← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

الشرط السابع في اشتراط رد عين القرض [م-١٨١٨] إذا اشترط المقرض أن يرد له المقترض عين ما اقترضه. فإن كان القرض قيميًا فالحنفية يوجبون رد عين القرض حتى ولو لم يشترط، فإذا اشترط فهو من باب توكيد ما هو واجب. جاء في شرح القواعد الفقهية للزرقا: «قرض ما لا يجوز قرضه، كالقيمي، يعتبر عارية، لكن من جهة أنه يجب رد عينه لا من جميع الوجوه؛ لأنه في هذه الصورة يملك بالقبض، ويكون مضمونا كالقرض المحض» (١). فإن قيل: فما الفرق بين القرض بهذه الصورة وبين عقد العارية؟ فالجواب: أما الذين يقولون: إن العين المستعارة مضمونة فلا فرق بينه وبين القرض. وأما الذين يقولون: إن العارية ليست مضمونة كالحنفية، والمالكية (٢)، فهناك تشابه بين العارية والقرض من جهة واختلاف من جهة: فالتشابه: هو رد العين في كل منهما. وأما الاختلاف: فإن القرض مضمون، والعارية غير مضمونة.

стр. 8927

وأما مذهب الحنابلة فقد نصوا على أن المقرض إذا اشترط على المقترض رد محل القرض بعينه، لم يصح الشرط. جاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن شرط مقرض رده بعينه لم يصح الشرط؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو التصرف، ورده بعينه يمنع ذلك» (١). * * *

стр. 8928

الباب الرابع في انتهاء القرض ينتهي عقد القرض بأمور منها: الأول: وفاء دين القرض. ووفاء الدين قد يقوم به المقترض، وهو الأصل، وقد يقوم بالوفاء غيره من ضامن، أو رهن إن كان المقرض قد أخذ بدينه كفيلًا أو رهنًا. الثاني: ينتهي القرض بفسخ القرض، كما لو حجر على المقترض لفلس، ووجد المقرض عين ماله، فهل يقدم على سائر الغرماء؟ [م-١٨١٩] وهذه مسألة خلافية بين الجمهور والحنفية: فالحنفية يرون أن المقرض ليس أحق من غيره في عين مال القرض، بل هو أسوة الغرماء (١). وخالفهم جمهور الفقهاء، فقالوا: المقرض أحق من غيره إذا وجد عين ماله قبل أن يتصرف المقترض في المال (٢).

стр. 8929

واستدل الجمهور: (ح-١٠٩٥) بما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام أخبره. أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ قضى بأن الرجل إذا وجد سلعته عند المشتري، وقد أفلس فهو مقدم على غيره من الغرماء، والمقرض مقيس عليه؛ لأن كلا العقدين من عقود التمليك. وأجيب: أن نص الحديث يقول: (من أدرك عين ماله) والمقرض إذا أقرضه لا يسمى عين ماله؛ لخروجه عن ملكه بالقرض، وتحوله إلى ملك للمقترض، وحق المقرض تحول إلى دين متعلق بالذمة، والذمة باقية بعد الإفلاس كبقائها قبله لم تتغير، وعلى هذا فالمراد بقوله: (من أدرك عين ماله عند رجل قد أفلس) كما لو أخذ ذلك على وجه الغصب، أو السرقة، أو الإعارة، أو الوديعة، أو الالتقاط، ونحوها، فهنا يصدق عليه أن المال ليس مال المفلس، ويقدم على سائر الغرماء، وأما القول بأن البائع والمقرض يملك البائع والمقرض فسخ العقد بعد

стр. 8930

تمامه بالإفلاس،، وبالتالي نقض الملك الثابت بعقد صحيح، فهذا مخالف للأصول. ورد هذا: بأن الحديث لو كان الحديث يتكلم عن العواري والمغصوب والسرقة لما كان لذكر الفلس فائدة، فإن هذه الأعيان هي ملك لصاحبها مطلقاً، سواء أفلس من هي في يده أو لم يفلس، ولأن صيغة (أحق به) صيغة تفضيل، فهي تقتضي الاشتراك، إلا أن المقرض والبائع أحق من غيره من الشركاء، وفي المغصوب والمسروق والعواري لا يستحسن أن يقال: أحق؛ لأنه لا يوجد شركاء. وقد قال ابن خزيمة: «المال قد يضاف إلى المالك الذي قد ملكه في بعض الأوقات بعد زوال ملكه عنه كقوله تعالى: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف:٦٢] فأضاف البضاعة إليهم بعد اشترائهم بها طعامًا» (١). وقد تكلمت عن هذه المسألة بتوسع في عقد البيع، في المجلد السابع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد. الثالث: ينتهي القرض بالمقاصة، أي بتطارح الدينين، كما لو نشأ للمقترض دين في ذمة المقرض ووجدت شروط إجراء المقاصة مثل اتحاد الجنس بين الدينين ونحوها. الرابع: ينتهي عقد القرض بإبراء المقرض المقترض من الدين الذي له عليه. الخامس: ينتهي عقد القرض بالحوالة، فإذا أحال المقترض المقرض على

