الثاني: أن يكون المتصرف مليئاً.
فإن كان المودع فقيرًا حرم عليه أن يستلف من الوديعة، سواء أكان المال مثليًا أم قيميًا، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء نظراً لإعدامه. اختاره بعض المالكية (١).
وعلل بعض المالكية الجواز بتعليلات منها:
أحدها: أن المودِع قد ترك الانتفاع بها مع القدرة عليه، فجاز للمودَع الانتفاع بها، ويجري ذلك مجرى الانتفاع بظل حائطه، وضوء سراجه.
الثاني: أن المودَع لم يبطل على المودِع غرضه؛ لأنه إنما أمر بحفظها، وهذا حاصل، بل ربما كان القرض أحفظ للمال؛ لأن الوديعة غير مضمونة، والقرض مضمون.
الثالث: أن الدراهم لا تتعين بالتعيين، ولذلك كان للمودَع أن يرد مثلها، ويتمسك بها مع بقاء عينها (٢).
стр. 8752
ويناقش:
الخلاف في كون الدراهم لا تتعين بالتعيين، إنما يجري في باب المعاوضات؛ لأن الوجوب متعلق بالذمة، أما في باب الوديعة، فإن الرد متعلق بعين الوديعة، وليس في ذمة المودَع؛ لأن الحق ليس فيه ثمن ومثمن، فالدراهم هنا تتعين بالتعيين، ولا يجري فيها الخلاف الذي يجري في المعاوضات، ولذلك لو تلفت الوديعة بدون تعد ولا تفريط لم يضمن المودَع، ولو كانت الوديعة متعلقة بذمة المودَع لضمن.
الشرط الثالث:
[م-١٧٨٣] أن يكون المقرض مختارًا، فلا يصح إقراض مكره بغير حق، بل إن جميع العقود تفسد بالإكراه.
فالحنفية يرون أن جميع عقود التمليك تفسد بالإكراه الملجئ، والقرض من عقود التمليك (١).
وقال في الحاوي: «وأما المكره ... كرها غير مختار، لم يقع طلاقه، ولا عتقه ولم تصح عقوده» (٢).
وجاء في شرح المنهج: وشرط مقرض بكسر الراء اختيار، فلا يصح إقراض مكره كسائر عقوده» (٣).
стр. 8753
وقال ابن تيمية: «عقود المكره، وأقواله، مثل: بيعه، وقرضه، ورهنه، ونكاحه، وطلاقه، ورجعته، ويمينه، ونذره، وشهادته، وحكمه، وإقراره، وردته، وغير ذلك من أقواله، فإن هذه الأقوال كلها منه ملغاة مهدرة، وأكثر ذلك مجمع عليه، وقد دل على بعضه القرآن مثل قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦].
وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]» (١).
ويستثنى من ذلك لو كان المكره بحق، فإنه يصح قرضه،
جاء في تحفة المحتاج: «فلا يصح إقراض مكروه، ومحله إذا كان بغير حق، فلو أكره بحق، وذلك بأن يجب عليه لنحو اضطرار صح» (٢).
وقد تكلمت في عقد البيع عن حقيقة الإكراه:
وينفرد الحنفية بتقسيم الإكراه إلى نوعين:
الأول: إكراه ملجئ، وهو الإكراه الكامل: وهو أن يكرهه بما يخاف على نفسه، أو على تلف عضو من أعضائه.
وهذا الإكراه ينافي الرضا، كما ينافي الاختيار، والعقد في هذه الحالة يكون باطلًا؛ لأن الاختيار الذي هو شرط لانعقاد القرض لم يوجد، فضلاً أن يوجد الرضا الذي هو شرط للصحة.
الثاني: إكراه غير ملجئ، وهو الإكراه القاصر، وهو أن يكرهه بما لا يخاف على نفسه، ولا على تلف عضو من أعضائه، كالإكراه بالضرب الشديد، أو
стр. 8754
القيد، أو الحبس، فإنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار (١).
والفرق بين الرضا والاختيار:
أن الاختيار: هو قصد الشيء وإرادته، أو ترجيح شيء على آخر.
والرضا: إيثاره واستحسانه.
ولا تلازم بين الاختيار والرضا، فقد يختار الإنسان أمرًا لا يرضاه، ولا يحبه، ولكنه لا يرضى شيئًا إلا وهو يحبه.
فإذا كان الإكراه على القرض إكراهًا ملجئًا فالقرض لم ينعقد؛ لأن الاختيار والرضا غير موجود.
وإذا كان الإكراه غير ملجئ، فإن القرض ينعقد فاسدًا عند الحنفية، وليس باطلًا، ويملكه المقترض بالقبض.
ولماذا قالوا بانعقاد القرض؟ لأن الاختيار عندهم شرط لانعقاد القرض، وقد وجد، فالمقرض قد خير بين أمرين: بين الإقراض، وبين أن يقع تحت الإكراه غير الملجي، فاختار أن يدفع ذلك بالإقراض.
ولماذا كان القرض فاسدًا؛ لأن الرضا الذي هو شرط للصحة لم يوجد.
والكلام فيه كالكلام في بيع المكره، باعتبار أن البيع والقرض من عقود التمليك، وقد تكلمنا على هذه المسألة في عقد البيع، فلا يحتاج أن نطيل الكلام عليها، وعلى أدلتها هنا.
стр. 8755
ولم يقسم الجمهور الإكراه إلى ملجئ وغير ملجئ.
فما سماه الحنفية إكراهاً ملجئاً هو إكراه عندهم بالاتفاق.
وما سماه الحنفية إكراهاً غير ملجئ، مختلفون في تَحَقِّق الإكراه فيه على قولين، قيل: يعتبر إكراهاً، وقيل لا يعتبر إكراها (١).
كم لم يفرق الجمهور بين الرضا والاختيار، فهما لفظان مترادفان في الاصطلاح، فإذا قلنا: أن يكون العاقد مختاراً، بمنزلة أن أقول: أن يكون العاقد راضياً بالعقد، وأن الاختيار لا يجتمع مع الإكراه. فمن أكره على فعل شيء لم يكن مختاراً البتة.
