← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

عائشة ﵂ في قصة إعتاق بريرة، وفيه: قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (١). وجه الاستدلال: قال ابن حزم: «ولا يحل أن يشترط رد أكثر مما أخذ، ولا أقل، وهو ربا مفسوخ، ولا يحل اشتراط رد أفضل، مما أخذ ولا أدنى وهو ربا ... برهان ذلك: قول رسول الله ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق، ولا خلاف في بطلان هذه الشروط التي ذكرنا في القرض» (٢). ولما كان الخلل في الشرط وحده بطل الشرط، وصح العقد. وقال أيضًا: «فهذه الأخبار براهين قاطعة في إبطال كل عهد، وكل عقد، وكل وعد، وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به، أو النص على إباحة عقده؛ لأن العقود والعهود والأوعاد شروط، واسم الشرط يقع على جميع ذلك (٣). ويناقش: بأن أبا محمد ﵀ قد ذهب إلى أن الأصل في الشروط المنع والبطلان حتى

стр. 8892

يقوم دليل خاص على جوازه وصحته، وهذا قول ضعيف، وقد سبق تحرير الخلاف في عقد البيع عند الكلام على شروط البيع، وأن الأصل في الشروط الصحة والجواز حتى يقوم دليل على المنع هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المقصود كل شرط ليس في كتاب الله ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن قوله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله) المقصود بالشرط هنا: هو المشروط، كما يقال: درهم ضرب الأمير: أي مضروب الأمير، ومعناه: من اشترط شيئاً لم يبحه الله، أو من اشترط ما ينافي كتاب الله لقوله: (كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق) أي كتاب الله أحق من هذا الشرط، وشرط الله أوثق منه، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى، وأما إذا لم يكن الشرط مما حرمه الله فلم يخالف كتاب الله وشرطه، حتى يقال: كتاب الله أحق، وشرطه أوثق. الوجه الثاني: أن المقصود بقوله: (ليس في كتاب الله) أي في حكم الله، بدليل أن الحكم بالولاء لمن أعتق ليس منصوصاً عليه في كتاب الله، وإنما هو مما جاءت به السنة الوجه الثالث: أن قوله في الحديث: (ليس في كتاب الله) يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه، فإذا قيل: هذا في كتاب الله، فإنه يشمل ما هو فيه

стр. 8893

بالعموم والخصوص، بدليل أن الشرط الذي ثبت جوازه بالسنة، أو بالإجماع صحيح بالاتفاق، فيجب أن يكون في كتاب الله (١). الدليل الثالث: القياس على اشتراط الزيادة، فإذا كان اشتراط الزيادة للمقرض لا تجوز، فكذلك اشتراط الأنقص لا يجوز. ويجاب: بأن هذا القياس قياس فاسد الاعتبار، لوجود الفرق، فاشتراط الزيادة يحول القرض إلى عقد معاوضة، فيخرج القرض عما وضع له من الإرفاق والإحسان، واشتراط الأنقص زيادة في الإرفاق والإحسان، فلا يخرج القرض عما وضع له، والله أعلم. القول الثاني: يصح القرض والشرط، وهو وجه في مذهب الشافعية، وقول في مقابل الصحيح عند الحنابلة (٢). وجه القول بالصحة: الوجه الأول: أن الأصل في الشروط الصحة والجواز، ولا يحرم منها شيء إلا بدليل، ولا دليل على تحريم مثل هذا الشرط.

стр. 8894

الوجه الثاني: أن القرض جعل للرفق بالمستقرض، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه بخلاف الزيادة. الوجه الثالث: أن هذا نقيض الربا، فلا يمكن أن يكون ممنوعًا، ذلك أن الربا يقوم على استغلال حاجة الإنسان إلى المال، فيقرضه ويشترط عليه أن يرد عليه أكثر مما أخذه، بينما هذا يقضي حاجته، وقد قبل أن يبرئه عن مقدار معين مما أخذه، وهذا لا يجعله حرامًا ولو كان بالشرط .. القول الثالث: أن المال المقرض إن كان يجري فيه الربا فلا يجوز اشتراط الوفاء بأنقص، وإلا صح الشرط، اختاره بعض الحنابلة (١). وجه هذا القول: أن المال إذا كان يجري فيه الربا فشرط مبادلته بمثله وجوب المماثلة، فإذا شرط أن يرد عليه أنقص أدى ذلك إلى فوات المماثلة الواجبة. جاء في المغني: «وإن شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه، وكان ذلك مما يجري فيه الربا، لم يجز؛ لإفضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه» (٢).