стр. 8931

شخص ثالث مدين للمقترض، وكان المحال عليه مليئًا فقد برئ المقترض من الدين الذي عليه. السادس: ينتهي القرض بالاعتياض عنه، كأن يقوم المقرض ببيع بدل القرض، والاعتياض عنه، سواء باعه على من هو عليه، أو باعه على شخص ثالث، وقد فصلت هاتين المسألتين عند الكلام على التصرف في بدل القرض. بهذا أكون قد أنتهيت من المسائل المختارة في عقد القرض، ولله الحمد من قبل ومن بعد. * * *

стр. 8932

عقد الهبة

стр. 8933

التمهيد المبحث الأول تعريف الهبة تعريف الحنفية: عرفها الحنفية، بقولهم: الهبة «تمليك العين في الحال من غير عوض» (١). فقولهم: (تمليك) إشارة إلى أن عقد الهبة من عقود التمليك. وقولهم: (العين) مطلق العين يدخل فيها الأعيان المالية وغيرها؛ إلا أن العيني فرق بين الهبة بمعناها اللغوي، والهبة بمعناها الاصطلاحي، فقال: «ومعناها في اللغة: إيصال الشيء للغير بما ينفعه، سواء كان مالًا أو غير مال: يقال: وهبت له مالا، ووهب الله فلانًا ولدًا صالحًا ... وفي الشرع: الهبة تمليك المال بلا عوض» (٢). وجاء في مجمع الأنهر: «والمراد بالعين: عين المال، لا العين المطلق بقرينة التمليك المضاف إليه؛ لأن العين الذي ليس بمال لا يفيد الملك .... ولأن العين قد لا يكون مالًا» (٣). وينبغي أن تصح الهبة لكل ما يصح تملكه، سواء كان مالًا أو غير مال؛ لأن ذلك ليس من عقود المعاوضات حتى تشترط له المالية، ولذلك صحت الوصية

стр. 8934

بما ليس مالًا، كالوصية بالكلب عند من يعتبر الكلب ليس مالًا، والوصية من عقود الهبات إلا أنها تقع بعد الموت. وقوله (تمليك العين) أخرج هبة المنافع لسببين: الأول: أن المنافع لا تسمى مالًا عند الحنفية. الثاني: أن هبة المنافع لها اصطلاح خاص عند الفقهاء، وهو ما يسمى بالعارية. قال في البناية: «العارية تمليك المنفعة فقط، وفي الهبة تمليك العين مع المنفعة» (١). وخرج بقيد (التمليك) الإبراء من الدين، ولو كان بلفظ الهبة؛ لأن الإبراء يعتبر إسقاطًا، وليس بتمليك في أحد القولين، وبه قال بعض الحنفية، وهو قول في مذهب الشافعية (٢). وقال بعض الحنفية: الهبة نوعان: تمليك وإسقاط (٣)، وهذا أقوى، والله أعلم. إلا أن الهبة إن كانت إسقاطًا لم تفتقر إلى قبول، وإن كانت نقلًا توقفت عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث موضع القبول من العقد. وقولهم: (في الحال) أخرج الوصية، وقد رأى بعض الحنفية بأن هذا القيد لا حاجة له؛ لأن عقد الهبة بطبيعته حال كبعت، لا يقال: مبادلة مال بمال في الحال.

стр. 8935

جاء في مجمع الأنهر: «المراد بالتمليك: هو التمليك في الحال لأن قوله: وهبت لإنشاء الهبة حالا كبعت فلا حاجة إلى قول من قال: هي تمليك مال للحال للاحتراز عن الوصية» (١). وأرى أن هذا القيد لا يخرج الوصية فقط، بل يخرج معها الهبة المعلقة، ويخرج الهبة المضافة إلى المستقبل، كما لو قال: وهبتك في أول الشهر، ونحو ذلك، ولو قال: الهبة تمليك في الحياة أخرج الوصية، وأدخل الهبة المعلقة والمضافة؛ فإن الصحيح جواز تعليق الهبة وإضافتها إلى المستقبل، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى خلاف العلماء فيهما، أسأل الله وحده العون والتوفيق. وقولهم: (من غير عوض) أخرج عقود المعاوضات، كالبيع والإجارة، وأخرج الهبة بشرط العوض، فإنها بيع، يثبت لها أحكام البيع؛ لأن العبرة في العقود بالمعاني، لا بالألفاظ والمباني (٢). فعلى هذا عقد الهبة يعتبر من عقود التمليك، والتمليك: هو جعل الرجل مالكًا وهو على أربعة أنحاء: الأول: تملك العين بالعوض، وهو البيع. الثاني: تمليك العين بلا عوض وهي الهبة. الثالث: تمليك المنفعة بالعوض، وهي الإجارة. الرابع: تمليك المنفعة بلا عوض، وهي العارية.

