المبحث الأول
في اشتراط الفورية بالقبول
[م-١٨٢٤] التبرعات نوعان: تبرع معلق بالموت كالوصية، وهذا القبول يتراخى بطبيعة العقد إلى ما بعد الموت، ولا عبرة بالقبول في حياة الموصي.
وتبرع منجز في الحياة كالهبة، وركنه الإيجاب بالاتفاق، وأما القبول فقد اختلف في ركنيته كما سبق، والسؤال:
هل يشترط أن يكون القبول فوريًا في التبرع المنجز، أو يجوز أن يتراخى القبول، وإذا جاز أن يكون متراخيًا، فهل يجوز أن يتراخى عن مجلس العقد؟
وللجواب على ذلك نقول:
إن كان الموهوب له غائبًا، ولم يبلغه الخبر، صح القبول، ولو متراخيًا، ولو طال الزمن.
وإن كان حاضرًا في المجلس، فقد اختلف العلماء في اشتراط الفورية في القبول على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا تشترط الفورية في القبول، وهذا مذهب المالكية، وبه قال أبو العباس من الشافعية (١).
стр. 8962
بل صحح المالكية الهبة لمن لم يكن على الوجود وقت الهبة، فإذا وجد، وكان الواهب حيًا لم يفلس، والهبة ما زالت بيده لم تفت، صحت له الهبة، ولا يضر وجود الفاصل الطويل بين الإيجاب والقبول.
جاء في فتح العلي المالك: «ومن التزم لمن سيوجد بشيء صح الالتزام إذا وجد الملتزم له، والملتزم حي لم يفلس، وكان الشيء الملتزم به بيده لم يفوته، كما لو قال شخص إن ظهر لفلان ولد فهذه الدار له، أو هذا العبد أو هذا الثوب ونحو ذلك فإن أراد الملتزم تفويته ببيع أو غيره قبل وجود الملتزم له فالظاهر من قول مالك أن ذلك له» (١).
دليل من قال: يصح القبول على التراخي:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب يدل على اشتراط الفورية في القبول، والأصل عدم الوجوب.
الدليل الثاني:
أن الواهب قد يرسل بالهبة إلى الموهوب له، فلا يكون القبول متصلًا بالإيجاب.
قال القرافي: «ظاهر مذهبنا يجوز على التراخي؛ لما يأتي بعد ذلك من إرسال الهبة للموهوب قبل القبول» (٢).
стр. 8963
الدليل الثالث:
أن الموهوب له قد يحتاج إلى التروي في القبول، فإذا ألزمناه القبول على الفور أو الرد فقد يكون عليه ضرر؛ فقد يلحقه منة أو أذى، وقد يتحدث الواهب عند الناس بأنه أهدى إلى فلان كذا وكذا، وقد يكون في مال الواهب شبهة، ولأن بعض الناس لا يرضى أن يأخذ من أحد هبة إلا ويجازيه عليها، فلا يريد الموهوب أن يتحمل مكافأة قد تكلفه أكثر مما أخذ.
القول الثاني:
تشترط الفورية كالبيع، وهذا مذهب الشافعية (١).
قال الشيرازي: «ولا يصح القبول إلى على الفور. وقال أبو العباس: يصح على التراخي، والصحيح هو الأول؛ لأنه تمليك مال في حال الحياة، فكان القبول فيه على الفور كالبيع» (٢).
حجة الشافعية في وجوب اتصال القبول بالإيجاب:
الحجة الأولى:
القياس على البيع، فإذا كان عقد البيع يجب فيه اتصال الإيجاب بالقبول فكذلك الهبة.
ويجاب:
بأن وجوب اتصال الإيجاب بالقبول في عقد البيع هو موضع خلاف بين
стр. 8964
الشافعية وبين غيرهم من العلماء، وإذا كان الأصل المقيس عليه مختلفًا فيه لم يكن حجة في المقيس، والله أعلم.
الحجة الثانية:
أن القياس يقتضي وجوب الموالاة بين الإيجاب والقبول، كما يجب الموالاة في رد السلام، كما لو قال كلامًا، وأراد أن يلحق به استثناء، أو شرطًا، أو عطفًا، وجب ألا يكون بينهما فاصل أجنبي، أو فاصل طويل، وكما تجب الموالاة بين الرضعات الخمس، وتجب الموالاة في قراءة الفاتحة، فإن السكوت الطويل يقطع موالاتها.
ويرد عليهم:
بأن أكثر هذه الأمور تصدر من شخص واحد كالاستثناء، والقراءة، وقد يحتمل من شخصين ما لا يحتمل من واحد، وقد يشدد في باب العبادات ما لا يشدد في غيره، بل إن الحكم يختلف باختلاف الأبواب كما ذكر السبكي، وعقود المعاوضات أضيق من عقود التبرعات، ورب باب يطلب فيه من الاتصال ما لا يطلب في غيره، وقد يغتفر من السكوت ما لا يغتفر من الكلام، ومن الكلام المتعلق بالعقد ما لا يغتفر من الأجنبي، ومن الفاصل بعذر، ما لا يغتفر من غيره، فصارت مراتب (١).
القول الثالث:
يصح تراخي القبول بشرطين:
أن يكون ذلك في المجلس،
стр. 8965
والثاني: ألا يتشاغلا عنه بما يفيد الإعراض عنه كالبيع. وهذا مذهب الحنابلة (١).
جاء في الإنصاف: «لو تراخى القبول عن الإيجاب: صح، ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه» (٢).
