← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

الباب الثاني في شروط الهبة الفصل الأول في شروط الواهب الشرط الأول أن يكون الواهب من أهل التبرع من صح تبرعه صحت هبته. [م-١٨٣٢] يشترط في الواهب: أن يكون أهلًا للتبرع. والواهب لا يتصف بهذه الأهلية إلا إذا كان لا حجر عليه بوجه من الوجوه (١). وأما المحجور عليه: فلا يملك التبرع، سواء كان محجورًا عليه لحظ نفسه، كالمجنون، والصبي، والسفيه، وهذا بالاتفاق. أو كان محجورًا عليه لحظ غيره، كالمفلس الذي أحاط الدين بجميع ماله عند من يرى جواز هذا الحجر، وهم جمهور الفقهاء خلافًا لأبي حنيفة. فأهلية التبرع: يملكها العاقل البالغ الحر الرشيد غير المحجور عليه.

стр. 8997

فأما الصبي والمجنون والسفيه، والمحجور عليه لفلس فهم فاقدون لأهلية التبرع. وكذا لا يملك الولي والأب، والوصي وناظر الوقف ونحوهم لا يملكون التبرع من مال الصغير، ومن مال الوقف. وفي الشريك والمضارب خلاف في أهليتهما للتبرع يأتي إن شاء الله تعالى بحثه في مبحث مستقل. * * *

стр. 8998

الفرع الأول في هبة الصبي والمجنون جاء في تبيين الحقائق في ذكر شروط الهبة: «أن يكون الواهب عاقلًا بالغًا حرًا» (١). والعقل والبلوغ والحرية هي صفات الأهلية الكاملة للتبرع. قال ابن نجيم: «فلا تصح هبة المجنون، والصغير» (٢). قال الكاساني: «لأنهما لا يملكان التبرع؛ لكونه ضررًا محضًا، لا يقابله نفع دنيوي فلا يملكها الصبي والمجنون» (٣). فالمجنون فاقد للأهلية الكاملة. والصغير: يشمل المميز وغيره، فالأول أهليته ناقصة، والثاني معدومة، والشرط أن تكون أهليته كاملة. وقال القرافي: «الواهب شرطه أهلية التبرع، وعدم الحجر» (٤). وجاء في نهاية المحتاج: «ويشترط في الواهب كونه أهلًا للتبرع» (٥).

стр. 8999

وقال ابن قدامة: «فأما الهبة من الصبي لغيره، فلا تصح، سواء أذن فيها الولي أو لم يأذن؛ لأنه محجور عليه لحظ نفسه، فلم يصح تبرعه، كالسفيه» (١). * * *

стр. 9000

الفرع الثاني في هبة المحجور عليه لفلس المحجور عليه لفلس: هو الذي قد أحاط الدين بجميع ماله. [م-١٨٣٣] فإذا أحاط الدين بمال المدين، وطلب الغرماء الحجر عليه وجب على القاضي الحكم بتفليسه، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، وبه قال صاحبا أبي حنفية، خلافًا لإمامهم. فإذا حجر عليه تعلق حق الغرماء بالمال نظير تعلق حق الراهن بالمرهون، فإذا تصرف في ماله بعد الحجر فإن كان تصرفًا نافعًا للغرماء كقبول التبرعات والصدقات فهذه لا يمنع منها. وإن كان تصرفه ضارًا بالغرماء، كالهبة والوقف، والإبراء، والإقرار على المال فهذه لا تصح منه عند الجمهور. وقيل: يقع التصرف صحيحًا موقوفًا على موافقة رب الدين، وهذا مذهب المالكية، وقول عند الشافعية في مقابل الأظهر عندهم، ولما كان الحجر له باب مستقل رغبت في ترك تفصيل هذه المسألة إلى حين بلوغنا ذلك الباب، أسأل الله الوهاب أن يبلغني ذلك بمنه وكرمه. * * *

стр. 9001

الفرع الثالث في هبة السكران العقل مناط التكليف السكر من محرم كالسكر من مباح. وقيل: السكر من محرم كالصاحي. [م-١٨٣٤] إذا كان الفقهاء لا يختلفون في اشتراط العقل والبلوغ في صحة الهبة، فهل السكران يلحق بالمجنون، أو يلحق بالعاقل في صحة هبته؟ وللجواب على ذلك نقول: إن كان السكران غير معتد في سكره، كما لو كان السكر نتيجة تعاطيه البنج للتداوي، أو سكر نتيجة خطأ، أو لدفع غصة ونحوها، فإنه بمنزلة المجنون، لا تصح هبته (١). [م-١٨٣٥] واختلفوا في صحة هبة المعتدي في سكره على ثلاثة أقوال: القول الأول: تصح هبة السكران، وسائر تصرفاته، وهذا مذهب الحنفية والشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 9002

قال في المجموع: «وأما السكران فالمذهب صحة بيعه وشرائه، وسائر عقوده التي تضره والتي تنفعه» (١). القول الثاني: لا يصح شيء من تصرفات السكران، ومنه الهبة، وهذا قول أبي يوسف، وأبي الحسن الكرخي، وأبي جعفر الطحاوي من الحنفية (٢)، ومحمد بن عبد الحكم من المالكية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥)، واختيار ابن حزم (٦). القول الثالث: تلزمه الجنايات، والعتق، والطلاق، ولا تلزمه الإقرارات، والعقود من بيع، وإجارة، وهبة وصدقة، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٧). القول الرابع: تلزمه الأفعال، ولا تلزمه الأقوال فيقتل بمن قتل ويحد في الزنا، والسرقة، ولا يحد في القذف، ولا يلزمه طلاق ولا عتق، وهو قول الليث (٨).