قال السيوطي: «فالمراد بالاختيار قصده ذلك الفعل وميله ورضاه، وأنه لم يفعله على وجه الإكراه» (٢).
والخلاف فيما أرى ليس في وجود فرق بين الرضا والاختيار، فإن اللغة تدل على وجود فرق بينهما، وإنما الخلاف ما هو المشروط في العقد؟
هل المشروط الرضا أو الاختيار؟
فإذا رجعنا إلى كتاب الله وجدنا أن المشروط في القرآن هو الرضا، وإذا وجد الرضا وجد الاختيار من باب أولى
قال تعالى عن عقود المعاوضات: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
стр. 8756
وقال تعالى عن عقود التبرع: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء:٤].
وإذا لم يوجد الرضا، فإن كان عائدًا على أصل العقد كالإكراه على البيع أو على القرض لم ينعقد، وإن كان فقد الرضا لا يعود إلى أصل العقد، وإنما يعود على صفة في العقد، صح العقد، وثبت الخيار للعاقد، كما في العقد إذا انطوى على تدليس، أو كان في المبيع عيب، فإن العاقد قد رضي بالعقد، ولم يرض بالعيب أو بالتدليس.
وإذا لم يوجد الرضا بأصل العقد حتى ولو لم يكن هناك أكراه مادي، وإنما كان الباعث عليه الحياء، فمن العلماء من يرى أن ذلك حرام، ولا يجوز لفقد الرضا.
«حكى الغزالي أن من أعطى غيره شيئًا، وليس الباعث عليه إلا الحياء من الناس، كأن سئل بحضرتهم شيئًا فأعطاه إياه، ولو كان وحده لم يعطه، الإجماع على حرمة أخذه مثل هذا، لأنه لم يخرج عن ملكه لأنه في الحقيقة مكره بسبب الحياء، فهو كالمكره بالسيف» (١).
وقال شيخنا محمد بن عثيمين: «لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلاً، فإنه لا يجوز لك أن تشتري منه، ما دمت تعلم أنه لولا الحياء، والخجل لم يبع عليك، ولهذا قال العلماء ﵏: يحرم قبول هدية إذا علم أن الرجل أهداها له على سبيل الحياء، والخجل؛ لأن هذا، وإن لم يصرح، بأنه غير راضٍ، لكن دلالة الحال على أنه غير راضٍ» (٢).
* * *
стр. 8757
الفصل الثاني
ما يشترط في المقترض
الصبي ليس من أهل الالتزام فلا يصح التزامه.
يصح الاقتراض على بيت المال، كما يصح الاقتراض على الوقف.
الشرط الأول:
[م-١٧٨٤] يشترط في المقترض أهلية التصرف، بأن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا غير محجور عليه، فإن أقرض ماله صبيًا لم يضمن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، ومذهب الحنابلة، والشافعية.
جاء في البناية شرح الهداية: «إذا أقرض الصبي شيئًا، وسلم إليه، واستهلكه لا يضمن عندهما. خلافا لأبي يوسف» (١).
وجاء في مجمع الضمانات نقلًا عن قاضي خان: «لو أن صبيًا سفيهًا محجورًا استقرض مالًا ..... وصرف المال في حوائجه، لا يؤخذ به، لا في الحال، ولا بعد البلوغ ..... لأن الصبي ليس من أهل الالتزام فلا يصح التزامه» (٢).
وجاء في الدرر السنية في الأجوبة النجدية: «المحجور عليه لحظ نفسه، وهو الصبي، والمجنون، والسفيه، فلا يصح تصرفهم، ومن دفع إليهم ماله ببيع، أو
стр. 8758
قرض، رجع فيه ما كان باقيًا، فإن أتلفه واحد منهم فمن ضمان مالكه؛ لأنه سلطه عليه برضا، علم الحجر أو لم يعلم» (١).
وأما الشافعية فعبروا عن هذا الشرط بقولهم: يشترط في المقترض أهلية المعاملة.
والمقصود من (أهلية المعاملة) أي أهلية التعاقد بيعًا وشراء (٢).
ولأن من يملك أهلية التعاقد قد لا يملك أهلية التبرع، لذا اشترط في المقرض أهلية التبرع. واشترط في المقترض أهلية التعاقد احترازًا من المحجور عليه لفلس، فإنه لا يملك أهلية التبرع؛ لأن ماله محجور عليه، ويملك أهلية التعاقد بأن يشتري في ذمته، فشراؤه صحيح؛ لأن ذمته لا حجر عليها.
قال العمراني: «وإذا حجر الحاكم على المفلس تعلقت ديون الغرماء بماله، ومنع من التصرف بماله .... وإذا تصرف المفلس بعد الحجر، نظرت:
فإن تصرف في ذمته، بأن اقترض، أو اشترى شيئًا بثمن في ذمته، أو أسلم إليه في شيء .. صح ذلك؛ لأن الحجر عليه في أعيان ماله، فأما ذمته فلا حجر عليه بها؛ لأنه لا ضرر على الغرماء فيما يثبت عليه بذمته، ومن باعه شيئًا، أو أقرضه بعد الحجر لم يشارك الغرماء بماله؛ لأنه إن علم بالحجر فقد دخل على بصيرة، وإن لم يعلم به فقد فرط في ترك السؤال عنه» (٣).
فصار المحجور عليه لفلس لا يملك أهلية التبرع، ويملك أهلية المعاملة.
стр. 8759
جاء في حاشية الجمل: «يشترط في المقرض أهلية التبرع، فلا يصح من المحجور عليه بفلس، وفي المقترض أهلية المعاملة فيصح اقتراض المفلس» (١).
ولأن إقراض الصبي لا يختلف عن إقراض المحجور عليه لفلس بجامع أن كلًا منهما محجور عليه، إلا أن الصبي محجور عليه لحظ نفسه، والمحجور عليه لفلس محجور عليه لحظ الغرماء.
وإذا كانت شروط المقترض ترجع إلى شروط التعاقد فإن فالشافعية لا يصححون بيع الصبي ولا شراءه، ولو أذن له الولي كما تقدم في شروط العاقدين في عقد البيع، والله أعلم.
