامة عن أهلية التبرع بأهلية التصرف، والمعنى واحد.
стр. 8744
قال ابن قدامة: «ولا يصح إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على مال، فلم يصح إلا من جائز التصرف كالبيع» (١).
[م-١٧٧٩] واختلف الفقهاء في إقراض الولي من أب، أو وصي مال الصغير لأجنبي:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن للأب أن يقترض لنفسه من مال الصغير، وليس له ولا للوصي إقراضه لأجنبي، وللقاضي ذلك.
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وليس للوصي أن يقترض مال اليتيم، وللأب ذلك، وليس لهما إقراضه، وللقاضي ذلك» (٢).
وقال ابن عابدين: «لا يقرض الأب أي في أصح الروايتين .... ولا الوصي، فلو فعل لا يعد خيانة فلا يعزل به» (٣).
القول الثاني: مذهب المالكية .
ما يأخذه الأب من مال ولده فإن كان محتاجًا جاز له ذلك، ولا يجوز له الأخذ إن كان غير محتاج.
جاء في المدونة نقلًا عن مالك أنه قال: «ما أخذ الوالد من مال ولده على غير حاجة فلا يجوز ذلك له» (٤).
стр. 8745
ولا يصح للوصي أن يقرض مال اليتيم لأجنبي.
جاء في حاشية الدسوقي: «ولا يجوز للوصي تسليفه لأحد على وجه المعروف، ولو أخذ رهنًا؛ إذ لا مصلحة لليتيم في ذلك» (١).
وقال القرافي: «ولا يسلف ماله؛ لأنه معروف لا تنمية فيه، إلا أن يتجر له، فيسلف اليسير مما يحتاج إليه مع الناس» (٢).
القول الثالث: مذهب الشافعية .
لا يجوز للأب ولا للوصي أن يقرض مال الصبي والمجنون إلا لضرورة، ويجوز للقاضي أن يقرض مال الصبي والمجنون الشافعية (٣).
ومعلوم أن ما جاز بقيد الضرورة فالأصل فيه المنع والتحريم؛ لأن الضرورة تبيح المحرمات.
قال الخطيب في مغني المحتاج: «ولا يجوز لغير القاضي من الأولياء أن يقرض من مال الصبي والمجنون شيئًا إلا لضرورة، كحريق، ونهب، أو أن يريد سفرًا يخاف عليه فيه» (٤).
وجاء في فتح العزيز: «ليس لغير القاضى اقراض مال الصبى الا عند ضرورة نهب أو حريق ... ويجوز للقاضى الاقراض، وان لم يعرض شئ من ذلك لكثرة شغال» (٥).
стр. 8746
ويجوز للأب والجد والأم إذا كانوا محتاجين أن يأكلوا من أموال أولادهم بالمعروف، ولا يحتاج إلى إذن حاكم، وهل عليهم ضمان ما أكلوه إذا أيسروا، قولان في مذهب الشافعية، أصحهما لا ضمان عليهم؛ لأن الله تعالى أباح الأكل، ولم يوجب الضمان؛ ولأن ذلك استحقوه بحاجته وعملهم في مال المحجور، فلم يلزم رد بدله (١).
القول الرابع: مذهب الحنابلة .
يرى الحنابلة أن الأب له أن يأخذ من مال ولده ما شاء مع الحاجة وعدمها.
قال ابن قدامة: «للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء مع الحاجة وعدمها» (٢).
وأما في القرض، فإن كان الحامل على إقراض مال الصغير الإرفاق بالمقترض فهذا غير جائز، وإن كان الحامل عليه مصلحة اليتيم جاز إقراضه، وهذا مذهب الحنابلة (٣).
جاء في المغني: «فأما قرض مال اليتيم؛ فإذا لم يكن فيه حظ له، لم يجز قرضه ..... قال أحمد: لا يقرض مال اليتيم لأحد يريد مكافأته، ومودته، ويقرض على النظر، والشفقة، كما صنع ابن عمر.