стр. 8895

ويناقش: بأن وجوب المماثلة والقبض يجريان في عقود المعاوضة كالبيع، ولا يجريان في عقد القرض؛ لأنه من عقود التبرع، ولذلك لما لم يجب القبض مع أن الأموال ربوية لم يجب التماثل، والله أعلم. الراجح: أرى أن القول بالجواز هو الصحيح، وأن القول بالمنع مطلقًا أو بما لا يجري فيه الربا قول لا حجة له، والله أعلم. * * *

стр. 8896

الشرط السادس في اشتراط توثيق القرض المبحث الأول في توثيق القرض بالكتابة [م-١٨١٣] كتابة الدين من أعظم ما تحفظ به هذه المعاملات المؤجلة؛ لكثرة النسيان، ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى (١). وقد اختلف العلماء في حكم توثيق الدين بالكتابة على قولين: القول الأول: أن توثيق الدين بالكتابة والإشهاد مأمور به وليس واجبًا. وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على خلاف بينهم هل الأمر للندب أو للإرشاد (٢). والفرق بين الندب والإرشاد: أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، وأن الذي فعل ما أمر به إرشادًا؛ إن أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له، وإن أتى به لمجرد الامتثال، أو قصد الأمرين أثيب على ذلك.

стр. 8897

دليل من قال: الكتابة ليست واجبة: الدليل الأول: الإجماع العملي فأنت ترى المسلمين في جميع البلاد يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع عملي على عدم وجوبها، وقولنا: إجماع عملي خروجًا من الخلاف اللفظي المحفوظ في المسألة. قال أبو بكر الجصاص: «ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة، والإشهاد، والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح، والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئًا منه غير واجب. وقد نقلت الأمة خلف عن سلف عقود المداينات، والأشربة، والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبًا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به. وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندبًا، وذلك منقول من عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا، ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها، وأشربتها لورد النقل به متواترًا مستفيضًا، ولأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل المستفيض، ولا إظهار النكير على تاركه من العامة، ثبت بذلك أن الكتاب والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين» (١). الدليل الثاني: جعل الله المداينات في آية الدين على ثلاثة أقسام: دين بكتاب وشهود، ودين برهان مقبوضة، ودين بالأمانة، فلما جازت المداينات بالأمانة دون كتابة،

стр. 8898

ولا شهود دل ذلك على أن الأمر بقوله تعالى فاكتبوه للندب، وليس للوجوب (١). الدليل الثالث: أن في إيجاب الكتابة حرجًا شديدًا، ومشقة عظيمة. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. الدليل الرابع: أن الله أمر بالكتابة فيما للمرء أن يهبه، ويتركه بإجماع، فكان هذا قرينة على أن الأمر إنما هو للندب على جهة الحيطة للناس، ولهذا قال : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. فإن معناه عندهم: إن توفرت الطمأنينة بينكم، وائتمن بعضكم بعضًا لم يكن التوثيق لازمًا. القول الثاني: أن توثيق الدين بالكتابة واجب، وهذا مذهب الظاهرية، وبه قال الطبري (٢). قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله أمر المتداينين إلى أجل مسمى باكتتاب كتب الدين بينهم .... وأمر الله فرض لازم، إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب» (٣).

стр. 8899

دليل من قال: يجب توثيق الدين بالكتابة . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستدلال: قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ وهذا أمر بكتابة الدين بيعًا كان أو قرضًا، والأصل في الأمر الوجوب، ومما يؤيد دلالة هذا الأمر على الوجوب اهتمام الآية ببيان من له حق الإملاء، وصفة الكاتب، وأمر الكاتب بالاستجابة إذا طلب منه ذلك، ونهى عن الملل من الكتابة على أي حال كان من القلة والكثرة، ثم نفى الجناح بترك الكتابة إذا كان البيع حاضرًا يدًا بيد، والتعبير بنفي الجناح بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] يشعر بلوم من ترك الكتابة عند تعامله بالدين (١). وأجيب عن الآية بجوابين: الجواب الأول: بأن الأمر في الآية للإرشاد، وليس للإيجاب، والقرينة الصارفة عن الوجوب، قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] والرهن لا يجب إجماعًا، وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية، فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبًا، وصرح بعدم الوجوب بقوله:

стр. 8900

﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]، فالتحقيق أن الأمر في قوله: فاكتبوه للندب والإرشاد؛ لأن لرب الدين أن يهبه، ويتركه إجماعًا، فالندب إلى الكتابة فيه، إنما هو على جهة الحيطة للناس (١). وأما الجواب عن التعبير بنفي الجناح في البيع الناجز مما يعني وجود الجناح في ترك الكتابة بالبيع المؤجل فيقال: إن نفي الجناح ليس على بابه في هذه الآية نظير هذا قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فعبر بنفي الجناح لمن أراد قصر الصلاة بشرط الخوف، مع أن الإتمام أولى من القصر، فهو مندوب للمسافر مطلقًا، وليس الخوف شرطًا في جوازه، والله أعلم. الجواب الثاني: قال بعضهم: كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضًا ثم نسخ الكل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهو قول الشعبي، والربيع بن أنس، والحسن وابن جريج والحكم بن عتيبة، وغيرهم (٢). والجواب الأول أصح؛ لأن الأصل عدم النسخ. قال الطبري: «لا وجه لاعتلال من اعتل بأن الأمر بذلك منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ لأن ذلك إنما أذن الله