قال النووي: «فيما يصح من تصرفات المحجور عليه بالسفه، وما لا يصح:
وفيه مسائل:
الأولى: لا تصح منه العقود التي هي مظنة الضرر المالي، كالبيع والشراء .... ولو اشترى وقبض، أو استقرض فتلف المأخوذ في يده، أو أتلفه، فلا ضمان لأن الذي أقبضه هو المضيع، ويسترد وليه الثمن إن كان أقبضه. وسواء كان من عامله عالمًا بحاله، أم جاهلا لتقصيره بالبحث عن حاله» (٢).
وقال العمراني في البيان: «وإذا باع أو اشترى بعد الحجر .. كان ذلك باطلًا، فإن حصل له في يد غيره مال استرجعه الحاكم إن كان باقيًا، أو استرجع بدله إن كان تالفًا، وإن حصل في يده مال لغيره ببيع أو غيره استرده الحاكم منه،
стр. 8760
ورده على مالكه، وإن باعه غيره شيئًا، أو أقرضه إياه، ثم تلف في يده، أو أتلفه، فإنه لا يجب عليه ضمانه، سواء علم بحجره، أو لم يعلم؛ لأنه إن علم بحجره فقد دخل على بصيرة، وإن لم يعلم فيه فقد فرط، حيث بايع من لا يعلم حاله. ولا يلزمه ذلك إذا فك عنه الحجر؛ لأن الحجر عليه لحفظ ماله، فلو ألزمناه ذلك بعد الحجر لبطل معنى الحجر، وهذا في ظاهر الحكم» (١).
الراجح:
إذا كنا قد صححنا قول الجمهور أن الصبي المميز يصح منه البيع والشراء بإذن وليه، فما المانع أن يقال بصحة الاقتراض من الصبي بإذن وليه؛ لأن الاقتراض من لوازم التجارة، إن كان قال بهذا أحد فله وجه، والله أعلم.
الشرط الثاني:
[م-١٧٨٥] اشترط الحنابلة في المقترض أن يكون له ذمة، واستثنوا من ذلك الوقف وبيت المال لداعي المصلحة.
جاء في مجلة الأحكام الشرعية: «من شأن القرض أن يصادف ذمَّة يثبت فيها، لكن يصح الاقتراض على بيت المال، كما يصح الاقتراض على الوقف (٢).
وعللوا ذلك:
بأن الدين لا يثبت إلا في الذمم، والقرض يتحول إلى دين في ذمة المستقرض لذلك يفتقر إلى ذمة يتعلق به، لذلك لا يصح الاستدانة على المسجد.
стр. 8761
وكون الدين يثبت في الذمة هذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «الدين ما يثبت في الذمة .... » (١).
وقال ابن الهمام: والحاصل أن الدين إنما يثبت في الذمة» (٢).
وقال القرافي: ما لا يكون في الذمة لا يكون دينًا» (٣).
وإنما الخلاف في الاستدانة لبعض الجهات، كالاستدانة للوقف، والاستدانة للمسجد، والاستدانة لبيت المال، هل يقال: لا يصح الاقتراض لهذه الجهات لكونها لا تملك ذمة مالية؟
أو يقال: إن الاستدانة لها يكون دينًا لمن يقوم عليها من ناظر، أو إمام، أو قيم، فيطالب بالسداد من مالهم؟
أو يقال: لا مانع من ثبوت ذمة مستقلة لهذه الجهات، فتكون هذه الجهات أهلًا للإلزام والالتزام في الحقوق والواجبات المالية؟
فبيت مال المسلمين له ذمة مستقلة، والمال المودع فيه ملك له، وليس ملكاً للسلطان، ولا ملكًا للمسلمين، فما يملكه السلطان مستقل عما يملكه بيت المال، وإن كان السلطان نائباً فيه عن الأمة الذي هو واحد منها، وليس للسلطان حق فيه إلا كفايته لقاء عمله، وليس له أن يأمر لأحد منه بشيء إلا بحق ومسوغ شرعي، ومثله الوقف في الإسلام، فإنه مال محجور عن التمليك، والتملك،
стр. 8762
والإرث، والهبة ونحوها، وهو مرصد لما وقف عليه، ومع ذلك فإن الوقف قد يستحق ويستحق عليه، وتجري العقود الحقوقية بينه وبين أفراد الناس، من إيجار وبيع وغلة واستبدال وغير ذلك بمعزل عن ذمة الناظر والموقف عليه.
وهل يقاس على تلك الجهات غيرها، كإلحاق الشركات المساهمة والبنوك التجارية، ونحوها ببيت المال والوقف.
أو يقال: هذه مستثناة لداعي المصلحة، وما استثنى لا يقاس عليه، هذا ما سوف نستكشفه إن شاء الله تعالى بالبحث في مسائل مستقلة.
* * *
стр. 8763
المبحث الأول
في الاستدانة على الوقف
الإذن بالشيء إذن فيما يعود بصلاحه.
الناظر مؤتمن على الوقف، وتصرفه مقيد بالمصلحة.
[م-١٧٨٦] اختلف العلماء في جواز الاستدانة على الوقف إذا احتاج الوقف إلى عمارة وإصلاح، ولم يوجد من الغلة ما يكفي للقيام بذلك.
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى جواز استدانة الناظر على الوقف لضرورة العمارة إذا لم يكن من الاستدانة بد بشرطين:
الشرط الأول: أن يأذن له الواقف بذلك، فإن لم يأذن له الواقف أخذ إذن القاضي إذا لم يكن القاضي بعيدًا عنه، فإن كان بعيدًا جاز له أن يستدين بنفسه.
الشرط الثاني: ألا يتيسر إجارة الوقف، والصرف من إجارتها.
أما ما له منه بد فلا يستدين مطلقًا، كالاستدانة على الوقف من أجل الصرف على المستحقين، إلا أن يستدين من أجل استحقاق الإمام والخطيب، والمؤذن فيجوز ذلك؛ لأن ذلك لضرورة مصالح المسجد (١).
стр. 8764
قال ابن نجيم: «الاستدانة على الوقف لا تجوز، إلا إذا احتيج إليها لمصلحة الوقف كتعمير وشراء بذر، فتجوز بشرطين:
الأول: إذن القاضي.