стр. 9003

وقد سبق ذكر أدلة هذه المسألة في عقد البيع في المجلد الثاني عند الكلام على خلاف العلماء في بيع السكران، وأرى أن الراجح هو التفصيل: وأن الذي لا يتأثر بالسكر مطلقاً لكونه قد شرب قليلاً منه، أو لكونه قد اعتاد شربه حتى أصبح لا يؤثر في عقله، فهذا لا فرق بينه وبين الصاحي؛ لأن الحكم يدور مع علته، فالعلة هي الخوف من تأثير السكر على العقل، فإذا انتفى التأثير انتفى الحكم. ولذلك قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فجعل غاية النهي هي إدراك ما يقول. وأما من أثر فيه السكر، ولو لم يذهب عقله بالكلية فإنه داخل في الخلاف، فإنه معروف أن من يشرب الخمرة فقد تدفعه إلى الإقدام على الصفقة من غير إدراك لعواقبها، وإن كان لا يزال معه بقية من عقله، وقد تحول البخيل إلى كريم، والجبان إلى شجاع كما قال حسان: ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً ما ينهنهنا اللقاء وقال آخر: فإذا شربت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير وأما الاحتجاج بالآية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وأن السكران لو كان عقله قد ذهب بالكلية لما صح أن يوجه له أمر ونهي، فكيف ينهى عن قربان الصلاة؟ فهذا استدلال ببعض الآية وترك لبعضها، فالآية تقول: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وهو دليل على أن السكران قد يعلم وقد لا يعلم ما يقول هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الآية نزلت في وقت كان شرب الخمر مأذوناً

стр. 9004

فيه، وهي تنهى من يريد شرب الخمر عن شربه في أوقات الصلوات؛ لأن شربه الخمر سيكون سبباً في تركه للصلاة، فهو خطاب للمسلم قبل سكره، لهذا كان بعض الصحابة بعد نزول هذه الآية لا يشرب الخمر إلا بعد صلاة العشاء فلا يصبح إلا وقد ذهب عنه السكر. * * *

стр. 9005

الفرع الرابع في هبة الأب والوصي من مال الصغير كل متصرف عن الغير فعليه أن يتصرف بالمصلحة. [م-١٨٣٦] إذا كان يشترط في الواهب أن يكون أهلًا للتبرع، فهل يتمتع الأب والوصي بهذه الأهلية في مال الصغير، أو أن تصرفهما يكون مقيدًا بالمصلحة، ولا مصلحة بالتبرع؛ إذ هو ضرر محض؟ وللجواب نقول: إن كانت الهبة بلا عوض فلا يملكانها قولًا واحدًا (١). جاء في غمز عيون البصائر: «التبرع غير داخل تحت ولاية الأب» (٢). وجاء في بدائع الصنائع: «الأب لا يملك هبة مال الصغير من غير شرط العوض بلا خلاف .... لأنه لا يقابله نفع دنيوي وقد قال الله عز شأنه ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ولأنه إذا لم يقابله عوض دنيوي كان التبرع ضررا محضا .... فلا يدخل تحت ولاية الولي» (٣). وفي الذخيرة نقلًا من الكتاب: «تمنع هبة الأب من مال ابنه الصغير؛ لأن الله

стр. 9006

تعالى منع التصرف إلا بالتي هي أحسن» (١). وجاء في الشرح الكبير على المقنع: «وليس لوليهما ـ يعني الصبي والمجنون ـ التصرف في مالهما إلا على وجه الحظ لهما، وما لاحظ فيه ليس له التصرف به كالعتق، والهبة، والتبرعات، والمحاباة، لقول الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقوله ﵊: لا ضرر ولا ضرار. رواه الإمام أحمد، وهذا فيه إضرار فإن فعل شيئاً من ذلك، أو زاد على النفقة عليهما، أو على من تلزمهما مؤنته بالمعروف ضمن؛ لأنه مفرط، فضمن كتصرفه في مال غيرهما» (٢). وإذا منع الأب والوصي من إقراض مال الصغير، مع أنه مضمون برد مثله، فهو ممنوع من الهبة التي لا يقابلها عوض من باب أولى. قال في بدائع الصنائع وهو يتكلم عن شروط القرض: «وأما الذي يرجع إلى المقرض فهو أهليته للتبرع، فلا يملكه من لا يملك التبرع من الأب، والوصي، والصبي، والعبد المأذون، والمكاتب؛ لأن القرض للمال تبرع، ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال، فكان تبرعًا للحال، فلا يجوز إلا ممن يجوز منه التبرع، وهؤلاء ليسوا من أهل التبرع، فلا يملكون القرض» (٣).

