← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

(ث-٢٥٦) فقد روى مالك في الموطأ بلاغاً عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: السلف على ثلاثة وجوه: سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله، وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ خبيثاً بطيب فذلك الربا .... (١). [الأثر ضعيف، ومعناه صحيح]. وإذا كان القرض يجوز ألا يراد به وجه الله، كما لو أراد المقرض بذلك وجه صاحبه فالجاه كذلك يجوز ألا يراد به وجه الله من باب أولى. وأما الضمان فقد ناقشته في مسألة مستقلة، وبينت أنه يحرم أخذ العوض عليه إذا كان الضمان متوجهًا للديون، وأما إذا كان الضمان لم يتوجه للديون فيجوز أخذ العوض عليه. كما لو أخذ العوض على الضمان إذا كان الضمان تبعًا، ولم يكن مفردًا بالذكر، ولا مخصوصاً بالأجر. كما لو اشترى الإنسان سلعة، وكانت مضمونة لمدة معينة مقابل زيادة في القيمة، فإن الضمان هنا تابع، وليس مستقلًا، فلا أرى مانعًا من جواز تلك الزيادة مقابل الضمان. كذلك يجوز أخذ العوض على الضمان إذا لم يكن ناشئًا عن دين أصلًا، وذلك مثل تغطية الإصدار في طرح الاكتتاب، ومثل الضمان في عقود التأمين القائم على جبر الأضرار، فإن الضمان في هذه الصور لم يكن ناشئاً عن دين. وأما تحريم أخذ العوض على الجاه، فهو دعوى في محل النزاع، فأين

стр. 8857

الدليل على التحريم، وقد اختلف المالكية في المسألة على ثلاثة أقوال، هي نفس الأقوال في المسألة. الدليل الثالث: (ح-١٠٨٢) ما رواه أبو داود من طريق عمر بن مالك، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: من شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هدية عليها فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا (١). ويجاب: أولًا: الحديث تفرد به القاسم بن عبد الرحمن، وهو أصل في بابه (٢).

стр. 8858

ثانيًا: لو سلمنا صحة الحديث، فإن الحديث لا يمنع من أخذ الجعل في مقابل ما يحتاج إليه من نفقة وسفر إذا أخذ على ذلك أجرة مثله. القول الثالث: يجوز أخذ الجعل على الجاه إن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة، أو مشقة، أو مسعى، وهو قول في مذهب المالكية، واختاره بعض الشافعية (١). جاء في المعيار «سئل أبو عبد الله القوري عن ثمن الجاه، فأجاب بما نصه: اختلف علماؤنا في حكم ثمن الجاه، فمن قائل بالتحريم بإطلاق، ومن قال بالكراهة بإطلاق، ومن مفصل فيه: وأنه إن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة أو مشقة، أو مسعى، فأخذ أجر مثله، فذلك جائز، وإلا حرم» (٢).

стр. 8859

وجاء في حاشية قليوبي: «ولو قال: اقترض لي مائة، ولك عشرة لزمته العشرة؛ لأنها جعالة، كذا قالوه. ولعله إن كان في الاقتراض كلفة تقابل بمال فراجعه» (١). واستدل أصحاب هذا القول: أن الجاه إذا كان لا يمكن القيام به إلا بجهد ومشقة كان ما يأخذه في مقابل عمله، وليس في مقابل جاهه، والعمل تجوز المعاوضة عليه كما في عقد الإجارة، والله أعلم. الراجح: رغم أن عقد القرض بين المقرض والمقترض منفك عن المعاوضة على الجاه، فعقد القرض عقد صحيح لا خلاف في صحته، ويبقى الخلاف في المعاوضة على الجاه، وأرى أن المعاوضة عليه تجوز، لأنه جعالة على فعل مباح، ومثله لو قلت: من يأتيني بسلعة رخيصة، وأعطيه كذا وكذا، فإن هذا الجعل أيضًا على عمل مباح، والناس وإن كانوا في السابق لم يتعادوا أن يعاوضوا على الجاه إلا أننا في هذا العصر مع تطور المعاملات المالية، وقد يتفرغ بعض الناس لمثل هذه المعاملات، ويسهل حصول الائتمان للأشخاص فلا أرى مانعًا من أخذ العوض عليه بشرط ألا يكون صاحب الجاه ضامنًا للمدين حتى لا يتحول إلى قرض جر نفعًا، فإنه في حالة عجز المضمون عنه سوف يتحمل الضامن مبلغ القرض، فيكون دائنًا، والدين لا يجوز أن يأخذ في مقابله شيئًا، والله أعلم. * * *

стр. 8860

المبحث الرابع في اجتماع القرض مع الشركة [م-١٨٠٤] اختلف العلماء في اجتماع القرض مع الشركة على قولين: القول الأول: نص الحنفية على جواز أن يقرضه مبلغًا من المال على أن يكون نصفه قرضًا ونصفه الآخر يعمل فيه بشركته، وهذا يعني جواز اجتماع القرض مع الشركة عندهم. فقد جاء في المبسوط: «لو دفع ألف درهم إلى رجل، على أن يكون نصفها قرضًا عليه، ويعمل في النصف الآخر بشركته: يجوز ذلك» (١). وهذا وإن كان المقرض سوف ينتفع من قرضه إلا أن المنفعة ليست له وحده، ولهذا أجاز ابن القيم صورًا مشابهة. جاء في تهذيب السنن: «نظير هذا ما لو أفلس غريمه، فأقرضه دراهم يوفيه كل شهر شيئًا معلومًا من ربحها جاز؛ لأن المقترض لم ينفرد بالمنفعة .... ونظير ذلك أيضا إذا أقرض فلاحه ما يشتري به بقرًا يعمل بها في أرضه، أو بذرًا يبذره فيها. ومنعه بن أبي موسى. والصحيح جوازه، وهو اختيار صاحب المغني؛ وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه، ويحصل انتفاع المقرض ضمنًا، فأشبه أخذ السفتجة به، وإيفاءه إياه في بلد آخر من حيث إنه مصلحة لهما جميعًا