الثاني: أن لا يتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها، كما حرره ابن وهبان وليس من الضرورة الصرف على المستحقين كما في القنية» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية والحنابلة، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره البلقيني من الشافعية إلى أنه يجوز للناظر أن يستدين لمصلحة الوقف من غير إذن القاضي عند قيام الحاجة إلى التعمير وعدم وجود غلة للوقف يمكن الصرف من عمارتها (٢).
وجه القول بذلك:
أن الناظر مؤتمن على الوقف، مطلق التصرف في كل ما فيه مصلحة للوقف.
وقياسًا للناظر على ولي اليتيم، فإنه يقترض دون إذن الحاكم.
جاء في حاشية الدسوقي: «وله أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إذن الحاكم، ويصدق في ذلك» (٣).
стр. 8765
وفي حاشية الصاوي: «ولو التزم حين أخذ النظر أن يصرف على الوقف من ماله إن احتاج لم يلزمه ذلك، وله الرجوع بما صرفه، وله أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إذن الحاكم، ويصدق في ذلك» (١).
وقال البهوتي: «وللناظر الاستدانة على الوقف بلا إذن حاكم، كسائر تصرفاته لمصلحة، كشرائه للوقف نسيئة أو بنقد لم يعينه؛ لأن الناظر مؤتمن، مطلق التصرف، فالإذن والائتمان ثابتان» (٢).
وجاء في أسنى المطالب: «قال البلقيني: والتحقيق أنه لا يعتبر إذن الحاكم في الاقتراض، لا سيما في المسجد ونحوه، ومال إليه غيره تشبيهًا للناظر بولي اليتيم، فإنه يقترض دون إذن الحاكم». (٣)
القول الثالث: مذهب الشافعية:
أن الناظر له الاقتراض على الوقف عند الحاجة إن شرط له الواقف، أو أذن فيه الحاكم، وللإمام أن يقرضه من بيت المال (٤).
جاء في حواشي الشرواني: «وله الاقتراض في عمارته بإذن الإمام، أو نائبه، والإنفاق عليها من ماله ليرجع، وللإمام أن يقرضه من بيت المال» (٥).
стр. 8766
فإن اقترض بلا شرط من الواقف، أو إذن من الحاكم لم يجز، ولا يرجع على الوقف بما صرفه لتعديه فيه.
الراجح:
الذي أراه أن النظر إن كان مقيدًا بنوع من التصرف كما لو فوض إليه الواقف توزيع الغلة فقط، أو جمع الغلة فقط لم يتجاوزه، ولا يحق له بهذا التفويض الاستدانة على الوقف، وإن أطلق له النظر فإنه يملك الاستدانة لضرورة الوقف كعمارته، وصيانته؛ لأن ذلك داخل في مهامه، وكونه بإشراف القضاء أسلم وأبعد من التهمة، والله أعلم.
* * *
стр. 8767
المبحث الثاني
في الاستدانة على بيت المال
كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة أو دفع مفسدة.
المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة.
من عمل لمصلحة الناس يرزق من بيت المال.
يجوز لولي الأمر عند الضرورة الاقتراض على بيت المال فيما يصرفه في الديون دون الإرفاق.
[م-١٧٨٧] يجوز للإمام العادل أن يستدين على بيت المال للمصالح العامة، كتجهيز الجيش، وللنفقات الواجبة، ودليله من والسنة، والإجماع، والقياس.
الدليل من السنة:
(ح-١٠٧٠) ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار.
عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء.
قال الإمام الشافعي: «العلم يحيط أنه لا يقضي من إبل الصدقة، والصدقة لا تحل له، إلا وقد تسلف لأهلها ما يقضيه من مالهم» (١).
стр. 8768
قال العيني: «للإمام أن يستسلف للمساكين على الصدقات، ولسائر المسلمين على بيت المال، لأنه كالوصي لجميعهم، والوكيل، معلوم أنه ﷺ لم يستسلف ذلك لنفسه؛ لأنه قضاه من إبل الصدقة، ومعلوم أن الصدقة محرمة عليه، لا يحل له أكلها ولا الانتفاع بها» (١).
وقال ابن عبد البر: «معلوم أن رسول الله ﷺ لم يكن يأكل الصدقة، وإنما كانت محرمة عليه، لا تحل له، وفي ذلك دليل على أن استسلافه الجمل البكر المذكور في هذا الحديث لم يكن لنفسه؛ لأنه قضاه من إبل الصدقة، وإذا كان ذلك كذلك صح أنه إنما استسلفه الجمل لمساكين بلده لما رأى من شدة حاجتهم، فاستقرضه عليهم، ثم رده من إبل الصدقة، كما يستقرض ولي اليتيم عليه نظرًا له، ثم يرده من ماله إذا طرأ له مال، وهذا كله لا تنازع فيه، والحمد لله» (٢).
стр. 8769
وقال ابن حجر: «للإمام أن يقترض على بيت المال لحاجة بعض المحتاجين ليوفي ذلك من مال الصدقات».
(ح-١٠٧١) وروى الإمام أحمد من طريق جرير - يعني ابن حازم - عن محمد - يعني ابن إسحاق- عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير، عن عمرو بن حريش، قال:
سألت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: إنا بأرض ليس بها دينار، ولا درهم، وإنما نبايع بالإبل والغنم إلى أجل، فما ترى في ذلك؟ قال: على الخبير سقطت، جهز رسول الله ﷺ جيشاً على إبل من إبل الصدقة، فنفدت، وبقي ناس، فقال: رسول الله ﷺ : اشتر لنا إبلاً بقلائص من إبل الصدقة إذا جاءت حتى نؤديها إليهم، فاشتريت البعير بالاثنين، والثلاث من قلائص، حتى فرغت، فأدى ذلك رسول الله ﷺ من إبل الصدقة (١).
وفي لفظ أبي داود: فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. (٢)
[حسن] (٣).
وهذا الحديث وإن كان في الدين، فإذا جاز الاستدانة على مال المسلمين، جاز الاقتراض على مالهم، لأن القرض نوع من الدين.
