وجه الاستدلال:
أمر الله بالوفاء بالعقود، وهذا يشمل أصل العقد، ويشمل صفة العقد، قال شيخنا محمد بن عثيمين: «والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بالعقد وما يشترط فيه؛ لأن الشروط التي في العقد أوصاف في العقد» (١).
وقال شيخنا أيضًا: «والأمر بالوفاء بالعقد أمر به، وبأوصافه، وشروطه التي تشترط فيه» (٢).
الدليل الثالث:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤].
فإذا تعهد المقرض أن يكون قرضه مؤجلًا، وجب عليه الوفاء بما تعهد به خاصة أن المقترض لم يرض بشغل ذمته بدين إلا بشرط التأجيل، فكيف يصح أن يخل المقرض بالتزامه، ولو شاء المقرض لم يقبل هذا الشرط قبل التلبس بالعقد، فمن شرط على نفسه شرطًا، وكان مختارًا غير مكره، لزمه الوفاء به.
الدليل الرابع:
(ح-١٠٧٦) ما رواه البخاري، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : أنه ذكر رجلًا سأل بعض بني إسرائيل، أن يسلفه ألف دينار، فدفعها إليه إلى أجل مسمى (٣).
стр. 8822
وجه الاستدلال:
استدل به البخاري على صحة الإجل في القرض، قال البخاري: باب الشروط في القرض، ثم ذكر الحديث الحديث، وأتبعه بقول ابن عمر وعطاء: إذا أجله في القرض جاز.
ذكره البخاري عنهما معلقًا بصيغة الجزم (١).
الدليل الخامس:
إذا وهب الإنسان قرضه على صفة، كأن يكون مؤجلًا، ثم رجع عن التأجيل، فقد رجع فيما وهب، والرجوع بالهبة محرم.
(ح-١٠٧٧) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته، كالكلب يرجع في قيئه (٢).
الدليل السادس:
الأجل من طبيعة القرض، فالمقترض لا يقترض المال ليرده بالحال، فإن هذا من العبث، فهو يأخذ المال لينتفع به، وهذا يتطلب زمنًا يمكنه من الانتفاع به، وتوظيفه لمصالحه، ولذلك قال المالكية: إذا لم يكن هناك أجل في القرض لا يلزم المقترض رده، إلا إذا انتفع به عادة أمثاله؛ لأن هذا هو المقصود من القرض.
стр. 8823
فإذا كان هذا هو مقتضى العقد، فإذا اشترط ما يقتضيه العقد وجب الوفاء به.
الراجح:
أرى أن المقرض إذا تبرع بالأجل لزمه الوفاء به إذا لزم القرض.
* * *
стр. 8824
فرع
في تأجيل القرض إذا لم يشرط في العقد
الآجال لا تثبت في العقود إلا بالشرط.
[م-١٧٩٧] اختلف العلماء القائلون بأن القرض يقبل التأجيل، فيما إذا عرى القرض من اشتراط الأجل، فهل يكون القرض حالًا، أو أن القرض بطبيعته يقتضي أجلًا ما؟
القول الأول:
ذهب المالكية إلى أن القرض إذا لم يكن فيه أجل مشروط أو معتاد فلا يلزم المقترض رده لمقرضه إلا إذا انتفع به عادة أمثاله، وهذا مذهب المالكية (١).
القول الثاني:
ذهب الظاهرية إلى أن القرض حال، فيلزم المدين الوفاء عند طلب المقرض ماله، ولو بعد القرض بزمن يسير (٢).
قال ابن حزم: «فإن كان الدين حالًا كان للذي أقرض أن يأخذ به المستقرض متى أحب إن شاء إثر إقراضه إياه، وإن شاء أنظره به إلى انقضاء حياته.
وقال مالك: ليس له مطالبته إياه به إلا بعد مدة ينتفع فيها المستقرض بما استقرض، وهذا خطأ، لأنه دعوى بلا برهان.
стр. 8825
وأيضا فإنه أوجب هاهنا أجلًا مجهول المقدار لم يوجبه الله تعالى قط ثم هو الموجب له لا يحد مقداره، فأي دليل أدل على فساد هذا القول من أن يكون قائله يوجب فيه مقدارا ما لا يدري هو ولا غيره ما هو؟ وقد أمر رسول الله ﷺ أن يعطى كل ذي حق حقه، فمن منع من هذا فقد خالف أمره ﵇» (١).
الراجح:
الآجال في العقود لا تثبت إلا بالشرط، ومع ذلك فإن المال المقرض إن كان ما زال باقيًا في يد المقترض لم يتصرف فيه، أو كان في يده مال آخر يمكنه السداد منه بلا ضرر، ولا توفيت مصلحة، فلصاحبه أن يطالب برده، وإن تصرف فيه، ولم يكن في يده مال آخر يمكنه السداد منه، ومطالبته بالسداد يحمله على الاقتراض، أو بيع شيء من ماله، وفي سداده توفيت للغرض الذي من أجله طلب القرض، فإنه يجب إمهاله لقوله ﷺ : لا ضرر ولا ضرار، ولأن الغرض من القرض هو الإرفاق بالمقترض، ومطالبته بالسداد مباشرة ليس فيه إرفاق فيتعين إنظاره، والله أعلم.
* * *
стр. 8826
الشرط الثاني
ألا يشترط في عقد القرض عقدًا آخر
المبحث الأول
في اشتراط عقود المعاوضات مع عقد البيع
لا يجمع بين معاوضة وتبرع.