стр. 9007

وجاء في مطالب أولي النهى: «وشرط كون مقرض يصح تبرعه، فلا يقرض نحو ولي يتيم من ماله» (١). وسبق الكلام على إقراض مال الصغير في عقد القرض، ولله الحمد. [م-١٨٣٧] أما إذا وهب الأب مال ابنه مقابل عوض معلوم ففي المسألة قولان: القول الأول: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف (٢). حجة هذا القول: أن الهبة بشرط العوض هي هبة ابتداء، وبيع انتهاء بشرط اتصال القبض بالبدلين، ولا تفيد الملك قبل القبض، ولو كانت بيعًا ابتداء لما توقف الملك فيها على القبض؛ لأن البيع يفيد الملك بنفسه، وإذا كانت هبة ابتداء لم تصح؛ لأن هؤلاء لا يملكون التبرع؛ وإذا فسد ابتداؤها فسد انتهاؤها. القول الثاني: تصح الهبة بشرط العوض، وهو قول زفر محمد بن الحسن (٣). وجه هذا القول: أن الهبة بشرط العوض بيع، وليست هبة؛ لأن العبرة في العقود بمعانيها، وليس بألفاظها، وإذا كانت بيعًا فإن هؤلاء يملكون بيع مال الصغير.

стр. 9008

جاء في تحفة الفقهاء: «ولو وهب بشرط العوض، وقبل الآخر العوض لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يجوز، فأبو حنيفة اعتبر نفس الهبة، وهي من باب التبرع، ولا يملك الأب ذلك. ومحمد يقول: هذا بمعنى البيع» (١). الراجح: أن الهبة بشرط العوض لها أحكام البيع، والأب والوصي يملكون ذلك. * * *

стр. 9009

الفرع الخامس في هبة الشريك من مال شريكه الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه (١). كل تصرف لا يتضمنه الإذن المطلق، ولا العرف الجاري، ولا فيه مصلحة للشركة فإن الشريك ممنوع منه (٢). [م-١٨٣٨] تكلمنا في السابق عن أهلية الصبي والمجنون والمحجور عليه لفلس، والأب والوصي للتبرع، وخلصنا أن هؤلاء لا يملكون التبرع. ونبحث في هذا أهلية الشريك للتبرع من مال الشركة: وقد اختلف العلماء في تصرفات الشريك إذا كانت على وجه التبرع: القول الأول: جوز الحنفية والمالكية وأحمد في رواية نقلها عنه حنبل التبرع إذا كان في ذلك مصلحة للشركة، كترغيب الناس في الشراء؛ لأن الشريك مأذون له بالتصرف في كل ما هو من مصلحة الشركة. أو كان التبرع يسيراً، ولو لم يكن في ذلك مصلحة للشركة؛ لأن التبرع اليسير مأذون له فيه عرفاً. وأجاز بعض الحنابلة القرض لمصلحة الشركة، والقرض نوع من التبرع؛ لأنه لا يراد للتكسب، ولا يملكه إلا من يصح تبرعه.

стр. 9010

إذا علم هذا فإليك النصوص الدالة على هذا القول. جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ويهدي القليل من الطعام، ويضيف معامليه؛ لأنه من صنيع التجار، وفيه استمالة قلوب المعاملين، وقد صح أنه ﵇ قبل هدية سلمان الفارسي، وكان عبداً. وقال محمد: يتصدق بالرغيف ونحوه، ولم يقدر محمد الضيافة اليسيرة، وقيل: ذلك على قدر مال التجارة» (١). وفي الفتاوى الهندية: له «أن يهدي من مال المفاوضة، ويتخذ دعوة منه ولم يقدر بشيء والصحيح أن ذلك منصرف إلى المتعارف، وهو ما لا يعده التجار سرفاً كذا في الغياثية» (٢). وجاء في شرح الخرشي لقول خليل: «وله أن يتبرع إن استألف به، أو خف» قال الخرشي: «يعني أن أحد شريكي ا لمفاوضة يجوز له من غير إذن شريكه أن يتبرع بشيء من مال الشركة من هبة، ونحوها بشرط أن يفعل ذلك استئلافاً للشركة؛ ليرغب الناس في الشراء منه، وكذلك يجوز له أن يتبرع بشيء خفيف من مال الشركة، ولو كان بغير استئلاف كإعارة آلة، كماعون، ودفع كسرة لسائل، أو شربة ماء، أو غلام لسقي دابة، والكثرة والقلة بالنسبة لمال الشركة» (٣).

стр. 9011

وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا أن يهب من مال الشركة إلا بإذن، ونقل حنبل: يتبرع ببعض الثمن لمصلحة» (١). هذه النصوص في الهبة، وأما القرض، فجاء في الإنصاف: «قوله (ولا يقرض). هذا المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به أكثر الأصحاب ...... وقال ابن عقيل: يجوز للمصلحة. يعني: على سبيل القرض. صرح به في التلخيص وغيره (٢). وجواز القرض مقيد بأن يكون ذلك أصلح للشركة كأن يخاف على مال الشركة، ويكون المستقرض معروفاً بالأمانة ولا يخاف منه الجحود، ومليئاً في حال طلب منه السداد؛ لأن الشريك إذا كان له إيداع المال كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فالإقراض أولى من الإيداع؛ لأن الإيداع غير مضمون على المودع إذا هلك المال بغير تعد منه ولا تفريط بخلاف القرض، خاصة إذا أخذ على القرض رهناً. وقد ذكر الفقهاء أن ولي اليتيم إذا خاف على ماله من السرقة فإن الأفضل في حقه أن يقرضه شخصاً أميناً مليئاً على أن يودعه لدى شخص أمين؛ لأنه في حال القرض يكون المال مضموناً على المقترض بخلاف الوديعة فإنها ليست مضمونة. القول الثاني: لا يصح التبرع مطلقاً، ولو كان يسيراً إلا بإذن شريكه، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واختاره بعض الحنفية.