стр. 8901

تعالى ذكره به، حيث لا سبيل إلى الكتاب، أو إلى الكاتب، فأما والكتاب والكاتب موجودان، فالفرض إذا كان الدين إلى أجل مسمى ما أمر الله تعالى ذكره به في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ الآية ... [البقرة: ٢٨٢]، وإنما يكون الناسخ ما لم يجز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة على السبيل التي قد بيناها، فأما ما كان أحدهما غير ناف حكم الآخر، فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، ولو وجب أن يكون قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ناسخًا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لوجب أن يكون قوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] ناسخًا الوضوء بالماء في الحضر عند وجود الماء فيه، وفي السفر الذي فرضه الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] ..... فزعم أن كل ما أبيح في حال الضرورة لعلة الضرورة ناسخ حكمه في حال الضرورة حكمه في كل أحواله نظير قوله في أن الأمر باكتتاب كتب الديون والحقوق منسوخ بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾» (١). الدليل الثاني: أن في كتابة الدين قطعًا لأبواب النزاعات، وحسمًا للخصومات، وما يحصل

стр. 8902

من التردد على المحاكم، وإشغال القضاة، وما يتسبب عنها من إهدار للأموال والأوقات لهذه المصالح يدرك العاقل أن مثل هذا تحرص الشريعة على قطعه، وسد بابه، وألا يترك الأمر لرغبات الناس. ويناقش: بأن هذه المصالح هي التي جعلت الشارع يأمر بكتابة الدين، وليس النزاع في مشروعيتها، ولكن القول بوجوبها مع وجود ما يدل على أن الأمر للاستحباب هو محل الإشكال، والله أعلم. القول الثالث: يجب توثيق الدين إذا كان الدائن يتصرف لغيره، كولي اليتيم، وناظر الوقف. قال شيخ شيخنا عبد الرحمن السعدي: «وهذا الأمر قد يجب، إذا وجب حفظ الحق، كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى، والأوقاف، والوكلاء، والأمناء» (١). ولأن الولي والناظر والوكيل تصرفه لغيره بمقتضى الأصلح، ولا شك أن الكتابة لهم أصلح لهم من إهمالها مما قد يعرض أموالهم للضياع من نسيان الدين، أو جحده، والله أعلم. القول الرابع: أن الاستحباب مقيد بالأشياء النفيسية دون الأشياء الحقيرة؛ حفظًا للوقت،

стр. 8903

ولأن التجارة قد توسعت، فيشق الإشهاد على الأمور الصغيرة، وهذا قول في مذهب الحنابلة (١). قال ابن قدامة: «ويختص ذلك - أي التوثيق - بما له خطر، فأما الأشياء القليلة الخطر كحوائج البقال، والعطار، وشبهها، فلا يستحبُّ فيها، لأن العقود فيها تكثر، فيشق الإشهاد عليه، وتقبح إقامة البينة عليها، والترافع إلى الحاكم بخلاف الكثير» (٢). ومع تفهم ما يقصد إليه ابن قدامة إلا أن نفي الاستحباب عن كتابة القليل، مخالف للنص القرآني، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْئَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. الراجح: أن توثيق الدين بالكتابة مستحب، إلا إذا كان الإنسان يتصرف لغيره بولاية أو وكالة فإن التوثيق واجب؛ لأن حفظ مال الغير واجب، وهذه وسيلة من وسائل الحفظ، وإذا كان هذا حكم التوثيق، فإذا اشترط المقرض توثيق القرض بالكتابة وجب ذلك؛ لأن ذلك حقه، وقد طلب أمرًا لا خلاف في مشروعيته؛ لأنه دائر بين الوجوب والاستحباب. * * *

стр. 8904

فرع في الحكم بالخط المجرد الأصل أن البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان. الكتاب كالخطاب. الخط دال على اللفظ، واللفظ دال على القصد والإرادة. وقيل: الكتاب محتمل للتزوير والخط يشبه الخط. [م-١٨١٤] علمنا في المبحث السابق خلاف العلماء في وجوب توثيق الدين بالكتابة، والسؤال: إذا وجد في أدوات شخص ما أن له على فلان كذا وكذا، وكانت الكتابة خلوًا من الشهادة، فهل يكتفى بالخط المجرد إذا كان معروفًا، أو أن الكتابة لا تكون حجة بغير شهود؟ القول الأول: لا يمكن الاعتماد على الخط بمفرده؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. وهذا مذهب الحنفية في الجملة، والأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية، والمشهور في مذهب الحنابلة عند المتأخرين (١).