стр. 8861

والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض، كسكنى دار المقترض، وركوب دوابه، واستعماله، وقبول هديته. فإنه لا مصلحة له في ذلك بخلاف هذه المسائل، فإن المنفعة مشتركة بينهما وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة» (١). القول الثاني: منع المالكية من اجتماع عقد القرض وعقد الشركة. جاء في الشرح الصغير: «لا يجوز اجتماع البيع، أو الصرف، مع جعل، أو مساقاة، أو شركة، أو نكاح، أو قراض، ولا اجتماع اثنين منها في عقد» (٢). وجاء في منح الجليل: «الستة التي لا يجوز اجتماعها مع البيع لا يجوز اجتماعها فيما بينها» (٣). فالعقود التي لا يجوز أن تجتمع مع البيع، هي الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض (المضاربة) والقرض (السلف). ولا يجوز اجتماعها فيما بينها، مما يعني المنع من اجتماع القرض والشركة. وقد تكلمت عن الضابط في اجتماع العقود في عقد البيع في المجلد الخامس، وبينت دليل المالكية في المنع من الجمع بين هذه العقود فانظر هناك مشكورًا.

стр. 8862

الراجح: جواز اجتماع القرض والشركة، والمنفعة ليست متمحضة للمقرض، وإنما هي مشتركة بينهما، فلا مانع من اجتماعهما، والله أعلم. * * *

стр. 8863

الشرط الثالث إذا اشترط عليه الوفاء في غير بلد القرض ما وجب رده لزم رده في موضع التعاقد إلا أن يكون المكان لا يصلح لذلك. أي زيادة مشروطة تتمحض للمقرض من قرضه لا تجوز سواء كانت عينًا أو منفعة. إذا اشترط المقرض مكانًا للسداد لينتفع به، ولم يكن في ذلك منفعة للمقترض حرم الشرط. إذا اشترط المقترض مكانًا للسداد أرفق به جاز بالتراضي. [م-١٨٠٥] لا يجب على المقرض ولا على المقترض ذكر مكان الوفاء، لحديث ابن عباس المتفق عليه من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (١). فالنبي ﷺ لم يذكر مكان إيفاء المسلم فيه، مع أن الحديث وارد لبيان شروط السلم، فدل ذلك على عدم اشتراطه، وإذا لم يجب ذكر مكان الوفاء في دين السلم، وهو من عقود المعاوضات، لم يجب ذكره في دين القرض من باب أولى؛ لأن عقود المعاوضات قائم على أن كل التزام يقابله عوض، فيتشدد في ذكر مكان الوفاء بخلاف عقد الإرفاق القائم على التسامح. وإذا أطلق عقد القرض، ولم يذكر مكان الوفاء، فإن هذا يعني أن الوفاء

стр. 8864

يجب أن يكون في الموضع الذي تم فيه العقد، إلا أن يكون موضع العقد لا يصلح مكانًا للوفاء، كما لو أقرضه في طيارة، أو في لجة البحر. فإذا اشترط المقرض أن يكون الوفاء في غير بلد القرض، وهو ما يسمى عند الفقهاء بالسفتجة (١)، فما حكم التزام مثل هذا الشرط. وللجواب على ذلك أذكر مسائل هذه المعاملة إن شاء الله تعالى مبينًا محل الوفاق منها ومحل الخلاف، والراجح، أسأل الله وحده العون والتوفيق. المسألة الأولى: [م-١٨٠٦] أن يكون الوفاء في غير بلد القرض من غير شرط، وإنما كان على سبيل المعروف، فقد اختلف العلماء فيها على قولين. القول الأول: الجواز مطلقًا، حتى ولو كان فيه مؤونة على المقترض؛ لأن ذلك سوف يعتبر من باب حسن القضاء، وهذا قول عامة أهل العلم (٢). (ح-١٠٨٣) لما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار. عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل

стр. 8865

الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء. فهنا زاده النبي ﷺ في الوصف، ولما كانت الزيادة غير مشروطة، كان هذا الفعل من حسن القضاء الذي يفعله خيار الناس. ومثله لو كان في ذمة رجل دين ثابت، فسأل صاحب الدين أن يكتب له به سفتجة إلى بلد آخر، فكتب له جاز ذلك؛ لأن ذلك لم يكن عن شرط (١). القول الثاني: قال بعض الشافعية: لا يجوز ذلك في أموال الربا، ويجوز في غيرها. قال العمراني في البيان: «وإن اقترض رجل من غيره درهمًا، فرد عليه درهمين أو درهمًا أجود من درهمه، أو باع منه داره، أو كتب له بدرهمه سفتجة إلى بلد آخر من غير شرط، ولا جرت للمقرض عادة بذلك جاز. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك في أموال الربا، ويجوز في غيرها. وهذا ليس بصحيح؛ لما روي: «أن النبي ﷺ اقترض نصف صاع، فرد صاعًا، واقترض صاعًا، فرد صاعين، واقترض من الأعرابي بكرًا، فرد عليه أجود منه، وقال ﷺ : خيار الناس أحسنهم قضاء. وقال جابر ﵁: كان لي عند رسول الله ﷺ دين، فقضاني، وزادني. ولأنه متطوع بالزيادة، فجاز، كما لو وصله بها» (٢).