стр. 8936

تعريف المالكية: عرفها بعض المالكية بقولهم: «الهبة تمليك بلا عوض» (١). قوله: (تمليك) يشمل العين والمنفعة؛ لأنه لم يقيده بشيء، والمطلق على إطلاقه، ويتصور هبة المنافع غالبًا في عقد العارية، فقد عرف الفقهاء العارية بأنها هبة المنفعة مع بقاء ملك الرقبة إلا أن هبة المنافع لما أخذت مصطلحًا خاصًا كان ينبغي إخراجها من مطلق الهبة. وظاهر قوله: (تمليك) يشمل تمليك كل ما يصح تملكه ولو لم يكن مالًا، لكن قال في مواهب الجليل في تعريف الهبة نقلًا عن ابن عرفة: الهبة أحد أنواع العطية، وهي أي العطية تمليك متمول بغير عوض (٢). ولا يتمول إلا ما كان مالًا. وقوله: (بلا عوض) أخرج هدية الثواب والمعاوضات. ويدخل في التعريف الوصية، فإنها تمليك بلا عوض، فكان الواجب أن يقيد ذلك في حال الحياة. تعريف الشافعية: عرف بعض الشافعية الهبة: بأنها التمليك لعين بلا عوض في حال الحياة تطوعًا.

стр. 8937

فخرج بقوله: (التمليك لعين) أخرجه أشياء منها: العارية؛ لأن المعار يملك الانتفاع، ولا يملك المنفعة فضلًا أن يملك الرقبة. وخرج الوقف أيضًا فإنه وإن كان فيه تمليك بلا عوض إلا أن التمليك للثمرة دون الأصل، فالقصد من التمليك في الهبة أنه متوجه للأعيان، والمنافع. وخرج كذلك الدين، والمنفعة فإنها ليست أعيانًا. وخرج (بنفي العوض) ما فيه عوض، كالبيع ولو بلفظ الهبة. وخرج بقيد الحياة: الوصية؛ لأن التمليك فيها إنما يتم بالقبول، وهو بعد الموت. وخرج بقوله: (تطوعًا) الواجب من زكاة وكفارة ونحوهما فإن التمليك فيها ليس من قبيل الهبات (١). تعريف الحنابلة: فيه أكثر من تعريف للحنابلة، منها المختصر، ومنها غير ذلك، وأختار مثالين لتعريف الهبة عندهم: تعريف ابن قدامة، عرفها بقوله: «تمليك في الحياة بغير عوض» (٢). وفي غاية المنتهى، قال: «الهبة تمليك جائز التصرف مالًا معلومًا، أو مجهولًا تعذر علمه، موجودًا، مقدورًا على تسليمه، غير واجب في الحياة بلا عوض» (٣).

стр. 8938

هذا التعريف فيه أوصاف لا حاجة إليها في التعريفات فقوله (جائز التصرف) يغني عنه قول ابن قدامة: (تمليك) فإن هذا إشارة اشتراط أن يكون ذلك ممن يصح تبرعه، وهو جائز التصرف. وقوله: (مالاً معلومًا أو مجهولًا تعذر علمه) قيد المال يدل على أنه لا يصح هبة ما ليس بمال، وفيه نظر. وقوله: (تعذر علمه) مثل له الشارح بالدقيق يختلط بدقيق لآخر، فوهب أحدهما للآخر ملكه. وقوله: (موجودًا) هذا القيد أخرج هبة المعدوم، فإنها لا تصح عندهم، وفيها خلاف سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. وقوله: (مقدورًا على تسليمه) فلا تصح هبة المال الضال، وهذا فيه نزاع أيضًا؛ لأن الهبة من عقود التبرع، والغرر في مثله لا يجعل الموهوب له إما غانمًا أو غارمًا، بل هو إما غانم أو سالم، وهذا لا حرج فيه، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف فيها أثناء البحث. وأرى أن التعريف السليم أن يقال: الهبة تمليك الأعيان في الحياة بلا عوض. وقولنا: (الأعيان) أخرج العارية، ودخل في هذا القيد كل ما يصح تملكه مالًا كان أو غير مال مما فيه منفعة مباحة، كالسرجين النجس، والتبرع بالدم، وضراب الفحل، ونحو ذلك، وقولنا (في الحياة) أخرج الوصية، والتعبير بها أفضل من قولنا حالًا؛ ليشمل الهبة المعلقة والمضافة؛ فإنها هبة صحيحة. وقولنا: (بلا عوض) أخرج هبة الثواب، فإنها وإن كانت بلفظ الهبة إلا أنها تأخذ حكم البيع، والله أعلم. * * *