стр. 9012

جاء في أسنى المطالب: «ليس للعامل التصدق من مال القراض، ولو بكسرة؛ لأن العقد لم يتناوله» (١). وجاء في بدائع الصنائع: «وليس لأحدهما أن يهب، ولا أن يقرض على شريكه؛ لأن كل واحد منهما تبرع. أما الهبة فلا شك فيها. وأما القرض فلأنه لا عوض له في الحال، فكان تبرعاً في الحال، وهو لا يملك التبرع على شريكه، وسواء قال: اعمل برأيك أو لم يقل، إلا أن ينص عليه بعينه؛ لأن قوله: اعمل برأيك تفويض الرأي إليه فيما هو من التجارة، وهذا ليس من التجارة .... وليس له أن يكاتب عبداً من تجارتهما، ولا أن يعتق على مال؛ لأن الشركة تنعقد على التجارة، والكتابة والعتق ليس من التجارة» (٢). وقال ابن قدامة: «وليس له أن يكاتب الرقيق ولا يعتق على مال، ولا غيره ... لأن الشركة تنعقد على التجارة وليست هذه الأنواع تجارة ... وليس له أن يقرض، ولا يحابي؛ لأنه تبرع. وليس له التبرع» (٣). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا أن يهب من مال الشركة إلا بإذن» (٤). سبب الخلاف: أن إطلاق التصرف للشريك بالتصرف محكوم بثلاثة أمور: أحدها: العقد المتضمن الإذن بالتصرف صراحة أو عرفاً.

стр. 9013

الثاني: العرف الجاري بين التجار في عقود الشركات. الثالث: التصرف بما فيه مصلحة للشركة. فكل تصرف لا يتضمنه الإذن المطلق، ولا العرف الجاري، ولا فيه مصلحة للشركة فإن الشريك ممنوع منه. ولهذا نص جمهور الفقهاء بأن الشريك ممنوع من التبرع من مال الشركة إلا بإذن شريكه، فمنعوا الشريك من الهبة، والقرض، والصدقة، والحط من قيمة السلعة بغير عيب؛ لأن كل هذه التصرفات من قبيل التبرع، وهو لا يملك التبرع على شريكه إلا بإذنه، والمقصود بالإذن الإذن الصريح، فلو قال له شريكه: اعمل برأيك لم يكن إذناً؛ لأن قوله هذا يعني تفويض الرأي إليه فيما هو من أعمال التجارة، وهذه التصرفات ليست منها؛ ولأن الربح هو المقصود من الشركة، ولا يحصل الربح بهذه التصرفات. الراجح: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن التبرع: إن كان يسيراً صح مطلقاً. وإن لم يكن يسيراً كان ذلك سائغاً إذا كان فيه مصلحة للشركة، لأن تفويت مصلحة المحافظة على قدر من مال الشركة يصح إذا كان في ذلك جلب مصلحة أكبر للشركة، على قاعدة: تفويت المصلحة الصغرى لجلب مصلحة أكبر، وارتكاب المفسدة الصغرى لدفع مفسد ة أكبر، والله أعلم.

стр. 9014

الفرع السادس في هبة المريض مرض الموت المسألة الأولى في تعريف مرض الموت اختلف العلماء في تعريف مرض الموت. القول الأول: كل مرض يكون الغالب منه الموت، وهذا مذهب الجمهور. جاء في الفتاوى الهندية: «المختار للفتوى: أنه إن كان الغالب منه الموت، كان مرض الموت، سواء كان صاحب فراش أم لم يكن» (١). وقال القرافي: «والمخوف: كل ما لا يؤمن فيه الموت» (٢). وعرفه الخرشي: ما حكم الأطباء بكثرة الموت به (٣). وعرفه الإمام الشافعي: «كل مرض كان الأغلب منه أن الموت مخوف منه» (٤). وقال إمام الحرمين: المرض الذي يخاف منه التلف غالبًا، وقد يرجى البرء منه» (٥).

стр. 9015

القول الثاني: ما يكثر حصول الموت منه، وإن لم يكن غالبًا، وهذا تعريف للحنابلة. وعرفه بعضهم: بأنه كل مرض اتصل بالموت، وكان مخوفًا. ويفهم منه: أن المرض المخوف إذا لم يتصل بالموت فعطيته كصحيح (١). قال ابن تيمية: «ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت؛ لأن أصحابنا جعلوا ضرب المخاض من الأمراض المخوفة، وليس الهلاك غالبًا، ولا مساويًا للسلامة، وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت، فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده، وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه، فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه، ولا يجب أن يكون الموت منه أكثر من السلامة لكن يبقى ما ليس مخوفًا عند أكثر الناس والمريض قد يخاف منه، أو هو مخوف والرجل لم يلتفت إلى ذلك، فيخلط ما هو مخوف للمتبرع وإن لم يكن مخوفا عند جمهور الناس» (٢). وألحق به الجمهور: من ركب البحر، وقد هاج، أو قدم للقتل، والحامل إذا أخذها الطلق (٣). وإذا التقى الصفان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣].

