← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

جاء في شرح الخرشي: «كل ما يصح أن يسلم فيه يصح أن يقرض، كالعروض، والحيوان، وكل ما لا يصح سلمه لا يصح قرضه، كالأرضين، والأشجار وتراب المعادن، والجواهر النفيسة» (١). وقال القرافي: «كل ما جاز سلما في الذمة جاز قرضه إلا الجواري وفي الكتاب: يجوز قرض كل شيء إلا الجواري لأنه لا تعار الفروج للوطء ومنعه الحنفية في غير المكيل والموزون لتعذر المثل عند الرد في غيرهما. لنا: الحديث المتقدم ـ يعني حديث أن النبي استسلف من رجل بكرًا ـ والقياس على السلم بطريق الأولى، ولأن المعروف يسامح فيه أكثر من غيره، وقد جوز في القرض بالنسيئة بخلاف السلم» (٢). وجاء في تحفة المحتاج: «وما لا يسلم فيه: أي في نوعه لا يجوز إقراضه في الأصح؛ لأن ما لا ينضبط، أو يعز وجوده يتعذر، أو يتعسر رد مثله؛ إذ الواجب في المتقوم رد مثله صورة، نعم يجوز قرض الخبز، والعجين، ولو خميرًا حامضًا للحاجة والمسامحة ويرده وزنا. قال في الكافي أو عددًا» (٣).

стр. 8787

جاء في المحرر: «كل ما جاز بيعه جاز قرضه إلا الرقيق، وما يمنع فيه السلم كالجواهر ونحوه فعلى وجهين» (١). القول الثالث: يجوز قرض غير المثلي، ويرد بدلًا منه إما مثله في الصورة، أو يرد قيمته، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم، ورجحه ابن تيمية (٢).

стр. 8788

قال الشيرازي: «فأما ما لا يضبط بالوصف كالجواهر وغيرها ففيها وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وما لا يضبط بالوصف لا مثل له. والثاني: يجوز؛ لأن ما لا مثل له يضمنه المستقرض بالقيمة، والجوهر كغيرها في القيمة» (١). وجه من قال: يشترط في القرض أن يكون مثليًا: المقرض يمتلك العين بالقرض، ويستهلكها غالبًا، فلا يمكن اشتراط رد العين وإلا كان عارية، فإذا اقترض مالًا وجب في ذمته مثله، ولا يجب عليه رد القيمة؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة لاختلاف القيمة باختلاف تقويم المقومين؛ فتعين أن يكون الواجب فيه رد المثل؛ لهذا اشترط في القرض أن يكون المال مثليًا ليتمكن المستقرض من رد مثله، وعليه فلا يصح أن يقرضه ما لا مثل له من المذروعات والمعدودات، كالخبز، والحيوان، والجواهر ونحوها. دليل من قال: يشترط أن يصح السلم في المال المقرض: الدليل الأول: (ح-١٠٧٢) ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار. عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء.

стр. 8789

الدليل الثاني: أن مناط الحكم ضبط الصفة، ومعرفة المقدار، وما كان كذلك جاز إلحاقه بالمكيل والموزون من المثليات؛ ولأن إمكان رده مثله ولو صورة مقدور عليه، كما رد النبي ﷺ خياراً رباعيًا، بصرف النظر عن كونه مثليًا أو قيميًا. الدليل الثالث: القياس على السلم، فإذا جاز السلم في كل ما يمكن ضبطه بالصفة جاز ذلك بالقرض بطريق الأولى؛ ولأن القرض من المعروف ويتسامح فيه أكثر من غيره، وقد جوز في القرض النسيئة بخلاف السلم (١). دليل من قال: يجوز القرض في القيميات: الدليل الأول: الأصل في معاملات الناس الحل والجواز، ولو كان ممنوعاً شرعاً لجاء النص الشرعي الصحيح بمنع ذلك، ولم يقم دليل على المنع. يقول ابن حزم: «والقرض جائز في الجواري، والعبيد، والدواب، والدور، والأرضين، وغير ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فعم تعالى ولم يخص، فلا يجوز التخصيص في ذلك بالرأي الفاسد بغير قرآن، ولا سنة» (٢). الدليل الثاني: (ح-١٠٧٣) ما رواه الخطيب في تاريخه من طريق شيخ بن عميرة بن صالح

стр. 8790

الأسدي، حدثنا الزبير، قال: حدثتني أم كلثوم ابنة عثمان بن مصعب بن الزبير، عن صفية ابنة الزبير بن هشام بن عروة، عن جدها هشام بن عروة، عن أبيه. عن عائشة سألنا رسول الله ﷺ عن الخبز، والخمير نقرضهم، ويردون أكثر أو أقل، فقال: ليس بهذا بأس، إنما هذه مرافق الناس، لا يراد بها الفضل (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الثالث: أن المقترض إذا لم يتمكن من رد القرض نفسه، فإنه يدفع قيمته، كما لو وجب عليه ضمانه لسبب آخر من إتلاف ونحوه، والقول قول المقترض؛ لأنه غارم. الدليل الرابع: أن القرض القصد منه الإرفاق والإحسان والمسامحة، ولذلك جاز النساء فيه بين الأموال الربوية، مع أنه في عقد المعاوضة محرم إجماعاً، فجواز دفع القيمة بدلاً من القرض يجوز من باب أولى، فباب القرض أخف من باب البيع. يقول ابن تيمية: «باب القرض أسهل من باب البيع، ولهذا يجوز على الصحيح قرض الخبز عدداً، وقرض الخمير» (٣). الدليل الخامس: المقرض والمقترض يعلمان أن هذا المال ليس له مثل، وأن القيمة سوف تدفع بدلاً منه، وتراضيا على ذلك، فأي محذور شرعي في منعه، فإن كان المنع