стр. 8939

المبحث الثاني التفريق بين الهبة وبين الوصية والصدقة التفريق بين الهبة والصدقة: [م-١٨٢٠] الهبة والصدقة يتفقان على أنهما تبرع بالمال بلا عوض، ويفترقان في أمور منها: الأول: أن الصدقة الباعث عليها طلب الأجر في الآخرة. وأما الهبة فيقصد منها نفع الموهوب والإحسان إليه، وإذا أضيف إلى هذا القصد الإكرام والتودد والتأليف صارت الهبة هدية، والتودد وإن كان يثاب عليه المسلم إلا أن ذلك الثواب لم يقصد في الهبة قصدًا أوليًا. الثاني: الصدقة تطلق على صدقة زكاة المال، وهي فريضة من الله، وفي مال مخصوص لأناس مخصوصين. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. وتطلق على صدقة الفطر، وهي فريضة أيضًا، وهما واجبة في مال خاص، ولأناس مخصوصين. وتطلق على الصدقة المستحبة التي يتقرب بها العبد إلى ربه وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨، ٩].

стр. 8940

وأما الهبة فهي مستحبة بالإجماع، وتصح في كل الأموال، وليس لها محل خاص. الثالث: الصدقة لا تحل لمحمد ﵇، وكذلك لا تصح لآل محمد ﵇؛ ما كان الخمس يصل إليهم؛ لأنها أوساخ الناس، والهبة والهدية تصح لهم. (ح-١٠٩٦) فقد روى البخاري من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟، فإن قيل صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل هدية، ضرب بيده ﷺ ، فأكل معهم (١). (ح-١٠٩٧) وروى البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁، قال: أتي النبي ﷺ بلحم، فقيل: تصدق على بريرة، قال: هو لها صدقة ولنا هدية (٢). الرابع: الصدقة لا يصح الرجوع فيها بالاتفاق إذا خرجت من مال صاحبها؛ لأن ما أخرجه الإنسان لله فهو لازم، وأما الهبة فإن القصد منها التمليك بغرض نفع الموهوب، لهذا وقع فيها خلاف في حق رجوع الواهب قبل القبض وبعده، وسوف نحرر هذا الخلاف إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل. الخامس: الأصل في المتصدق عليه المسكنة والحاجة بخلاف الهبة فإنها تكون للأغنياء والفقراء.

стр. 8941

السادس: الصدقة لا يراد منها المكافأة من المتصدق عليه فهي خالية من الأعواض والأغراض. والهبة قد يقصد بها نفع الموهوب، وقد يقصد منها الحصول على الثواب والمكافأة، وهي نوع من الهبة يسميها الفقهاء هبة الثواب، وسيأتي الكلام على أحكامها إن شاء الله تعالى أثناء البحث. وقد سئل ابن تيمية ﵀ عن الصدقة والهدية أيهما أفضل؟ فأجاب: «الصدقة ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير قصد في شخص معين، ولا طلب غرض من جهته، لكن يوضع في مواضع الصدقة، كأهل الحاجات، وأما الهدية فيقصد بها إكرام شخص معين، إما لمحبة، وإما لصداقة، وإما لطلب حاجة؛ ولهذا كان النبي يقبل الهدية ويثيب عليها، فلا يكون لأحد عليه منة، ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم، وهي الصدقات. ولم يكن يأكل الصدقة لذلك وغيره، وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل، إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة» (١). (ح-١٠٩٨) ويشهد لهذا ما رواه البخاري من طريق بكير، عن كريب مولى ابن عباس، أن ميمونة بنت الحارث ﵂ أخبرته، أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله

стр. 8942

أني أعتقت وليدتي، قال: أوفعلت؟، قالت: نعم، قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك (١). جاء في فتح الباري نقلًا عن ابن بطال أنه قال: «فيه ـ يعني في الحديث ـ أن هبة ذي الرحم أفضل من العتق» (٢). الفرق بين الهبة والوصية: [م-١٨٢١] الهبة والوصية يجتمعان بأنهما تبرع بالمال بلا عوض، ويفترقان في أمور منها: الأول: أن الهبة تبرع في الحياة، والوصية لا تكون إلا بعد الموت. ولهذا كانت الهبة أفضل من الوصية؛ لأن الواهب يعطي، وهو صحيح، شحيح، يخشى الفقر ويأمل الغنى بخلاف الوصية. (ح-١٠٩٩) روى الشيخان من طريق عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا، قال: أن تصدق، وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان (٣). الثاني: أن الأصل في الهبة أن تكون مستحبة، وأما الوصية فقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة كما لو أوصى بواجب عليه، وتعينت الوصية طريقًا