стр. 9016

وأما ما أشكل أمره من الأمراض: فقال الشافعية والحنابلة: ما أشكل أمره من الأمراض يرجع فيه إلى قول الأطباء؛ لأنهم أهل المعرفة. ولا يقبل إلا قول طبيبين مسلمين ثقتين بالغين؛ لأن ذلك يتعلق به حق الوارث، وحق أهل العطايا والوصايا، فلم يقبل فيه إلا ذلك. فلا يثبت بنسوة، ولا برجل وامرأتين؛ لأنها شهادة على غير المال، وإن كان المقصود المال (١). قال ابن قدامة: قياس قول الخرقي: أنه يقبل قول الطبيب العدل إذا لم يقدر على طبيبين (٢). الراجح: أن المرض الذي يكون سببًا في الحجر على المريض في تصرفه في ماله إلا بحدود الثلث، ولغير وارث أن يتوفر فيه وصفان: أحدهما: أن يكون المرض سببًا للموت غالبًا، إما بالاستفاضة، أو بشهادة الأطباء. الثاني: أن يتصل المرض بالموت، والله أعلم.

стр. 9017

المسألة الثانية خلاف العلماء في هبة المريض تصرف المريض مرض الموت في الحكم كالمضاف إلى ما بعد الموت. تصرف المريض فيما يكون فيه إيصال النفع إلى وارثه باطل. الوقف في مرض الموت بمنزلة الوصية في اعتباره من ثلث المال لأنه تبرع. كل تبرع ناجز صدر من صاحبه التام الأهلية في حال صحته لغير ولده فهو نافذ كله لا يتقيد بثلث ولا بغيره. [م-١٨٣٩] إذا مرض الرجل مرضًا مخوفًا، ثم وهب شيئًا من ماله، فإن برئ من مرضه فهباته صحيحة بالاتفاق. قال ابن رشد: «ولا خلاف بينهم أنه إذا صح من مرضه أن الهبة صحيحة» (١). وإن اتصل المرض بالموت، فإما أن تكون هبته لوارث، أو لغير وارث، فإن كانت هبته لوارث لم تصح إلا أن يجيز الورثة، وهل ذلك هبة مبتدأة من الورثة، أو هي هبة من المريض، في ذلك خلاف سبق الكلام عليه في عقد الوصية (٢). (ث-٢٦٤) لما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد

стр. 9018

أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... » (١). [إسناده صحيح]. جاء في المدونة: «فلم ير أبو بكر قبضها في المرض جائزًا لها، ولم ير أن يسعه أن يدفع ذلك إليها إذا لم تقبضها في صحة منه» (٢). [م-١٨٤٠] وإن كانت هبته لغير وارث فقد اختلف الفقهاء فيها على أقوال: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن تبرعات المريض ليست وصية؛ لأنها منجزة في الحال، ولكن لها حكم الوصية، بحيث تنفذ من الثلث، وما زاد على الثلث يحجر عليه فيه، فإن أجاز الورثة أو برئ صح تبرعه (٣). قال الزيلعي: «لأن الوصية إيجاب بعد الموت، وهذه التصرفات منجزة في

стр. 9019

الحال، وإنما اعتبرت من الثلث؛ لتعلق حق الورثة بماله، فصار محجورًا عليه في حق الزائد على الثلث» (١). وقال ابن الهمام تعليقًا على قول بعضهم: الهبة في المرض في حكم الوصية، قال: «إن أراد أن الهبة في المرض في حكم الوصية من كل الوجوه فهو ممنوع، ألا يرى أن الهبة عقد منجز، والوصية في المرض عقد معلق بالموت» (٢). وجاء في الذخيرة نقلًا من الجواهر: «كل تبرع في المرض المخوف فهو محسوب في الثلث، وإن كان منجزًا» (٣). فقوله: (وإن كان منجزًا) هذا هو الفارق الجوهري بين الهبة في المرض، وبين الوصية. ولما ذكر الخرشي التفصيل في هبة المريض، قال: «ليس من تبرعه الذي فيه التفصيل الوصية» (٤). وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة عن هبة المريض: «ليس وصية وإن كان له حكمها» (٥). وذكر الحنابلة خمسة فروق بين هبة المريض وبين وصيته: أحدها: أن العطايا إذا عجز الثلث عن جميعها بدئ بالأول فالأول؛ لوقوعها

