← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قال الكشميري في العرف الشذي: «وأما الفاظ الحديث فثلاثة (حتى يستوفيه) (حتى ينقله) (حتى يقبضه) فزعم الشافعية أن الأصل حتى ينقله، والآخران يحملان عليه. وقال الأحناف: إن الكل صور القبض، أ و كناية عن القبض» (١). قلت: لا يستبعد شذوذ الرواية التي تجمع بين لفظي (القبض والاستيفاء)، ولذلك لم يروها البخاري، وأكثر الروايات إما بلفظ: (حتى يستوفيه) أو لفظ (حتى يقبضه) دون الجمع بينهما، وكأن أحدهما رواية بالمعنى للأخرى، وسوف يأتي تخريج هذه الألفاظ إن شاء الله تعالى في باب التصرف في المبيع قبل قبضه، فانظرها هناك. ولأن الطعام إذا تم استيفاؤه، ولم يبق فيه حق توفية، أصبح حكمه حكم الصبرة من الطعام، قبضه بتخليته، ويجوز بيعه، وإن لم ينقله على الصحيح. * * *

стр. 912

المسألة الثانية القبض في بيع الأثمان بعضها ببعض [م - ١٩٣] لم يختلف الفقهاء في وجوب التقابض في مجلس العقد قبل التفرق في عقد الصرف، قال الحافظ في الفتح: «اشتراط القبض في الصرف متفق عليه» (١). وقال ابن عبد البر: «وهذا أمر مجتمع عليه، لا خلاف فيه والحمد لله» (٢). وقال ابن قدامة: «الصرف: بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته، بلا خلاف. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، والأصل فيه قول النبي ﷺ : الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء .... » (٣). كما حكى الإجماع أيضًا ابن الهمام في فتح القدير (٤)، وابن تيمية (٥)، والنووي في شرح مسلم (٦). واختلفوا في القبض في الصرف في مسألتين:

стр. 913

الأولى: حد القبض فيه. والثانية: اشتراط الفورية. [م - ١٩٤] أما اختلافهم في حد القبض في الصرف، فذهب عامتهم إلى أن القبض بالصرف هو القبض الحقيقي باليد (١). قال ابن الهمام نقلًا من فوائد القدوري: «المراد بالقبض هنا القبض بالبراجم، لا بالتخلية، يريد باليد» (٢). ولأن قبض الأثمان يدخل في قبض ما يتناول باليد، وقبضه يكون بتناوله. قال النووي: «ما يتناول باليد كالدراهم، والدنانير، والمنديل، والثوب، والإناء الخفيف، والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول، بلا خلاف» (٣)، يعني في المذهب. وقال ابن مفلح: «وقبض ما ينقل بنقله، وما يتناول بتناوله» (٤). وقيل: القبض في كل شيء بالتخلية، وهذا مطلقه يدخل فيه عقد الصرف. وجاء في كتاب الإنصاف: «وعنه أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز» (٥). وقال ابن قدامة: «وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل» (٦).

стр. 914

وقال ابن رجب: «والتخلية قبض في المعينات على روايتين» (١). والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في المذهب الحنبلي، فيكون التعيين قبضًا لها في قول. [م - ١٩٥] وأما اشتراط الفورية في القبض، فقد اختلف مالك مع الجمهور، فرأى مالك أن القبض في عقد الصرف يجب أن يكون فورًا، ولا يجوز التراخي فيه، ولو كان العاقدان في المجلس (٢). وذهب الجمهور إلى جواز التراخي في القبض ما دام العاقدان في مجلس العقد (٣). وسيأتي بحث هذه المسألة، وذكر أدلتها في باب الربا والصرف إن شاء الله تعالى، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته. * * *

стр. 915

المسألة الثالثة قبض المنقول مما ليس فيه حق توفية المطلب الأول في قبض الجزاف [م - ١٩٦] اختلف العلماء في قبض ما بيع جزافًا. فقيل: قبضه يكون بالتخلية مع التمييز، ولو لم يحصل تقدير، أو نقل، وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول للمالكية (٢)، وقول عند الشافعية (٣)، وأحد القولين في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: قبض كل نوع منه بحسب العرف، وهذا مذهب المالكية (٥).

стр. 916

وقيل: قبضه يكون بنقله وتحويله، أو تمشيته من مكانه، وهذا مذهب الشافعية (١)، وقول عند الحنابلة (٢). دليل من قال: قبض المنقول إذا لم يكن فيه حق توفيه بالتخلية: (ح-٩٨) ما رواه البخاري من طريق سفيان، حدثنا عمرو، عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر، ويرده، ثم يتقدم، فيزجره عمر، ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعنيه. قال: هو لك يا رسول الله. قال: بعنيه، فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر، تصنع به ما شئت (٣). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ لم يقبض البعير بنقله، ولا بوضع يده عليه، وإنما حصل القبض بالتخلية بينه وبينه مع تميزه، وتعينه، وهذا كاف في القبض، ولذلك تصرف فيه الرسول ﷺ في البعير بالهبة، وهي نوع من التصرف (٤).

стр. 917

وقد يجاب: بأن الحديث دليل على جواز هبة الشيء قبل قبضه، وليس فيه دليل على أن القبض قد حصل في هذه القصة بالتخلية، وإنما صح هبة المبيع قبل قبضه؛ لأن الهبة ليست من عقود المعاوضات، وإنما هي من عقود الإحسان، فلا يكون التصرف فيها عرضة لربح ما لم يضمن، فيجوز فيها ما لا يجوز في البيع، ألا ترى أن بيع المجهول لا يجوز، ويجوز هبته على الصحيح. الدليل الثاني: (ح-٩٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١). [اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة، والدارقطني وقفه] (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث على جواز بيع الثمن الذي في الذمة، وهو تصرف فيه قبل قبضه قبضًا حقيقيًا، وهو أحد العوضين.