стр. 8943

لمعرفته ودفعه، كالوصية بقضاء الديون المجهولة التي لا يعلمها إلا الموصي، وقد تكون غير ذلك كما سبق بيان ذلك في الكلام على أحكام الوصية .. الثالث: أن الوصية تكون في الأعيان والمنافع والديون، وأما الهبة فلا تكون إلا في الأعيان، وأما هبة المنافع فيطلق الفقهاء عليها اسم العارية. الرابع: أن الهبة لا تلزم بالقبول حتى تقبض، فإذا قبضت فلا يملك الواهب على الصحيح الرجوع عنها، واختار المالكية لزومها بمجرد القبول، وأما الوصية فتلزم بالقبول بعد الموت، ولو لم تقبض على الصحيح. (٥) ـ الهبة تكون للوارث وغيره، ولا حد لمقدارها، وأما الوصية فتكون بالثلث فأقل ولغير وارث. السادس: أن الهبة لا تصح من المحجور عليه بخلاف الوصية، والفرق أن الهبة فيها إضرار بالغرماء والوصية ليس فيها إضرار؛ لأنها لن تنفذ إلا بعد قضاء الدين. السابع: أن الوصية تصح، ولو كان الموصى به غير مقدور على تسليمه وقت عقد الوصية، وأما الهبة فالفقهاء مختلفون في اشتراط القدرة على التسليم للموهوب. فقيل: لا يشترط في الهبة القدرة على التسليم، وهو مذهب المالكية؛ لأن الهبة ليست من عقود المعاوضات، فالمعطي إما أن يغنم، وإما أن يسلم، فليس فيها قمار، إما أن يغنم وإما أن يغرم. ولأن الوصية لا يشترط تملكها في الحال، فربما قدر عليها قبل الموت بخلاف الهبة.

стр. 8944

وقيل: يشترط في الهبة القدرة على التسليم، وسيأتي تحرير الخلاف فيها إن شاء الله تعالى في بحثنا هذا. الثامن: الهبة لا تصح للحمل بخلاف الوصية؛ لأن الهبة تمليك منجز في الحال، والحمل ليس أهلًا للتملك، وفيها بحث سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. التاسع: يصح أن يوصى لعبده المدبر: وهو الذي علق عتقه بموت سيده؛ لأن الوصية تصادف العبد وقد عتق، ولا تصح له الهبة بناء على القول بأن العبد لا يملك بالتملك، وهي مسألة خلافية .. العاشر: أن الهبة عقد من عقود التمليك، والوصية تكون بالتمليك وبالتفويض بالتصرف، ولذلك يصح أن يوصي لشخص بأن يكون ناظراً على وقفه، وأن يقوم بقضاء حقوقه (١). * * *

стр. 8945

الباب الأول في حكم الهبة وبيان أركانها الفصل الأول في حكم الهبة [م-١٨٢٢] دل الكتاب والسنة والإجماع على استحباب الهبة وما في معناها كالهدية، وهذا هو الأصل في حكم الهبة، وذكر بعض المالكية أن الهبة قد يعرض لها ما يجعلها واجبة كالهبة للمضطر، أو يجعلها محرمة كالهبة لمن يستعين بها على محرم، أو يجعلها مكروهة كالهبة لمن يستعين بها على مكروه (١). وإليك الأدلة على جواز الهبة واستحبابها: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. قال الطبري في معنى الآية: «إن وهب لكم، أيها الرجال، نساؤكم شيئًا من صدقاتهن، طيبة بذلك أنفسهن، فكلوه هنيئًا مريئًا» (٢).

стр. 8946

وقال القرطبي: «يدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكرًا كانت أو ثيبًا جائزة، وبه قال جمهور الفقهاء» (١). الدليل الثاني: (ح-١١٠٠) ما رواه البخاري من طريق المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة (٢). جاء في شرح ابن بطال: «قال المهلب: فيه الحض على التهادى، والمتاحفة، ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهاب الشحناء، واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهل على المهدى لاطراح التكليف» (٣). وذهب بعضهم إلى أن الحديث في الصدقة، وهو تأويل مالك لإدخاله هذا الحديث في باب الترغيب في الصدقة (٤). قال ابن عبد البر: «في هذا الحديث الحض على الصدقة بكل ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها، وفي قول الله ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أوضح الدلائل في هذا الباب» (٥).

стр. 8947

الدليل الثاني: (ح-١١٠١) ومنها ما رواه البخاري من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت (١). الدليل الثالث: (ح ١١٠٢) ما رواه البخاري من طريق عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها (٢). الدليل الرابع: (ح-١١٠٣) ومنها ما رواه عمرو بن خالد قال: حدثنا ضمام بن إسماعيل قال: سمعت موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يقول: تهادوا تحابوا (٣). [حسن بطرقه] (٤).