стр. 8770
وأجاز ابن تيمية لولي بيت مال المسلمين إذا احتاج إلى إعطاء ظالم أو كفار لدفع شرهم، ولم يكن في بيت المال شيء، واستسلف من الناس أموالًا رجعوا بها على بيت المال.
جاء في مجموع الفتاوى: «أن يحتاج ولي بيت المال إلى إعطاء ظالم لدفع شره عن المسلمين؛ كإعطاء المؤلفة قلوبهم لدفع شرهم، أو إعطاء الكفار إذا احتاج والعياذ بالله إلى ذلك، ولم يكن في بيت المال شيء، واستسلف من الناس أموالا أداها ...... وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يعطون ما يعطونه: تارة من عين المال، وتارة مما يستسلفونه، فكان النبي ﷺ يستسلف على الصدقة، وعلى الفيء، فيصرفه في المصارف الشرعية: من إعطاء المؤلفة قلوبهم وغيرهم .... » (١).
الدليل من الإجماع:
ذكر بعض أهل العلم الإجماع على أن لولي بيت المسلمين أن يستدين عليه لصالح المسلمين.
قال ابن عبد البر عن استسلاف النبي على إبل الصدقة: «إنما استسلفه الجمل لمساكين بلده لما رأى من شدة حاجتهم، فاستقرضه عليهم، ثم رده من إبل الصدقة ..... وهذا كله لا تنازع فيه، والحمد لله» (٢).
стр. 8771
وجاء في الموسوعة الكويتية: «لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجوز للإمام الاستقراض على بيت المال وقت الأزمات وعند النوائب والملمات لداعي الضرورة أو المصلحة الراجحة» (١).
الدليل من القياس:
قاس الفقهاء ولي بيت المال على ولي اليتيم، فإذا جاز لولي اليتيم أن يستقرض له لمصلحته من نفقة وطعام، وكسوة، جاز لولي المسلمين الاقتراض لمصلحة المسلمين.
وقد صح عن عمر أنه أنزل نفسه من مال الله منزلة ولي اليتيم، وهذا وإن كان في الأكل، فغيره مقيس عليه.
(ث-٢٥٤) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان، عن
стр. 8772
أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب العبدي، قال:
قال عمر: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت منه استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف (١).
[صحيح] (٢).
стр. 8773
وقال الشاطبي في الموافقات: «فكما يجب على الوالي القيام بمصالح العامة، فعلى العامة القيام بوظائفه من بيوت أموالهم إن احتاج إلى ذلك» (١).
إذا وقفت على هذه الأدلة من السنة والإجماع، والقياس، فاعلم أن الفقهاء قيدوا ذلك بشروط ثلاثة:
الشرط الأول:
يجوز الاقتراض على بيت المال إذا كان هناك إيراد مرتجى لبيت المال ليوفى منه القرض، فإن لم يكن له إيراد يرتجى، فقد أجاز الشاطبي أخذ الخراج على الناس إذا ضعف بيت المال، وعجز عن القيام بمصالح الناس.
قال الشاطبي: «والاستقراض في الأزمات إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل ينتظر أو يرتجى وأما إذا لم ينتظر شيء، وضعفت وجوه الدخل، بحيث لا يغني كبير شيء، فلا بد من جريان حكم التوظيف» (٢).
وقال في الموافقات: «فكما يجب على الوالي القيام بمصالح العامة، فعلى العامة القيام بوظائفه من بيوت أموالهم إن احتاج إلى ذلك» (٣).
стр. 8774
الشرط الثاني:
أن يكون الاستقراض من أجل الوفاء بالديون الثابتة على بيت المال، كأرزاق الجند ونحوها، وهو ما يصير بتأخيره دينًا لازمًا على بيت المال، سواء وجد المال أو عدم، وأما ما كان مصرفه على وجه المصلحة والإرفاق فإنه يصرف من بيت المال إن كان المال موجوداً، ولا يستقرض على بيت المال من أجلها.
قال أبو يعلى: «لو اجتمع على بيت المال حقان ضاق عنهما واتسع لأحدهما، صرف فيما يصير منهما دينًا فيه، ولو ضاق عن كل واحد منهما، كان لولي الأمر إذا خاف الضرر والفساد أن يقترض على بيت المال ما يصرفه في الديون دون الإرفاق، وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذا بقضائه إذا اتسع له بيت المال» (١).
الشرط الثالث:
أن يعيد الإمام إلى بيت المال كل ما اقتطعه منه لنفسه وعياله وذويه بغير حق، وما وضعوه في حرام، وتبقى الحاجة إلى الاستقراض قائمة.
قال ابن السبكي: لما عزم السلطان قطز على المسير من مصر لمحاربة التتار، وقد دهموا البلاد، جمع العساكر، فضاقت يده عن نفقاتهم، فاستفتى الإمام العز بن عبد السلام في أن يقترض من أموال التجار، فقال له العز: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام اتخاذه،
стр. 8775
سكة ونقدا، وفرقته في الجيش ولم يقم بكفايتهم، ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا» (١).
* * *
стр. 8776
فرع
كل من أدى عن غيره واجبًا فله أن يرجع به عليه، إذا لم يكن متبرعًا .
[م-١٧٨٨] إذا قلنا: للإمام أن يستدين على بيت مال المسلمين، والدين يتعلق بالذمة، فالسؤال:
هل الدين يجب على الوالي باعتبار أن له ذمة صالحة لتحمل الحقوق، وهو القائم على بيت المال، ولأنه نائب عن المسلمين، ولا يمكن مطالبة جميع المسلمين بهذا الدين، فيطالب به الولي كما يطالب ولي اليتيم إذا استدان لليتيم، باعتبار أن ذمة اليتيم لا تصلح لتحمل الحقوق، ثم يرجع على مال اليتيم باعتبار أن الولي مفوض بالتصرف في مال اليتيم.
أو يقال: إنه واجب على بيت مال المسلمين، وأنه لا مانع من أن يكون لبيت مال المسلمين ذمة مستقلة، وهو ما يعرف في عصرنا بالشخصية الاعتبارية، فيكون صالحًا لتحمل الحقوق، فيملك ما يدخل عليه من الأموال، ولا يتحمل المسلمون الديون التي على بيت مال المسلمين.