حجة هذا القول:
الحجة الأولى:
قياس الهبة على عقد البيع عندهم، وإذا كان الإيجاب في الهبة: هو خطاب الواهب للموهوب له، فإن القبول: هو جواب الموهوب له على ما عرضه عليه، وتفرق المجلس فاصل بين الخطابين، فلا يقع الكلام متصلاً، ففي تفرقهما انقطع الخطاب بينهما، فلا يمكن أن يبنى الكلام اللاحق للكلام السابق وإذا انقطع الخطاب فلا بد من إيجاب جديد.
قال ابن مفلح: «وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما دام في المجلس ... لأن حالة المجلس كحالة العقد، بدليل أنه يكتفى بالقبض فيه لما يشترط قبضه» (٣).
الحجة الثانية:
قالوا: القول باعتبار المجلس قول وسط، لأننا إن قلنا: باشتراط الفورية
стр. 8966
في القبول كان في ذلك تضييق على من وجه إليه الإيجاب، وعدم إعطائه فرصة للتدبر، وقد يفاجأ بالإيجاب من غير توقع.
فإن رفض فوراً ضاعت فرصته بالتملك.
وإن قبل فوراً ربما كان في قبول الهبة ضرر عليه، كما لو كان الموهوب يحتاج إلى مئونة، أو كان في مال الواهب شبهة، وقد يلحقه من الواهب منة أو أذى، فيحتاج لفترة تأمل.
وإن قلنا: يسمح له أن يتأخر في صدور القبول حتى بعد التفرق، كان في ذلك إضرار بالموجب، وذلك بإبقائه مدة طويلة دون الرد على إيجابه، ومن هنا فالقول بمجلس العقد قول وسط.
وعن هذا قال الفقهاء: إن المجلس يجمع المتفرقات.
ففي إبطال الهبة قبل انقضاء المجلس عسر بالموهوب له، وفي إبقائه فيما رواء المجلس عسر بالواهب، وفي التوقف على المجلس يسر بهما جميعًا، والمجلس جامع للمتفرقات .... فجعلت ساعاته ساعة واحدة، دفعاً للعسر، وتحقيقاً لليسر.
الراجح:
أن عقد الهبة لا يصح قياسه على عقود المعاوضات التي تنشيء إلتزامات متبادلة، فالهبة تنعقد بالإيجاب وحده، والقبول والقبض شرط لترتب أثر الهبة، من انتقال الملك للموهوب له، والهبة لا تلزم بالقبول وإنما تلزم بالقبض بخلاف المعاوضات والتي يثبت الملك فيها بالقبول، وتلزم بالتفرق، فالواهب له الرجوع قبل قبض الموهوب له، سواء قبل الموهوب له أو لم يقبل، وسواء تفرقا أو لم يتفرقا، لهذا أرى أن قول المالكية أقوى الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 8967
المبحث الثاني
انقسام ألفاظ الهبة إلى صريح وكناية
كل ما دل على تمليك العين بلا عوض فهو هبة إن كان في الحياة أو وصية إن كان بعد الموت.
دليل الرضا كصريح الرضا.
دليل القبول كصريح القبول.
تنقسم ألفاظ الإيجاب والقبول إلى صريح وكناية (١).
ويدور الصريح على معنيين لدى الفقهاء:
المعنى الأول:
الصريح بمعنى: الخالص، ومنه قوله في الحديث: (هذا صريح الإيمان)
стр. 8968
أي خالصه (١).
فيكون معنى اللفظ الصريح في الهبة: هو اللفظ الذي يستعمل في الهبة خاصة دون غيره، كقوله في الإيجاب: وهبتك، وأعطيتك، ونحلتك.
وقوله في القبول: قبلت، واتهبت. وهذا يوافق مذهب الشافعية.
المعنى الثاني:
الصريح بمعنى البين الواضح، ومنه قوله: صرح فلان بالقول: إذا بينه وقصد الإخبار عنه.
فيكون معنى اللفظ الصريح في الهبة: ما يفهم منه لفظ الهبة مما يستعمل فيه كثيرًا، وإن استعمل في غيره، مثل جعلته لك، وخذه، وتسلمه، وهو لك (٢)؛ لأن هذه الألفاظ تستعمل في الهبة كثيرًا وفي غيره، إلا أنه اشتهر استعمالها في الهبة، فصارت بينة واضحة في بابها، كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض، ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة، فكان فيه أبين وأشهر منه فيما وضع له، وكذلك في مسألتنا مثله (٣).
وهذا هو مذهب الجمهور في تعريف الصريح من الكناية.
стр. 8969
اللفظ الصريح يتم به إيجاب الهبة بدون توقف على نية الواهب، أو قرائن الحال.
وغير الصريح: لا يعتبر إيجابا للهبة إلا بالنية أو قرائن الحال
وقد بسطت الكلام على ذلك في عقد البيع فارجع إليه إن شئت.
إذا عرف ذلك نأتي إلى ألفاظ الهبة الصريح منها والكناية:
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وتنعقد الهبة بقوله: وهبت؛ لأنه صريح فيه ونحلت؛ لكثرة استعمالها فيه، قال ﵊: أكل ولدك نحلته هكذا (١).
(وأعطيت) صريح أيضا (وأطعمتك هذا الطعام)؛ لأن الإطعام صريح في الهبة إذا أضيف إلى المطعوم؛ لأنه لا يطعمه إلا بالأكل ولا أكل إلا بالملك، ولو قال: أطعمتك هذه الأرض. فهو عارية ; لأنها لا تطعم» (٢).