стр. 9020

لازمة، فلو شاركتها الثانية لمنع ذلك لزومها في حق المعطي؛ لأن ذلك يعني أنه يملك الرجوع عن بعضها بعطية أخرى، وهذا غير ممكن، والوصية يسوى بين متقدمها ومتأخرها؛ لأنها تبرع بعد الموت، فوجد دفعة واحدة. الثاني: لا يصح الرجوع في الهبة بعد القبض؛ لأنها لازمة في حق الواهب، ولو كثرت، وإنما منع من التبرع بزيادة على الثلث لحق الورثة بخلاف الوصية، فإنه يملك الرجوع فيها؛ لأن التبرع فيها مشروط بالموت فيملك الرجوع قبله. الثالث: أن قبولها على الفور في حال حياة المعطي وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها، ولا ردها إلا بعد الموت. الرابع: أن الملك يثبت في العطية من حينها بشروطها؛ من العلم، وكونها لا يصح تعليقها على شرط، والوصية بخلافه. الخامس: أن الواهب إذا مات قبل تقبيضه الهبة المنجزة، كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا قبضوا، وإن شاؤوا منعوا، والوصية تلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم (١). دليل من قال: له حكم الوصية: الدليل الأول: (ح-١١١٣) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل وهو ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رجلا أعتق ستة

стр. 9021

مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدًا (١). وليس في الحديث ما يدل على تخصيص الحكم بالعتق دون سائر التبرعات، بل هذا من الجمود على الظاهر. قال ابن عبد البر: «أجمع الجمهور من العلماء الذين هم حجة على من خالفهم أن هبات المريض، وصدقاته، وسائر عطاياه ... لا ينفذ منها إلا ما حمل ثلثه» (٢). ونوقش هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن المعتبر في الثلث هو القيمة، وليس العدد، سواء كان الحاصل من ذلك اثنين منهم، أو أقل، أو أكثر. ويجاب: بأن الرسول ﷺ جزأهم ثلاثة أجزاء، وهذا يدل على أنه أقامهم وعدلهم بالقيمة، ويحتمل أن قيمهم متساوية. قال الخطابي في معالم السنن: «عبيد أهل الحجاز إنما هم الزنوج والحبش، والقيم قد تتساوى فيها غالباً أو تتقارب» (٣).

стр. 9022

ولا أحب لطالب العلم أن يعترض على النص الشرعي بالفهم والفقه، بل إن مصدر الفقه والفهم هو التسليم للنص. الوجه الثاني: يرى الحنفية أن هذا الحديث مخالف للأصول حسب فهمهم، لهذا ذهبوا إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه، ويسعى كل واحد في ثلثي قيمته حتى يؤدوه إلى الورثة؛ لأن السيد قد أوجب لكل واحد منهم العتق، فلو كان له مال لنفذ العتق في الجميع بالإجماع، وإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز تصرف السيد فيه، ويسعى كل واحد في ثلثي قيمتة للورثة (١). وخالفهم في ذلك مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث (٢)، فقالوا بمقتضى الحديث، وأما السعاية فهي وردت في معسر أعتق حصته من عبد بينه وبين آخر: (ح-١١١٤) لما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق (٣).

стр. 9023

ولا يجوز أن ترد سنة بمعنى ما في أخرى إذا أمكن استعمال كل واحدة منهما بوجه مختلف عن الأخرى .. والأخذ بالسعاية يجب ألا يدخل ضررًا على الغير، وقد أدخلتم الضرر على الورثة، وعلى العبيد المعتقين. قال الشوكاني نقلًا عن ابن رسلان: «وفيه ضرر كثير، لأن الورثة لا يحصل لهم شيء في الحال أصلا، وقد لا يحصل من السعاية شيء أو يحصل في الشهر خمسة دراهم أو أقل، وفيه ضرر على العبيد لإلزامهم السعاية من غير اختيارهم» (١). الدليل الثاني: (ح-١١١٥) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه، قال: عادني النبي ﷺ عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فأتصدق بشطره؟ قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير؛ إنك أن تذر ذريتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا آجرك الله بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك .... الحديث (٢). وجه الاستدلال: قوله: (أفأتصدق بثلثي مالي) فدل الحديث على أن تبرعات المريض ناجزة، وأنها من الثلث، وليست من رأس ماله.

стр. 9024

قال الطحاوي: «ففي هذا الحديث جعل صدقته في مرضه من الثلث، كوصاياه من الثلث من بعد موته» (١). وأجيب: (ح-١١١٦) قد روى الحديث البخاري من طريق سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد به، وفيه: مرضت فعادني النبي ﷺ ... قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، قلت: أوصي بالنصف، قال: النصف كثير، قالت: فالثلث، قال: (الثلث والثلث كثير .... (٢). ورواه البخاري من طريق عائشة بنت سعد، أن أباها قال: تشكيت بمكة، وفيه: فأوصي بثلثي مالي، وأترك الثلث؟ (٣). قال الحافظ: «التعبير بقوله (أفأتصدق) فيحتمل التنجيز والتعليق، بخلاف أفأوصي، لكن المخرج متحد، فيحمل على التعليق للجمع بين الروايتين» (٤). الدليل الثالث: (ح-١١١٧) ما رواه ابن ماجه من طريق وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم (٥).

стр. 9025

[إسناده ضعيف جدًا، وله شواهد كلها ضعيفة، ويرجى أن يقوي بعضها بعضًا] (١). وجه الاستدلال: أن الحديث يدل بطرقه أن الله تصدق على الإنسان المشرف على الموت التصرف بثلث ماله زيادة في عمله. ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، والضعيف لا حجة فيه. الوجه الثاني: أن الحديث لو صح فهو في الوصية، وليس في هبة المريض، لأن الحديث يذكر صدقة الوفاة، وليس فيه أي ذكر للمرض، فلا يصح الاستدلال. الدليل الرابع: (ث-٢٦٥) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... (٢). [إسناده صحيح].