стр. 8905

واستثنى الحنفية خط البياع، والصراف، والسمسار وما يكتبه الناس فيما بينهم فإنه حجة عملًا بالعرف (١). جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية نقلًا عن البزازية: «إذا كتب إقراره بين يدي الشهود، ولم يقل شيئًا، لا يكون إقرارًا فلا تحل الشهادة به، ولو كان مصدرًا مرسومًا .... لأن الكتابة قد تكون للتجربة إلخ، فأفاد أن عامة علمائنا على عدم العمل بالخط ... قال شارحه: هو الصحيح خانية، وإن أفتى قارئ الهداية بخلافه فلا يعول عليه، وإنما يعول على هذا التصحيح؛ لأن قاضي خان من أجل من يعتمد على تصحيحاته إلخ» (٢). جاء في الأشباه والنظائر لابن نجيم: «لا يعتمد على الخط ولا يعمل به .... لأن القاضي لا يقضي إلا بالحجة، وهي البينة، أو الإقرار، أو النكول» (٣). وقال الطحاوي: «قال مالك: إذا شهد شاهدان في ذكر حق، أنه كتابته بيده، جاز وأخذ به، كما لو شهدوا على إقراره. وخالفه جميع الفقهاء في ذلك وعدوا هذا القول شذوذًا؛ إذ كان الخط يشبه الخط وليست شهادة على قول منه ولا معاينة فعل» (٤).

стр. 8906

وجاء في أسنى المطالب: «الشاهد لا يشهد بمضمون خطه، وإن كان الكتاب محفوظًا عنده وبَعُد احتمال التزوير، ما لم يتذكر» (١). قال إمام الحرمين: «الخط لا معول عليه، وبيانه في حق الشاهد، أنه لو رأى خط نفسه في تحمل الشهادة، ولم يتذكر تحمله لها، فليس له اعتماد الخط في إقامة الشهادة، وكذلك القاضي إذا رأى خطه متضمنًا إمضاء القضاء، فإن تذكره، جرى عليه تعويلًا على الذكر دون الخط، وإن لم يذكره، توقف» (٢). ولأن الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع، فكذلك هنا (٣). دليل من قال: لا يعمل بالخط بمجرده: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وإذا كان هذا في الوصية فغيرها مقيس عليها. وأجيب: بأن الآية تدل على ثبوت الوصية عن طريق الإشهاد، وهذا لا نزاع فيه، ولكنها لا تدل على أنها لا تثبت إلا بالإشهاد، وهو محل النزاع.

стр. 8907

الدليل الثاني: (ح-١٠٨٨) ما رواه البخاري عن الأشعث بن قيس، وفيه: قال: قال رسول الله ﷺ : شاهداك أو يمينه (١). فجعل الحكم مقصورًا على الشهادة دون الكتابة. الدليل الثالث: أن الخطوط تتشابه، والتزوير فيها ممكن، فلم يجز الإعمال فيها مع هذا الاحتمال، وقد تكتب بقصد التجربة. القول الثاني: يقبل الشهادة على الخط إذا شهد عليه اثنان أن هذا خطه، حيًا كان صاحب الخط أو ميتًا، مقرًا كان أو منكرًا، وهذا هو المعتمد في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة، وذكر ابن تيمية أنه مذهب جمهور العلماء (٢). جاء في الشرح الصغير: «وجازت الشهادة: أي أداؤها على خط المقر: أي بأن هذا خط فلان. وفي خطه: أقر فلان بأن في ذمته كذا لفلان، وسواء كانت الوثيقة كلها بخطه؛ أو الذي بخطه ما يفيد الإقرار» (٣).

стр. 8908

وعلق الصاوي في حاشيته، فقال: «قوله: (على خط المقر): أي سواء كان حيًا وأنكر، أو ميتًا، أو غائبًا، وسواء كان في الوثيقة التي فيها خط المقر شهود، أو كانت مجردة عن الشهود على المعتمد» (١). وفي عقد الجواهر الثمينة: «والمشهور من المذهب أن الشهادة على الخط في ذلك جائزة عاملة، لم يختلف في ذلك قول مالك، ولا قول أحد من أصحابه فيما علمت، إلا ما يروى عن محمد بن عبد الحكم من قوله: لا تجوز الشهادة على الخط، هكذا مجملًا، ولم يخص موضعًا من موضع. وأما الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب، فقال الشيخ أبو الوليد: لم يختلف في الأمهات المشهورة قول مالك في إجازتها وإعمالها» (٢). وقال ابن تيمية: «وتنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإمام أحمد» (٣). دليل القائلين بصحة الشهادة على الخط: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فأمر الله بالكتابة، وهذا دليل على العمل بالكتاب وإلا لم يكن هناك فائدة من الكتابة.

стр. 8909

الدليل الثاني: (ح-١٠٨٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع، ابن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (مكتوبة عنده) دليل على ثبوت الوصية بالكتابة، ولو لم يقرن ذلك بالإشهاد، فمن كتب وصيته فقد امتثل أمر نبيه، ولذلك قال ابن عمر: لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي، ولم يزد على ذلك. ولو كانت الكتابة لا تغني إلا بالإشهاد لذكره النبي ﷺ . الدليل الثالث: احتج المالكية بكتابة رسول الله إلى الملوك بتبليغ دعوته. (ح-١٠٩٠) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا ﵁، يقول: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقرؤن كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، فكأني أنظر إلى بياضه في يده، ونقش فيه محمد رسول الله (٢). وقد عمل بهذا الخلفاء الراشدون من بعده، فكانوا يكتبون إلى ولاتهم فيأخذون بها.