[م-١٧٩٨] اتفق العلماء في الجملة على أنه لا يجوز اشتراط عقد البيع أو غيره من عقود المعاوضات في عقد القرض، كالإجارة، والصرف، كأن يقول رجل لآخر: أقرضك بشرط أن تبيعني بيتك بكذا وكذا، فهذا الشرط جرى صريحاً في العقد. وقد يكون الشرط حكماً دون أن ينصا عليه في العقد، كما لو كان الشرط جرى به عرف، فلا فرق، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
دليل القول بالتحريم:
الدليل الأول:
(ح-١٠٧٨) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
стр. 8827
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع) والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإن كان كل واحد منهما صحيحًا بانفراده؛ لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعًا للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع، وإذا كان هذا حكم الشرع بالفائدة المستترة فكيف بالفائدة الظاهرة المشروطة.
قال ابن تيمية: «نهى - يعني النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح، ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح، وإنما ذاك؛ لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا، ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفًا، وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا» (١).
وقال ابن القيم: «وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك» (٢).
الدليل الثاني:
حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض.
стр. 8828
قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (١).
وقال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (٢).
وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (٣).
وقال الزركشي في البحر المحيط: «وبالإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين للذريعة إليها» (٤).
كما حكى الإجماع على التحريم ابن قدامة في المغني (٥).
الدليل الثالث:
أن اشتراط البيع في عقد القرض، أو العكس كاشتراط القرض في عقد البيع يخرج القرض عن موضوعه، وذلك أن القرض من عقود الإحسان والإرفاق، يجوز فيه ما لا يجوز في البيع من مبادلة الربوي بمثله مع عدم التقابض، فإذا ارتبط بعقد البيع عن طريق الشرط أصبح له حصة من العوض، فحصلت بذلك مفسدتان:
стр. 8829
المفسدة الأولى: إخراج عقد القرض عن موضوعه ومقتضاه، وهو الإرفاق والإحسان، وهذا يؤدي إلى بطلانه، وبطلان عقد البيع.
المفسدة الثانية: أن القرض إذا أصبح له حصة من العوض أفضى ذلك إلى جهالة الثمن، وذلك لأن مقدار هذه الحصة مجهولة، فتعود بالجهالة على الثمن كله.
* * *
стр. 8830
فرع
في اجتماع القرض مع البيع بدون شرط
مظنة الربا في النهي تنزل منزلة حقيقة الربا.
الربا مبني على الاحتياط فالشبهة تعمل فيه.
قال ابن تيمية ﵀: «الذرائع حرمها الشارع وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع، وبهذا التحرير يظهر علة التحريم في مسائل العينة وأمثالها وإن لم يقصد البائع الربا» (١).
[م-١٧٩٩] إذا اجتمع البيع والقرض من دون شرط، لا صريحاً، ولا حكماً، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة.
القول الأول:
يجوز مع الكراهة، اختاره بعض الحنفية، وقيد بعضهم الكراهة فيما لو كان العقدان في مجلس واحد، وإلا فلا بأس به (٢).
وهذا هو المفهوم من اجتماع البيع والقرض.
القول الثاني:
يحرم، اختاره الحلواني من الحنفية (٣)، وهو قول في مذهب
стр. 8831
المالكية (١)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٢).
القول الثالث:
لا بأس به، اختاره محمد بن الحسن، والكرخي من الحنفية (٣)، وهو المعتمد عند المالكية (٤)،
ومذهب الشافعية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).
стр. 8832
القول الرابع:
إن كان فيه محاباة في الثمن فيمنع، وهذه إحدى الصور الممنوعة عند المالكية (١).
دليل من قال: لا يجوز جمع البيع مع القرض ولو بدون شرط:
(ح-١٠٧٩) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ نهى عن سلف وبيع، وهو مطلق، وإطلاقه يشمل اجتماعهما سواء كان ذلك بالشرط أو بدونه، ومن حمل كلام الشارع على اجتماعهما
стр. 8833
بالشرط فقد قيد كلام الشارع، وكلام الشارع لا يقيده إلا نص أو إجماع، فإذا لم يوجد أحدهما يبقى المطلق والعام على إطلاقه وعمومه، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ث-٢٥٥) روى البخاري من طريق شعبة، عن سعيد بن أبي بردة.
عن أبيه، أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقاً وتمراً ..... ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا (١).
وجه الاستدلال:
فإذا كانت المحاباة قد توجد فيما سبيله التبرع، ولو كانت بدون شرط، ولم تجتمع مع القرض بعقد واحد، فما بالك بالمحاباة بالمعاوضة ببعض الثمن، وليس بكل الثمن، وقد اجتمع عقد البيع وعقد القرض بصفقة واحدة، والتي قد يراعي فيها البائع صاحب الإحسان عليه، فتعود المسألة إلى قرض جر نفعاً.
دليل من قال يجوز إذا كان بغير شرط:
المحذور من اجتماع البيع والقرض بالشرط أن تكون هناك منفعة مشروطة في القرض استترت بعقد البيع، فإذا لم يكن هناك شرط فالمنفعة التي قد تأتي بسبب القرض ليست حراماً، أرأيت لو أنه أقرضه بشرط أن يقضيه خيراً مما أعطاه حرم بالاتفاق، ولو قضاه خيراً مما أعطاه بلا شرط لم يحرم على الصحيح.