стр. 8948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8952

الدليل الخامس: من الإجماع، نقله جمع من أهل العلم: قال الزيلعي: «وهي ـ يعني الهبة ـ مشروعة مندوب إليها بالإجماع» (١). وقال ابن الهمام: الهبة عقد مشروع ... وعلى ذلك انعقد الإجماع» (٢). ونقل الإجماع على استحبابها ابن رشد من المالكية (٣)، والماوردي

стр. 8953

وابن حجر الهيتمي من الشافعية (١). وقال إمام الحرمين: «وأصل الهبة مجمع عليه» (٢). وقال العمراني في البيان: أجمع المسلمون على استحبابها» (٣). الدليل السادس: لما كانت الهبة من صفات الكمال وصف الله بها نفسه، ولله المثل الأعلى: قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ [ص: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى:٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. فالله هو الوهاب، يهب للمؤمل فوق ما يؤمل، ويعطي السائل قبل أن يسأل، وأكثر مما يسأل، قال تعالى: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وإذا اتصف أحد من البشر بصفة الواهب فقد شرف قدره، وارتفعت منزلته، واتصف بصفات الكرام، وأبعد عن الشح والبخل، واكتسب محبة الناس. قال ابن عبد البر: و «العلة فيها استجلاب المودة، وسل سخيمة الصدر،

стр. 8954

ووجده، وحقده، وغله؛ لتعود العداوة محبة، والبغضة مودة، وهذا مما تكاد الفطرة تشهد به؛ لأن النفوس جبلت عليه» (١). «ولقد أحسن القائل هدايا الناس بعضهم لبعض تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى وودا وتكسوهم إذا حضروا جمالا وقال غيره: إن الهدايا لها حفظ إذا وردت أحظى من الابن عند الوالد الحدب» (٢). وفي الصحيحين: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة (٣). وكان من صفة رسول الله ﷺ أنه كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. (ح-١١٠٤) وروى مسلم في صحيحه من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلا سأل النبي ﷺ غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر. فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها (٤). * * *

стр. 8955

الفصل الثاني في أركان الهبة [م-١٨٢٣] اتفق العلماء على أن الإيجاب ركن من أركان الهبة، واختلفوا في غيره: القول الأول: أن الهبة لها ركن واحد، وهو الإيجاب، فتنعقد به وحده، ولكن لا يملكه الموهوب له إلا بالقبول والقبض، فالقبول والقبض لترتب الآثار كانتقال الملك، لا لقيام العقد. وهذا عليه كثير من الحنفية (١). قال الكاساني: «أما ركن الهبة فهو الإيجاب من الواهب، فأما القبول من الموهوب له فليس بركن استحسانًا .... وجه الاستحسان: أن الهبة في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شريطة القبول، وإنما القبول والقبض لثبوت حكمها، لا لوجودها في نفسها، فإذا أوجب فقد أتى بالهبة فترتب عليها الأحكام» (٢). وقال ابن الهمام: «أكثر الشراح هاهنا على أن الهبة تتم بالإيجاب وحده» (٣).

стр. 8956

دليل من قال: ركن الهبة الإيجاب وحده: الدليل الأول: (ث-٢٦٢) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... » (١). [إسناده صحيح]. فانعقدت الهبة بقوله: (كنت قد نحلتك)، إلا أن تمام الملك كان متوقفًا على قبضه، ولم يذكر القبول. الدليل الثاني: (ح-١١٠٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي، أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء، أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم (٢). وجه الاستدلال: فأطلق الراوي ا سم الإهداء، وهي نوع من أنواع الهبة مع أن القبول لم يحصل.

стр. 8957

الدليل الثالث: أن من حلف أن يهب لفلان، فوهب، ولم يقبل فقد بر في يمينه، وهذا بخلاف البيع. الدليل الرابع: أن الهبة نوعان إسقاط وتمليك، وإذا كان الإسقاط كالعتق لا يفتقر إلى قبول، فكذلك التمليك. الدليل الخامس: أن التبرع ليس عقدًا يفتقر إلى الإيجاب والقبول، بل هو من جنس التصرف، كالإبراء، فيتم بالإرادة المنفردة، ويكون ركنه الإيجاب فقط كالعتق. الدليل السادس: أن التصرفات قسمان: قسم يقوم على الإلزام والالتزام، فالقبول هنا يكون ركنًا في وجود العقد؛ لأن العقد ينشئ التزامات متبادلة، كالبائع والمشتري، وبدون القبول لا يمكن أن يطالب المشتري بأي شيء. وأما التصرفات التي تقوم على التبرع، ومنها الهبة فلا يتصور فيها الإلزام، والقابل فيها لا يترتب عليه أي التزام، لهذا نقول: تنشأ بإرادة منفردة من المالك، والقبول من الطرف الآخر إنما لإتمام الملك، وليس ركنًا للانعقاد. القول الثاني: أركان الهبة: الإيجاب والقبول (الصيغة)، وهذا قول زفر وبعض الحنفية (١).