стр. 8866

وهذا هو القول الراجح الذي لا ينبغي خلافه. المسألة الثانية: [م-١٨٠٧] أن يكون شرط الوفاء في غير بلد القرض اشترطه المقترض، كما لو اقترض رجل وهو مسافر، واشترط أن يكون الوفاء في بلده إذا رجع من السفر؛ لكونه أرفق به، وأيسر له، ففي هذه الحالة يجوز الوفاء في غير بلد القرض؛ لأن التحريم إنما كان خوفًا من أن يحمل القرض نفعًا خاصًا للمقرض، فإذا جاء الاشتراط من قبل المقترض وكان أرفق به، لم يكن هناك منفعة للمقرض، وإن كان هناك منفعة فإنها لم تتمحض له، وإنما هي مشتركة بينه وبين المقترض. قال ابن عبد البر: ولا بأس أن يشترط المستسلف ما ينتفع به من القضاء في موضع آخر، ونحو ذلك، قال مالك: فإن كان المقرض هو المشترط لما ينتفع به لم يجز ذلك، ولا خير فيه» (١). المسألة الثالثة: [م-١٨٠٨] أن يشترط المقرض الوفاء في غير بلد القرض، ولم يكن للمقترض أي منفعة من هذا الشرط، ويكون الباعث على الشرط أن يأمن المقرض خطر الطريق ومؤنة الحمل. فهذا الشرط لا يجوز، وينبغي أن يكون التحريم بالإجماع. جاء في الكافي لابن عبد البر: «فإن كان المقرض هو المشترط لما ينتفع به لم يجز ذلك» (٢).

стр. 8867

وقال ابن قدامة: «وإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر، وكان لحمله مؤنة لم يجز» (١). وقال العمراني في البيان: «ولا يجوز أن يقرضه دراهم على أن يعطيه بدلها في بلد أخرى، ولا أن يكتب له بها سفتجة، فيأمن خطر الطريق ومؤنة الحمل» (٢). لأن أي زيادة مشروطة تتمحض للمقرض من قرضه لا يجوز سواء كانت هذه الزيادة عينًا أو منفعة، فكأن المقرض رجع إليه قرضه وزيادة، وكانت الزيادة مشروطة، وهي تحمل نفقات الحمل، وهي عوض على الإقراض، لا يقابلها شيء فتكون ربا. قال ابن عبد البر: كل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك» (٣). فقوله ﵀ (كل زيادة) من ألفاظ العموم تشمل كل زيادة، وقوله (من عين أو منفعة) بيان لهذه الزيادة، وأن الزيادة ليست محصورة في أعيان معينة كربا البيوع، بل ولا في جنس الأعيان حتى لو اشترط زيادة منفعة، كانت المنفعة محرمة. والزيادة هنا جمعت زيادة العين والمنفعة، فأجرة الحمل زيادة عينية، وخطر الطريق زيادة منفعة.

стр. 8868

المسألة الرابعة: [م-١٨٠٩] لو كان الباعث على الاشتراط هو الضرورة، وقد مثل له المالكية بأن يعم الخوف على النفس والمال جميع طرق المحل التي يذهب المقرض منها إليه، فإذا عم الخوف، جاز اشتراط المقرض الوفاء في بلد آخر تقديمًا لمصلحة حفظ المال والنفس على مضرة النفع في القرض (١). وهذا يتفق مع قواعد الشريعة، وهو ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتفويت المصلحة الصغرى لجلب مصلحة أكبر. ويشهد لصحة هذه القاعدة نصوص شرعية: كما خرق الخضر ﵇ السفينة، وقام بقتل الغلام، وكما ترك المصطفى ﷺ قتل المنافقين حتى لا يقال: إن النبي ﷺ يقتل أصحابه، وترك النبي ﷺ بناء الكعبة على قواعد إسماعيل خوفًا من الافتتان. المسألة الخامسة: [م-١٨١٠] إذا كان الوفاء بالقرض مشروطًا من قبل المقرض، أو كان متعارفًا عليه؛ لأن المعروف كالمشروط، وكان في اشتراط الوفاء في بلد آخر ينطوي على نفع للمقرض والمقترض، فإن هذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحرم الوفاء بهذا الشرط مطلقًا، سواء أكان القرض يحتاج حملة إلى مؤنة أم

стр. 8869

لا، وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، ومذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة، وبه قال ابن حزم من الظاهرية (١). وعبر الحنفية بالكراهة، والمراد بها كراهة التحريم. جاء في مرشد الحيران: «السفتجة بلا شرط المنفعة للمقرض جائزة، وإنما تكره تحريمًا إذا كانت المنفعة مشروطة أو متعارفة» (٢). وجاء في البناية نقلًا من الفتاوى الصغرى: «السفتج إن كان مشروطًا في القرض فهو حرام، والقرض بهذا الشرط فاسد» (٣). وقد صرح ابن جزي في القوانين (٤)، أبو وليد الباجي (٥)، وابن شاس في عقد الجواهر أن المنع هو المشهور من مذهب مالك (٦). قال القرافي: «إن كانت المنفعة للجهتين منع، إلا أن تكون ضرورة كالسفاتج