стр. 8910

وقد استخلف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بكتاب كتبه، وختم عليه، ولا نعلم أحدًا أنكر ذلك مع شهرته، فيكون إجماعًا (١). ونوقش هذا: قال الماوردي: «الجواب عن كتب رسول الله ﷺ فمن وجهين: أحدهما: أنها كانت ترد مع رسل يشهدون بها. والثاني: أنها تجري مجرى الأخبار التي يخف حكمها؛ لعمومها في التزامها والشهادة محمولة على الاحتياط تغليظًا لالتزامها» (٢). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الناس اليوم قادرون على التزوير ومحاكاة الخطوط أكثر مما مضى مع قلة التقوى وانتشار الجشع. قال محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا هذا بالشهادة على الخط؛ لأن الناس قد أحدثوا ضروبًا من الفجور، وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم كتاب القاضي (٣). وقال مالك: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى إن القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه حتى اتهم الناس، فصار لا يقبل إلا بشاهدين (٤). الدليل الرابع: الخط دال على اللفظ، واللفظ دال على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر

стр. 8911

اشتباه الخطوط، وذلك كما يفرض عن اشتباه الصور والأصوات، وقد جعل الله في خط كل ما يتميز به عن خط غيره كتميز صورته عن صورته، وصوته عن صوته، والناس يشهدون شهادة لا يستريبون على أن هذا خط فلان، وإن جازت محاكاته ومشابهته فلا بد من فرق، وهذا أمر يختص بالخط العربي (١). الراجح: صحة العمل بالخط، وقد استحدثت في هذا العصر أجهزة قادرة على كشف التزوير. * * *

стр. 8912

المبحث الثاني في توثيق القرض بالشهادة [م-١٨١٥] اختلف العلماء في حكم توثيق القرض بالشهادة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإشهاد على الدين ليس للوجوب، وهذا مذهب الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على خلاف بينهم هل الأمر للندب أو للإرشاد (١). وقد تقدم الفرق بين الندب والإرشاد في حكم توثيق الدين. وفي مسائل الإمام أحمد: (قلت - والقائل هو إسحاق بن منصور صاحب المسائل -: قول الله (وأشهدوا إذا تبايعتم [البقرة: ٢٨٢] إذا باع بالنقد أيشهد أم لا؟ قال: إن أشهد فلا بأس، وإن لم يشهد فلا بأس لقول الله : (فإن أمن بعضكم بعضا) (٢). مثال آخر له تعلق بهذا المثال ويوضحه، فآية الدين والآية التالية لها بينتا أن توثيق الدين له طرق منها: الكتاب، والرهن، والإشهاد.

стр. 8913

دليل من قال: لا يجب الإشهاد على الدين: الدليل الأول: اشترى النبي ﷺ في وقائع كثيرة، ولم يشهد مما يدل على أن الإشهاد ليس واجبًا. (ح-١٠٩١) من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في مسنده، قال: أخبرنا عبد الله بن نمير، قال: أخبرنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد، قال: نا أبو صخرة جامع بن شداد، عن طارق المحاربي، قال: رأيت رسول الله ﷺ مرتين ... وفيه: أقبلنا في ركب من الربذة، حتى نزلنا قريبًا من المدينة ومعنا ظعينة لنا، قال: فبينما نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان، فسلم، فرددنا عليه، فقال: من أين أقبل القوم؟ قلت: من الربذة وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر فقال: تبيعوني الجمل؟ قال: قلنا: نعم، قال: بكم؟، قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئًا، قال: قد أخذته، قال: ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة، فتوارى عنا فتلاومنا بيننا، قلت: أعطيتم جملكم رجلا لا تعرفونه، قالت الظعينة: لا تلاوموا، فلقد رأيت وجهًا ما كان ليجفوكم، رأيت رجلا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، قال: فلما كان العشي أتى رجل، قال: السلام عليكم، إني رسول رسول الله إليكم وإنه يأمركم أن تأكلوا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا .... وذكر الحديث (١). [حسن] (٢).

стр. 8914

وجه الاستدلال: هذا الحديث صريح في ترك الإشهاد، وقد اشترى الرسول جمل جابر، ولم يشهد، والحديث في الصحيحين، والأصل عدم الخصوصية، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والقاعدة أن الشارع إذا أمر بأمر، ثم خالفه الرسول ﷺ دل ذلك على أن الأمر ليس للوجوب إلا أن يأتي نص خاص يدل على اختصاص النبي ﷺ بهذا الحكم، وإذا نهى عن شيء ثم خالفه الرسول ﷺ دل ذلك على أن النهي للكراهة إلا أن يأتي نص خاص يدل على الخصوصية. الدليل الثاني: الإجماع العملي، قال القرطبي: «ما زال الناس يتبايعون حضرًا وسفرًا، وبرًا وبحرًا، وسهلًا وجبلًا من غير إشهاد، مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه» (١).