وفي الفتاوى الهندية: «لو قال: منحتك هذه الأرض، أو هذه الدار، أو هذه الجارية، فهي إعارة، إلا إذا نوى الهبة.
ولو قال: منحتك هذا الطعام، أو هذه الدراهم، أو هذه الدنانير، وكل ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يكون هبة، فإن أضافها إلى ما يمكن الانتفاع به مع
стр. 8970
قيامه حملناها على العارية؛ لأنها الأدنى، وإن أضافها إلى ما لا يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك حملناها على الهبة، كذا في محيط السرخسي» (١).
وجاء في مغني المحتاج: «ومن صريح الإيجاب: وهبتك، ومنحتك، وملكتك بلا ثمن، ومن صريح القبول قبلت ورضيت» (٢).
واعتبر من الكناية قوله: لك هذا، وقوله: كسوتك هذا (٣).
لأن قوله كسوتك هذا الثوب يصلح للهبة ويصلح للعارية، فإن قال: لم أرد الهبة صدق.
والقاعدة في جنس هذه المسائل هي أنه إذا كانت الألفاظ التي قيلت من المملك تفيد تمليك الرقبة فالعقد هبة، وإذا كانت تفيد تمليك المنفعة فهي عارية، وإذا كانت تحتمل المعنيين نظر إلى قرائن الحال، كما ينظر إلى جنس الموهوب، فإن كان الموهوب مما ينتفع به بإتلاف عينه كالدراهم والطعام واللبن فهو هبة، وإن كان مما ينتفع به، وهو قائم العين فقد يكون عارية، والله أعلم (٤).
* * *
стр. 8971
المبحث الثالث
في انعقاد الهبة بالمعاطاة
ما عده الناس بيعًا أو هبة أو إجارة فهو كذلك.
الإيجاب والقبول لا يطلقان إلا على الصيغة القولية فقط عند الجمهور، وأما الصيغة الفعلية فهم يسمونها اصطلاحًا بـ (المعاطاة) ولا يطلقون عليها الإيجاب والقبول، وهذا اصطلاح عرفي، لا علاقة له باللغة (١).
[م-١٨٢٥] وقد اختلف الفقهاء في انعقاد الهبة بالتعاطي.
стр. 8972
القول الأول:
الهبة كغيرها من بيع وإجارة لا تفتقر إلى صيغة، بل تثبت بالمعاطاة، إذا دلت القرينة على إرادة الهبة بهذا الفعل، وهذا قول الجمهور، ورجحه النووي وجماعة من الشافعية، منهم المتولي والبغوي وابن الصباغ.
وسواء كانت المعاطاة من الطرفين، أو كانت الهبة بالقول من أحدهما، والمعاطاة من الآخر، وكل من قال بجواز المعاطاة في عقد البيع فإنه يجريه في الهبة (١).
جاء في أسنى المطالب: «وخلاف المعاطاة في البيع يجري في الإجارة، والرهن، والهبة، ونحوها.
قال في الذخائر: وصورة المعاطاة: أن يتفقا على ثمن ومثمن ويعطيا من غير إيجاب ولا قبول، وقد يوجد لفظ من أحدهما» (٢).
ولم يعتبر الحنفية المعاطاة من أحدهما من قبيل المعاطاة ما لم تكن من الجانبين، لأن المعاطاة مفاعلة كالمخاصمة، والمضاربة لا تكون من طرف واحد. وقد بسطت ذلك في عقد البيع، فارجع إليه غير مأمور.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «كما تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول تنعقد أيضا بالتعاطي أي بإعطاء الواهب وقبض الموهوب له» (٣).
стр. 8973
وقال العمراني: «قال ابن الصباغ: لا تفتقر الهبة، والهدية، وصدقة التطوع إلى الإيجاب والقبول، بل إذا وجد منه ما يدل على التمليك صح؛ لأن النبي ﷺ كان يهدى إليه، فيقبضه، ويتصرف فيه، ولم ينقل في شيء من ذلك أن الرسول أوجب له، ولا أنه قبل. وكذلك: أهدى إلى النجاشي، وكان في أرض الحبشة، وما نقل أن النبي ﷺ أمر بالإيجاب والقبول، وكذلك الناس يدفعون صدقات التطوع، فيقبضها المدفوع إليهم، ويتصرفون فيها من غير إيجاب وقبول، ولم ينكر هذا منكر، فدل على أنه إجماع» (١).
ويقصد بالإجماع هنا الإجماع العملي.
وجاء في الإنصاف: «وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة، من الإيجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها. هذا المذهب ... حتى إن ابن عقيل، وغيره: صححوا الهبة بالمعاطاة، ولم يذكروا فيها الخلاف الذي في بيع المعاطاة ... قال في التلخيص: وهل يقوم الفعل مقام اللفظ؟ يخرج على الرواية في البيع بالمعاطاة، وأولى بالصحة» (٢).
القول الثاني:
لا تصح الهبة ولا الهدية بالمعاطاة كالبيع بل يشترط اللفظ من القادر عليه، وهذا قول في مذهب الشافعية (٣).
стр. 8974
جاء في حاشية الشرواني: «وإيجاب وقبول لفظا من الناطق مع التواصل المعتاد كالبيع» (١).
القول الثالث:
أن هبة المحقرات تصح فيها المعاطاة دون غيرها، اختاره ابن سريج من الشافعية (٢).
القول الرابع:
يشترط الإيجاب والقبول لفظًا في الهبة، ولا يشترطان في الهدية على الصحيح من مذهب الشافعية، بل يكفي البعث من هذا، والقبض من ذاك (٣).