стр. 8834
(ح-١٠٨٠) يدل لذلك ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار.
عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء (١).
قال ابن عبد البر: «في حديث أبي رافع هذا ما يدل على أن المقرض إن أعطاه المستقرض أفضل مما أقرضه جنساً، أو كيلاً، أو وزناً، أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه ﷺ أثنى فيه على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك، ولم يقيده بصفة» (٢).
قال الصنعاني: «ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعاً؛ لأنه لم يكن مشروطا من المقرض وإنما ذلك تبرع من المستقرض ... » (٣).
دليل من قال: يجوز إذا لم يكن فيه محاباة لانتفاء التهمة:
صاحب هذا القول ربما نظر إلى المعنى الذي من أجله نهى الشارع عن سلف وبيع، وهو خوف أن يكون هناك منفعة بسبب القرض مستترة بعقد البيع، فإذا لم يكن هناك محاباة لم يكن هناك حيلة ليتوصل إلى المنفعة بسبب القرض، وكانت التهمة بعيدة، أما إذا حاباه فإن التهمة قائمة، والخوف من اتخاذ ذلك ذريعة إلى الحرام موجود، فيسد الباب.
стр. 8835
الراجح:
أميل إلى القول بالتحريم، والقياس على المنفعة الحاصلة بالقرض إذا لم تكن مشروطة قياس مع الفارق، فإن المنفعة التي أجازها جمهور الفقهاء إنما أجازوها عند السداد،، ومنعوها وقت القرض، أو بعده وقبل السداد، بينما مسألتنا هذه يجتمع البيع والقرض وقت العقد، وكان يمكنه أن يجعل كل واحد في عقد مستقل، ويكون القرض قبل البيع، وفي مجلس آخر أبعد للتهمة. والله أعلم.
стр. 8836
المبحث الثاني
إذا شرط عليه إقراضه مقابل إقراضه
[م-١٨٠٠] اشتراط عقد القرض في عقد القرض، وهو ما يسمى (أسلفني أسلفك)،
فإن جرى هذا بدون اشتراط، فلا خلاف في جوازه، وهو من المعاملة بالمثل، وهو من رد الجميل، والمكافأة على المعروف، والإحسان لمن أحسن إليك.
وإن كان ذلك عن طريق الاشتراط، كأن يقول: أقرضك بشرط أن تقرضني.
فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
لا يجوز الإقراض بشرط الاقتراض، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
قال في مواهب الجليل: «لا خلاف في المنع من أن يسلف الإنسان شخصاً ليسلفه بعد ذلك» (٢).
وقال عليش: «ولا خلاف في منع أسلفني وأسلفك، وبحث ابن عبد السلام بأن العادة المكافأة بالسلف على السلف، فقصده لا بعد فيه.
стр. 8837
وأجيب: بأن العادة قصد السلف عند الاضطرار إليه، وأما الدخول على أن يسلفه الآن ليسلفه بعد شهر مثلا فليس معتادًا فقصده بعيد» (١).
وأصل ذلك القاعدة الفقهية المتفق عليها بين الفقهاء كل قرض جر نفعاً فهو ربا.
كما نص على ذلك الشافعية، فمنع الشافعية أن يقرض المقترض المقرض، وعللوا ذلك بأنه قرض جر نفعاً (٢).
وكذلك منع منها الحنابلة، جاء في المغني: «وإن شرط في القرض .... أن يقرضه المقترض مرة أخرى لم يجز» (٣).
القول الثاني:
أن ذلك جائز، وقد رجحه الدكتور نزيه حماد من المعاصرين، وبه قال عبد الستار أبو غدة ونجاة صديقي (٤).
وحجتهم:
(١) ـ أن المنفعة متماثلة لا تخص المقرض وحده، وليست من ذات القرض وإنما من الإقدام على التعامل مع من يعاملك، وهذا شأن التجارة.
стр. 8838
(٢) ـ القياس على السفتجة من حيث كونها لا تخص المقرض وحده، بل تعم الطرفين.
(٣) ـ أن الربا إنما حرم شرعاً؛ لأنه ظلم من المقرض للمقترض، أما الاتفاق على الإقراض المتبادل بين المقرض والمستقرض بمبالغ متساوية ولمدة متماثلة فليس فيه شيء من الظلم لأحد الطرفين.
(٤) ـ أن فيها بديلاً عن القرض الربوي القائم على الفائدة.
الراجح:
كنت قد تعرضت لهذه المسألة في البحث فيما سبق، ورأيت أن الإجماع المحكي في المسألة إن صح كان حجة، وإن لم يصح فالقول بالجواز متجه؛ ولكن بعد تقليب النظر رأيت أن القول بالمنع أقوى، لأني لم أجد قولًا فقهيًا يقول بالجواز من المتقدمين، ولأن المنفعة للمقرض لا يقابلها عوض سوى القرض، وهذا لا يجوز، لهذا يجب الانتباه عن رأيي المتقدم في المسألة، والله أعلم.
* * *
стр. 8839
فرع
في جمعية الموظفين
المسألة الأولى
في جمعية الموظفين إذا كانت خالية من الشروط
كل منفعة متمحضة للمقرض، أو كانت في جانب المقرض أقوى فهي حرام.
كل منفعة متمحضة للمقترض أو كانت في جانب المقترض أقوى فهي مباحة.