стр. 8915

القول الثاني: أن الإشهاد على الدين واجب، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال بعض السلف (١). دليل من قال: الإشهاد واجب: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستدلال: أن الله أمر بالإشهاد عند البيع، والأصل في الأمر الوجوب. وأجيب من وجهين: الوجه الأول: أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا، منها الرهن، ومنها الإشهاد. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الواجب، فكذلك الإشهاد (٢). ـ ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإذا حصل الائتمان من بعضنا لبعض لم يجب رهن، ولا إشهاد، ولا كتابة. قال ابن العربي: معناه أنه أسقط الكتاب والإشهاد والرهن، وعوَّل على أمانة

стр. 8916

المعامل .... ولو كان الإشهاد واجبًا لما جاز إسقاطه، وبهذا يتبين أنه وثيقة (١). وقال إلكيا الهراسي: «الأمر بالإشهاد ندب لا واجب، والذي يزيده وضوحًا أنه قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [البقرة:٢٨٣]. ومعلوم أن الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم لا على وجه الحقيقة وذلك يدل على أن الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه، لا لحق الشرع فإنها لو كانت لحق الشرع لما قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فلا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع مصلحة، فالشهادة متى شرعت في النكاح لم تسقط بتراضيهما وأمن بعضهم بعضًا، فدل ذلك أن الشهادة شرعت للطمأنينة» (٢). الوجه الثاني: قال بعضهم: كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضًا ثم نسخ الكل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهو قول الشعبي، والربيع بن أنس، والحسن وابن جريج والحكم بن عتيبة، وغيرهم (٣). والأصل عدم النسخ، والله أعلم.

стр. 8917

الدليل الثاني: (ح-١٠٩٢) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق معاذ العنبري، ثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيها ماله، وقد قال الله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين) وقد اتفقا جميعا على إخراجه. وأجيب بجوابين: الجواب الأول: أن الحديث، وإن كان ظاهر إسناده الصحة، إلا أنه معلول (١).

стр. 8918

وقد يقال: إن اختلاف شعبة في رفعه ووقفه لا يلغي الاحتجاج به، فعلى ترجيح أن يكون موقوفًا على الصحابي، فإن مثله لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع. الجواب الثاني: على فرض أن يكون الحديث سالمًا من العلة، فإن نفي الإجابة ليس عن مطلق الدعاء حتى يقال: ذلك عقاب، والعقاب لا يكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرم، وإنما لا يقبل دعاؤه على هؤلاء الثلاثة فقط، ويقبل في غيرهم، وإنما قيد نفي الإجابة في هذه الحالات؛ لأنه العبد قد أمر بالاحتياط، ولم

стр. 8919

يفعل، فكان هو الملوم على الظلم الواقع عليه؛ لأنه قد أتي من قبل نفسه وتفريطه، فكونها لا يستجيب لزوج المرأة السيئة الخلق؛ لأنه هو المعذب نفسه بإمساكها، وقد جعل له الشارع سعة في فراقها. وكونه لا يستجيب لصاحب الدين إذا أنكره؛ لأنه هو المفرط فقد أمر بالإشهاد، ولم يشهد، وكونه لا يستجيب لمن عامل السفيه بشيء من ماله؛ لأنه المضيع لماله، حيث نهاه الله بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يمتثل [النساء: ٥]. وكونه لا يستجاب لهم لا يدل على أنهم آثمون، وإنما يدل على أنهم قد أمروا بالأصلح لهم فلم يمتثلوا، وكان من مصلحتهم أن لا يُحَملوا أنفسهم ما حملوها، والله أعلم. الراجح: أن توثيق القرض بالإشهاد مأمور به الإنسان حفظًا للحقوق، وقد يموت الإنسان فلا يستطيع الوارث الوصول إلى حقه، ولكن هذه المصلحة لا تجعل الإشهاد واجبًا، وقد كان الرسول ﷺ وصحابته يتبابعون بلا إشهاد، إلا أن يكون الإنسان يتصرف لغيره، كالأولياء والوكلاء ونظار الوقف فإنه يجب عليهم أن يشهدوا حفظًا لمال هؤلاء؛ لأن حفظها عليهم واجب، والله أعلم. * * *

стр. 8920

المبحث الثالث توثيق القرض بالرهن [م-١٨١٦] إذا اشترط المقرض رهنًا لتوثيق حقه، فإن هذا من الشروط الصحيحة، وليس هو من القرض الذي يجر منفعة؛ فإن الرهن لا منفعة فيه إلا التوثيق، وليس في استيثاق المقرض بالرهن جلب منفعة زائدة؛ فإنه كان بماله وهو في يده أوثق منه بالرهن الآن (١). واتفقوا على جواز الرهن في الحضر (٢)، واختلفوا في الرهن في السفر: القول الأول: يجوز اشتراط الرهن حضرًا وسفرًا، وهذا قول جمهور الفقهاء (٣). جاء في العناية في شرح الهداية: «الأمة اجتمعت على جوازه - يعني الرهن- من غير نكير» (٤). وقال الحطاب في مواهب الجليل: «ثبت - يعني الرهن - بالكتاب، والسنة،