стр. 918

ويجاب: بأن القبض هنا قد تم بين المتعاقدين، فما في الذمة فهو مقبوض حقيقة؛ لأن القبض هو الحيازة، وما في ذمة القابض، فقد حازه ولذلك لو باع هذا الثمن قبل القبض، لغير من هو عليه لم يجز، وأما بدله فقد اشترط الحديث أن يتم قبضه في المجلس بسعر اليوم، ولا يبقى في الذمة، فيكون التقابض قد حصل فعلًا، بدليل أنهما يفترقان، وليس بينهما شيء غير مقبوض، وقد برئت ذمة كل واحد منهما، ولم يبق لأحدهما ما يطالب به الآخر، وهذه حقيقة القبض. الدليل الثالث: (ح - ١٠٠) ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ اشترى من جابر جمله، ونقده ثمنه، ثم وهبه إياه (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ تصرف فيه، ولم يرد أنه نقله، ولا مشاه، فكان تخليته كافية في قبضه، والتصرف فيه. ويجاب: بأن النبي ﷺ لم يرد حقيقة البيع، وإنما قصد من صورة البيع التوصل إلى نفع جابر ﵁، ولهذا قال النبي ﷺ في رواية كما في صحيح مسلم: (أتراني ماكستك لآخذ جملك، خذ جملك، ودراهمك، فهو لك)، وعلى فرض أن يكون قصد حقيقة البيع، فهو لم يتصرف فيه بالبيع، وإنما تصرف فيه بالهبة، والهبة ليست من عقود المعاوضات، وعلى التنزل فليس في الحديث أن

стр. 919

الرسول ﷺ لم يقبضه، بل إن في بعض روايات صحيح البخاري ما يفهم منه أن القبض قد حصل فعلًا، وليس مجرد التخلية، فجاء في البخاري: (عقلت الجمل في ناحية البلاط، فقلت: هذا جملك، فخرج، فجعل يطيف بالجمل، قال: الثمن، والجمل لك) وفي رواية في البخاري: (انطلقت حتى وليت، فقال: ادع لي جابرًا، فقلت: الآن يرد علي الجمل، ولم يكن شيء أبغض إلي منه، قال: خذ جملك، ولك ثمنه). ففي هذه الرواية ظاهر أن جابر قد قام بإقباض الجمل، ثم ولى، فدعاه، فقال جابر لنفسه: الآن يرد علي الجمل، فقال: خذ جملك، فظاهر هذه الرواية أن القبض الحقيقي قد تم، وليس فيه أن جابرًا قد أخلى البعير للنبي ﷺ . الدليل الرابع: أن ما اشتري جزافًا استيفاؤه بتمام العقد فيه؛ لأنه ليس فيه توفية أكثر من ذلك، والنبي ﷺ قال: حتى تستوفيه، والاستيفاء يحصل بالتخلية، ولذلك جاز بيعه قبل قبضه على الصحيح كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى (١). دليل من قال: قبض المنقول يكون بنقله: الدليل الأول: (ح-١٠١) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله. أن ابن عمر ﵄ قال: لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جزافا - يعني الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم، حتى يؤووه إلى رحالهم (٢).

стр. 920

(ح-١٠٢) وفي رواية لمسلم من طريق ابن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه، قال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه، حتى ننقله من مكانه (١). الدليل الثاني: (ح-١٠٣) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن عبيد ابن حنين، عن ابن عمر قال: ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبته لنفسي، لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت، فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته، حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٢). [انفرد الوهبي بلفظ (السلع) من قوله: نهى أن تباع السلع، ورواه غيره بلفظ: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، وسيأتي تخريجه في مسألة التصرف في المبيع قبل قبضه] (٣). دليل من قال: قبض المنقول يكون بحسب العرف: أن القبض ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، وكل ما لا حد له في اللغة، ولا في الشريعة يجب الرجوع في حده إلى العرف، والعادة (٤).

стр. 921

وقال ابن تيمية: «الأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وتارة باللغة، كالشمس، والقمر، والبر، والبحر، وتارة بالعرف، كالقبض، والتفريق» (١). الراجح: أرى أن أرجح الأقوال هو مذهب المالكية، وأن المرجع في ذلك إلى العرف، وأعتقد أن المذاهب الأخرى ليست بعيدة عن مذهب المالكية؛ لأن من قال: قبض المنقول بالتخلية إنما حكى عرفهم في ذلك الزمن، وكذا من قال: بالنقل والتحويل كالشافعية والحنابلة. يقول النووي في المجموع: «الرجوع في القبض إلى العرف، وهو ثلاثة أقسام: أحدها: العقار، والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية، والثاني: ما ينقل في العادة، كالأخشاب، والحبوب، والحيتان، ونحوها، فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به ... والثالث: ما يتناول باليد، كالدراهم، والدنانير، والمنديل، والثوب ... فقبضه بالتناول بلا خلاف ... الخ (٢). فجعل هذا التقسيم، واختلاف القبض فيه مرده إلى العرف، والله أعلم. * * *