جمعية الموظفين:
أن يتفق عدد من الموظفين يعملون في الغالب في جهة واحدة مدرسة، أو دائرة أو غيرهما، على أن يدفع كل واحد منهم مبلغًا من المال مساويًا في العدد لما يدفعه الآخرون، وذلك عند نهاية كل شهر، ثم يدفع المبلغ كله لواحد منهم، وفي الشهر الثاني يدفع لآخر، وهكذا حتى يتسلم كل واحد منهم مثل ما تسلمه من قبله سواء بسواء دون زيادة أو نقص (١).
فإذا كانت جمعية الموظفين خالية من أي شروط زائدة بحيث يحق لمن أراد من المشتركين أن ينسحب في الدورة الأولى قبل أن يقترض، أما من اقترض فليس له حق الانسحاب حتى تدور الجمعية دورة كاملة، أو يسدد لكل منهم ما اقترضه منه عند طلبه؛ لأنه بتسلمه المبلغ من الجمعية أصبح مقترضًا من المشاركين، فيلزمه تسديد ما اقترضه منهم.
стр. 8840
وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه الصورة على قولين:
القول الأول:
القول بالجواز، وبه قال من المتقدمين ولي الدين العراقي، والقليبوبي من الشافعية، وصدر بذلك قرار مجلس هيئة كبار العلماء السعودية بالأكثرية، وهو قول الشيخين ابن باز، وشيخنا ابن عثيمين والشيخ ابن جبرين (١).
جاء في حاشية قليوبي: «فرع: الجمعة المشهورة بين النساء بأن تأخذ امرأة من كل واحدة من جماعة منهن قدرًا معينًا في كل جمعة أو شهر، وتدفعه لواحدة بعد واحدة، إلى آخرهن جائزة كما قاله الولي العراقي» (٢).
وجاء في قرار هيئة كبار العلماء الرسميين في السعودية: «جرت مداولات ومناقشات لم يظهر للمجلس بعدها بالأكثرية ما يمنع هذا النوع من التعامل؛ لأن المنفعة التي تحصل للمقرض، لا تنقص المقترض شيئًا من ماله، وإنما يحصل المقترض على منفعة مساوية لها؛ ولأن فيه مصلحة لهم جميعًا من غير ضرر على واحد منهم، أو زيادة نفع لآخر. والشرع المطهر لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها على أحد بل ورد بمشروعيتها» (٣).
стр. 8841
القول الثاني:
لا يجوز، وبه قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، وكذلك الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة (١).
دليل من قال: بالجواز:
الدليل الأول:
الأصل في المعاملات الحل، فلا يحرم منها معاملة إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب لا مخالف له، ولم يتوفر مثل هذا في هذه المعاملة.
الدليل الثاني:
كل الأدلة الدالة على جواز القرض تدل على جواز هذه المعاملة؛ لأنها قائمة على إقراض ووفاء لما أقترضه، ولم تشتمل على أي منفعة للمقرض تعود بالتحريم على هذه المعاملة.
الدليل الثالث:
أن المنفعة التي تحصل للمقرض، لا تنقص المقترض شيئًا من ماله، وإنما يحصل المقترض على منفعة مساوية لها؛ ولأن فيه مصلحة لهم جميعًا من غير ضرر على واحد منهم، أو زيادة نفع لآخر. والشرع المطهر لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها على أحد، بل ورد بمشروعيتها (٢).
стр. 8842
الدليل الرابع:
أن فيها بديلاً عن العينة، والتورق، بل وبديلًا عن القرض الربوي القائم على الفائدة، كما أن بعض المشاركين قد يكون هدفه من المشاركة حفظ ماله، أو نفع إخوانه.
دليل من قال: لا يجوز:
الدليل الأول:
أن هذه المعاملة هي نفس معاملة: أقرضك بشرط أن تقرضني، وقد حكي الإجماع على تحريمها، كما سبق في المسألة الماضية.
ونوقش هذا:
بأنه لا يظهر أن هذه المعاملة داخلة في معاملة أقرضك بشرط أن تقرضني، فالجمعية يمكن تقسيم المشاركين فيها إلى ثلاثة أقسام:
المستفيد الأول من الجمعية: فهو يعتبر مقترضًا من الأعضاء، ثم يقوم بالأشهر اللاحقة بتسديد ما اقترضه، فلا يدخل في معاملة أقرضك بشرط أن تقرضني.
المستفيد الأخير من الجمعية: فهو يعتبر مقرضًا في جميع الأشهر، فإذا جاء دوره فهو استرداد لما أقرضه لا غير، فلا يدخل في معاملة أقرضك بشرط أن تقرضني.
القسم الثالث: وهو ما بين الأول والأخير، فهو يجتمع فيه صفة الوفاء والاقتراض، فإذا أخذ دوره فقسم من المبلغ استرداد لما أقرضه ممن أخذ قبله،
стр. 8843
وقسم منه اقترض من بقية الأعضاء ممن لم يأت دوره بعد، وما يدفعه بعد ذلك هو وفاء للدين الذي في ذمته، فلا يدخل فيه أقرضك بشرط أن تقرضني.
الدليل الثاني:
أن الإقراض يجب ألا يجر منفعة للمقرض، وإقراض العضو لغيره في هذه الجمعية يجر منفعة للمقرض، وهذا لا يجوز.
ويناقش:
بأن المنفعة في عقد القرض تنقسم إلى أقسام:
أحدها: أن تكون المنفعة متمحضة للمقرض، وهذه حرام بالإجماع.