وقيل لأحمد: إن عمر استقرض مال اليتيم؟
قال: إنما استقرض نظرًا لليتيم، واحتياطًا، إن أصابه بشيء غرمه.
стр. 8747
قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مال في بلده، فيريد نقله إلى بلد آخر، فيقرضه من رجل في ذلك البلد، ليقضيه بدله في بلده، يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله، أو يخاف عليه الهلاك من نهب، أو غرق، أو نحوهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه، كالحنطة ونحوها، فيقرضه خوفًا أن يسوس، أو تنقص قيمته، وأشباه هذا، فيجوز القرض؛ لأنه مما لليتيم فيه حظ فجاز، كالتجارة به.
وإن لم يكن فيه حظ، وإنما قصد إرفاق المقترض، وقضاء حاجته، فهذا غير جائز؛ لأنه تبرع بمال اليتيم، فلم يحز كهبته» (١).
الراجح:
أرى أن مذهب الحنابلة أقوى من حيث النظر؛ إلا أنه لقلة الأمانة في هذا العصر، ودفعًا للتلاعب فإنه يشترط أن يكون ذلك عن طريق إشراف القضاء، وسبق بحث هذه المسألة في عقد الوصية، والله أعلم.
الشرط الثاني:
[م-١٧٨٠] أن يكون مالكًا لما يتبرع به، فإن كان المقرض أهلًا للتبرع بأن كان عاقلًا راشدًا، إلا أنه لا يملك المال المقرض لم يصح قرضه؛ لأن الإنسان لا يملك التبرع بمال غيره، إلا أن يأذن له مالكه.
(ح-١٠٦٩) لما رواه البخاري من طريق عكرمة،
عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: ..... إن دماءكم وأموالكم
стр. 8748
وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت. قال ابن عباس ﵄: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض (١).
واختلفوا في مسألتين منه.
المسألة الأولى:
[م-١٧٨١] إذا أقرض الشريك من مال الشركة بدون إذن شريكه، فقد اختلف فيها الفقهاء على قولين:
القول الأول:
ليس له أن يقرض إلا بإذن صريح من شريكه، حتى لو قال له: اعمل فيه برأيك لم يدخل في ذلك الإذن بالقرض.
جاء في بدائع الصنائع: «وليس لأحدهما أن يهب، ولا أن يقرض على شريكه؛ لأن كل واحد منهما تبرع. أما الهبة فلا شك فيها. وأما القرض فلأنه لا عوض له في الحال، فكان تبرعاً في الحال، وهو لا يملك التبرع على شريكه، وسواء قال: اعمل برأيك أو لم يقل، إلا أن ينص عليه بعينه؛ لأن قوله: اعمل برأيك تفويض الرأي إليه فيما هو من التجارة، وهذا ليس من التجارة ... » (٢).
стр. 8749
القول الثاني:
أجاز بعض الحنابلة إقراض الشريك لمال الشركة إذا كان الباعث على ذلك مصلحة الشركة، وليس الإرفاق بالمقترض.
جاء في الإنصاف: «قوله (ولا يقرض). هذا المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به أكثر الأصحاب ...... وقال ابن عقيل: يجوز للمصلحة. يعني: على سبيل القرض. صرح به في التلخيص وغيره» (١).
وجواز القرض مقيد بأن يكون ذلك أصلح للشركة كأن يخاف على مال الشركة، ويكون المستقرض معروفاً بالأمانة، ولا يخاف منه الجحود، ومليئاً في حال طلب منه السداد؛ لأن الشريك إذا كان له إيداع المال كما سبق بيانه في عقد الشركة، فالإقراض أولى من الإيداع؛ لأن الإيداع غير مضمون على المودع إذا هلك المال بغير تعد منه ولا تفريط، بخلاف القرض، خاصة إذا أخذ على القرض رهناً.
وكما أجاز الحنفية إقراض القاضي مال اليتيم للسبب نفسه.