стр. 922

المطلب الثاني في قبض المشاع القسم الأول في قبض المشاع من غير الأسهم [م - ١٩٧] اتفق العلماء على جواز بيع الحصة الشائعة، سواء كانت تقبل القسمة، أولا تقبل القسمة. قال ابن نجيم: «بيع الشائع جائز اتفاقًا» (١). وقال ابن تيمية: «يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنة رسول الله ﷺ ، مثل قوله الذي في صحيح مسلم: (أيما رجل كان له شرك في أرض، أو ربعة، أو حائط، فلا يحل له أن يبيعه، حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع قبل أن يؤذنه فهو أحق بالثمن). (٢) (٣). وقال النووي: «يجوز بيع المشاع كنصف من عبد، أو بهيمة، أو ثوب، أو خشبة، أو أرض، أو شجرة، أو غير ذلك بلا خلاف، سوء كان مما ينقسم، أم لا ... » (٤). وإنما اختلفوا في غير البيع، كإجارة الحصة الشائعة من غير الشريك، وهبة ما يقبل القسمة، وفي رهن المشاع ونحوها، وليس هذا مجال بحثها (٥).

стр. 923

[م - ١٩٨] وإذا اتفق العلماء على جواز بيع الحصة الشائعة، فكيف يكون القبض في الحصة الشائعة. قيل: يكون ذلك بتخلية الكل، وهذا مذهب الحنفية. قال الكاساني في بدائع الصنائع: «يجوز بيع المشاع، وكذا هبة المشاع فيما لا يقسم، وشرطه: هو القبض، والشيوع لا يمنع القبض؛ لأنه يحصل قابضًا للنصف المشاع بتخلية الكل ... » (١). وفي الفتاوى الهندية: «تسليم الجزء الشائع متصور بتسليم الكل» (٢). وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام «سؤال يجوز في الوصية، والبيع الصحيح، والقرض، والبيع الفاسد، والسلم، والصرف، قبض الشائع، أما في الهبة فلا يجوز، فما الفرق في ذلك؟ جواب: بما أنه لا يشترط في الوصية، والبيع الصحيح القبض، فلا يضر فيهما الشيوع، كما أنه وإن شرط القبض في البيع الفاسد، والسلم، والقرض، والصرف، فبما أنه ليس منصوصًا عليه، فلا تقتضي مراعاة كماله» (٣). وقيل: قبض المشتري للمشاع كقبض البائع لحصته مع شريكه، يكون بوضع اليد عليه من غير فرق بين ما لا ينقل، كالدار، والأرض، وبين ما ينقل كالثوب والعبد، وهذا مذهب المالكية (٤). وقيل: قبض المشاع إن كان مما لا ينقل فهو بالتخلية، وإن كان مما ينقل كان

стр. 924

قبضه بنقله، أو تناوله وذلك بتسليم الجميع، وإن كان له شريك، لم يجز ذلك إلا بإذنه. وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). قال النووي: «قبض الجزء المشاع من دابة، وثوب، وغير ذلك إنما يحصل بتسليم الجميع، ويكون ما عدا المبيع أمانة في يده، فلو طلب المشتري القسمة قبل القبض، قال صاحب التتمة: يجاب إليها؛ لأنا إن قلنا: القسمة إفراز فظاهر، وإن قلنا: بيع، فالرضا غير معتبر فيه، فإن الشريك يجبر عليه، وإذا لم نعتبر الرضا جاز ألا نعتبر القبض كالشفعة» (٣). وجاء في نهاية الزين: «وقبض جزء شائع حاصل بقبض الجميع، لكن إن كان له شريك لم يجز نقل المنقول إلا بإذنه، بخلاف التخلية، لا تتوقف على إذن الشريك، والزائد على الجزء أمانة بيد القابض، إن أذن مالكه في قبضه، ويضمن البائع في هذه الصورة بالتعدي بتسليم المشاع، لا بالتخلية» (٤). وقال في المغني: «والقبض فيما لا ينقل بالتخلية بينه وبينه، ولا حائل دونه، وفيما ينقل بالنقل، وفي المشاع بتسليم الكل إليه، فإن أبى الشريك أن يسلم نصيبه قيل للمتهب: وكيل الشريك في قبضه لك، ونقله، فإن أبى نصب الحاكم من يكون في يده لهما، فينقله ليحصل القبض» (٥).

стр. 925

وقال ابن حزم: «وصفة القبض في الرهن وغيره -: هو أن يطلق يده عليه فما كان مما ينقل نقله إلى نفسه وما كان مما لا ينقل كالدور والأرضين أطلقت يده على ضبطه كما يفعل في البيع وما كان مشاعًا كان قبضه له كقبض صاحبه لحصته منه مع شريكه ولا فرق، ولو كان القبض لا يصح في المشاع لكان الشريكان فيه غير قابضين له، ولو كانا غير قابضين له لكان مهملًا، لا يد لأحد عليه، وهذا أمر يكذبه الدين، والعيان، أما الدين فتصرفهما فيه تصرف ذي الملك في ملكه، وأما العيان، فكونه عند كل واحد منهما مدة يتفقان فيها، أو عند من يتفق على كونه عنده» (١). الخلاصة: أن قبض المشاع كقبض غيره، فإن كان مما لا ينقل كان التخلية قبضًا له، وإن كان مما ينقل، فقبضه بحسب العرف والعادة، كما يعتبر نقله قبضًا له، ولكن إن كان له شريك فيه فلا يقبضه إلا بإذن شريكه، والله أعلم. * * *