وقد عرف العلماء الشخصية الاعتبارية بقولهم:
هو وصف يقوم بالشخصية أو بالكيان، أو بالمؤسسة، يجعلها أهلاً للإلزام والالتزام في الحقوق والواجبات المالية (١).
стр. 8777
والشخصية الاعتبارية هي اختراع قانوني يعطي بعض صفات الآدمي على كيان اعتباري، ولاسيما ما يتعلق بالذمة المالية، فيصبح لتلك الشخصية القانونية المستقلة عن أصحابها، القدرة على التعاقد مع غيرها من الشخصيات الطبيعية والاعتبارية، وأن تكون وعاء للحقوق والالتزامات، وأن تنشغل ذمتها بالديون.
«ولم تتوفر حتى الآن على هذا المفهوم المستحدث بأبعاده القانونية ندوات، أو مؤتمرات فقهية بغرض دراسته، واتخاذ الموقف الإسلامي المناسب تجاهه، وإن لم يخل الموضوع من دراسة منفردة هنا، أو هناك في محاولة لاستكشاف جوانبه، والحكم له أو عليه» (١).
إذا عرفت ذلك نأتي على خلاف العلماء في تعلق ديون بيت المال
القول الأول:
يرى أن الدين يتعلق ببيت المال، كما أن ناظر الوقف إذا استدان للوقف أخذ ذلك من ريع الوقف، ولا يتحمله من ماله، ولا يتحمله الموقوف عليه، وهذا يدل على أن الوقف له نوع من الذمة المالية التي يستدان عليها، ثم يسترد منها.
جاء في مجموع الفتاوى: «أن يحتاج ولي بيت المال إلى إعطاء ظالم لدفع شره عن المسلمين؛ كإعطاء المؤلفة قلوبهم لدفع شرهم، أو إعطاء الكفار إذا احتاج والعياذ بالله إلى ذلك، ولم يكن في بيت المال شيء، واستسلف من
стр. 8778
الناس أموالا أداها ...... وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يعطون ما يعطونه: تارة من عين المال، وتارة مما يستسلفونه، فكان النبي ﷺ يستسلف على الصدقة، وعلى الفيء، فيصرفه في المصارف الشرعية: من إعطاء المؤلفة قلوبهم وغيرهم .... لا يقال: ولي الأمر هنا اقترض أموال الناس منهم؛ لأنه يقال: إنما اقترضها ليدفعها إلى ذلك الظالم الذي طلب أخذ أموال المسلمين، فأدى عنهم ما اقترضه ليدفع به عنهم الضرر، وعليه أن يوفي ذلك من أموالهم المشتركة، مال الصدقات، والفيء، ولا يقال: لا يحل له صرف أموالهم؛ فإن الذي أخذه ذلك الظالم كان مال بعضهم؛ بل إعطاء هذا القليل لحفظ نفوسهم، وأموالهم واجب. وإذا كان الإعطاء واجبا لدفع ضرر هو أعظم منه، فمذهب مالك، وأحمد بن حنبل المشهور عنه وغيرهما: أن كل من أدى عن غيره واجبًا فله أن يرجع به عليه، إذا لم يكن متبرعًا بذلك، وإن أداه بغير إذنه؛ مثل من قضى دين غيره بغير إذنه. سواء كان قد ضمنه بغير إذنه، وأداه بغير إذنه، أو أداه عنه بلا ضمان» (١).
القول الثاني:
يرى أن هذه المؤسسات لا ذمة مالية لها، وإنما تثبت الديون على متوليها أولاً، ثم تؤخذ من ماله، أو تركته إن كان متوفى، ثم يرجع هو أو ورثته بها في مال هذه المؤسسات.
جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «المصرح به أن الوقف لا ذمة له، وأن الاستدانة من القيم لا تثبت الدين في الوقف؛ إذ لا ذمة له، ولا يثبت الدين إلا
стр. 8779
على القيم، ويرجع به على الوقف، وورثته تقوم مقامه في الرجوع عليهم في تركة الميت، ثم يرجعون في غلة الوقف بالدين على المتولي الجديد» (١).
ويناقش:
انتقد هذا القول فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا ﵀، فقال: «للفقهاء نصوص أخرى بخلاف ذلك، تفيد ثبوت الديون على الوقف رأسًا بلا واسطة ذمة المتولي، وهذا هو الرأي السديد المتفق مع فكرة الشخصية الحكمية، أما الرأي الأول فهو لف، ودوران، لا حاجة إليه، وفيه غفلة من أصحابه عن خصائص الشخصية الحكمية؛ لأن الذمة المالية لا تختص بالشخص الطبيعي، والأحكام الفقهية تؤيد ذلك، ونصوص الفقهاء في بيت المال وذمته، بل وذمم فروعه لا تدع ريبًا في ذلك» (٢).
وجاء في كشاف القناع: «يجوز الاقتراض على بيت المال لنفقة اللقيط، وكذا قال في الموجز: يصح قرض حيوان، وثوب لبيت المال، ولآحاد المسلمين نقله في الفروع قلت: والظاهر أن الدين في هذه المسائل يتعلق بذمة المقترض، وبهذه الجهات، كتعلق أرش الجناية برقبة العبد الجاني، فلا يلزم المقترض الوفاء من ماله، بل من ريع الوقف» (٣).
وقال مثله في مطالب أولي النهى، وزاد: أو يقال: لا يتعلق بذمته رأساً» (٤).
стр. 8780
أي بذمة المقترض، وإذا لم يتعلق بذمة المقترض تعلق بذمة بيت المال، فرجع إلى القول الأول.
° الراجح:
أرى أنه لا مانع من القول بالشخصية الاعتبارية، فلا يوجد نص من كتاب أو سنة يمنع من أن تكون للشركة ذمة مستقلة، وإن كانت دون ذمة الشخص الطبيعي، إلا أنه مع القول بهذه الشخصية يجب الحذر من الآثار القانونية، فالآثار القانونية التي رتبت على القول بالشخصية الاعتبارية في بعضها ليست مبنية على لوازم فقهية، وإنما مبنية على أحكام قانونية، وهي لا تلزم الفقيه، فما خالف منها أحكام الفقه طرح، وما وافق منها قبل، وقد ناقشت الشخصية الاعتبارية، والقول بها في الشركات المساهمة، من المجلد الثالث عشر، فارجع إليه غير مأمور.