стр. 8958

جاء في مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: «وركنها الإيجاب والقبول» (١). وجه القول بأن القبول ركن: الوجه الأول: أن الهبة عقد تمليك فافتقر إلى الإيجاب والقبول كسائر العقود. ويناقش: بأن الهبة ليست عقدًا، وإنما هي تصرف منفرد، يصدر من المالك، كالإبراء، والإسقاط، والعتق، والوقف. الوجه الثاني: أن تمليك الغير إما أن يكون بسبب شرعي كالإرث، فهذا لا يفتقر إلى قبول، ويدخل الملك جبرًا، وإما أن يكون بفعل الآدمي، كالهبة، والوصية فهذا لا ينعقد بدون قبول الشخص، حتى لا يدخل الشيء في ملك الشخص جبرًا عليه. ويناقش: هناك فرق بين كون الملك في الهبة لا يتم إلا بالقبول، وبين كون القبول ركنًا للانعقاد، فكما أن تمام الملك في الهبة لا يحصل إلا بالقبض، والقبض ليس ركنًا فيه، فكذلك ثبوت الملك في الهبة يفتقر إلى القبول، وإن كان القبول ليس ركنًا فيه. القول الثالث: أركان الهبة أربعة: الصيغة (الإيجاب والقبول)، والواهب، والموهوب له،

стр. 8959

والموهوب. وهذا قول الجمهور (١). واستدل الجمهور على هذا: أما الإيجاب فهو ركن بالاتفاق كما قلنا. وأما القبول فسبق في القول السابق الاستدلال على أن القبول ركن في الهبة. وأما الواهب والموهوب له، ومحل الهبة: فاعتبر الجمهور هذه من الأركان؛ لأن الركن عندهم: هو ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود الهبة يتوقف على الواهب والموهوب له، والشيء الموهوب، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته. وأما الحنفية فيرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الصيغة: الإيجاب وحده، أو الإيجاب والقبول، أما الواهب والموهوب له، ومحل الهبة فهي من لوازم الهبة، وليست جزءًا من حقيقة الهبة، وإن كان يتوقف وجودها عليها. ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطَّردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.

стр. 8960

قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (١). القول الرابع: اعتبر بعض الفقهاء أن القبض ركن أيضًا، وهو قول بعض الحنفية، وبعض الحنابلة (٢). جاء في الإنصاف: «صرح ابن عقيل: أن القبض ركن من أركان الهبة كالإيجاب في غيرها، وكلام الخرقي يدل عليه أيضًا» (٣). وجه القول بأن القبض ركن: أن الهبة تصرف لا يظهر أثره إلا بالقبض، لهذا كان القبض ركنًا في الهبة. ويناقش: إذا كان القبض في عقود المعاوضات الربوية لا يعتبر ركنًا في العقد، وإن كان القبض شرطًا في لزومها واستمرارها على الصحة، فالهبة من باب أولى ألا يكون القبض ركنًا فيها، وإن توقف ثبوت الملك على القبض. الراجح: أن الهبة تتم بإرادة منفردة، وهو الإيجاب وحده؛ لأنه لا يقابلها عوض، إلا أن الملك فيها لا يتم إلا بالقبول، فإذا حصل القبول فإن كل النماء الحاصل بعد الإيجاب يكون من حق الموهوب له، والله أعلم. * * *

стр. 8961

المبحث الأول في اشتراط الفورية بالقبول [م-١٨٢٤] التبرعات نوعان: تبرع معلق بالموت كالوصية، وهذا القبول يتراخى بطبيعة العقد إلى ما بعد الموت، ولا عبرة بالقبول في حياة الموصي. وتبرع منجز في الحياة كالهبة، وركنه الإيجاب بالاتفاق، وأما القبول فقد اختلف في ركنيته كما سبق، والسؤال: هل يشترط أن يكون القبول فوريًا في التبرع المنجز، أو يجوز أن يتراخى القبول، وإذا جاز أن يكون متراخيًا، فهل يجوز أن يتراخى عن مجلس العقد؟ وللجواب على ذلك نقول: إن كان الموهوب له غائبًا، ولم يبلغه الخبر، صح القبول، ولو متراخيًا، ولو طال الزمن. وإن كان حاضرًا في المجلس، فقد اختلف العلماء في اشتراط الفورية في القبول على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا تشترط الفورية في القبول، وهذا مذهب المالكية، وبه قال أبو العباس من الشافعية (١).