стр. 926

القسم الثاني في قبض المشاع من الأسهم والوحدات الاستثمارية [ن-٦] يذهب عامة العلماء المعاصرين في توصيف السهم بأنه يمثل حصة شائعة في الشركة وموجودتها. وإذا كان الشرط في البيع أن يكون مقدورًا على تسليمه، والشرط في الرهن أن يقبض المرتهن المال المرهون، ويحوزه حيازة دائمة، فهنا يقال: إن الحصة المالية الشائعة في صافي أصول الشركة، أو المشروع مقدور على تسليمها بتسليم الصك نفسه. وقد قرر المالكية أن قبض وثيقة الدين تقوم مقام قبض الدين نفسه، في صحة عقد الرهن، وتمامه، مع أن القبض شرط في تمام الرهن، بنص القرآن الكريم، في قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] (١). فالقبض معنى عام يكون في كل شيء بحسبه، وقد أجاز الفقهاء التصرف في الحصة الشائعة، ولم يشترطوا الإفراز في صحة البيع، كما أجاز عامة الفقهاء المعاصرين التصرف في أسهم الشركات المساهمة، ولا شك أن السهم يمثل حصة شائعة في صافي موجودات الشركة، التي تتكون من أعيان، وحقوق، ومنافع، ونقود، وديون في ذمة الغير، وقرروا أن للمجموع حكما يختلف عن حكم كل فرد من أفراده، وجعلوا الحكم للغالب.

стр. 927

وإذا تم بيع السهم، فإن حيازة الصك، وقبضه، يعد حيازة للحصة الشائعة نفسها، كحكم من أحكام العقد، وأثر من الآثار المترتبة عليه، فيعد حامل السهم حائزًا للحصة الشائعة التي يمثلها، وجميع الآثار المترتبة على القبض الشرعي تتحقق بحيازة الصك، فيستطيع التصرف في هذه الأسهم بلا قيود، بيعًا وشراء، ورهنًا ونحو ذلك، ويبرأ البائع من هذه الأسهم براءة تامة، فلا يحق للمشتري الرجوع عليه، وتثبت يده الحكمية على هذه الأسهم بحيازة الصك. ومن المعلوم أن قبض الأسهم في العصر الحاضر يتم عبر القيد المصرفي في المحافظ الاستثمارية (١)، وهذا القيد كاف في تحقق القبض الشرعي للأسهم؛ وذلك لأن القيد المصرفي لحساب المشتري يمكنه من التصرف فيه بالبيع، والرهن، ونحو ذلك،، وهذا الرأي هو قول عامة العلماء المعاصرين، وممن ذهب إلى هذا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢)، و مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي ما نصه: «أولًا: قبض الأموال كما يكون حسيًا في حالة الأخذ باليد، أو الكيل، أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتبارًا وحكمًا

стр. 928

بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حسًا. وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضًا لها. ثانيًا: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعًا، وعرفًا. ١ - القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية: (أ) إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة، أو بحوالة مصرفية. (ب) إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حالة شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل .... » (١). إذا عرفنا هذا في ما يتعلق بقبض السهم، فإن الحكم فيه لا يختلف عن قبض شهادة الاستثمار (الصك)، باعتبار أن شهادة الوحدة الاستثمارية هي عبارة عن صكوك تمثل حق ملكية لصاحبها في حصة مشاعة من إجمالي المبالغ المستثمرة لدى البنك، فشهادة الوحدة الاستثمارية تشبه إلى حد كبير جدًا شهادات الأسهم، فكلاهما يمثل حصة مشاعة في الوعاء الاستثماري المقسم إلى وحدات استثمارية أو أسهم (٢).

стр. 929

وإذا كانت الأسهم والشهادات الاستثمارية تمثل عروضًا وحقوقًا ومنافع ونقودًا، فإن حيازة الصك كاف في حيازة ما يمثله إن شاء الله تعالى، ولكن السؤال فيما لو كانت الأسهم والشهادات الاستثمارية لا تمثل إلا نقودًا فقط، فهل حيازة الصك والحالة هذه يعتبر قبضًا لما تمثله من النقود، وأن هذا القبض الحكمي كاف في حصول التقابض الشرعي المشروط لصحة هذه المعاملة، أو لابد من مراعاة أحكام الصرف من وجوب القبض الحقيقي باليد، وليس القبض الحكمي؟ هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء المعاصرون، وسوف نناقشها إن شاء الله تعالى في كتاب الربا والصرف نسأل الله تعالى أن يبلغنا ذلك بحوله وقوته. * * *

стр. 930

المطلب الثالث القبض عن طريق القيد المصرفي [ن- ٧] إذا قام الرجل ودفع للمصرف مبلغًا من النقود بالريال السعودي، على أن يقيده لحسابه الخاص بالدولار، ويعطيه إيصالًا بذلك، دون أن يقبض الدولارات قبضًا حقيقيًا، فهل يعتبر هذا القيد المصرفي كاف في حصول القبض، وهل يغني هذا القبض الحكمي عن القبض الحقيقي؟ في ذلك خلاف بين أهل الفقهاء المعاصرين: فقيل: القيد المصرفي يقوم مقام القبض الحقيقي، وبه أخذ أكثرية المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (١)، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي (٢)، وعليه أكثر الباحثين في هذا العصر (٣). وقيل: الواجب القبض الحقيقي، ولا يكفي القيد المصرفي في حصول

стр. 931

القبض الواجب شرعًا، وهذا رأي شيخنا محمد بن عثيمين ﵀ (١). وسوف نذكر أدلة هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب الصرف من كتاب الربا، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 932