* * *
стр. 8781
المبحث الثالث
في اقتراض الولي والوصي للصغير
الإذن في التجارة إذن في توابعها.
[م-١٧٨٩] ذهب الفقهاء إلى صحة استدانة الولي للصغير إذا احتاج إلى طعام وكسوة، ونحوها، وكذلك رأى جمهورهم على جواز الاستدانة للصغير من أجل الاتجار له، وتنمية ماله.
جاء في العناية شرح الهداية: «وإن استدان الوصي لليتيم في كسوته وطعامه فرهن به متاعًا لليتيم جاز؛ لأن الاستدانة جائزة للحاجة، والرهن يقع إيفاء للحق فيجوز، وكذلك لو اتجر لليتيم فارتهن، أو رهن؛ لأن الأولى له التجارة تثميرًا لمال اليتيم فلا يجد بدًا من الارتهان والرهن؛ لأنه إيفاء واستيفاء» (١).
جاء في مواهب الجليل: «وللوصي أن يرهن من مال اليتيم رهنًا فيما يبتاع له من مصالحه» (٢).
وواضح أن الرهن لا يكون إلا توثقة للدين، ورهن ماله إنما يكون بسبب دين عليه استدانه الولي له.
وجاء في شرح الخرشي: «قال ابن القاسم في المدونة: وللوصي أن يرهن من متاع اليتيم رهنًا فيما يبتاع له من كسوة، أو طعام كما يتسلف لليتيم حتى يبيع له بعض متاعه، وذلك لازم لليتيم، وللوصي أن يعطي مال اليتيم مضاربة. اهـ
стр. 8782
والظاهر أنه محمول على النظر، ولو في رهن الربع فليس كالبيع .... وكذلك للمأذون له في التجارة أن يرهن؛ لأن الإذن فيها إذن في توابعها» (١).
جاء في المهذب: «ويجوز أن يقترض له إذا دعت إليه الحاجة، ويرهن ماله عليه؛ لأن في ذلك مصلحة له فجاز» (٢).
وجاء في فتح العزيز: «وحيث جاز للولى الرهن، فالشرط أن يرهن من أمين يجوز الايداع منه، ولا فرق في جميع ذلك بين الاب، والجد، والوصى، والحاكم، وأمينه» (٣).
وقال ابن قدامة: «ولي اليتيم ليس له رهن ماله، إلا عند ثقة يودع ماله عنده، لئلا يجحده أو يفرط فيه فيضيع. قال القاضي: ليس لوليه رهن ماله إلا بشرطين: أحدهما، أن يكون عند ثقة.
الثاني، أن يكون له فيه حظ، وهو أن يكون به حاجة إلى نفقة، أو كسوة، أو إنفاق على عقاره المتهدم، أو أرضه، أو بهائمه، ونحو ذلك، وماله غائب يتوقع وروده، أو ثمرة ينتظرها، أو له دين مؤجل يحل، أو متاع كاسد يرجو نفاقه؛ فيجوز لوليه الاقتراض ورهن ماله
وإن لم يكن له شيء ينتظره، فلا حظ له في الاقتراض، فيبيع شيئا من أصول ماله، ويصرفه في نفقته. وإن لم يجد من يقرضه، ووجد من يبيعه نسيئة، وكان
стр. 8783
أحظ من بيع أصله، جاز أن يشتريه نسيئة ويرهن به شيئا من ماله، والوصي والحاكم وأمينه في هذا سواء» (١).
الراجح:
نستطيع أن نقول: إن رهن مال الموصى عليه إما أن يكون بسبب الاتجار بماله، أو يكون بسبب حاجته للاقتراض من أجل طعامه وكسوته.
فالذي يمنع من الاتجار بماله ينبغي أن يمنع من الاستدانة له للاتجار؛ لأنه مترتب على أمر غير مشروع، وقد حررت الخلاف في حكم اتجار الوصي بمال اليتيم، في كتاب الوصية، وقد منعه بعض الحنفية، وهو وجه عند الحنابلة.
وقد رجحت أن للوصي الاتجار بماله، وهو فعل عمر وعائشة ﵄، وإذا كان للوصي الاتجار بمال اليتيم تثميرًا له، جاز الاستدانة له؛ لأن ذلك من توابع التجارة.
وإذا كان الرهن بسبب الاقتراض لليتيم بسبب حاجته للطعام والكسوة فإنه ينبغي ألا يختلف في جوازه أحد؛ لأنه قد لا تندفع حاجته إلا بذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 8784
الفصل الثالث
في شروط المال المقرض
الشرط الأول
في اشتراط أن يكون القرض في المثليات
ما صح السلم فيه صح قرضه.
سبق لنا تعريف المال المثلي
وأن المثلي من الأموال: كل ما يوجد له مثل في السوق بلا تفاوت يعتد به، كالمكيل والموزون، والنقود.
ويقابله المال القيمي: هو ما لا يوجد له مثل في الأسواق، أو يوجد، ولكن مع التفاوت المعتد به (١).
[م-١٧٩٠] إذا كان المال مثليًا صح أن يكون دينًا في الذمة بالاتفاق؛ لأنه ينضبط بالصفة، كما جاء في الحديث: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم) متفق عليه (٢).
على خلاف بين العلماء في بعض الأموال هل هي مثلية أو غير مثلية.
[م-١٧٩١] واختلف الفقهاء في المال القيمي، هل يثبت دينًا في الذمة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
стр. 8785
القول الأول:
المال القيمي لا يثبت دينًا في الذمة، وهو مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية، وكذا الشافعية في الأصح، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة: أن كل ما صح السلم فيه صح إقراضه؛ مثليًا كان أو قيميًا.
فالضابط في المال المقرض: كل شيء يمكن ضبطه بالوصف، فإن إقراضه صحيح؛ لصحة السلم فيه؛ بجامع أن كلًا من السلم والقرض دين في الذمة.