стр. 8791

حقاً لله، فلا بد من وجود نص من كتاب، أو سنة صحيحة يمنع منه، ولا وجود لذلك، وإن كان المنع حقاً لآدمي، فالغرر فيه يسير يتسامح فيه في باب القرض الذي هو من باب الإحسان، وقد تراضى المقرض والمقترض على ذلك، وطابت به نفوسهما، وهذا هو الذي يتمشى مع مقاصد الشرع في هذا العقد، وقضاء حاجة المحتاج، وعدم دفع المحتاج إلى معاملات التورق، ورفع السعر عليه مقابل التأجيل. الراجح: أن كل ما جاز بيعه جاز قرضه، سواء كان آدمياً أو غيره، وسواء كان مثلياً أو متقوماً، والقرض ليس من عقود المعاوضات، وإنما هو من عقود الإرفاق والإحسان، والله أعلم. * * *

стр. 8792

فرع في إقراض الخبز عقود التبرع مبنية على التسامح بخلاف المعاوضات. [م-١٧٩٢] لا يعتبر الخبز من الأموال المثلية، والخلاف في إقراض الخبز يرجع إلى المسألة المتقدمة، هل يشترط في المال المقرض أن يكون مثليًا أو يجوز أن يكون قيميًا؟ وقد اختلف العلماء في حكم قرض الخبز، القول الأول: لا يجوز مطلقاً، لا وزناً ولا عدداً، وهذا قول أبي حنيفة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (١). وعللوا ذلك: بوجود التفاوت الفاحش بين خبز وخبز؛ لاختلاف العجن، والنضج، والخفة والثقل في الوزن، والصغر والكبر في العدد، ولهذا لم يصح السلم فيها. قال الكاساني: «ولا يجوز القرض في الخبز، لا وزناً ولا عدداً عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله» (٢). وقال العمراني في البيان: «وأمَّا إقراض الخبز: فإن قلنا: يجوز قرض ما لا

стр. 8793

يضبط بالوصف، كالجواهر .. جاز قرض الخبز. وإن قلنا: لا يجوز قرض ما لا يضبط بالوصف .. ففي قرض الخبز وجهان: أحدهما: لا يجوز ـ وبه قال أبو حنيفة ـ كغيره مما لا يضبط بالوصف» (١). القول الثاني: يجوز إقراضه وزناً، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وأشهر الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢). جاء في البحر الرائق: «ويستقرض الخبز وزنًا لا عددًا، وهذا عند أبي يوسف .... وذكر الشارح أن الفتوى على قول أبي يوسف» (٣). جاء في إعانة الطالبين: «واستثني جواز قرض الخبز وزناً؛ لإجماع أهل الأمصار على فعله في الأعصار بلا إنكار، وهذا ما قطع به المتولي والمستظهري وغيرهما، واقتضى كلام النووي ترجيحه، قال في المهمات: والراجح جوازه، وقد اختاره في الشرح الصغير» (٤). ولأن المطلوب رد المثل، ولا يمكنه ذلك إلا بالوزن. القول الثالث: يجوز إقراضه مطلقاً بدون قصد الزيادة أو اشتراطها، وهو اختيار محمد بن

стр. 8794

الحسن من الحنفية، واختاره بعض المالكية، والخوارزمي من الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (١). جاء في المحيط البرهاني في الفقه النعماني: «عن محمد: أنه جوز قرض الخبز عدداً، وقال: بلغنا ذلك عن إبراهيم النخعي، قال ثمة أيضاً: قال محمد: الوزن في قرض الخبز من الدناءة والعدد أحب إلي» (٢). ولإجماع أهل الأمصار على فعله في الأعصار بلا إنكار. ولأن العادة جرت باستقراضها عدداً لا وزناً والقياس يترك بالعادة. (ح-١٠٧٤) وأما ما رواه الخطيب في تاريخه من طريق شيخ بن عميرة بن صالح الأسدي، حدثنا الزبير، قال: حدثتني أم كلثوم ابنة عثمان بن مصعب بن الزبير، عن صفية ابنة الزبير بن هشام بن عروة، عن جدها هشام بن عروة، عن أبيه. عن عائشة سألنا رسول الله ﷺ عن الخبز، والخمير نقرضهم، ويردون أكثر أو أقل، فقال: ليس بهذا بأس، إنما هذه مرافق الناس، لا يراد بها الفضل (٣). [فإن إسناده ضعيف] (٤). ولأن القرض فعل معروف، وهو مما يتسامح فيه.

стр. 8795

وهذا القول وهو الراجح. لأن القرض مبني على المسامحة، ولجواز قرض الحيوان مع كونه قد يتفاوت تفاوتاً يسيراً، ولأن الزيادة غير المشروطة في حال رد القرض لا تحرم بخلاف البيع في المال الربوي. * * *

стр. 8796

الشرط الثاني في اشتراط أن يكون المقرض عينا ما صح بيعه صح قرضه. يطلق الفقهاء كلمة (عين) ويريدون بها تارة المعين، وهو ما يقابل الدين. قال الباجي في المنتقى: «والإجارة على ضربين: إجارة متعلقة بعين، وإجارة متعلقة بالذمة» (١). فجعل العين في مقابل الدين: وهو ما تعلق بالذمة. وتارة يطلق الفقهاء كلمة (عين) ويريدون بها ما يقابل المنفعة، وهو المراد هنا. قال الخطيب في تعريف البيع: «عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين، أو منفعة على التأبيد ... » (٢). وإذا أطلقت المنفعة فالمراد بها كل ما يمكن استفادته من الأعيان: عرضًا كان مثل سكنى الدار، وأجرتها، وركوب السيارة والدواب، وليس الثياب. أو كان عينًا: مثل ثمر الأشجار، وحليب الأنعام، ونحوها فإن هذه منافع لتلك الأعيان (٣). إلا أن المقصود بالمنافع هنا ما أخص من التعريف اللغوي، فالمقصود بالمنافع (الأعراض) وليست الأعيان.

стр. 8797

قال السرخسي في تعريف المنفعة: المنفعة عرض يقوم بالعين (١). وفي الموسوعة الكويتية: المنفعة في الاصطلاح: هي الفائدة التي تحصل باستعمال العين، فكما أن المنفعة تستحصل من الدار بسكناها، تستحصل من الدابة بركوبها (٢). إذا عرفنا هذا فالسؤال الذي يعنينا مناقشته، هل يشترط في المال المقرض أن يكون عينًا، أو أنه يجوز قرض المنافع كالأعيان؟ وصورة قرض المنافع: مثل ابن تيمية لقرض المنافع بأن يحصد معه يومًا، ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه داره، ويسكنه الآخر بدلها (٣). ومثله اتفاق مجموعة من الموظفين أو العمال أن يركبوا كل يوم في سيارة أحدهم في ذهابهم للعمل، ورجوعهم منه. [م-١٧٩٣] وقد اختلف الفقهاء في حكم إقراض المنافع على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصح إقراض المنافع، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، واختاره القاضي حسين من الشافعية.