المطلب الرابع استلام الشيك هل يقوم مقام القبض لمحتواه تعريف الشيك: الشيك: عبارة عن ورقة تحرر وفقًا لشكل معين، تتضمن أمرًا صادرًا من شخص يسمى (الساحب) إلى شخص آخر يسمى (المسحوب عليه) بدفع مبلغ معين إلى شخص ثالث يسمى (المستفيد) (١). وسيأتي مزيد من البحث عن الشيك في كتاب المعاملات المصرفية، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته. [ن- ٨] والبحث هنا يتعلق بقبض الشيك، هل يعتبر تسلم الشيك قبضًا لمحتواه، خاصة فيما يعتبر القبض شرطًا لبقائه على الصحة، كبيع الذهب بالعملة الورقية، أو بيع العملات الورقية بعضها ببعض، فإذا أعطى أحدهما شيكًا بقيمة الذهب أو الفضة، أو بقيمة العملة الورقية، فهل يعتبر قبض الشيك قبضًا لمحتواه، بحيث يتحقق القبض الشرعي لصحة المعاملة، أو لا؟ اختلف العلماء على النحو التالي: فقيل: يعتبر تسلم الشيك قبضًا لمحتواه مطلقًا، وعلى هذا الرأي كثير من الباحثين المعاصرين (٢).

стр. 933

وقيل: لا يعتبر تسلم الشيك قبضًا لمحتواه مطلقًا. وهذا القول منسوب لشيخنا ابن عثيمين يرحمه الله (١)، واختاره بعض الباحثين (٢). وقيل: التفريق بين الشيك المصدق وبين غيره، فتسلم الشيك المصدق يعتبر قبضًا لمحتواه، بخلاف الشيك غير المصدق، وبه قال مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٣)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

стр. 934

بالسعودية (١)، واختاره شيخنا ابن عثيمين (٢). هذه هي الأقوال في المسألة، وقد ذكرنا حجة كل قول في كتاب الصرف، تحت عنوان: هل ينوب استلام الشيك عن قبض بدل الصرف، فانظره هناك، وترجح لي أن الشيك إن كان مصدقًا، فهو لا شك أنه سالم من العيوب والمخاطر التي يتعرض لها الشيك غير المصدق، إذ يعتبر التصديق للشيك حجز لمحتوى الشيك لصالح المستفيد، فإذا استلم الشيك كان ذلك بمنزلة القبض لما يحتويه، فلا يستطيع الساحب التصرف فيه، ولا الرجوع فيه إلا بموافقة المستفيد.

стр. 935

أما إذا كان الشيك غير مصدق، فهل يعتبر قبضه قبضًا لمحتواه؟ الذي أميل إليه هو ما اختاره الشيخ سعد الخثلان: أن الشيك إذا قرب من الشيك المصدق، بحيث يكون في دولة تتوفر فيها حماية كبيرة جدًا له من الناحية التشريعة، والتنفيذية بحيث لا يجرؤ أحد على كتابة شيك بدون رصيد، فإن الشيك وإن لم يكن مصدقًا فإنه بمنزلة القبض لما يحتويه، أما إذا لم يتوفر للشيك الحماية المطلوبة فإنه لا يكون في معنى القبض لما يحتويه، ولا تكفي الحماية من الناحية التشريعية، بل لا بد أن تكون الجهات التنفيذية فيها من الإجراءات الصارمة والحازمة والرادعة ما تعزز ثقة الناس في الشيك، فعلى سبيل المثال بلغت قيمة الشكاوى المقدمة للغرفة التجارية بالرياض للشيكات بدون رصيد فقط عام ١٤١٧ هـ أكثر من مليار، و ٢٠٠ مليون ريال (١)، ورغم ضخامة هذا العدد إلا أنه نادرًا ما نسمع بتنفيذ عقوبة في حق مصدر شيك بدون رصيد، ولهذا الوضع لا نستطيع أن نقول: إن استلام الشيك غير المصدق يعتبر قبضًا لما يحتويه خاصة في بلادنا وقت تحرير البحث، والله أعلم (٢). * * *

стр. 936

المطلب الخامس في قبض الشيكات السياحية عرفنا في البحث السابق حكم قبض الشيك، فهل ما توصلنا إليه من نتائج ينطبق على الشيك السياحي، أو أن الشيك السياحي يختلف في حكمه عن الشيك المعتاد، ويتبين لنا ذلك من خلال تعريف الشيك السياحي. الشيك السياحي: عبارة عن كتاب اعتماد، وهذا النوع من الشيكات تبيعه معظم المصارف للأشخاص الذين لا يرغبون حمل نقود، أو أوراق مالية قابلة للتداول أثناء سفرهم من مكان إلى آخر، وهذا الشيك يوقعه صاحبه مرة عندما يشتريه من المصرف، ومرة أخرى عندما يريد أن يدفع به أو يسدد به مبلغًا من المال، وذلك بحضور الشخص الذي يدفع إليه، وبهذه الطريقة لا يمكن أن يستفيد أحد من الشيك إلا صاحبه (١). «يختلف الشيك السياحي عن الشيك العادي في أنه شيك مسحوب على بنك معين، من قبل بنك، أو شركة، وبمبلغ معين. وحامل الشيك: هو شخص يرغب في السفر والتنقل بين بلدان متعددة، ولا يريد أن يحمل نقودًا معه، كما لا يريد أن يزور المصارف ليضيع وقته في انتظار حوالات، أو قبض شيكات. فالشيك السياحي يتم شراؤه من البنك، أو أحيانًا من الصراف، ويدفع قيمته مع عمولة إضافية قد تصل إلى واحد بالمائة من القيمة، وعليه أن يوقع الشيك في زاوية محددة عند الشراء أمام الموظف المسئول، وعندما يريد استعمال الشيك