стр. 8870

فروايتان المشهور: المنع» (١). وفي المدونة: «القرض إذا كان على أن يقضيه ببلد آخر، ربح الحملان، فلا يصلح ذلك» (٢). وقال في الإنصاف: «إذا شرط أن يقضيه ببلد آخر: فجزم المصنف هنا: أنه لا يجوز. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀، وهو الصحيح» (٣). القول الثاني: يجوز اشتراط الوفاء في غير بلد القرض مطلقًا، سواء أكان القرض لحمله مؤنة أم لا، اختاره بعض المالكية، وقول عند الحنابلة مقابل المشهور أيضًا، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٤). القول الثالث: إن كان القرض لحمله مؤنة فإنه يحرم اشتراط القضاء في غير بلد القرض، وإن كان في الدراهم والدنانير، وما ليس لحمله مؤنة فإن ذلك مكروه كراهة التنزيهة، وهو رواية عن مالك. قال ابن عبد البر: «ولا يجوز أن يقترض الرجل شيئًا له حمل ومؤنة في بلد

стр. 8871

على أن يعطيه ذلك في بلد آخر، فأما السفاتج بالدنانير والدراهم، فقد كره مالك العمل بها، ولم يحرمها» (١). القول الرابع: التفريق بين أن يكون القرض يحتاج حملة إلى مؤنة فيمنع، وبين أن يكون القرض لا يحتاج حمله إلى مؤنة فيجوز. قال ابن قدامة: «وإن شرط أن يوفيه في بلد آخر، أو يكتب له به سفتجة إلى بلد في حمله إليه نفع، لم يجز لذلك، فإن لم يكن لحمله مؤنة، فعنه: الجواز؛ لأن هذا ليس بزيادة قدر ولا صفة، فلم يفسد به القرض، كشرط الأجل. وعنه: في السفتجة مطلقاً روايتان؛ لأنها مصلحة لهما جميعاً» (٢). فصارت الأقوال في المسألة: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، وهما روايتان في مذهب الحنابلة كما نقله ابن قدامة. التفريق بين إقراض ما يحتاج إلى مؤنة في حمله فيمنع على خلاف، هل المنع للتحريم أو للكراهة؟ وبين إقراض الدراهم والدنانير مما لا يحتاج إلى مؤنة في نقله، فيجوز. وما دام أدلة التحريم هي أدلة الكراهة، سنكون في عرض الأدلة على ثلاثة أقوال فقط، والله أعلم.

стр. 8872

أدلة من قال: يمنع السفتجة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-١٠٨٤) ما رواه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث من طريق سوار بن مصعب، عن عمارة الهمداني قال: سمعت عليا يقول: قال رسول الله ﷺ : كل قرض جر منفعة فهو ربا (١). [ضعيف جدًا] (٢).

стр. 8873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8875

وأجيب عن الحديث: الجواب الأول: الحديث ضعيف جدًا، وقد قال الموصلي: لم يصح فيه شيء عن النبي ﷺ (١). الجواب الثاني: من حيث المعنى، فإن قوله: (كل قرض جر نفعًا فهو ربا). لفظ (كل) من ألفاظ العموم، ومقتضاه: أولاً: يشمل نفع المقرض كما يشمل نفع المقترض؛ حيث لم يقيد النفع في حق أحدهما، فلو كان المنتفع هو المقترض وحده وأخذنا بظاهر الحديث لقلنا: إنه من الربا، وهذا غير مراد، بل هو خاص بالمقرض وحده. ثانيًا: أن الحديث لو أخذناه على ظاهره لعاد هذا بالإبطال على أصل القرض، فإن كل قرض فيه منفعة للمقرض، وهو ضمان المال، ولذلك فضله بعض الفقهاء في مال اليتيم إذا أقرضه الولي شخصًا مليئًا، وأخذ به رهنًا على الإيداع، لأن المقرض ينتفع بالضمان بخلاف الوديعة، وقد تكلمت عليه في عقد الوصية، ولله الحمد. ثالثًا: أن هذا العموم غير مراد حتى في حق المقرض، فقد خرج منه: إذا كان

стр. 8876

النفع غير مشروط، وجاء متبرعًا به عند القضاء، فإن النصوص الشرعية، بل والإجماع على إباحة هذا النفع كما تقدم. رابعًا: كما خرج منه كل نفع يكون مشتركًا على حد سواء بين المقرض والمقترض على الصحيح، وإنما المحرم أن يتمحض النفع للمقرض وحده. الدليل الثاني: (ث-٢٥٧) روى البخاري من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، أتيت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا، وتدخل في بيت، ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا (١). وجه الاستدلال: اعتبر الصاحبي الجليل الانتفاع من المدين بأنه ربا، ولو كان ذلك باسم الهدية، وأي منفعة استفادها بسبب القرض إذا كان لا يقابلها عوض فهي من الربا. ويناقش: هذا التوجيه صحيح لو كانت المنفعة خاصة للمقرض، ولا منفعة فيه للمستقرض، فيقال: إن حمل المال لا يقابله عوض سوى القرض، فهي زيادة دفعها المستقرض للمقرض، أما إذا كان الوفاء في بلد آخر فيه منفعة للمقرض

стр. 8877

وإرفاق بالمستقرض، فلا يمنع منها، كما سيأتي الاستدلال له في أدلة القول الثالث إن شاء الله. الدليل الثالث: (ث-٢٥٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن أبي عميس، عن يزيد بن جعدبة، عن عبيد بن السباق، عن زينب الثقفية، امرأة عبد الله أن النبي ﷺ أعطاها جذاذ خمسين وسقًا ثمرًا وعشرين وسقًا شعيرً فقال لها عاصم بن عدي: إن شئت وفيتكيها هنا بالمدينة وتوفيها بخيبر، فقالت: حتى أسأل أمير المؤمنين عمر، فسألته، فقال: وكيف بالضمان؟ (١) [ضعيف جدًا] (٢).