قال النووي: «أما الهبة فلا بد فيها من الإيجاب، والقبول باللفظ، كالبيع وسائر التمليكات. وأما الهدية، ففيها وجهان:
أحدهما: يشترط فيها الإيجاب والقبول كالبيع والوصية، وهذا ظاهر كلام الشيخ أبي حامد، والمتلقين عنه.
والثاني: لا حاجة فيها إلى إيجاب وقبول باللفظ، بل يكفي القبض ويملك به، وهذا هو الصحيح الذي عليه قرار المذهب، ونقله الأثبات من متأخري الأصحاب، وبه قطع المتولي والبغوي، واعتمده الروياني وغيرهم، واحتجوا بأن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله ﷺ فيقبلها، ولا لفظ هناك، وعلى ذلك
стр. 8975
جرى الناس في الأعصار، ولذلك كانوا يبعثون بها على أيدي الصبيان الذين لا عبارة لهم.
فإن قيل: هذا كان إباحة لا هدية وتمليكًا.
فجوابه: أنه لو كان إباحة لما تصرفوا فيه تصرف الملاك، ومعلوم أن ما قبله النبي ﷺ كان يتصرف فيه ويملكه غيره، ويمكن أن يحمل كلام من اعتبر الإيجاب، والقبول على الأمر المشعر بالرضا دون اللفظ، ويقال: الإشعار بالرضا قد يكون لفظًا، وقد يكون فعلًا» (١).
وقد تكلمت على أدلة هذه المسألة في عقد البيع، عند الكلام على البيع بالمعاطاة، وأدلة المسألتين واحدة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والراجح أن الهبة والهدية لا يشترط لها لفظ معين، فتصح بالقول كما تصح بالفعل الدال عليه.
وقد كان النبي ﷺ يهدى إليه، فيقبضه، ويتصرف فيه، ولم ينقل أن من أهدى قدم إيجابًا لفظيًا، ولا من قبل قدم قبولًا لفظيًا.
(ح-١١٠٧) وقد روى البخاري من طريق محمد بن زياد،
عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟، فإن قيل صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل هدية، ضرب بيده ﷺ فأكل معهم (٢).
(ح-١١٠٨) وقد روى البخاري من طريق هشام، عن أبيه،
عن عائشة ﵂:
стр. 8976
«أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، يبتغون بها أو يبتغون بذلك مرضاة ﷺ (١).
ولو كان الإيجاب والقبول شرطا لنقل ذلك نقلًا مشتهرًا فلما لم ينقل دل على أنه إجماع منهم. والله أعلم.
* * *
стр. 8977
المبحث الرابع
في انعقاد الهبة بالإشارة
الإشارة المفهمة المعتادة معتبرة.
إشارة الأخرس المفهمة بمنزلة النطق.
كتابة الأخرس كإشارته.
الكتاب كالخطاب.
الهبة بالإشارة تعتبر من الهبة بالمعاطاة؛ لأن الإشارة ليست كلاماً في وضع الشارع.
قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] مع قوله سبحانه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].
وكان للإشارة أثر في التحريم والتحليل، من ذلك
(ح ١١٠٩) ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة، وفيه، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانا، فنزلنا، فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها. قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها (١).
стр. 8978
[م-١٨٢٦] وهل تصح الهبة بالإشارة من القادر على الكلام؟
اختلف فيها الفقهاء على قولين:
القول الأول:
لا يعتد بالإشارة من القادر على الكلام، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
القول الثاني:
أن الإشارة المفهمة المعتادة معتبرة، ولو كانت من قادر على الكلام، وهذا مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية، وابن القيم.
وقد وثقت ذلك، وذكرت حجة كل فريق في عقد البيع من المجلد الأول، فارجع إليه إن شئت.
[م-١٨٢٧] وأما الإشارة من الأخرس: فإن كانت غير معتادة، ولا مفهمة فإنه لا حكم لها، لا في بيع، ولا هبة، ولا إقرار ولا غيرها (١).
وإن كانت مفهومة ومعهودة يعهدها كل من يقف عليها، كالتحريك برأسه طولًا للموافقة، وعرضًا للرفض، وكان خرسه أصليًا، فإن إشارته صحيحة، وكذا سائر عقوده بلا خلاف.
قال ابن نجيم: «الإشارة من الأخرس معتبرة، وقائمة مقام العبارة في كل شيء: من بيع، وإجارة، وهبة، ورهن، ونكاح، وطلاق، وعتاق، وإبراء، وإقرار، وقصاص، إلا في الحدود» (٢).
стр. 8979
قال النووي: «قال أصحابنا: يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة المفهومة، وبالكتابة بلا خلاف للضرورة، قال أصحابنا: ويصح بها جميع عقوده» (١).
وقال السيوطي: «الإشارة من الأخرس معتبرة، وقائمة مقام عبارة الناطق، في جميع العقود، كالبيع والإجارة، والهبة، والرهن، والنكاح، والرجعة، والظهار. والحلول: كالطلاق، والعتاق، والإبراء، وغيرهما، كالأقارير، والدعاوى، واللعان، والقذف والإسلام» (٢).
وجاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس المعهودة والمفهومة معتبرة شرعًا، فينعقد بها جميع العقود كالبيع، والإجارة، والرهن، والنكاح، ونحوها» (٣).
واعتبر الشافعية في الأصح أن الكتابة من الأخرس كناية، فتصح إن نوى، ولم يشر (٤).