стр. 937

يكتب اسم المستفيد، ثم يوقع مرة ثانية في زاوية ثانية، أو يكتفي بالتوقيع، ويترك مكان اسم المستفيد على بياض (عند القبض من البنك يتم التوقيع أمام الموظف المسؤول) وعلى المستفيد أن يتوثق من مطابقة التوقيعين، وأخذ اسم الدافع، وعنوانه، ورقم جواز سفره، وعندما يكون لديه أي شك يمكنه أن يرفض الشيك السياحي» (١). «ويذكر الأستاذ علي جمال الدين عوض أن أول نشأته كانت عام ١٨٩١ م بسبب رحلة قام بها رئيس شركة أمريكان إكسبرس للسياحة إلى أوروبا، فصادفته فيها متاعب راجعة إلى كيفية حصوله على مال يقوم بشئون حياته في هذه الرحلة، فابتكر نظام الشيكات السياحية حتى ذاع استعمالها، فأصبحت البنوك تصدر شيكات سياحية قابلة للصرف لدى جميع البنوك الأخرى، ويذكر الأستاذ على جمال الدين عوض أن الصورة الغالبة للشيك: هو أن يصدر الشيك بفئات نقدية معينة، وعلى الصك مكان يوقع فيه العميل عند استلام الشيك، ومكان آخر يوقع فيه عند قبض قيمته أمام البنك الذي يدفع هذه القيمة، ليتحقق من تطابق التوقيعين، ومن أن الذي يستوفي القيمة هو ذات المستفيد الذي تسلم الشيك ممن أصدره، وتنفيذه بطريق المقاصة. ويذكر الأستاذ علي عوض: أن كثيرًا من الشراح يستبعد الشيك السياحي من تعريف الشيك إذا تخلف بيان من البيانات اللازمة للشيك. وهو أمر غالب، حيث لا يتضمن تاريخ السحب، ومكان الإِصدار، واسم المسحوب عليه، كما ينكر عليه وصف السند الإِذني، أو السند لحامله كما يعرفه القانون التجاري، إذ هو لا يتضمن تعهد البنك بالدفع حتى ولو تضمن أمرًا للمسحوب عليه؛ لأن تعهد الساحب ضمنًا بالوفاء عند

стр. 938

تخلف المسحوب عليه لا يكفي لاعتبار الورقة سندًا تجاريًا صرفيًّا، كما أن وظيفة الشيك السياحي تختلف عن وظيفة السند الإِذني، أو السند للحامل؛ لأن الشيك السياحي يستهدف مجرد نقل النقود، ولا يستخدم أداة للأثمان، وهي الوظيفة الأساسية للسندات التجارية، ومن هنا ندرك أن الشيك السياحي ورقة ابتكرها العرف، وأقر حكمها بعيدًا عن الأحكام التي وضعها التشريع للأوراق التي قد تشتبه بها. اهـ (١). [ن- ٩] إذا عرفنا حقيقة الشيك السياحي، فهل قبضه يعتبر قبضًا لمحتواه، لم أجد من بحث هذا الموضوع بحثًا شافيًا، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى حداثة تاريخ الشيك السياحي مقارنة بالشيك العادي، وقد أ شار إليه بعض الباحثين أنقل كلامه بحروفه، يقول وفقه الله: «قبض الشيكات السياحية: إذا اعتبرنا قبض الشيك قبضًا لمحتواه فما حكم قبض الشيك السياحي، هل هو مثل قبض الشيك، أو أنه يغايره؟ نقل النقود من مكان إلى آخر قد يعرضها خطر السرقة، والغصب، أو الضياع، وهذه المشكلات حلت بعد استحداث (الشيك السياحي) وظهرت له مميزات يستحيل تحقيقها عن طريق استخدام طرق الوفاء القديمة. ولكن عند الكلام على قبضها، وهل هو قبض لمحتواها أو لا؟ لابد من بيان الوصف الفقهي لها. وإجابة عليه لا بد من معرفة أن نظام الشيك السياحي حديث نسبيًا، ولذلك

стр. 939

اختلف في تكييفه، هل هو شبيه بالشيك المتعارف عليه؟ أو هو سند لآمر؟ أو هو من الأوراق المالية؟ -أوراق البنكنوت - فمن ألحقها بالشيك عد قبضها تخلية، ومن ألحقها بالأوراق النقدية تم القبض الحقيقي عنده. وذهب إلى القول بإعطائها أحكام الأوراق النقدية بعض الباحثين المعاصرين» (١).

стр. 940

المطلب السادس في قبض الأوراق التجارية عدا الشيك ؟ [ن- ١٠] الأوراق التجارية ثلاثة، الشيك، والكمبيالة، والسند الإذني، أو السند لأمر .... ، ويمكنك الاطلاع على تعريف هذه الأوراق، وخصائصها، وبيان حكمها الشرعي في مباحث سوق المال، ولكن الذي يعنينا هنا هو موضوع القبض. أما الشيك فقد سبق بحثه، وبقي من الأوراق التجارية: الكمبيالة، والسند الإذني (السند لأمر). ويتميز الشيك عن بقية الأوراق التجارية، أنه لا يقبل التأجيل، فهو مستحق الدفع متى توفرت شروطه، بخلاف الكمبيالة والسند لأمر، فإنهما يقعان في الغالب مؤجلين، إلا أنها في حالة نادرة تقبل أن تكون مستحقة الوفاء لدى الاطلاع، كما لو نص على ذلك، أو كانت الكمبيالة خالية من بيان ميعاد الاستحقاق، فإن كانت هذه الأوراق يجب دفع قيمتها بمجرد الاطلاع فتأخذ أحكام الشيك في القبض والتداول بالتظهير (١). وإن كانت هذه الأوراق مؤجلة كما هو الغالب، فما يشترط فيه التقابض من الطرفين كالصرف، أو من طرف واحد كالسلم، لا يجوز أن يحرر به هذا النوع من الأوراق التجارية، فلا يجوز صرف النقود مع تحرير كمبيالة بأحد العوضين