стр. 8798

جاء في فتاوي القاضي حسين: «إقراض المنافع لا يجوز؛ لأنه لا يجوز السلم فيها كالجواهر» (١). ونقل هذا النص النووي في روضة الطالبين (٢). وعلق عليه الأنصاري في أسنى المطالب: ويؤخذ من تعليله أن محله في منافع العين المعينة، أما التي في الذمة فيجوز إقراضها لجواز السلم فيها» (٣). ويتعقب: بأنه لم يظهر لي من كلام القاضي حسين أنه منع القرض في منافع العين المعينة فقط؛ وأما منافع العين التي في الذمة فإنه يجوزه؛ لصحة السلم فيه؛ لأن القرض كله لا يكون إلا في معين، والسلم كله لا يكون إلا في شيء غير معين، فلما قال الشافعية: ما صح السلم فيه صح قرضه، يقصدون منه صحة قرض المعين الذي لو كان غير معين لصح السلم فيه، هذا هو مرادهم. إذا علم ذلك فإن القاضي حسين إنما يقصد أن المنافع ليست مما يمكن ضبطها بالوصف؛ فلا يصح القرض فيها، ولذلك قاسها على الجواهر، والجواهر يمتنع السلم فيها لعدم إمكان ضبطها بالوصف. ولذلك جاء في الغرر البهية: «وما اقتضاه قولهم: ما جاز السلم فيه جاز إقراضه وما لا فلا من امتناع إقراض المعين من عين ومنفعة، فليس مرادًا؛ لأن غالب ما يقرض معين» (٤).

стр. 8799

وأما النقول عن المذهب الحنبلي، فجاء في الإنصاف: «ظاهر قوله: (ويصح في كل عين يجوز بيعها) أنه لا يصح قرض المنافع؛ لأنها ليست بأعيان. قال في الانتصار: لا يجوز قرض المنافع. وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب حيث قالوا: ما صح السلم فيه صح قرضه، إلا ما استثني» (١). وجه المنع من إقراض المنافع: وجه المنع عند الحنفية: الحنفية يمنعون إقراض المنافع لوجهين: أحدهما: يشترط الحنفية فيما يصح إقراضه أن يكون مثليًا كما بينت ذلك في الشرط الأول، والغالب على المنافع أنها ليست من ذوات الأمثال. الثاني: أن المنافع ليست مالًا في نفسها عند الحنفية، وإنما يعقد عليها بإقامة العين مقام المنفعة، فإذا كانت المنفعة ستتحول بالقرض إلى دين، أصبحت العين غير قائمة فلا يصح العقد عليها، ولهذا منع الحنفية العقد على المنافع، فلا يقول عندهم: أجرتك منافع هذه الدار، وإنما يصح بإضافته إلى العين، فيقول: أجرتك هذه الدار. وسبب كون المنافع ليست مالًا عندهم: أنهم يشترطون في المالية الحيازة والادخار، والمنافع لا تقبل الحيازة ولا تقبل الادخار، فالمنافع قبل وجودها معدومة، والمعدوم لا يطلق عليه اسم

стр. 8800

مال، وبعد كسبها تتلاشى وتفنى، ولا يمكن إحرازها، وقد ناقشت مالية المنافع والخلاف بين الحنفية وبين الجمهور في عقد البيع من هذا الكتاب، وبينت ضعف مذهب الحنفية هناك فأغنى ذلك عن إعادته هنا (١). هذا مأخذ الحنفية في المنع من إقراض المنافع. وأما مأخذ الحنابلة من المنع قال في كشاف القناع: «ولا يصح قرض المنافع؛ لأنه غير معهود» (٢). والحقيقة كون إقراض المنافع غير معهود لا يكفي هذا في المنع، فإن المعاملات تتغير، فقد يكون الشيء محلًا للانتفاع في وقت دون وقت، كما أن الأعيان قد تنتقل من المالية إلى عدمها، وبالعكس، فإذا هجر الناس الانتفاع بعين من الأعيان وترك عامتهم تمولها فقدت هذه العين ماليتها، فلو كنا في بلد تعارف الناس على طرح حوايا الذبيحة، وأطرافها لم تكن هذه الأشياء مالًا عندهم، وإن كانت هذه الأعيان فيها منافع مباحة، وإذا رجع الناس إلى تمولها عادت إليها المالية، وإذا كان ذلك في الأعيان فما بالك بالمنافع، ولأن الأصل في المعاملات والعقود والشروط عند الحنابلة الصحة، فإذا اعتاد الناس اقترض المنافع فلا يوجد محذور شرعي يقتضي المنع. القول الثاني: لا يصح إقراض منافع العقار، ويصح إقراض منافع الدواب ونحوها مما يمكن ضبطها بالصفة، اختاره البلقيني والسبكي من الشافعية.

стр. 8801

وهو مقتضى قواعد المالكية، حيث جعلوا الضابط فيما يصح إقراضه، أن كل ما جاز السلم فيه صح إقراضه، وفي باب السلم نصوا على جواز السلم في المنافع التي يمكن ضبطها بالصفة، واستثنى المالكية السلم في العقار فمنعوا السلم فيه، وهذا يعني أنه لا يصح إقراضه على قواعد المذهب. والمنع السلم في العقار هو محل اتفاق بين المذاهب كما بينته في عقد السلم (١). قال القرافي: «يمتنع السلم في الدور والأرضين؛ لأن خصوص المواضع فيها مقصود للعقلاء، فإن عين لم يكن سلمًا؛ لأن السلم لا يكون إلا في الذمة، وإن لم يعين كان سلمًا مجهولًا» (٢). وقد جمع البلقيني والسبكي بين قول القاضي حسين: بأنه لا يجوز الإقراض بالمنافع، وبين قول الشافعية: ما صح السلم فيه صح إقراضه، حيث حملوا كلام القاضي حسين على منافع العقار، ورجحه زكريا الأنصاري. جاء في شرح البهجة الوردية: «والأقرب ما جمع به السبكي والبلقيني وغيرهما من حمل المنع على منفعة العقار، كما يمتنع السلم فيها؛ ولأنه لا يمكن رد مثلها، والجواز على منفعة غيره من عبد ونحوه، كما يجوز السلم فيها ولإمكان رد مثلها الصوري» (٣).