فإذا صح السلم في المال القيمي إذا أمكن ضبطه بالوصف صح إقراضه من باب أولى.
وما لا يمكن ضبطه بالوصف، لا يصح السلم فيه، وبالتالي لا يصح إقراضه (٢).
стр. 8786
جاء في شرح الخرشي: «كل ما يصح أن يسلم فيه يصح أن يقرض، كالعروض، والحيوان، وكل ما لا يصح سلمه لا يصح قرضه، كالأرضين، والأشجار وتراب المعادن، والجواهر النفيسة» (١).
وقال القرافي: «كل ما جاز سلما في الذمة جاز قرضه إلا الجواري وفي الكتاب: يجوز قرض كل شيء إلا الجواري لأنه لا تعار الفروج للوطء ومنعه الحنفية في غير المكيل والموزون لتعذر المثل عند الرد في غيرهما.
لنا: الحديث المتقدم ـ يعني حديث أن النبي استسلف من رجل بكرًا ـ والقياس على السلم بطريق الأولى، ولأن المعروف يسامح فيه أكثر من غيره، وقد جوز في القرض بالنسيئة بخلاف السلم» (٢).
وجاء في تحفة المحتاج: «وما لا يسلم فيه: أي في نوعه لا يجوز إقراضه في الأصح؛ لأن ما لا ينضبط، أو يعز وجوده يتعذر، أو يتعسر رد مثله؛ إذ الواجب في المتقوم رد مثله صورة، نعم يجوز قرض الخبز، والعجين، ولو خميرًا حامضًا للحاجة والمسامحة ويرده وزنا. قال في الكافي أو عددًا» (٣).
стр. 8787
جاء في المحرر: «كل ما جاز بيعه جاز قرضه إلا الرقيق، وما يمنع فيه السلم كالجواهر ونحوه فعلى وجهين» (١).
القول الثالث:
يجوز قرض غير المثلي، ويرد بدلًا منه إما مثله في الصورة، أو يرد قيمته، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم، ورجحه ابن تيمية (٢).
стр. 8788
قال الشيرازي: «فأما ما لا يضبط بالوصف كالجواهر وغيرها ففيها وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وما لا يضبط بالوصف لا مثل له.
والثاني: يجوز؛ لأن ما لا مثل له يضمنه المستقرض بالقيمة، والجوهر كغيرها في القيمة» (١).
وجه من قال: يشترط في القرض أن يكون مثليًا:
المقرض يمتلك العين بالقرض، ويستهلكها غالبًا، فلا يمكن اشتراط رد العين وإلا كان عارية، فإذا اقترض مالًا وجب في ذمته مثله، ولا يجب عليه رد القيمة؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة لاختلاف القيمة باختلاف تقويم المقومين؛ فتعين أن يكون الواجب فيه رد المثل؛ لهذا اشترط في القرض أن يكون المال مثليًا ليتمكن المستقرض من رد مثله، وعليه فلا يصح أن يقرضه ما لا مثل له من المذروعات والمعدودات، كالخبز، والحيوان، والجواهر ونحوها.
دليل من قال: يشترط أن يصح السلم في المال المقرض:
الدليل الأول:
(ح-١٠٧٢) ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار.
عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء.
стр. 8789
الدليل الثاني:
أن مناط الحكم ضبط الصفة، ومعرفة المقدار، وما كان كذلك جاز إلحاقه بالمكيل والموزون من المثليات؛ ولأن إمكان رده مثله ولو صورة مقدور عليه، كما رد النبي ﷺ خياراً رباعيًا، بصرف النظر عن كونه مثليًا أو قيميًا.
الدليل الثالث:
القياس على السلم، فإذا جاز السلم في كل ما يمكن ضبطه بالصفة جاز ذلك بالقرض بطريق الأولى؛ ولأن القرض من المعروف ويتسامح فيه أكثر من غيره، وقد جوز في القرض النسيئة بخلاف السلم (١).
دليل من قال: يجوز القرض في القيميات:
الدليل الأول:
الأصل في معاملات الناس الحل والجواز، ولو كان ممنوعاً شرعاً لجاء النص الشرعي الصحيح بمنع ذلك، ولم يقم دليل على المنع.
يقول ابن حزم: «والقرض جائز في الجواري، والعبيد، والدواب، والدور، والأرضين، وغير ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فعم تعالى ولم يخص، فلا يجوز التخصيص في ذلك بالرأي الفاسد بغير قرآن، ولا سنة» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-١٠٧٣) ما رواه الخطيب في تاريخه من طريق شيخ بن عميرة بن صالح
стр. 8790
الأسدي، حدثنا الزبير، قال: حدثتني أم كلثوم ابنة عثمان بن مصعب بن الزبير، عن صفية ابنة الزبير بن هشام بن عروة، عن جدها هشام بن عروة، عن أبيه.
عن عائشة سألنا رسول الله ﷺ عن الخبز، والخمير نقرضهم، ويردون أكثر أو أقل، فقال: ليس بهذا بأس، إنما هذه مرافق الناس، لا يراد بها الفضل (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
أن المقترض إذا لم يتمكن من رد القرض نفسه، فإنه يدفع قيمته، كما لو وجب عليه ضمانه لسبب آخر من إتلاف ونحوه، والقول قول المقترض؛ لأنه غارم.
الدليل الرابع:
أن القرض القصد منه الإرفاق والإحسان والمسامحة، ولذلك جاز النساء فيه بين الأموال الربوية، مع أنه في عقد المعاوضة محرم إجماعاً، فجواز دفع القيمة بدلاً من القرض يجوز من باب أولى، فباب القرض أخف من باب البيع.
يقول ابن تيمية: «باب القرض أسهل من باب البيع، ولهذا يجوز على الصحيح قرض الخبز عدداً، وقرض الخمير» (٣).
الدليل الخامس:
المقرض والمقترض يعلمان أن هذا المال ليس له مثل، وأن القيمة سوف تدفع بدلاً منه، وتراضيا على ذلك، فأي محذور شرعي في منعه، فإن كان المنع