стр. 941

لا تحل إلا بعد أجل، وذلك لأن من شرط صحة الصرف التقابض في مجلس العقد، وهو غير متحقق في الكمبيالة التي لا تحل إلا بعد أجل، كما أنه لا يجوز تحرير رأس مال السلم بكمبيالة لا تحل إلا بعد أجل؛ لأنه يشترط في صحة السلم، أن يكون الثمن مقبوضًا في مجلس العقد، وهو غير متحقق إذا حرر الثمن بكمبيالة لا تحل إلا بعد أجل، والله أعلم (١). * * *

стр. 942

المطلب السابع الشراء بالبطاقات الائتمانية فيما يشترط لصحة القبض تعريف بطاقات الائتمان، والكلام على تاريخها، وبيان أنواعها، ومنافعها ومضارها، والتكييف الشرعي لها، كل ذلك سيأتي إن شاء الله بحثه في المعاملات المصرفية، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، ولكن الذي يعنينا هنا الكلام على مسألة القبض عن طريق هذه البطاقة فيما يشترط فيه التقابض، هل يقوم هذا القبض الحكمي مقام القبض الحسي، كما قاله العلماء في الشيك المصدق، أو لا بد من التقابض الحقيقي، وبالتالي يحرم شراء الذهب بثمن يدفع عن طريق هذه البطاقات، أو صرف العملات عن طريق هذه البطاقات، ولبحث هذه المسألة نقسم البحث إلى مسألتين: الأولى: شراء الذهب والفضة عن طريق بطاقات الائتمان. الثانية: إذا ترتب على الدفع الصرف من عملة إلى أخرى. وسوف نبحث كل مسألة على حدة، نسأل الله عونه وتوفيقه.

стр. 943

القسم الأول شراء الذهب والفضة عن طريق بطاقات الائتمان [ن- ١١] اختلف العلماء في هذه المسألة: فقيل: لا يصح شراء الذهب، أو الفضة ببطاقة الائتمان مطلقًا، أي سواء كانت البطاقة مغطاة، أو غير مغطاة. وهذا اختيار الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير (١). وقيل: يصح مطلقًا، لا فرق بين كون البطاقة مغطاة، أو ليست مغطاة (٢)، اختاره بعض الباحثين، كالشيخ عبد الستار أبو غدة (٣)، والشيخ نزيه حماد (٤)، والشيخ يوسف الشبيلي (٥)، وغيرهم. وقيل: يجوز شراء الذهب والفضة إن كانت البطاقة مغطاة، ولا يجوز إن كانت البطاقة غير مغطاة، اختاره بعض الباحثين (٦).

стр. 944

والذي أميل إليه أن القبض ببطاقة الائتمان قبض حكمي صحيح لا يختلف عن القبض بالشيك المصدق، ولا عن القبض بالشيك المحرر من لدن المصرف، إن لم تكن أقوى منها، وأن البطاقة إذا كانت خالية من شروط محرمة فالبيع والشراء بها سائغ، وأن قبض قسيمة الشراء يعتبر قبضًا لما تحتويه، والله أعلم، وإذا اردت الاطلاع على حجج هذه الأقوال فقد عرضتها، ولله الحمد في باب الصرف من كتاب الربا، فانظره هناك، وإنما اقتضت الإشارة إليه هنا لعلاقته بالقبض، كما أنني وبمشيئة الله تعالى سوف أتناول بشيء من البسط أنواع البطاقات، وتاريخها، وتكييفها التكييف الشرعي في باب المعاملات المصرفية، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته، وإنما الذي حملنا على بحثها هنا هو مسألة قبض المبيع. * * *

стр. 945

القسم الثاني صرف العملات عن طريق بطاقات الائتمان [ن- ١٢] عرفنا في البحث السابق حكم شراء الذهب والفضة عن طريق دفع الثمن ببطاقات الائتمان، ونريد أن نبحث في هذه المسألة حكم ما إذا ترتب على الشراء صرف عملة بأخرى، وفي أحيان كثيرة تكون عملية الصرف من لازم الشراء، وإن لم يقصد المتعامل ببيعه وشرائه صرف نقود بأخرى، وذلك أن البطاقة لما كان لها صفة العالمية، وكان صاحبها يستطيع أن يستخدمها في معظم دول العالم، فإذا اشترى سلعًا فإن مصدر البطاقة يسدد عن حاملها فورًا بعملة البلد المستخدمة فيه، ثم يعود على حاملها ليسدد له بعملة أخرى، خلال مدة السماح المجانية، فهذه عملية صرف المقصود منها استيفاء ما وجب على المستفيد، وليس المقصود منها المعاوضة، فما حكم هذه العملية؟ أما من منع شراء الذهب والفضة ببطاقة الائتمان فإنه لا بد أن يمنع من الصرف فيها، حيث لا فرق عنده بين المسألتين. وهناك من أهل العلم من أجاز المسألتين، فلم يفرق بينهما، وفي الحالين أدلتهم في هذه المسألة هي أدلتهم في مسألة بيع وشراء الذهب ببطاقة الائتمان، وقد ذكرتها في باب الصرف من كتاب الربا، ولله الحمد، فلا حاجة لإعادتها هنا. وهناك فريق ثالث من أهل العلم أجاز شراء الذهب والفضة ببطاقة الائتمان، كما أجاز السحب النقدي بالبطاقة ولو لم يكن هناك تغطية في رصيده إذا لم يتقاض المصدر فوائد أو عمولة على الاقتراض زائدة عن النفقات الفعلية لتقديم هذه الخدمة، ومنع من الشراء بها سلعًا إذا ترتب على هذا الشراء صرف عملة بأخرى.