стр. 8802

وعندي أن هذا قول آخر في مذهب الشافعية، ولا يصح حمل كلام القاضي حسين عليه؛ لأن القاضي ﵀ منع من إقراض المنافع وأطلق ذلك، ولم يخصه في نوع دون نوع، وقاس منعه على منع السلم في الجواهر، والجواهر من الأعيان وليست من المنافع، والعلة في منع السلم في الجواهر كونها لا يمكن ضبطها بالصفة بعد أن دخلتها الصنعة، هذا هو توجيه المنع عند القاضي حسين، والله أعلم. القول الثالث: يصح إقراض المنافع، هو اختيار ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة. جاء في المستدرك في مجموع الفتاوى: «ويجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يومًا، ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها؛ لكن الغالب على المنافع أنها ليست من ذوات الأمثال، حتى يجب على المشهور في الأخرى القيمة. ويتوجه في المتقوم أنه يجوز رد المثل بتراضيهما» (١). وجه القول بصحة إقراض المنافع: الوجه الأول: الإصل في المعاملات الإباحة، ولا يوجد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع يمنع صحة إقراض المنافع. الوجه الثاني: أن المنافع تقبل المعاوضة بيعًا وإجارة، فالبيع كشراء ممر في دار ونحوه، فلو

стр. 8803

أن رجلًا اشترى استطراقه في أرض زيد من الناس ليصل إلى أرضه، أو إلى مسجده، أو إلى دكانه صح البيع، وهذا من قبيل بيع المنافع. وتقبل المنافع الإجارة كأن تقول لرجل: اشتغل عندي بأجرة قدرها كذا وكذا. فإذا كانت المنافع تقبل المعاوضة، فما المانع من أن تشتغل عندي يوماً وأشتغل عندك يوماً آخر، والاختلاف اليسير في منافعهما لا يضر، وقد رأيت في بعض البلاد الفقيرة إذا أراد الرجل أن يبني بيته قام بعض جيرانه بالبناء معه، ويرده لهم بالمثل إذا أرادوا البناء. الراجح: جواز إقراض المنافع، والقرض ليس من عقود المعاوضات حتى ننشغل بتوصيف البدل، هل هو مثلي، أو قيمي، بل القرض من الإحسان بالمقترض، والغرر يتسامح فيه أكثر من غيره، والله أعلم. ومثل الشيء ليس شرطًا أن يكون من كل وجه. يقول ابن تيمية: «المماثل من كل وجه متعذر حتى في المكيلات فضلًا عن غيرها، فإنه إذا أتلف صاعًا من بر فضمن بصاع من بر لم يعلم أن أحد الصاعين فيه من الحب ما هو مثل الآخر، بل قد يزيد أحدهما على الآخر» (١). ويقول أيضًا: «باب القرض أسهل من باب البيع، ولهذا يجوز على الصحيح قرض الخبز عددًا، وقرض الخمير» (٢). * * *

стр. 8804

الشرط الثالث أن يكون المقرض معلوما [م-١٧٩٤] يشترط في المال المقرض أن يكون معلومًا قدرًا وصفة، وهذا لا يختلف فيه الفقهاء في الجملة. جاء في المنتقى للباجي: «أن يكون ما استسلفه معلوم الصفة والحلية ليتمكن من رد مثله، ولو كان مجهول الصفة لتعذر عليه أن يرد مثله» (١). وقال الشيرازي: «ولا يجوز إلا في مال معلوم القدر فإن أقرضه دراهم لا يعرف وزنها أو طعاماً لا يعرف كيله لم يجز لأن القرض يقتضي رد المثل فإذا لم يعلم القدر لم يمكن القضاء» (٢). وجاء في الروض المربع: «ويشترط معرفة قدر القرض، ووصفه» (٣). وفي الإقناع: «ويشترط معرفة قدره بمقدار معروف .... ويشترط وصفه» (٤). قال في كشاف القناع: «ويشترط وصفه: أي معرفة وصفه ليرد بدله» (٥). وقال بعض الشافعية: إن كان الواجب في القرض رد المثل، وجب معرفة المال المقرض قدرًا وصفة.

стр. 8805

إن كان الواجب في القرض رد القيمة، كما لو كان المال المقرض لا مثل له، فلا يجب معرفة القدر ولا الصفة، وإنما يجب معرفة القيمة. اختاره بعض الشافعية. والسؤال: كيف الوقوف على قيمة الشيء دون أن نعرف صفته ومقداره؟ قال الماوردي وهو يذكر شروط القرض: «أن يكون القرض معلومًا، والعلم به معتبر باختلاف حاله، فإن كان مما يستحق الرجوع بقيمته، فالعلم به يكون بمعرفة قيمته، ولا اعتبار بمعرفة قدره، ولا صفته إذا صارت القيمة معلومة؛ لاستحقاق الرجوع بها دون غيرها. وإن كان مما يستحق الرجوع بمثله، فالعلم به يكون من وجهين: أحدهما: معرفة قدره. والثاني: معرفة صفته، فتنتفي الجهالة عند المطالبة. فأما الصفة فمعتبرة بحسب اعتبارها في السلم. وأما القدر، فيكون بالوزن إن كان موزونًا، وبالكيل إن كان مكيلًا، والذرع والعدد إن كان مذروعا أو معدودًا» (١). وجوز الشافعية قرض المجهول إذا كان يؤول إلى العلم. جاء في تحفة المحتاج: «أن القرض لا بد أن يكون معلوم القدر أي: ولو مآلا» (٢).