[م-١٨٢٨] وهل يشترط في قبول إشارة الأخرس أن يكون غير قادر على التعبير عن إرادته بطريق الكتابة.
توجه لهذه المسألة الحنفية، ولهم فيها قولان:
القول الأول:
هو المعتمد في المذهب أن وصيته بالإشارة صحيحة، وإن كان قادرًا على الكتابة؛ لأن النطق هو الأصل، فإذا عجز عنه رخص له في غيره.
стр. 8980
قال ابن نجيم كما في غمز عيون البصائر: «واختلفوا في أن عدم القدرة على الكتابة شرط للعمل بالإشارة، أو لا، والمعتمد: لا» (١).
وقال في الهداية شرح البداية: «الإشارة معتبرة وإن كان قادرًا على الكتابة، بخلاف ما توهمه بعض أصحابنا ﵏، أنه لا تعتبر الإشارة مع القدرة على الكتابة» (٢).
القول الثاني:
أن الكتابة أقوى من الإشارة في الدلالة على الإرادة، فلا يصار إلى الإشارة مع قدرته على الكتابة (٣).
قال ابن عابدين نقلًا من كافي الحاكم الشهيد: «فإن كان الأخرس لا يكتب، وكان له إشارة تعرف في طلاقه، ونكاحه، وشرائه، وبيعه فهو جائز .... فقد رتب جواز الإشارة على عجزه عن الكتابة، فيفيد أنه إن كان يحسن الكتابة لا تجوز إشارته» (٤).
وقال ابن الهمام نقلًا من الأصل: «وإن كان الأخرس لا يكتب، وكانت له إشارة تعرف في نكاحه وطلاقه وشرائه وبيعه فهو جائز، فيعلم من إشارة رواية الأصل أن الإشارة من الأخرس لا تعتبر مع القدرة على الكتابة» (٥).
ورده ابن الهمام، وحمله على استواء الإشارة والكتابة من الأخرس، وهذا هو الراجح.
* * *
стр. 8981
المبحث الخامس
في تعليق الهبة وإضافتها إلى المستقبل
المعلق على شرط عند حصول الشرط كالمنجز.
عقود التمليك تقبل التعليق.
تردد العقد بين الإمضاء والفسخ لا يعتبر قمارًا كشرط الخيار.
وقيل:
عقود التمليك لا تقبل التعليق.
تعريف التعليق اصطلاحاً (١).
وربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى بأداة من أدوات الشرط (٢).
مثاله: أن يقول الرجل: وهبتك هذا المال إن قدم زيد، أو هذا لك إن نجحت في الإمتحان، أو يعلق الهبة على رضا فلان، أو على موافقة زيد من الناس.
ومعنى كون الهبة مضافة إلى المستقبل: أي أن آثار الهبة لا يسري مفعولها إلا في المستقبل المضاف إليه، كأن يقول: وهبتك هذا الشيء غدًا، أو في شهر رمضان، أو عند قدوم الحجاج، ونحو ذلك.
стр. 8982
[م-١٨٢٩] وقد اختلف الفقهاء في تعليق الهبة وإضافتها إلى المستقبل على قولين:
القول الأول:
أن الهبة لا تحتمل التعليق، ولا الإضافة إلى المستقبل، وهذا مذهب الجمهور (١).
واستثنى الحنفية والشافعية التعليق الصوري، بأن كان المعلق عليه محققا وقت التكلم كما لو قال: إن كان هذا الشيء ملكي فقد وهبته لك، وهو في الواقع ملكه؛ لأن هذه في الحقيقة صيغة منجزة في صورة معلقة.
ولأن هذا تصريح بمقتضى العقد، فإن الإنسان لا يهب إلا ما يملك، فذكره من باب التوكيد.
واستنثى الشافعية التعليق بصورة: وهبتك إن شئت.
واستثنى الحنابلة ما إذا علق الإيجاب على مشيئة الله، كما لو قال: وهبتك إن شاء الله. وقد ذكرت هذه الصورة في تعليق عقد البيع.
القول الثاني:
يصح تعليق الهبة بالشرط، وإضافتها إلى المستقبل، وهذا مذهب المالكية، وبه قال الحارثي من الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم (٢).
стр. 8983
كما صحح المالكية وابن تيمية وابن القيم تعليق الوقف بالشرط، والوقف من عقود التبرع (١).
قال ابن القيم: «الهبة يجوز تعليقها بالشرط، كما ثبت ذلك في قوله ﷺ : أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك» (٢).
القول الثالث:
تصح الهبة، ويبطل الشرط بناء على أن الشروط الفاسدة لا تبطل العقد، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
دليل من أبطل الهبة بالتعليق:
الدليل الأول:
أن الهبة عقد تمليك، وعقود التمليك لا تقبل التعليق كالبيع، فالتمليكات المالية عدا الوصية سواء كانت واردة على الأعيان كالبيع، والإبراء، أم على المنافع كالإجارة، والإعارة بطريق المعاوضة أم بطريق التبرع كالهبة، لا يصح
стр. 8984
تعليقها على شرط متردد بين الوجود والعدم؛ لأن المليكة لابد أن تكون مستقرة جازمة، لا تردد فيها، وإلا شابهت القمار.
ويجاب عن ذلك:
بأن التعليق يختلف عن القمار، فالقمار يتردد فيه المقامر بين الغنم والغرم، بخلاف التعليق، وإنما يشبه عقد البيع بشرط الخيار، وهو جائز بالإجماع، مع أن العقد يتردد فيه بين الإمضاء، والفسخ.
الدليل الثاني:
أن الهبة عقد يبطل بالجهالة، فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع (١).