المسألة الثانية:
[م-١٧٨٢] إذا أودع الرجل مالًا، فاقترض منه بدون إذن المودِع، فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك على ثلاثة أقوال:
стр. 8750
القول الأول:
لا يجوز الاقتراض من الوديعة بدون إذن صاحبها، فإن فعل ضمن، وهذا مذهب الجمهور (١).
القول الثاني:
يصح مع الكراهة، وهذا قول في مذهب المالكية.
قال الباجي: «اختلف قول مالك في جواز السلف من الوديعة بغير إذن المودع: فحكى القاضي أبو محمد في معونته أن ذلك مكروه .... » (٢).
وجه القول بالكراهة:
أن صاحبها إنما دفعها إليه ليحفظها، لا لينتفع بها، ولا ليصرفها، فليس له أن يخرجها عما قبضها عليه.
القول الثالث:
التصرف في الوديعة دون إذن صاحبها يجوز بلا كراهة، إذا تحقق شرطان:
أحدهما: أن يكون المال مثلياً.
стр. 8751
الثاني: أن يكون المتصرف مليئاً.
فإن كان المودع فقيرًا حرم عليه أن يستلف من الوديعة، سواء أكان المال مثليًا أم قيميًا، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء نظراً لإعدامه. اختاره بعض المالكية (١).
وعلل بعض المالكية الجواز بتعليلات منها:
أحدها: أن المودِع قد ترك الانتفاع بها مع القدرة عليه، فجاز للمودَع الانتفاع بها، ويجري ذلك مجرى الانتفاع بظل حائطه، وضوء سراجه.
الثاني: أن المودَع لم يبطل على المودِع غرضه؛ لأنه إنما أمر بحفظها، وهذا حاصل، بل ربما كان القرض أحفظ للمال؛ لأن الوديعة غير مضمونة، والقرض مضمون.
الثالث: أن الدراهم لا تتعين بالتعيين، ولذلك كان للمودَع أن يرد مثلها، ويتمسك بها مع بقاء عينها (٢).
стр. 8752
ويناقش:
الخلاف في كون الدراهم لا تتعين بالتعيين، إنما يجري في باب المعاوضات؛ لأن الوجوب متعلق بالذمة، أما في باب الوديعة، فإن الرد متعلق بعين الوديعة، وليس في ذمة المودَع؛ لأن الحق ليس فيه ثمن ومثمن، فالدراهم هنا تتعين بالتعيين، ولا يجري فيها الخلاف الذي يجري في المعاوضات، ولذلك لو تلفت الوديعة بدون تعد ولا تفريط لم يضمن المودَع، ولو كانت الوديعة متعلقة بذمة المودَع لضمن.
الشرط الثالث:
[م-١٧٨٣] أن يكون المقرض مختارًا، فلا يصح إقراض مكره بغير حق، بل إن جميع العقود تفسد بالإكراه.
فالحنفية يرون أن جميع عقود التمليك تفسد بالإكراه الملجئ، والقرض من عقود التمليك (١).
وقال في الحاوي: «وأما المكره ... كرها غير مختار، لم يقع طلاقه، ولا عتقه ولم تصح عقوده» (٢).
وجاء في شرح المنهج: وشرط مقرض بكسر الراء اختيار، فلا يصح إقراض مكره كسائر عقوده» (٣).
стр. 8753
وقال ابن تيمية: «عقود المكره، وأقواله، مثل: بيعه، وقرضه، ورهنه، ونكاحه، وطلاقه، ورجعته، ويمينه، ونذره، وشهادته، وحكمه، وإقراره، وردته، وغير ذلك من أقواله، فإن هذه الأقوال كلها منه ملغاة مهدرة، وأكثر ذلك مجمع عليه، وقد دل على بعضه القرآن مثل قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦].
وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]» (١).