стр. 8921

والإجماع» (١). قال الشافعي: «لا أعلم مخالفاً في إجازته» (٢). يعني الرهن. وقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة» (٣). وقد نقل ابن قدامة الإجماع على أن توثيق الدين بالرهن غير واجب. قال أيضًا: «والرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب، كالضمان، والكتابة، وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣].إرشاد لنا لا إيجاب علينا، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذا بدلها (٤). الدليل على صحة الرهن في الحضر: الدليل الأول: (ح-١٠٩٣) روى البخاري من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود. عن عائشة ﵂، قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاماً بنسيئة، ورهنه درعه (٥).

стр. 8922

الدليل الثاني: أن كل وثيقة صحت في السفر فإنها تصح في الحضر كالضمان، والعكس صحيح أن كل حال جاز فيها الضمان جاز فيها الرهن. الدليل الثالث: أن ما شرع له الرهن، وهو الحاجة إلى توثيق الدين يوجد في الحالين حضرًا وسفرًا، وهو حماية الدين عن الجحود والنسيان، والاستيفاء منه عند العجز عن السداد. القول الثاني: لا يحل الرهن إلا في السفر، حكي هذا القول عن مجاهد، والضحاك، وبه قال أهل الظاهر إلا أنهم قالوا: مع عدم الكاتب (١). واستدلوا على ذلك: قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]. وجه الاستدلال: قوله تعالى: وإن كنتم على سفر، فهذا قيد ووصف مؤثر، وأن الرهن لا يصح في الحضر. واستدل الظاهرية بأن جواز الرهن مشروطًا بشرطين: أحدهما: السفر. والثاني: عدم وجود الكاتب.

стр. 8923

ونوقش: بأن دلالة المفهوم دلالة ضعفية، وإنما نص على السفر؛ لأنه جرى مجرى الغالب؛ إذ الغالب أن الكاتب والشاهد والورق توجد في الحضر، ولا توجد غالبًا في السفر، لهذا نص على الرهن في السفر، وإن كان جائزًا في الحضر. القول الثالث: الرهن يجوز في السفر مطلقًا، وأما في الحضر فإن تبرع به الراهن جاز، وإن اشترطه المرتهن لم يكن له ذلك، وبه قال ابن حزم (١). وهذا القول من ابن حزم حاول فيه أن يجمع بين الآية الكريمة التي ذكرت السفر كشرط في جواز الرهن، وبين ثبوت الرهن في الحضر حيث رهن النبي ﷺ درعه في المدينة. ولكن هذا القول لا يصح لابن حزم إلا إذا أثبت أن الرهن قد تبرع به النبي ﷺ ، وقد خالف ابن حزم في قوله هذا أصلين: أحدهما: أن الأصل في العقود عدم التبرع، ولا تثبت دعوى التبرع إلا بدليل. والثاني: أن الأصل في الرهن أن يطلبه المرتهن توثقة لدينه؛ لأن المصلحة له وحده، ودعوى أن الراهن هو الذي تقدم به دون طلب من المرتهن لا تثبت إلا بدليل؛ لأنه خلاف الظاهر. الراجح: جواز الرهن في الحضر والسفر، والله أعلم. * * *

стр. 8924

المبحث الثالث توثيق القرض بالضمان [م-١٨١٧] اشتراط المقرض كفيلًا ويقال له: (الضمين، والحميل، والقبيل، والزعيم)، من الشروط الصحيحة، وليس هو من القرض الذي يجر منفعة؛ فإن الضمان لا منفعة فيه إلا التوثيق، وليس في استيثاق المقرض بالضمان جلب منفعة زائدة؛ فإنه كان بماله وهو في يده أوثق منه بالضمان الآن. وقد دل على صحة اشتراط الضمان الكتاب والسنة، والإجماع (١). أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢]. (ح-١٠٩٤) وأما السنة، فمنها ما رواه البخاري من طريق أبي عبيد. عن سلمة بن الأكوع ﵁، أن النبي ﷺ أتي بجنازة، ليصلي عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم. قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه (٢). وأما الإجماع فقد قال في رد المحتار: «ودليلها - يعني الكفالة - الإجماع» (٣).