الثاني: أن تكون المنفعة متمحضة للمقترض. وهذه صحيحة بالاتفاق، ولهذا لو أبرأه من القرض صح بالاتفاق.
الثالث: أن تكون المنفعة مشتركة، وهذه ليست على درجة واحدة، بل هي على ثلاثة أنواع:
أن يكون اشتراكهما في المنفعة على حد سواء، ففيها خلاف، والصحيح جوازها قياسًا على صحة عقد السفتجة، وسيأتي بحثها.
أن تكون المنفعة مشتركة، إلا أنها في جانب المقرض أقوى، فهذه منفعة محرمة إلحاقًا لها بالمنفعة المتمحضة للمقرض.
أن تكون المنفعة مشتركة، إلا أنها في جانب المقترض أقوى، فهذه جائزة إلحاقًا لها بالمنفعة المتمحضة للمقترض، كما لو أقرض الولي مال اليتيم، في وقت النهب والسلب، وكان غرضه حفظ مال اليتيم لكون القرض مضمونًا على المقترض بخلاف إيداعه، فهنا منفعة المقترض أقوى من المقرض.
стр. 8844
فمن خلال هذا التقسيم تكون المنفعة المحرمة: هي في كل منفعة متمحضة للمقرض، أو كانت المنفعة في جانب المقرض أقوى، وما عداها فهي جائزة.
فإذا حررنا المنفعة في جمعية الموظفين رأينا أن المنفعة التي تحصل للمقرض تحصل للمقترض بدرجة مساوية له، فعلى هذا لا تكون المنفعة الموجودة في جمعية الموظفين مدعاة للتحريم، فإذا أضيف إلى ذلك أن المنفعة المساوية التي يحصل عليها المقرض لا يقدمها المقترض، بل يقدمها غيره من الأعضاء صار المنفعة أولى بالجواز، والله أعلم.
الدليل الثالث:
أن المقصود بالقرض هو الإرفاق بالمقترض، بينما الحامل لهؤلاء الأعضاء المجتمعين أن ينفعوا أنفسهم وهذا خروج بالقرض عن مقتضاه.
ويناقش:
بأن الإرفاق بالمقترض هو الأصل، ولكنه ليس شرطًا لجواز القرض، فقد أجاز بعض الفقهاء أن يكون الإرفاق في حق المقرض، وليس في حق المقترض.
جاء في المغني: «فأما قرض مال اليتيم؛ فإذا لم يكن فيه حظ له، لم يجز قرضه ..... قال أحمد: لا يقرض مال اليتيم لأحد يريد مكافأته، ومودته، ويقرض على النظر، والشفقة، كما صنع ابن عمر.
وقيل لأحمد: إن عمر استقرض مال اليتيم؟
قال: إنما استقرض نظرًا لليتيم، واحتياطًا، إن أصابه بشيء غرمه.
стр. 8845
قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مال في بلده، فيريد نقله إلى بلد آخر، فيقرضه من رجل في ذلك البلد، ليقضيه بدله في بلده، يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله، أو يخاف عليه الهلاك من نهب، أو غرق، أو نحوهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه، كالحنطة ونحوها، فيقرضه خوفًا أن يسوس، أو تنقص قيمته، وأشباه هذا، فيجوز القرض؛ لأنه مما لليتيم فيه حظ فجاز، كالتجارة به.
وإن لم يكن فيه حظ، وإنما قصد إرفاق المقترض، وقضاء حاجته، فهذا غير جائز؛ لأنه تبرع بمال اليتيم، فلم يحز كهبته» (١).
الدليل الخامس:
(ح-١٠٨١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة،
عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة، وعن لبستين: أن يشتمل أحدكم الصماء في ثوب واحد، أو يحتبي بثوب واحد، ليس بينه وبين السماء شيء (٢).
[تفرد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بزيادة (في بيعة) وقد رواه أصحاب أبي هريرة بلفظ: نهى عن بيعتين وعن لبستين، وهو المحفوظ] (٣).
стр. 8846
ويناقش هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول:
الحديث فيه شذوذ كما، فقد رأينا كيف تفرد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،
стр. 8847
عن أبي هريرة بزيادة (في بيعة) وأن المحفوظ: نهى رسول الله عن بيعتين، وعن لبستين.
الوجه الثاني:
أن النهي عن بيعتين في بيعة، لم يرد في الشرع ما يفسر معنى الحديث، وليس هناك في اللغة، أو في العرف تفسير له يمكن التحاكم إليه، وقد اختلف العلماء في تفسيرها على أقوال كثيرة، وصلت إلى أكثر من ستة أقوال ذكرتها في حكم بيع العينة فارجع إليه إن شئت.
الوجه الثالث:
على فرض أن يكون هناك نهي عن بيعتين في بيعة فالحديث يتكلم عن البيع، فكيف حمل القرض على البيع، مع أننا لو حملنا القرض على البيع لمنعنا القرض أصلًا.
الوجه الرابع:
المقصود بالنهي عن بيعتين في بيعة كل عقدين جمعا في عقد واحد وترتب على جمعهما محذور شرعي، ومنه ما ذكره ابن تيمية وابن القيم في صورة بيع العينة، ومنه لو باع عليه ذهباً، واشترط عليه أن يشتري منه بثمنه ذهباً آخر، فإنه حيلة لمبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، ومنه كذلك لو باع عليه سلعة بشرط أن يقرضه، فإنه يدخل في القرض إذا جر نفعًا، وهكذا، ولا يدخل في ذلك العقدان الذي لم يترتب على جمعهما محذور شرعي، كما لو باعه سيارته بشرط أن يبيعه داره، أو عرض عليه السلعة بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا؛ لأنه لا مفسدة ولا محذور في جمع هذين العقدين في عقد واحد، لأن العقد في الحقيقة واحد، والله أعلم.