стр. 946

وهناك من طلبة العلم من أجاز الشراء، والصرف عن طريق بطاقة الائتمان، وانظر حجج هذه الأقوال في باب الربا من كتاب الصرف، فقد ذكرته هناك ولله الحمد. * * *

стр. 947

المطلب الثامن هل يقوم القبض السابق مقام القبض اللاحق [م - ١٩٩] قبل الإجابة على هذا، نبين أن القبض ينقسم إلى قسمين: قبض ضمان. وقبض أمانة. فقبض الضمان: هو «ما كان فيه القابض مسؤولًا عن المقبوض تجاه غيره، فيضمنه إذا هلك عنده، ولو بآفة سماوية». كالمغصوب في يد غاصبه، والمبيع في يد مشتريه. وقبض أمانة: وهو «ما كان فيه القابض غير مسؤول عن المقبوض إلا بالتعدي، أو التقصير في الحفظ». ويرى بعض الفقهاء أن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة، إذا علم هذا، فنأتي للجواب على السؤال المطروح، هل يقوم القبض السابق مقام القبض اللاحق المستحق؟ في هذا خلاف بين العلماء: فرأى الحنفية أن القبض السابق للعقد إذا كان مثل المستحق بالعقد، فإنه ينوب منابه، بمعنى: أن القبضين إذا تجانسا بأن كانا قبض أمانة، أو كانا قبض ضمان تناوبا؛ لأنه إذا كان مثله، أمكن تحقيق التناوب. مثال ذلك: أن الشيء إذا كان في يد المشتري بغصب، أو كان مقبوضًا بعقد فاسد، فاشتراه من المالك بعقد صحيح، فينوب القبض الأول عن الثاني حتى لو هلك الشيء قبل أن يذهب المشتري إلى بيته، ويصل إليه، أو يتمكن من أخذه، كان الهلاك عليه، لتماثل القبضين من حيث كون كل منهما يوجب كون المقبوض مضمونًا بنفسه.

стр. 948

وكذا لو كان الشيء في يده وديعة، أو عارية، فوهبه منه مالكه، فلا يحتاج إلى قبض آخر، وينوب القبض الأول عن الثاني، لتماثلهما من حيث كونهما أمانة. أما إذا اختلف القبضان، فإنه ينوب القبض المضمون عن غيره، لا غير. مثال ذلك: لو كان الشيء في يده بغصب، أو بعقد فاسد، فوهبه المالك منه، فإن ذلك ينوب عن قبض الهبة، لوجود المستحق بالعقد، وهو أصل القبض، وزيادة ضمان. أما إذا كان المبيع في يد المشتري بعارية، أو وديعة، أو رهن، فلا ينوب القبض الأول عن الثاني، ولا يصير المشتري قابضًا بمجرد العقد؛ لأن القبض السابق قبض أمانة، فلا يقوم مقام قبض الضمان في البيع؛ لعدم وجود القبض المحتاج إليه (١). وذهب الجمهور إلى أنه لا حاجة إلى تجديد القبض، بل ينوب القبض السابق للعين مقام القبض اللاحق المستحق مطلقًا، سواء كانت يد القابض عليه يد ضمان، أم يد أمانة. لأن المراد بالقبض المستحق: إثبات اليد، والتمكن من التصرف في المقبوض، فإذا تحقق هذا الأمر فقد وجد القبض، ولا علاقة لكون المقبوض مضمونًا، أو أمانة في حقيقة القبض، ولا يوجد دليل على أنه ينبغي أن يقع القبض ابتداء بعد العقد، إلا أن الشافعية اشترطوا لذلك شرطين: أحدهما: الإذن من صاحبه إن كان له في الأصل الحق في حبسه،

стр. 949

كالمرهون، والمبيع إذا كان الثمن حالًا غير منقود، أما إذا لم يكن له هذا الحق، كالمبيع بثمن مؤجل، أو حال بعد نقد ثمنه، فلا يشترط ذلك الإذن. الثاني: مضي زمن يتأتي فيه القبض إذا كان الشيء غائبًا عن مجلس العقد؛ لأنه لو لم يكن في يده لاحتاج إلى مضي هذا الزمن ليحوزه، ويتمكن منه، ولأنا جعلنا دوام اليد كابتداء القبض، فلا أقل من مضي زمن يتصور فيه ابتداء القبض، ولكن لا يشترط ذهابه ومصيره إليه فعلًا (١). وهذا هو الراجح إلا أن اشتراط الشافعية أن يمضي زمن يتأتى فيه القبض مع كون القبض سابقًا على العقد شرط مرجوح؛ لأن مضي الزمن ليس من توابع القبض، وليس له مدخل في حقيقته. * * *

стр. 950

المطلب التاسع حكم القبض السابق في تطارح الدينين صرفًا [م - ٢٠٠] إذا كان لرجل في ذمة آخر دنانير، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا ما في ذمتيهما، فهل يقوم القبض السابق مقام القبض اللاحق، ويغني القبض السابق عن وجوب القبض اللاحق؟ في هذه المسألة خلاف بين العلماء: فذهب الحنفية والمالكية، والسبكي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة إلى صحة الصرف من غير حاجة إلى قبض جديد (١)، إلا أن المالكية اشترطوا أن يكون الدينان قد حلا معًا. وحجتهم في أن ما في الذمة بحكم المقبوض:
следующие страницы →