стр. 8878

ويناقش: بأن الأثر على شدة ضعفه، فهو مخالف لما صح عن ابن الزبير وابن عباس، وإذا اختلف الصحابة فيما بينهم لم يكن قول أحدهم حجة على الآخر إلا بالدليل، على أنه قد يقال: ربما كرهه عمر لأن القرض كان طعامًا، وهذا لحمله مؤنة، فربما لو كان للدراهم والدنانير لم يكرهه، ولهذا قال في بلاغ مالك فأين الحمل، وأما الضمان فالقرض مضمون مطلقًا سواء وفاه في بلد القرض أو فاه في غيره، والله أعلم. الدليل الرابع: (ث-٢٥٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء، أن ابن الزبير كان يعطي التجار المال هاهنا، ويأخذ منهم بأرض أخرى، فذكر أو ذكرت ذلك لابن عباس، فقال: لا بأس ما لم يشترط (١). [صحيح، وابن جريج من المكثرين عن عطاء، فلا تضر عنعنته]. وجه الاستدلال: قول ابن عباس ﵄: لا بأس به ما لم يشترط دليل على أنه إذا اشترط فإن فيه بأسًا، وهذا يعني المنع. ويناقش: بأن رأي ابن عباس ﵄ حجة ما لم يخالف، وقد خالفه ابن الزبير، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول الصحابي حجة بمفرده.

стр. 8879

الدليل الخامس: القرض وضع للإرفاق والإحسان، فإذا وضع للتكسب صار معاوضة؛ لأن القرض والسلم يجتمعان في مبادلة مال حال بمال مؤجلًا على سبيل التملك، ويفترقان: أن القرض للإرفاق، والسلم للتكسب، فإذا قصد المقرض بشرطه أمن الطريق، وحمل المال فقد خرج عن بابه، وصار معاوضة، فيتطلب لصحته شروط البيع خاصة إذا كان المال يجري فيه ربا النسيئة. ويناقش: بأن هذا القول صحيح فيما لو كانت المنفعة للمقرض وحده، أما إذا كان الوفاء بهذا الشرط أرفق بالمقترض لم يحرم، وهذا هو موضع البحث. والقول بأن القرض وضع للإرفاق هذا هو الأصل في القرض، وليس شرطًا لجواز القرض أو صحته، فإن كل قرض فيه منفعة للمقرض، وهو ضمان المال، ولذلك فضل بعض الفقهاء في مال اليتيم أن يقرضه الولي شخصًا مليئًا، على أن يودعه، لأن المقرض ينتفع بالضمان بخلاف الوديعة. الدليل السادس: (ح-١٠٨٥) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق إبراهيم بن نافع الجلاب، حدثنا عمر بن موسى بن الوجيه، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : السفتجات حرام (١). [ضعيف جدًا بل موضوع] (٢).

стр. 8880

دليل من قال بجواز السفتجة مطلقًا: الدليل الأول: الأصل في العقود والشروط الصحة والإباحة، ولا يحرم منها شيء إلا بدليل صحيح صريح، واشتراط الوفاء في غير البلد يدخل فيها؛ لأنه لا نص يقضي بتحريم مثل هذا الشرط، وقد عقدت فصلًا في عقد البيع وتكلمت عن الأصل في الشروط فارجع إليه إن شئت. ويناقش: بأنه على التسليم بهذه القاعدة، فإننا لا نسلم أن اشتراط الوفاء في غير البلد لا يوجد دليل يقتضي التحريم، كما بيناه في أدلة القول الأول. الدليل الثاني: أن السفتجة فيها شبه بالحوالة، والحوالة جائزة فتصح السفتجة قياسًا عليها. ويناقش: بأن السفتجة وإن أشبهت بعض صورها الحوالة فهي لا تشبهها في كل الصور، والسفتجة إن كانت في الديون الناشئة عن المعوضات، فهذا لا خلاف في صحتها مطلقًا بصرف النظر عن المنتفع، فلو باعه مؤجلًا، سواء كان التأجيل للثمن، أو كان التأجيل للمثمن كما في دين السلم، واشترط عليه مكان معينًا للوفاء صح الشرط بالاتفاق، حتى ولو كان النفع للبائع خاصة، وقد ذكرت ذلك في عقد السلم. بخلاف السفتجة في القرض، فإنه إن أحاله عند المطالبة بالوفاء، وكان ذلك