стр. 8962

بل صحح المالكية الهبة لمن لم يكن على الوجود وقت الهبة، فإذا وجد، وكان الواهب حيًا لم يفلس، والهبة ما زالت بيده لم تفت، صحت له الهبة، ولا يضر وجود الفاصل الطويل بين الإيجاب والقبول. جاء في فتح العلي المالك: «ومن التزم لمن سيوجد بشيء صح الالتزام إذا وجد الملتزم له، والملتزم حي لم يفلس، وكان الشيء الملتزم به بيده لم يفوته، كما لو قال شخص إن ظهر لفلان ولد فهذه الدار له، أو هذا العبد أو هذا الثوب ونحو ذلك فإن أراد الملتزم تفويته ببيع أو غيره قبل وجود الملتزم له فالظاهر من قول مالك أن ذلك له» (١). دليل من قال: يصح القبول على التراخي: الدليل الأول: لا يوجد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب يدل على اشتراط الفورية في القبول، والأصل عدم الوجوب. الدليل الثاني: أن الواهب قد يرسل بالهبة إلى الموهوب له، فلا يكون القبول متصلًا بالإيجاب. قال القرافي: «ظاهر مذهبنا يجوز على التراخي؛ لما يأتي بعد ذلك من إرسال الهبة للموهوب قبل القبول» (٢).

стр. 8963

الدليل الثالث: أن الموهوب له قد يحتاج إلى التروي في القبول، فإذا ألزمناه القبول على الفور أو الرد فقد يكون عليه ضرر؛ فقد يلحقه منة أو أذى، وقد يتحدث الواهب عند الناس بأنه أهدى إلى فلان كذا وكذا، وقد يكون في مال الواهب شبهة، ولأن بعض الناس لا يرضى أن يأخذ من أحد هبة إلا ويجازيه عليها، فلا يريد الموهوب أن يتحمل مكافأة قد تكلفه أكثر مما أخذ. القول الثاني: تشترط الفورية كالبيع، وهذا مذهب الشافعية (١). قال الشيرازي: «ولا يصح القبول إلى على الفور. وقال أبو العباس: يصح على التراخي، والصحيح هو الأول؛ لأنه تمليك مال في حال الحياة، فكان القبول فيه على الفور كالبيع» (٢). حجة الشافعية في وجوب اتصال القبول بالإيجاب: الحجة الأولى: القياس على البيع، فإذا كان عقد البيع يجب فيه اتصال الإيجاب بالقبول فكذلك الهبة. ويجاب: بأن وجوب اتصال الإيجاب بالقبول في عقد البيع هو موضع خلاف بين

стр. 8964

الشافعية وبين غيرهم من العلماء، وإذا كان الأصل المقيس عليه مختلفًا فيه لم يكن حجة في المقيس، والله أعلم. الحجة الثانية: أن القياس يقتضي وجوب الموالاة بين الإيجاب والقبول، كما يجب الموالاة في رد السلام، كما لو قال كلامًا، وأراد أن يلحق به استثناء، أو شرطًا، أو عطفًا، وجب ألا يكون بينهما فاصل أجنبي، أو فاصل طويل، وكما تجب الموالاة بين الرضعات الخمس، وتجب الموالاة في قراءة الفاتحة، فإن السكوت الطويل يقطع موالاتها. ويرد عليهم: بأن أكثر هذه الأمور تصدر من شخص واحد كالاستثناء، والقراءة، وقد يحتمل من شخصين ما لا يحتمل من واحد، وقد يشدد في باب العبادات ما لا يشدد في غيره، بل إن الحكم يختلف باختلاف الأبواب كما ذكر السبكي، وعقود المعاوضات أضيق من عقود التبرعات، ورب باب يطلب فيه من الاتصال ما لا يطلب في غيره، وقد يغتفر من السكوت ما لا يغتفر من الكلام، ومن الكلام المتعلق بالعقد ما لا يغتفر من الأجنبي، ومن الفاصل بعذر، ما لا يغتفر من غيره، فصارت مراتب (١). القول الثالث: يصح تراخي القبول بشرطين: أن يكون ذلك في المجلس،

стр. 8965

والثاني: ألا يتشاغلا عنه بما يفيد الإعراض عنه كالبيع. وهذا مذهب الحنابلة (١). جاء في الإنصاف: «لو تراخى القبول عن الإيجاب: صح، ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه» (٢). حجة هذا القول: الحجة الأولى: قياس الهبة على عقد البيع عندهم، وإذا كان الإيجاب في الهبة: هو خطاب الواهب للموهوب له، فإن القبول: هو جواب الموهوب له على ما عرضه عليه، وتفرق المجلس فاصل بين الخطابين، فلا يقع الكلام متصلاً، ففي تفرقهما انقطع الخطاب بينهما، فلا يمكن أن يبنى الكلام اللاحق للكلام السابق وإذا انقطع الخطاب فلا بد من إيجاب جديد. قال ابن مفلح: «وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما دام في المجلس ... لأن حالة المجلس كحالة العقد، بدليل أنه يكتفى بالقبض فيه لما يشترط قبضه» (٣). الحجة الثانية: قالوا: القول باعتبار المجلس قول وسط، لأننا إن قلنا: باشتراط الفورية
следующие страницы →