ويستثنى من ذلك لو كان المكره بحق، فإنه يصح قرضه،
جاء في تحفة المحتاج: «فلا يصح إقراض مكروه، ومحله إذا كان بغير حق، فلو أكره بحق، وذلك بأن يجب عليه لنحو اضطرار صح» (٢).
وقد تكلمت في عقد البيع عن حقيقة الإكراه:
وينفرد الحنفية بتقسيم الإكراه إلى نوعين:
الأول: إكراه ملجئ، وهو الإكراه الكامل: وهو أن يكرهه بما يخاف على نفسه، أو على تلف عضو من أعضائه.
وهذا الإكراه ينافي الرضا، كما ينافي الاختيار، والعقد في هذه الحالة يكون باطلًا؛ لأن الاختيار الذي هو شرط لانعقاد القرض لم يوجد، فضلاً أن يوجد الرضا الذي هو شرط للصحة.
الثاني: إكراه غير ملجئ، وهو الإكراه القاصر، وهو أن يكرهه بما لا يخاف على نفسه، ولا على تلف عضو من أعضائه، كالإكراه بالضرب الشديد، أو
стр. 8754
القيد، أو الحبس، فإنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار (١).
والفرق بين الرضا والاختيار:
أن الاختيار: هو قصد الشيء وإرادته، أو ترجيح شيء على آخر.
والرضا: إيثاره واستحسانه.
ولا تلازم بين الاختيار والرضا، فقد يختار الإنسان أمرًا لا يرضاه، ولا يحبه، ولكنه لا يرضى شيئًا إلا وهو يحبه.
فإذا كان الإكراه على القرض إكراهًا ملجئًا فالقرض لم ينعقد؛ لأن الاختيار والرضا غير موجود.
وإذا كان الإكراه غير ملجئ، فإن القرض ينعقد فاسدًا عند الحنفية، وليس باطلًا، ويملكه المقترض بالقبض.
ولماذا قالوا بانعقاد القرض؟ لأن الاختيار عندهم شرط لانعقاد القرض، وقد وجد، فالمقرض قد خير بين أمرين: بين الإقراض، وبين أن يقع تحت الإكراه غير الملجي، فاختار أن يدفع ذلك بالإقراض.
ولماذا كان القرض فاسدًا؛ لأن الرضا الذي هو شرط للصحة لم يوجد.
والكلام فيه كالكلام في بيع المكره، باعتبار أن البيع والقرض من عقود التمليك، وقد تكلمنا على هذه المسألة في عقد البيع، فلا يحتاج أن نطيل الكلام عليها، وعلى أدلتها هنا.
стр. 8755
ولم يقسم الجمهور الإكراه إلى ملجئ وغير ملجئ.
فما سماه الحنفية إكراهاً ملجئاً هو إكراه عندهم بالاتفاق.
وما سماه الحنفية إكراهاً غير ملجئ، مختلفون في تَحَقِّق الإكراه فيه على قولين، قيل: يعتبر إكراهاً، وقيل لا يعتبر إكراها (١).
كم لم يفرق الجمهور بين الرضا والاختيار، فهما لفظان مترادفان في الاصطلاح، فإذا قلنا: أن يكون العاقد مختاراً، بمنزلة أن أقول: أن يكون العاقد راضياً بالعقد، وأن الاختيار لا يجتمع مع الإكراه. فمن أكره على فعل شيء لم يكن مختاراً البتة.
قال السيوطي: «فالمراد بالاختيار قصده ذلك الفعل وميله ورضاه، وأنه لم يفعله على وجه الإكراه» (٢).
والخلاف فيما أرى ليس في وجود فرق بين الرضا والاختيار، فإن اللغة تدل على وجود فرق بينهما، وإنما الخلاف ما هو المشروط في العقد؟
هل المشروط الرضا أو الاختيار؟
فإذا رجعنا إلى كتاب الله وجدنا أن المشروط في القرآن هو الرضا، وإذا وجد الرضا وجد الاختيار من باب أولى
قال تعالى عن عقود المعاوضات: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].