ويجاب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
أن هناك فرقًا بين عقود التبرع وعقود المعاوضات، فالجهالة تؤثر في عقود المعاوضات؛ لأنها قائمة على المغابنة، بخلاف الهبات، فإنها قائمة على الإحسان والرفق.
الوجه الثاني:
القول بأن التعليق ينطوي على جهالة غير مسلم؛ لأن الأمر يؤول فيه إلى العلم، فإن تحقق الشرط فقد تمت الهبة، وإن لم يتحقق لم يتم، وتحققه من عدمه معلوم، وليس بمجهول.
стр. 8985
الوجه الثالث:
لا نسلم أن البيع لا يصح تعليقه، وإذا كان الأصل المقيس عليه مختلفًا فيه لم يكن حجة على المخالف.
دليل من قال: يصح تعليق الهبة:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل يمنع من صحة الهبة إذا علقت على الشرط، والأصل في المعاملات الصحة والجواز.
الدليل الثاني:
(ح-١١١٠) ما رواه البخاري من طريق روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ قال لي: لو قد جاءنا مال البحرين قد أعطيتك هكذا، وهكذا، وهكذا. فلما قبض رسول الله ﷺ وجاء مال البحرين، قال أبو بكر: من كانت له عند رسول الله ﷺ عدة فليأتني، فأتيته فقلت: إن رسول الله ﷺ قد كان قال لي: لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا، وهكذا، وهكذا. فقال لي: احثه، فحثوت حثية، فقال لي: عدها، فعددتها فإذا هي خمس مائة، فأعطاني ألفا وخمس مائة (١).
الدليل الثالث:
(ح ١١١١) ما رواه الإمام أحمد من طريق مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة،
عن أمه أم كلثوم قالت: لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة قال لها: إني قد
стр. 8986
أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى إلا هديتي مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك، قال: وكان كما قال رسول الله ﷺ ، وردت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 8987
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ علق الهبة على رجوعها من النجاشي.
وأجيب بجوابين:
الأول: أن الحديث ضعيف.
الثاني: أن هذا وعد بالهبة، وليس هبة.
ورد هذا:
بأن قوله: (فهو لك) هبة، وليس وعدًا، وعلى فرض أن يكون وعدًا فإن كل هبة معلقة بشرط هي وعد، فلماذا منعتوها.
وهناك أدلة أخرى في المسألة قد استوفيتها في عقد الوقف، ورجحت جواز تعليق العقود، ومنها عقد التبرع، وأجبت عن أدلة المانعين فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
الراجح:
صحة تعليق الهبة بالشرط، ولا يوجد محذور شرعي يمنع من تعليق العقود بالشروط، وإذا صحت الوصية وهي من عقود التمليك القائم على التبرع، والملك فيها معلق على الموت، صح غيرها قياسًا عليها، وكما يصح تعليق الوقف بالشرط على الصحيح، وقد تم بحث هذه المسألة في عقد الوقف، ورجحت جوازه، وأجبت عن أدلة المانعين، فلله الحمد.
* * *
стр. 8988
المبحث السادس
في حكم الوعد بالهبة
الهبة لا تملك إلا بالقبض فالوعد بها من باب أولى.
[م-١٨٣٠] الوعد بالعقد إن كان وعدًا بالبيع لم يلزم قولًا واحدًا عند الفقهاء المتقدمين، وإن قال بلزومه بعض المعاصرين استحسانًا منهم، وهذا خلاف لإجماعهم، وخلافهم لا يخرق الإجماع، وسبق بحث هذه المسألة عند الكلام على صيغة المرابحة للآمر بالشراء في المجلد الثاني عشر.
لأن البيع إذا كان منجزًا لا يكون لازمًا قبل التفرق من المجلس على الصحيح، فما بالك بالوعد بالبيع قبل وقوعه كيف يكون لازمًا؟
[م-١٨٣١] وأما الوعد بالهبة، وهو ما يسمى (الوعد بالمعروف)، فهل يكون لازمًا بمجرد الوعد به، أو لا يلزم إلا بالقبض؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
ذهب الشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية، واختاره بعض المالكية إلى أن الوفاء بالوعد بالمعروف مستحب، وليس بواجب (١).
стр. 8989
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
الدليل الأول:
قالوا: إجماع العلماء على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع بقية الغرماء، ولو كان الوعد مستحقاً لشارك الموعود بقية الغرماء.
الدليل الثاني:
ذكروا بأن العدة إن كانت في عارية لم يجب الوفاء بها؛ لأنها منافع لم تقبض، وفي غير العارية أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض، فلم تلزم، لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض على الصحيح، ولصاحبها الرجوع فيها
الدليل الثالث:
(ث ٢٦٣) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... (١).
[إسناده صحيح]
فهذا الصديق الخليفة الراشد وعد ابنته، ولما لم تقبضه في حال صحته لم ير لزومه، ولو كان مجرد الوعد يجب الوفاء به، لكان ديناً في ذمته، ووجب عليه سدداه.
стр. 8990
القول الثاني:
ذهب الإمام مالك في المشهور من مذهبه إلى أنه يجب الوفاء بالوعد إن خرج على سبب، ودخل الموعود له بسببه في كلفة، أما إذا لم يباشر الموعود السبب فلا شيء على الواعد.
وقال أصبغ: يجب الوفاء بالعدة إذا كانت مرتبطة بسبب، سواء دخل الموعود بسببه في كلفة أو لم يدخل فيه.