стр. 8848
الوجه الخامس:
على التسليم بأن القرض حكمه حكم البيع، وأن حديث النهي عن بيعتين في بيعة يدخل فيه القرض، فإن جمعية الموظفين لا يمكن تأويله على أنه بيعتين في بيعة، فهو عقد واحد قائم على الاقتراض، وأما الوفاء فلا يعتبر عقدًا حتى يفسر بأنه بيعتين في بيعة.
الراجح:
أرى أن القول بجواز جمعية الموظفين الخالية من أي شروط في عقدها، والله أعلم.
* * *
стр. 8849
المسألة الثانية
في جمعية الموظفين إذا اقترنت بالشروط
المطلب الأول
أن يشترط في العقد ألا ينسحب أحد
[م-١٨٠١] إذا اتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغًا من المال متساوياً عند نهاية كل شهر أو شهرين مع اشتراط ألا ينسحب أحد منهم حتى يدور عليهم الأخذ.
فالذين يحرمون الصورة الأولى فإنهم يحرمون الصورة الثانية لعدم الفارق.
وكذلك فإن الذين يجيزون الصورة الأولى يجيزون هذه الصورة، كالشيخ ابن عثيمين، والشيخ عبد الله بن جبرين؛ والشيخ عبد الله العمراني وغيرهم؛ لأن المحذور كما أنه منتف في الصورة الأولى أيضاً منتف في الصورة الثانية، فالمنفعة التي يستفيدها المقرض أيضاً يستفيدها المقترض في هذه الدورة؛ فهي منفعة متبادلة كما سبق، فإذا كان إتمام الدورة إذا تم بدون اشتراط لا محذور فيها كما تبين من خلال بحث الصورة الأولى، كذلك اشتراط إتمام هذه الدورة بدون إنسحاب لا يشكل نفعًا خاصًا للمقرض، فالمنفعة للمقرض كما هي للمقترض على حد سواء، فلا تكون منفعة محرمة.
* * *
стр. 8850
المطلب الثاني
إذا اشترط في العقد دورة ثانية فأكثر
[م-١٨٠٢] هذه هي الصورة الثالثة من جمعية الموظفين، وهو أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغًا من المال متساويًا يأخذه أحدهم عند نهاية كل شهر بشرط الاستمرار فيها أكثر من دورة؛ كأن تستمر الجمعية لدورتين أو ثلاث أو أكثر حسب الاتفاق.
وقد ذهب إلى جواز هذه الصورة شيخنا محمد بن عثيمين ﵀، ولم ير فرقًا بين هذه الصورة، وبين الصورتين السابقتين في الحكم (١).
واختار الشيخ عبد الله العمراني تحريم هذه الصورة، لأنها تتضمن أن يشترط المقرض على من سيقرضهم في الدورة الأولى أن يقرضوه في الدورة الثانية، فترجع المسألة إلى مسألة: أقرضك بشرط أن تقرضني، وبعضهم يطلق عليها: أسلفني وأسلفك، وقد حكي الإجماع على تحريمها، وهو مذهب المالكية والشافعية، والحنابلة، وسبق بحث هذه المسألة، ورجحت فيها المنع، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
стр. 8851
المبحث الثالث
في اشتراط الجعل مقابل أن يأتيه بمن يقرضه
العوض على الجاه مباح إذا لم يوقع في الغرر.
العوض على الجاه يعتبر أجرة إذا تطلب نفقة أو مشقة، أو سعي.
وقيل:
الجاه شقيق الضمان.
صورة المسألة:
أن يتعهد شخص لمعين أو غير معين أن من يأتيه بمن يقرضه مبلغًا من المال فله كذا وكذا.
فالجعل لن يذهب للمقرض، وإنما لطرف أجنبي عن عقد القرض.
والاقتراض للغير عمل مندوب بشرطين:
أحدهما: أن يكون المقترض معروفًا بالوفاء.
الثاني: أن تكون لديه القدرة على الوفاء.
فإذا فقد شرط من هذه الشروط وجب على طالب الاقتراض إخبار المقترض بحاله؛ ليكون على بينة من أمره.
جاء في المغني: «قال أحمد: إذا اقترض لغيره، ولم يعلمه بحاله، لم يعجبني. وقال: ما أحب أن يقترض بجاهه لإخوانه.
قال القاضي: يعنى إذا كان من يقترض له غير معروف بالوفاء؛ لكونه تغريرًا
стр. 8852
بمال المقرض، وإضرارًا به، أما إذا كان معروفًا بالوفاء، لم يكره؛ لكونه إعانة له، وتفريجا لكربته» (١).
[م-١٨٠٣] إذا علم ذلك، فنأتي على حكم المسألة، وهو اشتراط الجعل على الاقتراض بالجاه على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
جواز أخذ العوض على الجاه مطلقًا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
جاء في المغني: «لو قال: اقترض لي من فلان مائة ولك عشرة فلا بأس ... لأن قوله: اقترض لي، ولك عشرة جعالة على فعل مباح فجازت كما لو قال: ابن لي هذا الحائط، ولك عشرة» (٣).