стр. 9026

وجه الاستدلال: فالهبة كانت في حال الصحة إلا أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فلما مرض خليفة رسول الله قبل القبض أصبحت الهبة في حكم هبة المريض، ولما كانت هبة المريض في حكم الوصية، والوصية للوارث لا تصح، بطلت الهبة، ولو كانت هذه الهبة لغير وارث لنفذت بقدر الثلث، والله أعلم. القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن هبة المريض فيه تفصيل: إن كان ماله مأمونًا، كالأرض، وما اتصل بها من بناء أو شجر، فإن هبته، وعتقه ووقفه، وصدقته تنفذ من الثلث عاجلًا. وإن كان ماله غير مأمون فإنه يوقف، ولو كان دون الثلث، حتى يقوم في ثلثه بعد موته إن وسعه، أو ما وسع منه، وإن برئ مضى جميع تبرعه (١). قال الخرشي في شرحه: «المريض مرضًا مخوفًا إذا تبرع في مرضه بشيء من ماله، بأن أعتق، أو تصدق، أو وقف، فإن ذلك يوقف حتى يقوم في ثلثه بعد موته، إن وسعه، أو ما وسع منه، وإن لم يمت بأن صَحّ مضى جميع تبرعه، وهذا إذا كان ماله غير مأمون. وأما لو كان ماله مأمونًا، وهو الأرض وما اتصل بها من بناء، أو شجر، فإن ما بتله من عتق، أو تصدق به، وما أشبهه لا يوقف وينفذ ما حمله ثلثه عاجلًا» (٢).

стр. 9027

حجة هذا القول: دليل هذا القول هي أدلة القول السابق، ولا يختلف عن القول السابق، إلا في مسألتين: الأولى: القول السابق اشترط القبض للزوم الهبة، وأما المالكية فلم يشترطوا ذلك، إلا أنه إذا قبضها قبل الموت، وكانت أمواله مأمونة نفذت في الثلث. وسوف نناقش هذه المسألة تحت عنوان مستقل إن شاء الله تعالى. الثانية: التفريق بين الأموال المأمونة وغيرها راجع إلى تقدير الهبة من ثلث مال الواهب. قال ابن عبد البر: «هبة المريض موقوفة؛ ليعلم هل تخرج من ثلثه أم لا، إلا أن يكون له أموال مأمونة، فتكون الهبة إذا علم بخروجها من الثلث نافذة لمن وهبت له إذا قبضها. وإن قبضت الهبة، وصح الواهب كانت في رأس ماله. وما تبعه من الهبات في مرضه، ثم مات منه كانت في ثلثه، قبضت أو لم تقبض إن احتملها الثلث وإلا فما حمله الثلث منها. وإن صح نفذت كلها من رأس ماله، ولو وهبت في صحته، فتأخر إقباضه إياها حتى مات أو مرض رجعت ميراثًا بين ورثته، ولم تكن في ثلث، ولا في غيره، سواء كانت لوارث أو لاجنبي. القول الثالث: فرق الظاهرية بين عتق المريض وبين هباته وصدقاته وما يعطيه، فقالوا في

стр. 9028

عتق المريض: ينفذ منه الثلث، وأما هباته وصدقاته وما يهديه وهو حي فنافذ ذلك كله (١). حجة هذا القول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وجه الاستدلال: أن الأمر في الآية مطلق، فلم يخص صحيحًا من مريض، ولا حاملًا من حائل، ولا آمنًا من خائف، ولا مقيمًا من مسافر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ولو أراد الله تعالى تخصيص شيء من ذلك لبينه على لسان رسول ﵊. الدليل الثاني: أن المريض لو أنفق ماله في ملاذه وشهواته اعتبر ذلك من رأس ماله، فأولى أن يكون من رأس ماله ما يتقرب به من عتقه وهباته ومحاباته. الدليل الثالث: استصحاب الحال: وذلك أنهم لما اتفقوا على جواز هبته في الصحة وجب استصحاب حكم الإجماع في المرض إلا أن يدل الدليل من كتاب أو سنة بينة، ولا دليل في التفريق بين حال الصحة وحال المرض.

стр. 9029

الراجح: أن عطية المريض مرض الموت إذا اتصل بالموت، وكان الموهوب له قد قبض الهبة فإنها نافذة في الثلث، فهي تأخذ حكم الهبة من حيث لزومها بالقبض، وبقيت شروط الهبة، ولها حكم الوصية من حيث نفوذ تصرف الواهب في ماله حيث يكون محجورًا عليه أن يتصرف في ماله تصرفًا يحرم الوارث من هذا المال، ولهذا لو طلق زوجته في مرض موته لم تحرم من الميراث لاتهامه بحرمانها، والله أعلم. * * *

стр. 9030

المسألة الثالثة في هبة المريض إذا لم يكن له وارث [م-١٨٤١] إذا وهب الرجل المريض ماله لآخر، وقبض الهبة، ولم يكن له وارث، فهل تصح الهبة بجميع ماله، أو تصح بمقدار الثلث فقط؟ اختلف العلماء في ذلك: القول الأول: إذا لم يترك الواهب وارثًا فإن الهبة صحيحة نافذة، ولو كانت أكثر من الثلث، بل ولو استغرقت كل ماله. وهذا مذهب الحنفية، وبه قال الحنابلة والمالكية في أحد القولين في الوصية، والهبة في المرض في التنفيذ معتبرة بالوصية (١). جاء في مجلة الأحكام العدلية: «إذا وهب من لا وارث له جميع أمواله لأحد في مرض موته وسلمها تصح وبعد وفاته ليس لأمين بيت المال المداخلة في تركته» (٢). القول الثاني: إن وهب أكثر من الثلث، ولا وارث له صح في الثلث فقط، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة (٣).