стр. 8806

وجاء في أسنى المطالب: «لو أقرضه كفًا من دراهم مثلًا لم يصح. نعم إن أقرضه على أن يستبين قدره، ويرد مثله فإنه يصح كما في الأنوار» (١). واستثنى الشافعية من اشتراط العلم بالقدر ما لو أذن له بالصرف فيما سمي بالقرض الحكمي لتعمير داره، أو فدائه من الأسر بما يراه، ويصدق المقرض بالقدر اللائق (٢). إذا علم هذا القدر من كلام الفقهاء نأتي على أدلة هذه المسألة. الدليل على اشتراط معرفة القرض قدرًا وصفة: الدليل الأول: (ح-١٠٧٥) ما رواه البخاري من طريق أبي المنهال، عن ابن عباس ﵄، قال: قدم النبي المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. وجه الاستدلال بالحديث من وجهين: الوجه الأول: قياس دين القرض على دين السلم؛ لأن السلم دين، والقرض يتحول إلى دين في ذمة المقترض، فيشتركان في أن كلًا منهما إثبات دين في الذمة بمبذول في الحال، ولذلك يسمى السلم سلفًا.

стр. 8807

الوجه الثاني: أن فقهاء الشافعية والمالكية جعلوا الضابط فيما يصح قرضه: أن يصح السلم فيه. ولا شك أن المجهول لا يصح السلم فيه، وبالتالي لا يصح إقراضه. الدليل الثاني: أن القرض يتحول إلى دين في ذمة المقترض، وما تعلق بالذمة يستحيل أن يكون جزافًا غير مقدر، لأن ما في الذمة لا يمكن معرفته إلا بالتقدير، بخلاف غيره، فإنه يمكن معرفته عن طريق الإشارة، والتعيين. وإذا لم يعلم قدر القرض ولا صفته أدى ذلك إلى جهالة الواجب في ذمة المقترض، وهذا لا يجوز. * * *

стр. 8808

فرع في إقراض المكيل وزنًا والعكس إقراض المكيل وزنًا جائز مطلقًا، وإقراض الموزون كيلًا يصح إن قبل الكيل. [م-١٧٩٥] في إقراض المكيل وزنا وعكسه اختلف العلماء في إقراض المكيل وزنًا وبالعكس، القول الأول: أن ذلك لا يجوز، وبه قال محمد بن الحسن، ورواية عن أبي يوسف، والقفال من الشافعية. وجه المنع عند الحنفية: أن ما جاء النص على أنه يكال، فمعياره الشرعي الكيل، وكذا ما كان النص في معياره الوزن، وما لم يرد فيه نص يعتبر فيه العرف اتفاقًا عند الحنفية. جاء في الفتاوى الهندية: «في نوادر هشام عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال: لا ضرورة ولا خير في قرض الحنطة والدقيق بالوزن وكذلك التمر» (١). وجاء في المحيط البرهاني: وفي «نوادر هشام» عن أبي يوسف أنه قال: لا خير في قرض الحنطة والدقيق بالوزن، وكذلك التمر وإن كان حيث يوزن، قال هشام ﵀: قلت لمحمد: التمر عندنا بالري وزناً فما تقول فيمن أقرضه بالوزن،

стр. 8809

قال: لا يصلح ذلك؛ لأن أصله كيل، وعن محمد أيضاً: أنه قال: لا يجوز الحنطة أن تقرض وزناً، فإن أخذه، وأكله قبل أن يكتاله، فالقول قول المستقرض أنه كذا كذا قفيزاً» (١). وأما وجه المنع عند القفال: فيرى القفال أن الواجب في القرض استواء العوضين. جاء في روضة الطالبين: «قال القفال: لا يجوز إقراض المكيل وزنًا، بخلاف السلم، فإنه لا يشترط فيه استواء العوضين» (٢). القول الثاني: أن ذلك جائز، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وإحدى الروايتين واشترط أبو يوسف من الحنفية في إحدى الروايتين عنه أن يتعارف الناس عليه. جاء في المحيط البرهاني: «وعن أبي يوسف رواية أخرى: أنه يجوز بيع الدقيق واستقراضه وزناً إذا تعارف الناس ذلك أستحسن فيه» (٣). وجاء في فتح العزيز: «ويجوز اقراض المكيل وزنا والموزون كيلا كما في السلم، وعن القفال أنه لا يجوز» (٤).

стр. 8810

وجاء في حاشية ابن عابدين: «وجد في الغياثية عن أبي يوسف، أنه يجوز استقراضه وزنًا إذا تعارف الناس ذلك وعليه الفتوى .... ونقل بعض المحشين عن تلقيح المحبوبي أن بيعه وزنًا جائز، لأن النص عين الكيل في الحنطة دون الدقيق، ومقتضاه أنه على قول الكل؛ لأن ما لم يرد فيه نص يعتبر فيه العرف اتفاقًا» (١). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ويرد مثل كيل مكيل دفع وزنا؛ لأن الكيل هو معياره الشرعي، وكذا يرد مثل وزن موزون دفع كيلًا» (٢). القول الثالث: إذا أقرضه المكيل وزنًا جاز، إلا أن يكون المال مما يجري فيه الربا فلا يجوز. وكذا إذا أقرضه الموزون كيلًا، وكان ينحصر بالكيل جاز إلا أن يكون المال مما يجري فيه فيه الربا. فإن كان الموزون لا ينحصر بالكيل كالقطن، والكتان امتنع إقراضه كيلًا للجهالة، وهذا التفصيل هو أحد الوجهين في مذهب الشافعية. قال الماوردي: «فلو كان القرض مكيلًا، فأقرضه إياه وزنًا جاز، إن لم يكن فيه الربا؛ لأنه يصير معلومًا به. وإن كان فيه الربا فعلى وجهين:

стр. 8811

أحدهما: لا يجوز خوف الربا كالبيع. والثاني: يجوز، وبه قال أبو حامد المروذي؛ لأن القرض عقد إرفاق وتوسعة لا يراعى فيه ما يراعى في عقود المعاوضة. ألا ترى لو رد زيادة على ما اقترض من غير شرط جاز وإن لم يكن ربا محرما. ولو كان القرض موزونًا فأقرضه إياه كيلا، فإن كان مما لا ينحصر بالكيل كالقطن والكتان والصفر والنحاس لم يجز؛ لأن الجهالة لم تنتف عنه. وإن كان مما ينحصر بالكيل، فإن لم يكن فيه الربا جاز، وإن كان فيه الربا فعلى وجهين. ولكن لو أقرضه جزافا لم يجز للجهل بقدر ما يستحق الرجوع به» (١). الراجح: أرى أن إقراض المكيل وزنًا جائز، ولا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأن الوزن أدق في ضبط المثل من الكيل، وإما إقراض الموزون كيلًا فيشترط فيه أن يكون الموزون مما يقبل الكيل، بحيث لا يتجافى في الكيل، فإن كان الموزون لا يقبل الكيل لم يصح؛ لأنه يدخله غرر قد لا يتسامح فيه المقرض لو علم بمقداره، والله أعلم.

стр. 8812

الباب الثالث في الشروط الجعلية في القرض الشرط الأول في اشتراط الأجل في القرض الآجال لا تثبت بالعقود إلا بالشرط. القرض يقبل التأجيل بالشرط أو بالعادة. القرض تبرع، والأجل تبرع، فاشتراطه لا ينافي مقتضى العقد. وقيل: القرض لا يتأجل بالتأجيل. [م-١٧٩٦] اتفق العلماء على صحة تأجيل القرض إذا وقع بدون شرط (١). واختلفوا في التأجيل إذا اشترطه المقترض على المقرض بحيث لا يطالبه بالوفاء مدة معينة، هل يصح الشرط، أو أن القرض لا يقبل التأجيل؟ القول الأول: أن القرض لا يتأجل بالتأجيل، فله المطالبة به متى شاء، وهو مذهب الحنفية والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. على خلاف بينهم، هل اشتراط الأجل يفسد القرض، أو يبطل الشرط وحده، ويصح القرض؟

стр. 8813

فقيل: الشرط لاغ، والقرض صحيح، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية. وقيل: يفسد القرض، إن جر اشتراطه نفعًا للمقرض، كما لو كان في زمن نهب والمقترض مليئ، فإن لم يكن له غرض صحيح، أو كان له غرض صحيح، والمقترض غير ملئ لغا الشرط فقط، وصح القرض. وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية (١). قال في بدائع الصنائع: «والأجل لا يلزم في القرض، سواء كان مشروطًا في العقد، أو متأخرًا عنه، بخلاف سائر الديون» (٢). وقال ابن الهمام: «ولو شرط الأجل في ابتداء القرض صح القرض، وبطل الأجل» (٣). وقال العمراني في البيان: «ولو أقرضه شيئًا إلى أجل لم يلزم الأجل، وكان حالاًّ» (٤).

стр. 8814

وجاء في مغني المحتاج: «يصح العقد، ولا يلزم الأجل على الصحيح .... لكن يندب الوفاء بالأجل؛ لأنه وعد» (١). وجاء في نهاية المحتاج: «ولو شرط أجلًا ... إن لم يكن للمقرض غرض، صحيح، أو له، والمقترض غير مليء فيلغو الأجل ..... وإن كان للمقرض غرض كزمن نهب، والمقترض مليء ..... فيفسد العقد في الأصح؛ لأن فيه جر منفعة للمقرض والثاني يصح ويلغو الشرط» (٢). وقال ابن قدامة: «وإن شرط فيه الأجل، لم يتأجل، ووقع حالًا؛ لأن التأجيل في الحال عدة وتبرع، فلا يلزم، كتأجيل العارية» (٣). دليل من قال: القرض لا يقبل التأجيل: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. وجه الاستدلال: أن الله نفى السبيل عنهم على وجه نصوصية الاستغراق، فلو لزم تحقق السبيل عليهم. ويجاب عن ذلك: أنه الله تعالى لما قال في هذه الآية: ما على المحسنين من سبيل، وقال في الآية الأخرى إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء، صار المراد ما

стр. 8815

على المحسنين من سبيل أي في أمر الغزو والجهاد، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم، فالسبيل الذي نفاه عن المحسنين، هو الذي أثبته على هؤلاء المنافقين (١). وعلى تقدير أن تكون العبرة بعموم اللفظ، فإن نفي السبيل مشروط بقوله: إذا نصحوا لله ورسوله، وليس من النصح أن يقبل المتقرض الأجل، ثم إذا أقدم عليه المقترض مطمئنًا إلى وعد المقرض بالإمهال انقلب عليه، وطالبه به حالًا فهذا كذب، وإخلاف للوعد، ومن كان كذلك لم يكن ناصحًا، فصار السبيل على المقرض؛ لأنه من باب الوفاء بالوعد، وهو واجب، وإخلاف الوعد محرم، وقد حصل ذلك بطوعهما، واختيارهما، فلزمهما. الدليل الثاني: احتج الحنفية على عدم صحة تأجيل القرض بالشرط: بأن القرض تبرع، بدليل أنه لا يقابله عوض بالحال، ولا يصح القرض ممن لا يصح تبرعه. والتأجيل في القرض تبرع أيضًا، فلو لزم التأجيل؛ لم يبق تبرعًا، فإن الإلزام ينافي التبرع. وبلفظ آخر: أن المقرض متبرع، والمتبرع محسن لا يجوز أن يمنع عن المطالبة بماله متى شاء، ولو كان ذلك قبل الأجل. ويناقش: بأن اشتراط الأجل لا يخرج القرض من كونه من عقود التبرع من وجهين:

стр. 8816

الأول: أن القرض تبرع، والأجل تبرع، فصار إشتراط الأجل لا ينافي مقتضى العقد، بل هو من تمام مقتضى العقد؛ لأن المقصود بالقرض الإرفاق والإحسان، وإذا تأجل صار ذلك من تمام الإحسان. الثاني: أن قدرًا من الأجل مقدر في كل قرض، ولو لم يشترط، فالمقترض لا يأخذ المال قرضًا ليرده بالحال، فإن هذا من العبث، فهو يأخذ المال لينتفع به، وهذا يقتضي أن يمضي على القرض زمن يمكنه الانتفاع به، ولذلك قال المالكية: إذا لم يكن هناك أجل في القرض لا يلزم المقترض رده، إلا إذا انتفع به عادة أمثاله؛ لأن هذا هو المقصود من القرض، وانظر المبحث التالي. فإذا كان هذا هو مقتضى العقد، فإذا اشترط ما يقتضيه العقد لم يخرجه عن وصفه، ومن تبرع بشيء على صفة معينة لزمه ما تبرع به على تلك الصفة، فالقرض المطلق يختلف عن القرض المؤجل. الدليل الثالث: استدل الحنفية بأن القرض لا يمكن أن يسلك به مسلك المعاوضة؛ لأنه يعني تمليك العين بمثله نسيئة، وهذا لا يجوز، فتعين أن يسلك به مسلك العارية، فكأن المستقرض انتفع بالعين مدة، ثم رد عين ما قبض، وإن كان في الحقيقة أنه يرد بدله، فجعل رد البدل بمنزلة رد العين، لتحريم الزيادة، بخلاف سائر الديون، فإذا ثبت أن القرض بمنزلة العارية فإن الأجل لا يلزم في العواري. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن المستعير إذا اشترط الأجل وقبل المعير أن الأجل لا يلزم، وإذا

стр. 8817

لم يثبت هذا في الأصل (المقيس عليه) لم يثبت الحكم في الفرع (١). الوجه الثاني: أن القرض ليس معاوضة ولا عارية حتى على قواعد الحنفية: فإن العارية من عقود الأمانات غير مضمونة عند الحنفية، والقرض مضمون، كما أن المستعير لا يملك العين، وليس له حق في نمائها، وإنما نماؤها لصاحبها بخلاف القرض، فإنه يملك العين والمنفعة، ونماء المال للمقترض، لا يشاركه فيه المقرض، فخالف القرض العارية على القول بأن الأجل لا يلزم في العواري. هذا في بيان مخالفة القرض للعارية، وأما مخالفة القرض للبيع، فإن القرض ليس من عقود المعاوضة، فالمعاوضة تقوم على التكسب، والقرض لا يراد منه التكسب والربح، ولهذا يحرم اشتراط الزيادة فيه، فتبين أن القرض لا يقاس لا على العارية، ولا على البيع، بل كل منها عقد قائم بنفسه، والله أعلم. الدليل الرابع: استدل الحنابلة على عدم لزوم الأجل بالشرط: بأن القرض عقد منع فيه التفاضل، فمنع فيه الأجل كالصرف. ويناقش: لو صح قياس القرض على الصرف لوجب فيه التقابض، ولو وجب هذا لامتنع القرض، ويجوز في الصرف اختلاف الجنس والتفاضل إذا اختلف

стр. 8818

الجنس، بخلاف القرض، فإنه يرد مثله إن كان مثليًا، وإذا رد قيمته لم يصح التفاضل وإن اختلف الجنس، فتبين أن القرض يفارق الصرف، فلم يصح قياسه عليه. الدليل الخامس: الأجل يقتضي جزءًا من العوض، ولذلك المعجل أكثر قيمة من المؤجل، والقرض لا يحتمل العوض، فلا يصح اشتراط تأجيله بخلاف البيوع التي تجوز الزيادة في ثمنها مقابل التأجيل. ويناقش: بأن الأجل في البيوع له قيمة عند ابتداء العقد، وأما الأجل في الديون فلا قيمة له مطلقًا سواء كان الدين ناشئًا عن بيع أو عن قرض، فلو كان لك دين من ثمن مبيع على رجل، وحل الأجل، وطلب زيادة في الأجل في مقابل زيادة في قدر الدين حرم ذلك، والقرض مثله، فالتأجيل في الديون سائغ بشرط أن يكون ذلك بلا مقابل، فإن طلب عوضًا على الأجل حرم العوض. الدليل السادس: أن المقترض إما أن يكون معسرًا لا يستطيع أن يرد بدل القرض، فأجله إمهاله إلى ميسرة بنص القرآن، وإما أن يكون مؤسرًا فإن لصاحبه أن يطالبه بحقه متى شاء؛ لأنه دفع إليه ماله تبرعًا، والرضا بالأجل بمنزلة الوعد فيما يستقبل، والوفاء بالوعد لا يلزم، فللمقرض إسقاطه متى شاء. ويناقش: القول بأن لصاحب القرض أن يطالب بحقه متى شاء، هذا في القرض المطلق العاري من اشتراط الأجل، وأما إذا اشترط الأجل فلا نسلم أن لصاحبه أن

стр. 8819

يطالبه بحقه متى شاء، ودعوى أن صاحب القرض يملك ذلك دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على ذلك، والقول بأن الأجل وعد بالإمهال، والوعد لا يلزم فيقال: القول بأن الوعد في عقود التبرعات لا يلزم ليس محل وفاق، وقد بحثت هذا في بيع المرابحة للآمر بالشراء، وبينت الأقوال فيه هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يتبين لي أن الأجل وعد مجرد بل إذا شرع فيه المقترض فقد تحول الوعد إلى عقد، والله أعلم. القول الثاني: أن القرض يقبل التأجيل بالشرط أو بالعادة، ولا يحق للمقرض أن يطالبه بالوفاء قبل حلول الأجل المشروط أو المعتاد. وإن لم يكن هناك أجل مشروط أو معتاد فلا يلزم المقترض رده لمقرضه إلا إذا انتفع به عادة أمثاله، وهذا مذهب المالكية (١). وهناك وجه عند الحنابلة أن القرض يتأجل بالشرط، ورجحه ابن تيمية (٢). جاء في مواهب الجليل: «من أقرض رجلًا شيئا إلى أجل فليس له مطالبته به قبل الأجل» (٣). وقال العدوي في حاشيته على الخرشي: «ولم يلزم رده إن كان هناك شرط، أو عادة إلا بعد مضيها» (٤).