وجاء في المبدع: «إذا قال: اقترض لي مائة، ولك عشرة صح؛ لأنه في مقابلة ما بذل من جاهه» (٤).
وجاء في فتاوى النووي: «أنه سئل عمن حبس ظلماً، فبذل مالاً فيمن يتكلم في خلاصه بجاهه وبغيره، هل يجوز؟ وهل نص عليه أحد من العلماء؟ فقال: نعم يجوز، وصرح به جماعة منهم القاضي حسين، ونقله عنه القفال المروزي، قال: وهذه جعالة مباحة، وليس هو من باب الرشوة، بل هذا العوض حلال
стр. 8853
كسائر المباحات» (١).
وجاء في الحاوي الكبير: «إذا قال الرجل لغيره: أقرض لي مائة درهم، ولك علي عشرة دراهم، فقد كره ذلك إسحاق، وأجازه أحمد، وهو عندنا يجري مجرى الجعالة، ولا بأس به» (٢).
دليل من قال: يجوز أخذ الجعل على الجاه مطلقًا:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل صحيح صريح يحرم أخذ العوض على الجاه، ولا يوجد محذور شرعي في أخذ العوض على الجاه، والأصل في المعاملات الصحة والإباحة، ولا يحرم منه إلا ما يقوم الدليل الخاص على تحريمه.
يقول الشيخ علي الخفيف: «ليس هناك دليل من الكتاب أو السنة يبين ما يجوز أخذ العوض فيه، وما لا يجوز أخذ العوض فيه، ومرجع الفقهاء في هذا المجال هو الاجتهاد. وللعرف في ذلك أثر كبير، ومن ثم كان اختلافهم في أمور كثيرة جوز بعضهم أخذ العوض فيها، فأجازوا فيه المعاوضة، وخالفهم غيرهم فلم يجيزوا أخذ عوض عنها، ورأوا فساد المعاوضة فيها، وقد نص الفقهاء على أن المالية تثبت بتمويل الناس، فلا حرج من أن نجوِّز ذلك تأسيساً على أنه أمر تدعو إليه المصلحة، ولم يرد نص شرعي يمنعه، فهو على الإباحة الأصلية» (٣).
стр. 8854
الدليل الثاني:
أن هذا الفعل جعالة على فعل مباح، كما لو قال: ابن لي هذا الحائط، ولك عشرة.
الدليل الثالث:
أن الجاه منفعة، وأخذ المال في مقابل المنافع يسوغ شرعًا، إلا إذا ترتب على ذلك الوقوع في محذور شرعي، كأن يؤدي ذلك إلى الربا، أو الظلم، وهذا ليس منه، ولذلك صح أخذ المعاوضة على الاسم التجاري، والعلامة التجارية بشروطها.
القول الثاني:
المنع مطلقًا، وهو قول لبعض المالكية، وبعض الحنابلة، وبه قال الثوري وإسحاق بن راهوية (١).
الدليل على تحريم أخذ الجعل:
الدليل الأول:
القياس على تحريم أخذ العوض على الضمان، فإذا حرم أخذ العوض على الضمان، حرم أخذ العوض على الجاه؛ لأن الجاه شقيق الضمان.
وقد بحثت مسألة أخذ العوض على الضمان، وقدمت إجماع العلماء المتقدمين على تحريم أخذ العوض عليه.
стр. 8855
ويناقش:
لا شك عندي أن الضمان شقيق الجاه، وأنا لا أرى مانعًا من جواز أخذ العوض على الضمان في حال لم يؤد أخذ العوض على الضمان إلى قرض جر نفعاً؛ أما ضمان الديون فلا يجوز أخذ العوض عليه؛ ليس لأن الضمان ليس مالًا، وإنما قد يؤدي إلى أن يؤدي إلى قرض جر نفعًا في حال عجز المدين عن السداد، وأدى الضامن الدين نيابة عن المضمون، أما أخذ العوض على الجاه فلا يؤول إلى أخذ زيادة على القرض؛ فالمقرض لا يأخذ أي زيادة على إقراضه.
الدليل الثاني:
أن الشرع جعل الضمان والقرض والجاه لا يفعل إلا لله بغير عوض، فأخذ العوض سحت.
قال الدردير: «وأما صريح ضمان بجعل فلا خلاف في منعه؛ لأن الشارع جعل الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله تعالى، فأخذ العوض عليها سحت» (١).
ويناقش:
القول بأن الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله، أما القرض، فإنه يجوز أن يفعل لله، ويجوز أن يفعل لغير وجه الله، ولكن لا يجوز أخذ العوض عن القرض لأن ذلك يؤدي إلى الربا.
стр. 8856
(ث-٢٥٦) فقد روى مالك في الموطأ بلاغاً عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: السلف على ثلاثة وجوه: سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله، وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ خبيثاً بطيب فذلك الربا .... (١).
[الأثر ضعيف، ومعناه صحيح].
وإذا كان القرض يجوز ألا يراد به وجه الله، كما لو أراد المقرض بذلك وجه صاحبه فالجاه كذلك يجوز ألا يراد به وجه الله من باب أولى.
وأما الضمان فقد ناقشته في مسألة مستقلة، وبينت أنه يحرم أخذ العوض عليه إذا كان الضمان متوجهًا للديون، وأما إذا كان الضمان لم يتوجه للديون فيجوز أخذ العوض عليه.