стр. 9031

وقد ذكرنا أدلتهم في عقد الوصية، والهبة في المرض معتبرة بالوصية، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد. * * *

стр. 9032

المسألة الرابعة في اشتراط القبض في هبة المريض [م-١٨٤٢] إذا وهب الرجل شيئًا من ماله فلم تقبض الهبة حتى مات، فإن كان الواهب صحيحًا بطلت الهبة في قول عامة أهل العلم. وإن كان الواهب مريضًا فاختلف العلماء في بطلان الهبة بفوات القبض على ثلاثة أقوال: القول الأول: يشترط القبض في هبة المريض كالهبة من الصحيح، وهذا مذهب الجمهور، وقول في مذهب الحنابلة (١). قال السرخسي: «ولا يجوز هبة المريض، ولا صدقته إلا مقبوضة، فإذا قبضت جازت» (٢). وجاء في الحاوي: «إذا وهب لأجنبي في مرضه الذي مات منه هبة، فإن لم يقبضها حتى مات فالهبة باطلة؛ لأنها لا تتم إلا بالقبض. وإن أقبضه قبل الموت صحت الهبة، وكانت من الثلث تمضي إن احتملها الثلث، ويرد منها ما عجز الثلث عنه» (٣).

стр. 9033

القول الثاني: إذا مات الواهب المريض قبل إقباض الهبة، فالهبة صحيحة، وتأخذ حكم الوصية، وبه قال ابن أبي ليلى، وهو مذهب المالكية (١). قال أبو عبد الله الفاسي: «إذا تصدق وهو مريض مرضًا مخوفًا، واستمر مريضًا إلى أن مات، فإن الصدقة تبطل لحق الورثة في المال، وتصير وصية تخرج من الثلث بعد أن كانت من رأس المال، وتجري عليها أحكام الوصية فإن كانت بالثلث فأقل لغير وارث نفذت، ولا تفتقر لحوز» (٢). القول الثالث: أن الوارث بالخيار بين إمضائها بالعقد الماضي أو المنع، وهذا أحد القولين في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٣). جاء في الحاوي: «لو مات الواهب قبل القبض ففيها قولان: أحدهما: أن وارثه بالخيار بين إقباضها بالعقد الماضي أو المنع .... » (٤). وجاء في المغني: «الواهب إذا مات قبل تقبيضه الهبة المنجزة، كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا قبضوا، وإن شاؤوا منعوا، والوصية تلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم» (٥).

стр. 9034

سبب الخلاف: الهبة في مرض الموت مترددة بين الوصية وبين الهبة، فكونها ناجزة في الحال، فهي هبة، وكونها لا تصح للوارث، وتصح لغيره بقدر الثلث فأقل إلا أن يجيز الورثة فهي وصية، فالجمهور غلبوا جانب الهبة، فاشترطوا القبض؛ لأنها ناجزة في الحال، وليست متوقفة على موت الواهب، والمالكية غلبوا جانب الوصية لكونها لا تصح لوارث، وتخرج من الثلث، وأرى أن قول الجمهور أقوى؛ لأن الصيغة هبة منجزة، وكونها لا تنفذ إلا بحدود الثلث ليس لأنها وصية، وإنما لردع الواهب حتى لا يحرم الوارث قبل موته. وأما وجه من قال: إن الوارث بالخيار إن شاء أمضاها بالعقد الماضي، وإن شاء ردها، فلعله رأى أن في هذا شبهًا في تصرف الفضولي الموقوف على إجازة المالك، والمالك ا لحقيقي هو الوارث، فكان الخيار له، والله أعلم. * * *

стр. 9035

الفرع السابع في هبة الحامل [م-١٨٤٣] اختلف الفقهاء في حكم هبة الحامل على خمسة أقوال: القول الأول: هبة الحامل من رأس المال ما لم يضربها المخاض، فإذا ضربها المخاض فعطيتها من الثلث، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). جاء في البناية: «والحامل إذا ضربها المخاض، وهو الطلق يكون تبرعها من الثلث» (٢). وفي الأم: «والحامل يجوز ما صنعت في مالها، ما لم يحدث لها مرض مع حملها، أو يضربها الطلق فإن ذلك مرض مخوف» (٣). وجه من قال: إذا ضربها الطلق صار مخوفًا: أن المرأة لا تخاف الموت من مجرد الحمل، والآلام منه لا تكون مخوفة حتى يضربها الطلق، فأشبهت صاحب الأمراض الممتدة قبل أن يصير صاحب فراش.
следующие страницы →