مثاله: كما لو قال له: اهدم دارك، وأنا أعدك أن أقرضك ما يعينك على بنائه، أو قال له تزوج: وأنا أقرضك المهر، فعلى قول مالك لا يجب الوفاء إلا إذا باشر الهدم أو دخل في كلفة الزوج.
وعلى قول أصبغ: يجب الوفاء ولو لم يباشر الهدم أو يدخل في كلفة الزواج (١).
وجه قول المالكية:
أن مذهب المالكية مبني على عدم وجوب الوفاء بالوعد، إذ لو كان الوفاء بالوعد لازمًا لم يكن ثمة فرق بين أن يكون الوعد مرتبطاً بسبب، أو ليس مرتبطاً به، ولكنه قضى به؛ لأنه تسبب له في إنفاق مال قد لا يتحمله، ولا يقدر عليه، دفعاً للضرر عن الموعود المغرر به، وتقريراً لمبدأ تحمل التبعة لمن ورطه في ذلك، وقد نبه على ذلك العلامة محمد العزيز جعيط (٢).
стр. 8991
وقال مصطفى الزرقاء في بيان وجه قول المالكية: «وهذا وجيه جداً؛ فإنه يبني الإلزام بالوعد على فكرة دفع الضرر الحاصل فعلاً للموعود من تغرير الواعد» (١).
القول الثالث:
ذهب الحنفية إلى أن الوعد لا يكون لازماً إلا إذا كان معلقاً (٢).
مثاله: أن يقول رجل لأخر: بع هذا الشيء على فلان، وإذا لم يعطك ثمنه، فأنا أعطيك إياه. فإذا لم يعطه المشتري الثمن لزم الواعد أداء الثمن المذكور.
أما إذا كان الوعد وعداً مجرداً، أي غير مقترن بصورة من صور التعاليق، فلا يكون لازماً.
مثال ذلك: لو باع شخص مالا من آخر بثمن المثل، أو بغبن يسير، وبعد أن تم البيع، وعد المشتري البائع بإقالته من البيع، إذا رد له الثمن، فلو أراد البائع استرداد المبيع، وطلب إلى المشتري أخذ الثمن، وإقالته من البيع، فلا يكون المشتري مجبراً على إقالة البيع، بناء على ذلك الوعد; لأنه وعد مجرد.
كذلك، لو قال شخص لآخر: ادفع ديني من مالك، والرجل وعده بذلك، ثم امتنع عن الأداء، فلا يلزم بوعده هذا أن يؤدي عنه دينه.
стр. 8992
وجه قول الحنفية:
قالوا: إذا كان الوعد معلقاً يظهر منه معنى الالتزام، كما في قوله: إن شفيت أحج، فشفي، ولو أقال: أحج لم يلزمه بمجرده (١).
الفرق بين قول الحنفية وبين قول أصبغ:
أن ما ذهب إليه الحنفية مرتبط ارتباط الشرط بمشروطه، بخلاف ما ذهب إليه أصبغ:
يتضح ذلك من خلال المثال الآتي، لو قال رجل: أريد أن أتزوج، فهل تسلفني، فقال: نعم، لزم الوفاء على قول أصبغ؛ لأن الوعد ارتبط بسبب، ولم يلزم على قول الحنفية لأن الوعد لم يرتبط بالتعليق.
القول الرابع:
ذهب القاضي سعيد بن أشوع الكوفي، وابن شبرمة، واختاره بعض المالكية إلى وجوب الوفاء بالعدة، وأنه يقضى بها مطلقاً (٢).
وقد استدلوا بأدلة منها:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣].
стр. 8993
وجه الاستدلال:
أن الواعد إذا لم يف بوعده، فقد قال ما لم يفعل، فدخل في مقت الله، وهو أشد البغض، وهذا يقتضي أنه كبيرة، وليس الأمر مقتصراً على التحريم فقط.
ونوقش:
بأن المقصود في الآية: الذين يقولون ما لا يفعلون في الأمور الواجبة كالجهاد والزكاة، وأداء الحقوق، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٦، ٧٧].
وأجيب:
بأن العقاب إنما كان على إخلافهم الوعد نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه، وأما الواجبات فهي واجبة قبل الوعد، ولا يزيدها الوعد إلا توكيداً.
الدليل الثاني:
(ح ١١١٢) حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا واعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. متفق عليه (١).
ونوقش الاستدلال بالحديث:
المقصود بالحديث: إخلاف الوعد بأمرٍ واجبٍ، كأداء الحقوق، بدليل أن
стр. 8994
إخلاف الوعد ليس مذموماً مطلقاً؛ لأن من وعد بمحرم، فإنه لا يحل له الوفاء به.
وأجيب:
أن الحديث فيه ذم إخلاف الوعد من حيث هو وعد، أياً كان الموعود به، أما الواعد بمحرم فلا يجوز له الوفاء به، لا من حيث إن الوعد لا يجب الوفاء به، ولكن لأن الموعود به محرم.
القول الخامس:
اختار تقي الدين السبكي الشافعي، إلى أن العدة يجب الوفاء بها ديانة لا قضاء، ورجحه فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
قال تقي الدين السبكي الشافعي: «ولا أقول يبقى ديناً في ذمته حتى يقضى من تركته، وإنما أقول: يجب الوفاء تحقيقاً للصدق، وعدم الإخلاف» (١).
قال السخاوي: «ونظير ذلك نفقة القريب، فإنها إذا مضت مدة يأثم بعدم الدفع، ولا يلزم به، ونحوه قولهم: في فائدة القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: تضعيف العذاب عليهم في الآخرة مع عدم إلزامهم بالإتيان بها».