كما لو أخذ العوض على الضمان إذا كان الضمان تبعًا، ولم يكن مفردًا بالذكر، ولا مخصوصاً بالأجر. كما لو اشترى الإنسان سلعة، وكانت مضمونة لمدة معينة مقابل زيادة في القيمة، فإن الضمان هنا تابع، وليس مستقلًا، فلا أرى مانعًا من جواز تلك الزيادة مقابل الضمان.
كذلك يجوز أخذ العوض على الضمان إذا لم يكن ناشئًا عن دين أصلًا، وذلك مثل تغطية الإصدار في طرح الاكتتاب، ومثل الضمان في عقود التأمين القائم على جبر الأضرار، فإن الضمان في هذه الصور لم يكن ناشئاً عن دين.
وأما تحريم أخذ العوض على الجاه، فهو دعوى في محل النزاع، فأين
стр. 8857
الدليل على التحريم، وقد اختلف المالكية في المسألة على ثلاثة أقوال، هي نفس الأقوال في المسألة.
الدليل الثالث:
(ح-١٠٨٢) ما رواه أبو داود من طريق عمر بن مالك، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: من شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هدية عليها فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا (١).
ويجاب:
أولًا: الحديث تفرد به القاسم بن عبد الرحمن، وهو أصل في بابه (٢).
стр. 8858
ثانيًا: لو سلمنا صحة الحديث، فإن الحديث لا يمنع من أخذ الجعل في مقابل ما يحتاج إليه من نفقة وسفر إذا أخذ على ذلك أجرة مثله.
القول الثالث:
يجوز أخذ الجعل على الجاه إن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة، أو مشقة، أو مسعى، وهو قول في مذهب المالكية، واختاره بعض الشافعية (١).
جاء في المعيار «سئل أبو عبد الله القوري عن ثمن الجاه، فأجاب بما نصه: اختلف علماؤنا في حكم ثمن الجاه، فمن قائل بالتحريم بإطلاق، ومن قال بالكراهة بإطلاق، ومن مفصل فيه: وأنه إن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة أو مشقة، أو مسعى، فأخذ أجر مثله، فذلك جائز، وإلا حرم» (٢).
стр. 8859
وجاء في حاشية قليوبي: «ولو قال: اقترض لي مائة، ولك عشرة لزمته العشرة؛ لأنها جعالة، كذا قالوه. ولعله إن كان في الاقتراض كلفة تقابل بمال فراجعه» (١).
واستدل أصحاب هذا القول:
أن الجاه إذا كان لا يمكن القيام به إلا بجهد ومشقة كان ما يأخذه في مقابل عمله، وليس في مقابل جاهه، والعمل تجوز المعاوضة عليه كما في عقد الإجارة، والله أعلم.
الراجح:
رغم أن عقد القرض بين المقرض والمقترض منفك عن المعاوضة على الجاه، فعقد القرض عقد صحيح لا خلاف في صحته، ويبقى الخلاف في المعاوضة على الجاه، وأرى أن المعاوضة عليه تجوز، لأنه جعالة على فعل مباح، ومثله لو قلت: من يأتيني بسلعة رخيصة، وأعطيه كذا وكذا، فإن هذا الجعل أيضًا على عمل مباح، والناس وإن كانوا في السابق لم يتعادوا أن يعاوضوا على الجاه إلا أننا في هذا العصر مع تطور المعاملات المالية، وقد يتفرغ بعض الناس لمثل هذه المعاملات، ويسهل حصول الائتمان للأشخاص فلا أرى مانعًا من أخذ العوض عليه بشرط ألا يكون صاحب الجاه ضامنًا للمدين حتى لا يتحول إلى قرض جر نفعًا، فإنه في حالة عجز المضمون عنه سوف يتحمل الضامن مبلغ القرض، فيكون دائنًا، والدين لا يجوز أن يأخذ في مقابله شيئًا، والله أعلم.
* * *
стр. 8860
المبحث الرابع
في اجتماع القرض مع الشركة
[م-١٨٠٤] اختلف العلماء في اجتماع القرض مع الشركة على قولين:
القول الأول:
نص الحنفية على جواز أن يقرضه مبلغًا من المال على أن يكون نصفه قرضًا ونصفه الآخر يعمل فيه بشركته، وهذا يعني جواز اجتماع القرض مع الشركة عندهم.
فقد جاء في المبسوط: «لو دفع ألف درهم إلى رجل، على أن يكون نصفها قرضًا عليه، ويعمل في النصف الآخر بشركته: يجوز ذلك» (١).
وهذا وإن كان المقرض سوف ينتفع من قرضه إلا أن المنفعة ليست له وحده، ولهذا أجاز ابن القيم صورًا مشابهة.
جاء في تهذيب السنن: «نظير هذا ما لو أفلس غريمه، فأقرضه دراهم يوفيه كل شهر شيئًا معلومًا من ربحها جاز؛ لأن المقترض لم ينفرد بالمنفعة .... ونظير ذلك أيضا إذا أقرض فلاحه ما يشتري به بقرًا يعمل بها في أرضه، أو بذرًا يبذره فيها.
ومنعه بن أبي موسى.
والصحيح جوازه، وهو اختيار صاحب المغني؛ وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه، ويحصل انتفاع المقرض ضمنًا، فأشبه أخذ السفتجة به، وإيفاءه إياه في بلد آخر من حيث إنه مصلحة لهما جميعًا