стр. 8881

بدون شرط، فهي غير لازمة، وتصح بالاتفاق، حتى ولو كان النفع للمقرض وحده. وقد تكلمت على هذه الصورة. وإن اشترط السفتجة للقرض، فإن كان النفع خاصًا بالمقرض منع بالاتفاق، أو كان خاصًا بالمقترض جاز بالاتفاق، وإن كان النفع لهما، فهي مسألتنا هذه، وفيها خلاف، وتسميتها سفتجة أو حوالة ليس هذا مناط الحكم، لأن العبرة بالعقود بالمعاني. والسفتجة غالبًا ما يكون طرفها اثنين: المقرض والمقترض، ولو دخل طرف ثالث، فإن كان وكيلًا عنهما، لم يخرج العقد عن كونه بين المقرض والمتقرض؛ لأن يد الوكيل هي يد الموكل؛ فهو نائب عنه، وقائم مقامه، وهذه الصورة لا حوالة فيها، وإن كان الثالث ليس وكيلًا، وكان مدينًا للمستقرض، فهي حوالة، والله أعلم. أما الحوالة فلا تكون أطرافها إلا ثلاثة، والطرف الثالث ليس وكيلًا، وإنما يتم فيها نقل الحق من ذمة المدين إلى ذلك الطرف الثالث، سواء أكان مدينًا أم متبرعًا، فعلم بهذا أن السفتجة لا تشبه الحوالة في كل صورها (١).

стр. 8882

الدليل الثالث: (ث-٢٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء، أن ابن الزبير كان يعطي التجار المال هاهنا، ويأخذ منهم بأرض أخرى، فذكر أو ذكرت ذلك لابن عباس، فقال: لا بأس ما لم يشترط (١). [صحيح، وابن جريج من المكثرين عن عطاء، فلا تضر عنعنته] ويناقش: بأن ابن الزبير إن كان يرى الجواز فقد خالفه غيره من الصحابة، وإذا اختلف صحابة رسول الله ﷺ لم يكن قول الصحابي حجة بمفرده. الدليل الرابع: أن اشتراط الوفاء في غير بلد القرض مصلحة للمقرض والمقترض معًا من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل

стр. 8883

يرد بمشروعيتها، وإنما ينهى عما يضرهم، وهذه المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة (١). فلو فرض أن رجلين من أهل مصر التقيا في السعودية، واحتاج أحدهما إلى قرض، والمقرض يريد أن ينقل المال إلى مصر، والمقترض محتاج للمال في السعودية، وله مال في مصر، ولولا القرض لحمله ذلك إلى نقل ماله من مصر إلى السعودية، فيستقرض في السعودية، ويكتب لنائبه أن يوفيه من ماله في مصر، فهنا انتفع المقترض بالقرض، ولم يضطر إلى نقل ماله من بلده إلى السعودية، وانتفع المقرض أيضًا حيث لم يعرض ماله للخطر، أو مؤنة الحمل، فلا يوجد في أدلة الشرع ما يمنع من مثل هذه المعاملة، والله أعلم. والقول بجوازها يعني جواز الحوالات المصرفية؛ على القول بتخريجها على أنها سفتجة، إذا لم يقترن معها صرف، والعمل عليها اليوم في بلاد المسلمين، لأن البنك عندما يأخذ من المحيل مبلغًا من المال، فإنما يقترضه؛ لأنه يتملكه، ويتصرف فيه تصرف الملاك، ويستحوذ على غنمه، ويتحمل غرمه، ويضمنه له، وكل ذلك ليس من شأن الودائع، بل هو سبيل القروض، فإذا حوله على فرع آخر ليوفيه له أو لوكيله في بلد آخر، فهذه سفتجة، وتسميتها حوالة لا يعني أنها من الحوالة الفقهية، وإنما اصطلاح درج عليه الناس، كما أطلقوا على ما يدفعه الناس للبنوك بالودائع، وهي قروض، وقد تكلمت عن توصيف الحوالة المصرفية في عقد الحوالة، فلله الحمد، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

стр. 8884

دليل من قال بالجواز إذا لم يكن لحمل القرض مؤنة: إذا اشترط عليه الوفاء في غير بلد القرض، وكان القرض يحتاج حمله إلى مؤنة فقد عاد القرض على المقرض بأكثر منه، بزيادة مشروطة، وهذا هو عين الربا كما لو أقرضه مائة، واشترط عليه أن يرد له مائة وعشرة؛ لأن أي منفعة يشترطها المقرض على المقترض، إذا كان لا يقابلها عوض فهي من الربا. وقد سبق لنا في عقد الصرف أن ذكرنا قاعدة: أنه يعتبر في حكم الفائدة كل منفعة أو عمولة أيًا كان نوعها إذا اشترطها الدائن على المدين، ولم يقابل ذلك خدمة حقيقة متناسبة يكون الدائن قد أداها فعلًا. الراجح: أرى أن اشتراط الوفاء في بلد آخر غير بلد المقرض يجوز بشرط أن يكون هناك انتفاع مشترك لهما، ولا يحسب من النفع انتفاع المقترض بالقرض نفسه، كما لا يحسب منه انتفاع المقرض بالضمان؛ لأنه هذه منافع لازمة لكل قرض، حتى لو أوفاه في بلد المقرض، فليست داخلة في النفع المشترك المطلوب لجواز هذه المعاملة، والله أعلم. * * *

стр. 8885

الشرط الرابع اشتراط الزيادة في مقابل القرض قال ابن قدامة: «كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف» (١). [م-١٨١١] حكى الفقهاء من كافة المذاهب على تحريم اشتراط زيادة في بدل القرض من عين أو منفعة، وأن ذلك من الربا. ففي المذهب الحنفي: قال العيني: «أجمع المسلمون بالنقل عن النبي ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا حرام» (٢). وفي مذهب المالكية قال ابن عبد البر: «كل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك» (٣). فقوله ﵀ (كل زيادة) من ألفاظ العموم تشمل كل زيادة، وقوله (من عين أو منفعة) بيان لهذه الزيادة، وأن الزيادة ليست محصورة في أعيان معينة كربا البيوع، بل ولا في جنس الأعيان حتى لو اشترط زيادة منفعة كانت المنفعة محرمة. وقال أيضاً: «وقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف، أو حبة، كما قال ابن مسعود: أو حبة واحدة» (٤).