стр. 8820

وقال الصاوي في حاشيته: «حاصله: أن المقترض إذا قبض القرض، وكان له أجل مضروب أو معتاد، لا يلزمه رده إلا إذا انقضى الأجل، فإن لم يكن أجل لا يلزم المقترض رده، إلا إذا انتفع به عادة أمثاله» (١). وجاء في الإنصاف: «ويثبت القرض في الذمة حالا، وإن أجله. هذا المذهب ... وقطع به أكثرهم، واختار الشيخ تقي الدين صحة تأجيله، ولزومه إلى أجله، سواء كان قرضا أو غيره» (٢). وقال ابن القيم: «إذا أقرضه مالًا وأجله لزم تأجيله على أصح المذهبين، وهو مذهب مالك، وقول فى مذهب أحمد، والمنصوص عنه: أنه لا يتأجل» (٣). دليل من قال: القرض يقبل التأجيل: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستدلال: الآية الكريمة دليل على جواز اشتراط الأجل في الدين، وكلمة (دين) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل دين، سواء كان ناشئًا عن بيع، أو قرض، ومن خصه بنوع دون نوع فقد خصص مطلق الآية بلا دليل. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].

стр. 8821

وجه الاستدلال: أمر الله بالوفاء بالعقود، وهذا يشمل أصل العقد، ويشمل صفة العقد، قال شيخنا محمد بن عثيمين: «والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بالعقد وما يشترط فيه؛ لأن الشروط التي في العقد أوصاف في العقد» (١). وقال شيخنا أيضًا: «والأمر بالوفاء بالعقد أمر به، وبأوصافه، وشروطه التي تشترط فيه» (٢). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. فإذا تعهد المقرض أن يكون قرضه مؤجلًا، وجب عليه الوفاء بما تعهد به خاصة أن المقترض لم يرض بشغل ذمته بدين إلا بشرط التأجيل، فكيف يصح أن يخل المقرض بالتزامه، ولو شاء المقرض لم يقبل هذا الشرط قبل التلبس بالعقد، فمن شرط على نفسه شرطًا، وكان مختارًا غير مكره، لزمه الوفاء به. الدليل الرابع: (ح-١٠٧٦) ما رواه البخاري، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : أنه ذكر رجلًا سأل بعض بني إسرائيل، أن يسلفه ألف دينار، فدفعها إليه إلى أجل مسمى (٣).

стр. 8822

وجه الاستدلال: استدل به البخاري على صحة الإجل في القرض، قال البخاري: باب الشروط في القرض، ثم ذكر الحديث الحديث، وأتبعه بقول ابن عمر وعطاء: إذا أجله في القرض جاز. ذكره البخاري عنهما معلقًا بصيغة الجزم (١). الدليل الخامس: إذا وهب الإنسان قرضه على صفة، كأن يكون مؤجلًا، ثم رجع عن التأجيل، فقد رجع فيما وهب، والرجوع بالهبة محرم. (ح-١٠٧٧) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته، كالكلب يرجع في قيئه (٢). الدليل السادس: الأجل من طبيعة القرض، فالمقترض لا يقترض المال ليرده بالحال، فإن هذا من العبث، فهو يأخذ المال لينتفع به، وهذا يتطلب زمنًا يمكنه من الانتفاع به، وتوظيفه لمصالحه، ولذلك قال المالكية: إذا لم يكن هناك أجل في القرض لا يلزم المقترض رده، إلا إذا انتفع به عادة أمثاله؛ لأن هذا هو المقصود من القرض.

стр. 8823

فإذا كان هذا هو مقتضى العقد، فإذا اشترط ما يقتضيه العقد وجب الوفاء به. الراجح: أرى أن المقرض إذا تبرع بالأجل لزمه الوفاء به إذا لزم القرض. * * *

стр. 8824

فرع في تأجيل القرض إذا لم يشرط في العقد الآجال لا تثبت في العقود إلا بالشرط. [م-١٧٩٧] اختلف العلماء القائلون بأن القرض يقبل التأجيل، فيما إذا عرى القرض من اشتراط الأجل، فهل يكون القرض حالًا، أو أن القرض بطبيعته يقتضي أجلًا ما؟ القول الأول: ذهب المالكية إلى أن القرض إذا لم يكن فيه أجل مشروط أو معتاد فلا يلزم المقترض رده لمقرضه إلا إذا انتفع به عادة أمثاله، وهذا مذهب المالكية (١). القول الثاني: ذهب الظاهرية إلى أن القرض حال، فيلزم المدين الوفاء عند طلب المقرض ماله، ولو بعد القرض بزمن يسير (٢). قال ابن حزم: «فإن كان الدين حالًا كان للذي أقرض أن يأخذ به المستقرض متى أحب إن شاء إثر إقراضه إياه، وإن شاء أنظره به إلى انقضاء حياته. وقال مالك: ليس له مطالبته إياه به إلا بعد مدة ينتفع فيها المستقرض بما استقرض، وهذا خطأ، لأنه دعوى بلا برهان.

стр. 8825

وأيضا فإنه أوجب هاهنا أجلًا مجهول المقدار لم يوجبه الله تعالى قط ثم هو الموجب له لا يحد مقداره، فأي دليل أدل على فساد هذا القول من أن يكون قائله يوجب فيه مقدارا ما لا يدري هو ولا غيره ما هو؟ وقد أمر رسول الله ﷺ أن يعطى كل ذي حق حقه، فمن منع من هذا فقد خالف أمره ﵇» (١). الراجح: الآجال في العقود لا تثبت إلا بالشرط، ومع ذلك فإن المال المقرض إن كان ما زال باقيًا في يد المقترض لم يتصرف فيه، أو كان في يده مال آخر يمكنه السداد منه بلا ضرر، ولا توفيت مصلحة، فلصاحبه أن يطالب برده، وإن تصرف فيه، ولم يكن في يده مال آخر يمكنه السداد منه، ومطالبته بالسداد يحمله على الاقتراض، أو بيع شيء من ماله، وفي سداده توفيت للغرض الذي من أجله طلب القرض، فإنه يجب إمهاله لقوله ﷺ : لا ضرر ولا ضرار، ولأن الغرض من القرض هو الإرفاق بالمقترض، ومطالبته بالسداد مباشرة ليس فيه إرفاق فيتعين إنظاره، والله أعلم. * * *
следующие страницы →