стр. 8925

وجاء في درر الحكام: «مشروعية الكفالة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة» (١). وقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة» (٢). وقال البهوتي: «الضمان جائز إجماعاً في الجملة» (٣). كما أن الحاجة داعية إليه، فقد لا يطمئن المقرض إلى المقترض، أو يخشى عليه من الإفلاس فيحتاج إلى من يكفله (٤). * * *

стр. 8926

الشرط السابع في اشتراط رد عين القرض [م-١٨١٨] إذا اشترط المقرض أن يرد له المقترض عين ما اقترضه. فإن كان القرض قيميًا فالحنفية يوجبون رد عين القرض حتى ولو لم يشترط، فإذا اشترط فهو من باب توكيد ما هو واجب. جاء في شرح القواعد الفقهية للزرقا: «قرض ما لا يجوز قرضه، كالقيمي، يعتبر عارية، لكن من جهة أنه يجب رد عينه لا من جميع الوجوه؛ لأنه في هذه الصورة يملك بالقبض، ويكون مضمونا كالقرض المحض» (١). فإن قيل: فما الفرق بين القرض بهذه الصورة وبين عقد العارية؟ فالجواب: أما الذين يقولون: إن العين المستعارة مضمونة فلا فرق بينه وبين القرض. وأما الذين يقولون: إن العارية ليست مضمونة كالحنفية، والمالكية (٢)، فهناك تشابه بين العارية والقرض من جهة واختلاف من جهة: فالتشابه: هو رد العين في كل منهما. وأما الاختلاف: فإن القرض مضمون، والعارية غير مضمونة.

стр. 8927

وأما مذهب الحنابلة فقد نصوا على أن المقرض إذا اشترط على المقترض رد محل القرض بعينه، لم يصح الشرط. جاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن شرط مقرض رده بعينه لم يصح الشرط؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو التصرف، ورده بعينه يمنع ذلك» (١). * * *

стр. 8928

الباب الرابع في انتهاء القرض ينتهي عقد القرض بأمور منها: الأول: وفاء دين القرض. ووفاء الدين قد يقوم به المقترض، وهو الأصل، وقد يقوم بالوفاء غيره من ضامن، أو رهن إن كان المقرض قد أخذ بدينه كفيلًا أو رهنًا. الثاني: ينتهي القرض بفسخ القرض، كما لو حجر على المقترض لفلس، ووجد المقرض عين ماله، فهل يقدم على سائر الغرماء؟ [م-١٨١٩] وهذه مسألة خلافية بين الجمهور والحنفية: فالحنفية يرون أن المقرض ليس أحق من غيره في عين مال القرض، بل هو أسوة الغرماء (١). وخالفهم جمهور الفقهاء، فقالوا: المقرض أحق من غيره إذا وجد عين ماله قبل أن يتصرف المقترض في المال (٢).

стр. 8929

واستدل الجمهور: (ح-١٠٩٥) بما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام أخبره. أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ قضى بأن الرجل إذا وجد سلعته عند المشتري، وقد أفلس فهو مقدم على غيره من الغرماء، والمقرض مقيس عليه؛ لأن كلا العقدين من عقود التمليك. وأجيب: أن نص الحديث يقول: (من أدرك عين ماله) والمقرض إذا أقرضه لا يسمى عين ماله؛ لخروجه عن ملكه بالقرض، وتحوله إلى ملك للمقترض، وحق المقرض تحول إلى دين متعلق بالذمة، والذمة باقية بعد الإفلاس كبقائها قبله لم تتغير، وعلى هذا فالمراد بقوله: (من أدرك عين ماله عند رجل قد أفلس) كما لو أخذ ذلك على وجه الغصب، أو السرقة، أو الإعارة، أو الوديعة، أو الالتقاط، ونحوها، فهنا يصدق عليه أن المال ليس مال المفلس، ويقدم على سائر الغرماء، وأما القول بأن البائع والمقرض يملك البائع والمقرض فسخ العقد بعد

стр. 8930

تمامه بالإفلاس،، وبالتالي نقض الملك الثابت بعقد صحيح، فهذا مخالف للأصول. ورد هذا: بأن الحديث لو كان الحديث يتكلم عن العواري والمغصوب والسرقة لما كان لذكر الفلس فائدة، فإن هذه الأعيان هي ملك لصاحبها مطلقاً، سواء أفلس من هي في يده أو لم يفلس، ولأن صيغة (أحق به) صيغة تفضيل، فهي تقتضي الاشتراك، إلا أن المقرض والبائع أحق من غيره من الشركاء، وفي المغصوب والمسروق والعواري لا يستحسن أن يقال: أحق؛ لأنه لا يوجد شركاء. وقد قال ابن خزيمة: «المال قد يضاف إلى المالك الذي قد ملكه في بعض الأوقات بعد زوال ملكه عنه كقوله تعالى: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف:٦٢] فأضاف البضاعة إليهم بعد اشترائهم بها طعامًا» (١). وقد تكلمت عن هذه المسألة بتوسع في عقد البيع، في المجلد السابع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد. الثالث: ينتهي القرض بالمقاصة، أي بتطارح الدينين، كما لو نشأ للمقترض دين في ذمة المقرض ووجدت شروط إجراء المقاصة مثل اتحاد الجنس بين الدينين ونحوها. الرابع: ينتهي عقد القرض بإبراء المقرض المقترض من الدين الذي له عليه. الخامس: ينتهي عقد القرض بالحوالة، فإذا أحال المقترض المقرض على
следующие страницы →