وقال الشنقيطي: «والذي يظهر لي أن إخلاف الوعد لا يجوز ... ولا يجبر به؛ لأنه وعد بمعروف محض» (٢).
стр. 8995
الراجح:
أن الوعد بمجرده ليس له صفة الإلزام، لأن الإلزام هي صفة للعقود اللازمة، فإذا ألزمنا بالوعد فقد حولناه إلى عقد، وإذا كان البيع لو انعقد لم يكن لازمًا إلا بالتفرق، فكيف يكون الوعد لازمًا بالبيع، وهم يتفقون على أنه لم ينعقد.
والوعد في التبرعات كذلك، فإذا كانت الهبة الجازمة لا تلزم إلا بالقبض، ولا تنعقد على الصحيح بمجرد الهبة حتى يقبضها الموهوب له، فكيف يمكن أن يقال: إن الوعد بالهبة أصبح لازمًا بمجرد العقد.
وقول المالكية في الإلزام إذا أدخله في نحو كلفة ليس لأن الوعد عندهم لازم، إذ لو كان الوفاء بالوعد لازمًا لم يكن ثمة فرق بين أن يكون الوعد مرتبطًا بسبب، أو ليس مرتبطًا به، ولكنه قضى به؛ لأنه تسبب له في إنفاق مال قد لا يتحمله، ولا يقدر عليه، دفعاً للضرر عن الموعود المغرر به، وتقريرًا لمبدأ تحمل التبعة لمن ورطه في ذلك. والله أعلم.
* * *
стр. 8996
الباب الثاني
في شروط الهبة
الفصل الأول
في شروط الواهب
الشرط الأول
أن يكون الواهب من أهل التبرع
من صح تبرعه صحت هبته.
[م-١٨٣٢] يشترط في الواهب: أن يكون أهلًا للتبرع.
والواهب لا يتصف بهذه الأهلية إلا إذا كان لا حجر عليه بوجه من الوجوه (١).
وأما المحجور عليه: فلا يملك التبرع، سواء كان محجورًا عليه لحظ نفسه، كالمجنون، والصبي، والسفيه، وهذا بالاتفاق.
أو كان محجورًا عليه لحظ غيره، كالمفلس الذي أحاط الدين بجميع ماله عند من يرى جواز هذا الحجر، وهم جمهور الفقهاء خلافًا لأبي حنيفة.
فأهلية التبرع: يملكها العاقل البالغ الحر الرشيد غير المحجور عليه.
стр. 8997
فأما الصبي والمجنون والسفيه، والمحجور عليه لفلس فهم فاقدون لأهلية التبرع. وكذا لا يملك الولي والأب، والوصي وناظر الوقف ونحوهم لا يملكون التبرع من مال الصغير، ومن مال الوقف.
وفي الشريك والمضارب خلاف في أهليتهما للتبرع يأتي إن شاء الله تعالى بحثه في مبحث مستقل.
* * *
стр. 8998
الفرع الأول
في هبة الصبي والمجنون
جاء في تبيين الحقائق في ذكر شروط الهبة: «أن يكون الواهب عاقلًا بالغًا حرًا» (١).
والعقل والبلوغ والحرية هي صفات الأهلية الكاملة للتبرع.
قال ابن نجيم: «فلا تصح هبة المجنون، والصغير» (٢).
قال الكاساني: «لأنهما لا يملكان التبرع؛ لكونه ضررًا محضًا، لا يقابله نفع دنيوي فلا يملكها الصبي والمجنون» (٣).
فالمجنون فاقد للأهلية الكاملة.
والصغير: يشمل المميز وغيره، فالأول أهليته ناقصة، والثاني معدومة، والشرط أن تكون أهليته كاملة.
وقال القرافي: «الواهب شرطه أهلية التبرع، وعدم الحجر» (٤).
وجاء في نهاية المحتاج: «ويشترط في الواهب كونه أهلًا للتبرع» (٥).
стр. 8999
وقال ابن قدامة: «فأما الهبة من الصبي لغيره، فلا تصح، سواء أذن فيها الولي أو لم يأذن؛ لأنه محجور عليه لحظ نفسه، فلم يصح تبرعه، كالسفيه» (١).
* * *
стр. 9000
الفرع الثاني
في هبة المحجور عليه لفلس
المحجور عليه لفلس: هو الذي قد أحاط الدين بجميع ماله.
[م-١٨٣٣] فإذا أحاط الدين بمال المدين، وطلب الغرماء الحجر عليه وجب على القاضي الحكم بتفليسه، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، وبه قال صاحبا أبي حنفية، خلافًا لإمامهم.
فإذا حجر عليه تعلق حق الغرماء بالمال نظير تعلق حق الراهن بالمرهون، فإذا تصرف في ماله بعد الحجر فإن كان تصرفًا نافعًا للغرماء كقبول التبرعات والصدقات فهذه لا يمنع منها.
وإن كان تصرفه ضارًا بالغرماء، كالهبة والوقف، والإبراء، والإقرار على المال فهذه لا تصح منه عند الجمهور.
وقيل: يقع التصرف صحيحًا موقوفًا على موافقة رب الدين، وهذا مذهب المالكية، وقول عند الشافعية في مقابل الأظهر عندهم، ولما كان الحجر له باب مستقل رغبت في ترك تفصيل هذه المسألة إلى حين بلوغنا ذلك الباب، أسأل الله الوهاب أن يبلغني ذلك بمنه وكرمه.
* * *