стр. 8886

ونقله عنه القرطبي المالكي في تفسيره (١). وفي المذهب الشافعي قال ابن المنذر: «أجمعوا على المسلف إذا شرط على المستسلف هدية أو زيادة، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة ربا» (٢). وفي مذهب الحنابلة: قال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراماً» (٣). وقال ابن قدامة: «كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف» (٤). وقال ابن مفلح الصغير الحنبلي: «كل قرض شرط فيه زيادة فهو حرام إجماعاً؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة فيعطيه صحاحاً، أو نقداً ليعطيه خيرا منه .... » (٥). وفي المذهب الظاهري، قال ابن حزم: «لا يحل إقراض شيء ليرد إليك أقل ولا أكثر، ولا من نوع آخر أصلًا، لكن مثل ما أقرضت في نوعه ومقداره .... وهذا إجماع مقطوع به» (٦). وكان مستند هذا الإجماع نصوص قطعية من كتاب الله، ومن سنة نبينا ﷺ ، فمن أراد النجاة لنفسه في الآخرة فليتمسك بهذا حتى يلقى الله .

стр. 8887

ومن هذه النصوص: قال تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. فمن أخذ زيادة على رأس ماله فقد ظلم، وتعدى، ومن أراد الخروج من ظلم الربا فليس له إلا مخرج واحد أن يأخذ المرابي رأس ماله، هذا هو طريق النجاة لمن أراد التوبة من الربا. وأما الأدلة من الآثار: (ث-٢٦١) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن سعيد بن أبي بردة. عن أبيه، أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقاً وتمراً ..... ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا (١). (ح-١٠٨٦) وروى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه. عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢). [إسناده حسن] (٣). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع) والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع

стр. 8888

والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض وإن كان كل واحد منهما صحيحًا بانفراده؛ لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعاً للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع، وإذا كان هذا حكم الشرع بالفائدة المستترة فكيف بالفائدة الظاهرة المشروطة. قال ابن تيمية: «نهى - يعني النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح وإنما ذاك؛ لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفاً، ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفاً، وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا» (١). وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض. الباجي في المنتقى (٢)، والقرافي في الفروق (٣)، والحطاب في مواهب الجليل (٤)، وابن قدامة في المغني (٥)، وغيرهم. ومع وضوح تحريم ربا القروض مطلقاً، واتفاق علماء السلف عليه إلا أن هناك من خالف في هذه المسألة من المحدثين، وخلافهم فيها من قبيل الخلاف الشاذ، المخالف للإجماع، ويلتمس العذر لهم لكونهم متأولين، ولا يعتبر القول عندي خارقاً للإجماع لكون هذا القول في نفسه مخالفاً للإجماع كما سبق، وقد ناقشت أدلتهم في عقد الربا، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد. * * *

стр. 8889

الشرط الخامس اشتراط الوفاء بأنقص زيادة الإرفاق في عقد الإرفاق لا تحرم. الوفاء بأنقص إبراء من بعض الدين يصح بالشرط وبغيره. اشتراط الوفاء بأنقص عكس الربا. كل منفعة متمحضة للمقترض فهي مباحة. [م-١٨١٢] إذا رد المقترض أقل مما أخذ من غير شرط، ورضي المقرض، فإن ذلك صحيح بلا خلاف بين العلماء، بل هو من الإحسان والإرفاق المأجور عليه. كما يحرم على المقترض أن يماطل بالسداد، ويدعي العجز عن الوفاء حتى يتنازل له عن مقدار من الدين، فإن هذا من أكل أموال الناس بالباطل. أما إذا اشترط المقترض عند القرض أن يكون الوفاء بأقل مما أقترضه، وكان ذلك برضا واختيار المقرض، فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال. القول الأول: إذا اشترط أن يرد أنقص مما أخذ قدرًا أو صفة، فالشرط فاسد، وهل يفسد العقد فيه وجهان: أحدهما: لا يفسد، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).

стр. 8890

والثاني: يفسد العقد، وهو وجه في مذهب الشافعية، واختيار ابن حزم (١). دليل من قال: يصح القرض ويفسد الشرط: الدليل الأول: أما فساد الشرط: فلأن القرض يقتضي المثل، فشرط النقصان يخالف مقتضاه. فلم يجز، كشرط الزيادة. وأما صحة القرض؛ فلأن الشرط لم يجر نفعًا إلى المقرض، فيلغو الشرط وحده. جاء في حاشية الجمل: «أو شرط أن يرد أنقص قدرًا، أو صفة كرد مكسر عن صحيح ....... لغا الشرط فقط: أي لا العقد؛ لأن ما جره من المنفعة ليس للمقرض، بل للمقترض ... والعقد عقد إرفاق، فكأنه زاده في الإرفاق، ووعده وعدًا حسنًا» (٢). ويناقش: بأننا لا نسلم أن اشتراط النقصان ينافي مقتضى العقد، لأن العقد عقد إرفاق، والقبول بهذا الشرط زيادة في الإرفاق، فهو موافق لطبيعة القرض. الدليل الثاني: (ح-١٠٨٧) ما رواه البخاري استدلوا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه. عن

стр. 8891

عائشة ﵂ في قصة إعتاق بريرة، وفيه: قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (١). وجه الاستدلال: قال ابن حزم: «ولا يحل أن يشترط رد أكثر مما أخذ، ولا أقل، وهو ربا مفسوخ، ولا يحل اشتراط رد أفضل، مما أخذ ولا أدنى وهو ربا ... برهان ذلك: قول رسول الله ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق، ولا خلاف في بطلان هذه الشروط التي ذكرنا في القرض» (٢). ولما كان الخلل في الشرط وحده بطل الشرط، وصح العقد. وقال أيضًا: «فهذه الأخبار براهين قاطعة في إبطال كل عهد، وكل عقد، وكل وعد، وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به، أو النص على إباحة عقده؛ لأن العقود والعهود والأوعاد شروط، واسم الشرط يقع على جميع ذلك (٣). ويناقش: بأن أبا محمد ﵀ قد ذهب إلى أن الأصل في الشروط المنع والبطلان حتى

стр. 8892

يقوم دليل خاص على جوازه وصحته، وهذا قول ضعيف، وقد سبق تحرير الخلاف في عقد البيع عند الكلام على شروط البيع، وأن الأصل في الشروط الصحة والجواز حتى يقوم دليل على المنع هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المقصود كل شرط ليس في كتاب الله ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن قوله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله) المقصود بالشرط هنا: هو المشروط، كما يقال: درهم ضرب الأمير: أي مضروب الأمير، ومعناه: من اشترط شيئاً لم يبحه الله، أو من اشترط ما ينافي كتاب الله لقوله: (كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق) أي كتاب الله أحق من هذا الشرط، وشرط الله أوثق منه، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى، وأما إذا لم يكن الشرط مما حرمه الله فلم يخالف كتاب الله وشرطه، حتى يقال: كتاب الله أحق، وشرطه أوثق. الوجه الثاني: أن المقصود بقوله: (ليس في كتاب الله) أي في حكم الله، بدليل أن الحكم بالولاء لمن أعتق ليس منصوصاً عليه في كتاب الله، وإنما هو مما جاءت به السنة الوجه الثالث: أن قوله في الحديث: (ليس في كتاب الله) يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه، فإذا قيل: هذا في كتاب الله، فإنه يشمل ما هو فيه

стр. 8893

بالعموم والخصوص، بدليل أن الشرط الذي ثبت جوازه بالسنة، أو بالإجماع صحيح بالاتفاق، فيجب أن يكون في كتاب الله (١). الدليل الثالث: القياس على اشتراط الزيادة، فإذا كان اشتراط الزيادة للمقرض لا تجوز، فكذلك اشتراط الأنقص لا يجوز. ويجاب: بأن هذا القياس قياس فاسد الاعتبار، لوجود الفرق، فاشتراط الزيادة يحول القرض إلى عقد معاوضة، فيخرج القرض عما وضع له من الإرفاق والإحسان، واشتراط الأنقص زيادة في الإرفاق والإحسان، فلا يخرج القرض عما وضع له، والله أعلم. القول الثاني: يصح القرض والشرط، وهو وجه في مذهب الشافعية، وقول في مقابل الصحيح عند الحنابلة (٢). وجه القول بالصحة: الوجه الأول: أن الأصل في الشروط الصحة والجواز، ولا يحرم منها شيء إلا بدليل، ولا دليل على تحريم مثل هذا الشرط.

стр. 8894

الوجه الثاني: أن القرض جعل للرفق بالمستقرض، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه بخلاف الزيادة. الوجه الثالث: أن هذا نقيض الربا، فلا يمكن أن يكون ممنوعًا، ذلك أن الربا يقوم على استغلال حاجة الإنسان إلى المال، فيقرضه ويشترط عليه أن يرد عليه أكثر مما أخذه، بينما هذا يقضي حاجته، وقد قبل أن يبرئه عن مقدار معين مما أخذه، وهذا لا يجعله حرامًا ولو كان بالشرط .. القول الثالث: أن المال المقرض إن كان يجري فيه الربا فلا يجوز اشتراط الوفاء بأنقص، وإلا صح الشرط، اختاره بعض الحنابلة (١). وجه هذا القول: أن المال إذا كان يجري فيه الربا فشرط مبادلته بمثله وجوب المماثلة، فإذا شرط أن يرد عليه أنقص أدى ذلك إلى فوات المماثلة الواجبة. جاء في المغني: «وإن شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه، وكان ذلك مما يجري فيه الربا، لم يجز؛ لإفضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه» (٢).

стр. 8895

ويناقش: بأن وجوب المماثلة والقبض يجريان في عقود المعاوضة كالبيع، ولا يجريان في عقد القرض؛ لأنه من عقود التبرع، ولذلك لما لم يجب القبض مع أن الأموال ربوية لم يجب التماثل، والله أعلم. الراجح: أرى أن القول بالجواز هو الصحيح، وأن القول بالمنع مطلقًا أو بما لا يجري فيه الربا قول لا حجة له، والله أعلم. * * *
следующие страницы →